الإسم:

البريد الإلكترونى:
 
نهائيات الآيات (الفواصل) للشيخ عدنان عبدالقادر
 
سورة آل عمران:
يقرأ الآية "هو الذي أنزل الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ….إلى آخر هذه الآيات" وقال الله عز وجل قبل ذلك "….. وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد (4)". قد يتساءل البعض لِمَ انتهت الآية "وأنزل التوراة والإنجيل" ثم ابتدأت الآية التي بعدها "من قبل هدى للناس"؟ كان من الممكن أن يقول الله عز وجل "وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان" عندها تنتهي الآية فهذا متوقع جملة كاملة، ولكن "وأنزل التوراة والإنجيل" انتهت الآية ثم "من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان" فلِمَ انتهت الآية هكذا؟
سورة الواقعة:
يقرأ قول الله عز وجل "قل إن الأولين والآخرين & لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم &" فلِمَ انتهت الآية عند "قل إن الأولين والآخرين" ولم يقل "قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم"، فلِمَ انتهت الآية هكذا في منتصف الجملة؟
ربما يتساءل كذلك الإنسان عندما تنتهي الآية بنهاية معينة مثال:
سورة مريم:
أغلب آيات سورة مريم تنتهي بحرفي الياء والألف، قال تعالى "ذكر رحمة ربك عبده زكريا & إذ نادى ربه نداءاً خفيا & قال رب إنّي وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً…إلى آخر هذه الآيات" ثم يقول الله عز وجل بعد ذلك عن قصة مريم "واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا & فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليه روحنا فتمثل لها بشرا سويا &" فلِمَ تنتهي أغلب آيات سورة مريم بحرفي الياء والألف؟
وهذا الشعور توصل إليه أهل الشعور والإحساس المرهف خاصاً من قبل الشعراء، فلذلك  الشعراء استفادوا بهذا الفائدة من كتاب الله عز وجل فاستخدموا هذه الفائدة في أشعارهم، لذلك الإنسان الحزين والحنون دائما أو غالباً ما تنتهي أبياته بالألف، كأنّ هذا الشعور مستمر وهو الشعور بالحزن، كما في شعر ابن زيدون مثلاً يقول في حق الولاّدة وهو شعور ممتد فيه حزن:
أضحى الثناء  بديلا من تدانينا ،،،،،، وناب عن طيب لقيانا تجافينا
إن الزمان مازال يضحكنا،،،،،،،،،،، أنساً بقربكم قد عاد يبكينا
بنتم وبنّا فما ابتلت جوانحنا،،،،،،،،، شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا،،،،،،،،، يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت،،،،،،،،،،، سوداً وكانت بكم بيض ليالينا
لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيرنا،،،،،،،،، إن طالنا غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاّ منكم،،،، ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلاً عنك يشغلنا،،،،،، ولا اتخذنا بديلا منك يسنينا
يا نسيم الصبا بلغ تحيتنا،،،،،،،،،، من لو على البعد حياً كان يحينا
ما ضر أن لم نكن أكفاءه شرفاً،،،، وفي المودة كافٍ من تكافينا
إلى آخره
فاستخدم حرف الألف كأنه نداء، ولكن صاحب الشعور المرهف أكثر إظهار فهو في الحقيقة قيس كما يسمى بمجنون ليلى، فهو بالفعل استفاد من سورة مريم، وذلك إن هذه السورة موضوعها عن الحزن، فهو بالفعل حزين، في حق زكريا كان يشعر بنوع من الحزن فلم يرزقه الله بالولد، فكيف بمريم فمصيبتها أكبر وأشد، فهي امرأة صاحبة دين وخُلُق فقد تبتلت وترهبت لله عز وجل وأخذت لها مكان في المسجد تتعبد فيها، وفجأة يأتيها جبريل عليه السلام فيقول لها: أنها ستحبل في عيسى دون أب فقالت: كيف؟ قال تعالى:" فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويّا& قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيّا& قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيّا& قالت أنّا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكن بغيّا&". فلاحظوا هذا الشعور لامرأة من أعف النساء تحمل وتلد أمام الناس دون زوج فكيف سيكون شعورها؟ فقد شعرت بالألم والحزن وبشدة المصيبة فكأنها أخذت تنادي، فلذلك انتهت الآية بالألف، وأضف على هذا انتهت بالياء والألف، فالياء حرف نداء، فكأنها تنادي يا الله يا منجد أنقذني من هذا الموقف، فهذا موقف عصيب في حقي، فأخذت تنادي الكل بعد الله عز وجل أن ينجدها، وأضف على هذا لم تقل ياء فقط ولكن شددت على الياء كأن مصيبة دخلت في جوف مريم فشعرت أن هذه المصيبة تشعبت في جميع أحشاءها، ثم خرجت بصرخة لم تستطع أن تتحمل هذا "فبثـّته" أي بثـّت هذه المصيبة، لذلك قالت: "أنّا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكن بغيّا" فلاحظوا هذا التشديد، "قال كذلك" قال الأمر كذلك فعلا أنت لست بغيّا "قال كذلك قال ربك هو عليّ هين ولنجعله آية للناس ورحمة منّا وكان أمراً مقضيّا& فحملته فانتبذت به مكاناً قصيّا فأجاءها المخاض إلى جذع النخل قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيّا& فناداها من تحتها ألا تحزني وقد جعل ربك تحتك سريا"، فالشاهد من هذا أن الآية كلها حزن وحنان وعطف وطيبة فانتهت بذلك بالياء والألف. وفعلا قد استخدمها قيس في حق ليلاه فأخذ يذكر في حقها مجموعة من البيات فبما يشعر هو من الحزن والضعف في حق تلك المخلوقة فمن جمال هذه الأبيات أخذ علماء السلف يتمثلون بهذه الأبيات في حق الله عز وجل ومن هذه الأبيات:
سقى الله جارات لليلى تباعدت،،،،،،، بهن النوى حيث احتللن المطاليا
قليليّ لا والله ما أملك البكا،،،،،،،،،،، إذا علموا من أرض ليلى بذاليا
خليليّ لا والله لا أملك الذي،،،،،،،،،، قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
وقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل،،،، بيَ النقض والإبرام حتى علانيا
فيا ربي سوي الحب بيني وبينها،،،، يكون كفافاً لا عليّ ولا ليا
فما طلع النجم الذي يُهتدى به،،،،،،، ولا الصبح إلا هيجا ذكرها ليا
فأشهد عند الله أني أحبها،،،،،،،،،،،، فهذا لها عندي فما عندها ليا
وأخرج من بين البيوت لعلني،،،،،،، أحدّث عنك النفس يا ليل خاليا
أحب من الأسماء ما وافق اسمها،،،، وأشببه أو كان منه مدانيا
وتُجرِم ليلى ثم تزعم أنني،،،،،،،،،، سلوت ولا يخف على الناس ما بيا
يقول أناس علّ مجنون عامر،،،،،،، يروم سلواً قلت إني لما بيا
ثم قال بعد ذلك:
إذا اكتلحت عيني بعينك لم تزل،،،، بخير وجلّت غمرة عن فؤاديا
ثم قال بعد ذلك:
إذا نحن أدلجنا وأنتِ أمامنا،،،،،،،،،،،، كفى لمطاينا بذكراك هاديا
بكت نار شوق في فؤادي فأصبحت،،،، لها وهج مستضرم في فؤاديا  
في الحقيقة أبيات كثيرة ولكن جميلة، فهي تنم عن شعور قيس في حق ليلاه من مصيبة ونحب وحزن، واستخدم هذه النهايات لأن في سورة مريم قد انتهت بالياء والألف فاستخدمها في مثل هذه. وعلماء السلف تمثلوا بأبياته بحق الله عز وجل مثلا قوله:
وأخرج من بين البيوت لعلني،،،،،،، أحدث عنك النفس يا رب خاليا
كان يتمثل بها الشيخ الإسلام ابن تيمية.
وكذلك:
وما طلع النجم الذي يُهتدى به،،،،،،، ولا الصبح إلا هيجا ذكره ليا
أي هيجا ذكر الله عز وجل. وقد سبقه الله عز وجل بسورة مريم بحيث انتهت بالياء المشددة والألف، والتي تدل على شدة المصيبة. ففي نهاية الآية فعلاً موافقة تماماً لموضوع السورة، فموضوعها موضوع حزن ومصيبة وحنان وألم.
سورة القمر:
تنتهي هذه بالراء، ففيها من الشدة، والعذاب وغلظة والاستمرار. قال تعالى:" اقتربت الساعة وانشق القمر& وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" ثم ذكر الله بعد ذلك عذاب الأقوام (نوح، وعاد، وصالح، ولوط) وهذه الأنواع من العذاب يستحق نوع من الشدة، فتنتهي بأحرف فيها الشدة، فحرف الراء إذا كان مسكّن كأننا نكرر الحرف، فهذا إشارة لتكرار العذاب. وأضف على هذا إذا كان حرف الراء الساكن قبله ضمة أو كسرة معناه أنه شيء شديد ومكرر ومستمر. فقال الله تعالى في حق قوم نوح:" ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر" أي مستمر هذا الماء بالنزول، ونزل بشدة حتى قال علماء السلف والمفسرون: كأن المطر نزل من السماء كما ينزل الماء من أفواه القِرَب، فهو ينصب صباً مندفعاً منها، كذلك قالوا: منهمر، ماء شديد ومستمر، قال تعالى:" وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قُدِر" أي هذا الأمر مقدر ومستمر إلى أن يهلك قوم نوح. وإذا ما انتقلنا إلى قوم عاد قال تعالى:" كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر& إنـّا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر" أي هذا العذاب مستمر معهم في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة إلى أن يلقون في نار جهنم أعاذنا الله عز وجل منها. ثم قال تعالى:" تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر" آيات شديدة. ثم انتقل الله عز وجل إلى قوم صالح وقال:" كذبت ثمود بالنذر" ثم يقول الله بعد ذلك "إنـّا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر". ثم انتقل الله عز وجل إلى قوم لوط فقال:" كذبت قوم لوط بالنذر& إنـّا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوط نجيناهم بسَحَر”  إلى قوله تعالى:" ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر"، عذاب في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة إلى أن يلقون في نار جهنم. فالموضوع صورة عن العذاب والشدة والغلظة والاستمرار، ولمثل هذه الصورة تحتاج مثل هذه الأحرف فهو حرف الراء وعليه السكون.      
سورة الضحى:
قال تعالى:" والضحى & والليل إذا سجى & ما ودعك ربك وما قلى &" ثم بعد ذلك يصل إلى قول الله تبارك وتعالى "فأما اليتيم فلا تقهر & وأما السائل فلا تنهر & وأما بنعمة ربك فحدّث". لِمَ لَمْ يقل الله عز وجـل "وأما بنعمة ربك فخبّر". لكي تكتمل الفواصل لا تقهر، لا تنهر، فخبّر ولكن الله عز وجل قال فحدّث؟
فسورة الضحى شيء عجـيب فسرتها بنت شاطئ في كتـابها "تفسـير بيـان القرآن"، فالله عز وجـل قال:" والضحى". لِمَ لَم يقل الله عز وجل "والعصر" أو "والظهر" أو "والليل"؟ فلمعرفة ذلك يجب معرفة سبب نزول هذه الآية وهي: أن جبريل عليه السلام انقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أم جميل زوج أبي لهب وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أرى إلا صاحبك قد قلاك (تعني به الله عز وجل أو جبريل عليه السلام) فكأنها تشمت بالنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل قوله:" والضحى & والليل إذا سجى & ما ودعك ربك وما قلى &" فقال تعالى:" والضحى" لِمَ لَم يقل الله عز وجل "والعصر" أو "والظهر" أو "والليل"؟ فمتى يبدأ وقت الضحى؟ يبدأ بعدما ترتفع الشمس بعشر دقائق تقريباً أي بداية الارتفاع، أي هي في ارتفاع. ومتى ينتهي وقت الضحى؟ ينتهي ما قبل انتصاف الشمس. فالشمس في وقت الضحى دائمة الارتفاع إلى أن نصل إلى وقت الظهر. كأن الرسالة المحمدية أو رسالة الإسلام كالشمس على الأرض فهي تنير الأرض، كذلك الرسالة فهي تنير القلوب، وهي دائماً في ارتفاع كالشمس فالإسلام لا يمكن أن ينزل. كذلك في وقت الشدة ينتشر الدين وأيضاً في وقت الرخاء. ثم قال تعالى:" والليل إذا سجى" فالليل للراحة فجبريل قد انقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالإنسان أحياناً يشتغل في النهار بجد وقوة فهو يحتاج إلى وقت يرتاح فيهو يشتاق إلى اللقاء وإلى العمل مرة أخرى. لذلك الانفصال كما يقال: ذره فالتزدد حباً أو زد غباً تزدد حباً، فالإنسان إذا قلل من أي شيء فإنه يُحَب. فهذا إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن جبريل لم ينقطع عنك إلا لكي تشتاق إلى جبريل وتتهيأ مرة أخرى إلى لقائه لأن استمرارية نزول جبريل فأنت إلى حاجة للراحة والتهيؤ لتستعد لمقابلته مرة أخرى كلجوء الإنسان إلى الليل إلى الراحة كي يشتاق للعمل. كذلك الله سبحانه وتعالى لم يقل: والليل إذا غسق أو دخل ولكن قال تعالى:" والليل إذا سجى" أي أقبل الليل رويداً رويدا، فلا نشعر إلا بدخوله فهذا لطف من الله، ففي انقطاع جبريل كأن به لطف. قال تعالى:" ما ودعك ربك وما قلى" تقول بنت الشاطئ: لَمْ يقل الله ما ودّع ربك وما قلاك ولَمْ يقل ما ودعك ربك وما قلاك، لِمَ؟ تقول: لأن الوداع ممكن أن يحصل بين حبيبين، لكن لا يحصل بين حبيبين بأن يقلي أحدهما الآخر بل يحدث بين متخاصمين، فالوداع يمكن أن يحصل بين حبيبين ومع هذا الله عز وجل نفى هذا الوداع فمازلت أنت متصل بالله عز وجل إما عن طريق صلاتك أو عن طريق جبريل أو ما يوحيه الله في قلبك. ثم قال تعالى:" وما قلى" ولم يقل وما قلاك. لِمَ؟ لو قال الله عز وجل: وما قلاك، ربما إن الله عز وجل ما قلاك ولكن ممكن في الأيام المقبلة يقليك. ولكن "وما قلى" أي لا تستحق يا محمد لا في الأيام السابقة ولا اللاحقة ولا في هذه الأيام أن تُقلى. قلى، بفتح الفم أي إلى ما لا نهاية إلى أن تموت وإلى يوم القيامة وإلى الجنة فلن ولم تـُقلَ. وتقل بنت الشاطئ فهذه إشارة أخرى أنه ما قلاك أنت وإنما ما يقلي النبي صلى الله عليه وسلم وكل من سار على نهج النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابك. قال تعالى:" وللآخرة خير لك من الأولى" أي ما سيعطيك الله عز وجل خير لك من الأولى وهي الهداية وهذا القرآن وهذا الوحي. ثم قال تعالى:" ولسوف يعطيك ربك فترضى" ترضى إلى ما لا نهاية فترضى أنت وأصحابك. ثم قال تعالى:" ألم يجدك يتيماً فآوى" لم يقل الله عز وجل فآواك، وذلك أن المعنى آواك أنت وأصحابك إذا ما ساروا على هَدْيـِك، وهنا الإيواء مستمر. ثم قال تعالى:" ووجدك ضالاً فهدى& ووجدك عائلاً فأغنى" ثم بعد ذلك نهى الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر معين وعليه أن يتمسك بهذا الأمر ويستمر في التمسك به فقال تعالى:" فأما اليتيم فلا تقهر"  تقهر الراء المسكنّة أي استمر بأن لا تقهر اليتيم إلى يوم القيامة وإذا ما قهرت سيكون فيه نوع من الشـدة. ثم قال:" وأما السائل فلا تنهر" عندما أتى عبدالله بن أم مكتوم فعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعض الشيء لمجابهة الكفار فقال تعالى:" عبس وتولى& أن جاءه الأعمى& وما يدريك لعله يتزكى& أو يتذكر فتنفعه الذكرى& أما من استغنى& فأنت له تصدى& وما عليك أن لا يتزكى& وأما من جاءك يسعى& وهو يخشى& فأنت عنه تلهى& كلا إنها تذكرة….إلى آخر السورة"، بداية السورة كلام شديد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:" فأما اليتيم فلا تقهر& وأما السائل فلا تنهر& وأما بنعمة ربك فحدّث" لم يقل الله عز وجل فخبّر، وذلك أن حرف الثاء عند لفظه يستخدم الإنسان اللسان والشفتين والأسنان وكأن الرذاذ قد خرج من فمه فإذاً أن حرف الثاء يستخدم للكثرة والانتشار، "فحدّث" أي استمر في التحديث إلى أن تموت ومن بعدك عليه أن يحدّث بهذا.
سورة الأحزاب:
يخبر الله عز وجل عن نجاة المؤمنين ونصرته لهم قال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا & إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظنونا ".
المعرّف باللغة لاتنوَّن من الخطأ أن تقول المساجداً أو المساجدٍ أو المساجدٌ، فالصحيح هو المساجدَ أو المساجدِ أو المساجدُ.فهي معرّفة فلا يحق لنا أن ننونها. الله عز وجل قال:" الظنونا" فألف التعريف موجودة قالوا: من باب موافقة الآيات وموافقة الفواصل التي قبلها والتي بعدها "بصيرا، الظنونا، شديدا" فالآيات كلها تنتهي بالألف فهذه زيادة لا فائدة منها مجرد من باب التغني. فلو كان من باب التغني لِمَ لَمْ يقل الله عز وجل "وأما بنعمة ربك فخبّر" ولكن قال "فحدّث"؟ 
يقول حذيفة رضي الله عنه رأيتنا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر (أي برد) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا رجل يأتيني بخبر القوم (أي يذهب إلى قريش وينظر ما خبرهم مع هذه الريح) جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا ولم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فقال: قم يا حذيفة فائتني بخبر القوم قال: فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم قال: اذهب واتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي(أي لا تهيجهم فقط انظر وارجع) فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمّام أي يمشي بدفء ولا خوف. قال تعالى: "وبلغت القلوب الحناجر" وهذا من شدة الخوف، قال تعالى:" وتظنّون بالله الظنونا& هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدا" وهذا الكلام موجه إلى المؤمنين. ولذلك في رواية أحمد يقول الصحابي رضوان الله عليه:" قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، قد بلغت القلوب الحناجر، وقد زاغت الأبصار فماذا نفعل؟" فهذا دليل على أن الذين تكلموا هم الصحابة.إن ذلك الشعور الذي شعر به المؤمنون كأن الله يحاسبهم به، يجب عليهم عند قراءة هذه الآية أن يقفوا بعد قراءة قوله تعالى:" وتظنّون بالله الظنونا" فلا يتجاوزها المؤمنون حتى يحاسبوا أنفسهم مرة أخرى، كيف شعرتم هذا الشعور؟ وكيف ظننتم هذا الظن بالله عز وجل؟ فهنا وقف لازم، كي يراجع المؤمن نفسه. فلم يقل الله عز وجل: "الظنا"، ولكن قال: "الظنونا"، فالله تعالى قال في حق المنافقين:" وظننتم ظنّ السوْء"، وهو ظن واحد لأن قلوب المنافقين مستسقى على التكذيب، لكن ظواهرهم مختلفة كأن يقول أحدهم كاهن او شاعر أو مجنون فالظاهر مختلف لكن قلوبهم متفقة على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن المؤمنين قلوبهم ليست متفقة على الظن بالله فلم يبين الله ما هذه الظنون، كأنما كانت الظنون مجهولة ولكن الله عز وجل يعلمها ولكنه كتمها. فبالتالي " وتظنّون بالله الظنونا" فظن المؤمن الأول يختلف عن ظن الثاني وهذا الظن أفضى القلب، فلم يدل على الظاهر ولكن أصله القلب، فهم لم يتفقوا على ظن معين، لأن إذا اتفقوا على ظن معين أصبحوا منافقين. كأن الله عز وجل يشير أنه تجاوز عن المؤمنين ولم يتفقوا على شيء معين. فالله عز وجل قال :" الظنونا" كأن الظن عندما وصل القلب طرده المؤمن بسرعة، فكأن خاطرة أتت ثم خرجت. فهذا يدل على عظم الأمر، بأن يقف المؤمن ويحاسب نفسه. وأضف على هذا إنهم لم يتفقوا على ظن واحد، وأضف عليها بأن هذه الظنون لم تتمكن في قلوب المؤمنين وإنما طردت.    
سورة طه:  
قال تعالى:"آمنا برب هارون وموسى" فكل الآيات في سور القرآن "آمنا برب موسى وهارون" إلا التي في سورة طه "آمنا برب هارون وموسى". قالوا من باب موافقة الآيات وموافقة الفواصل ؟ وهذا غير صحيح لو تتبعنا سورة طه كلها ما وجدناها متابعة للفواصل أو الفواصل المتوافقة وخاصة عند مخاطبة السامريي قال تعالى:" قال فما خطبك يا سامري" نجدها تنتهي بالياء، والآية التي بعدها تنتهي بمد الألف فالفاصل نجدها مختلفة.
أريد أن أوضح في هذا الدرس أنه من ناحية موافقة نهايات الآيات أي الأحرف التي تنتهي بها الآيات أو الفواصل، فهذه الأحرف تعطي الجو الروحي لهذه السورة أو موضوع السورة. فالسورة تتكلم عن موضوع ما، يحتاج هذا الموضوع إلى كلمات معينة بل أن تنتهي الآيات بنهايات معينة أي أحرف معينة، فلابد هذا الحرف أن يعطي الجو الروحي لهذه السورة موافق لمعنى السورة. فقبل أن أشرح هذا فلابد أن أشير بعض الشيء في اللغة العربية. اللغة العربية حقيقة هي من أكرم اللغات لذلك الله عز وجل أنزل القرآن عربياً، يقول أحد علماء اللغة وهو ابن جنّي: أحياناً تستعصي علي الكلمة، فأنظر كيف تلفظ هذه الكلمة فأتوصل إلى المعنى. فلنلاحظ مثلاً كلمة جعظري، جواظ، وكلمة رحيم، لطيف، فقد لا يعرف معنى كلمة جعظري، جواظ ولكن يشعر فيها غلظة وشدّة، بعكس كلمة رحيم ولطيف يشعر الإنسان بالحنان واللطف واليسر والسهالة. لذلك ابن القيم رحمه الله عندما تكلم في كتابه "جاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام" يتكلم عن موضوع اللهم يشرح قول:" اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد ..إلخ" فيقول: ما المقصود باللهم؟ قال: يقول بعضهم: اللهم المقصود بها الله، وبعضهم قال: يا الله الذي اجتمعت فيه الأسماء الحسنى والصفات العلى. فيقول ابن القيم: لننظر إلى اللغة، فبطريقة لفظ الحرف تعطيك المعنى، فيقول: اللهم، هي كلمة الله بزيادة حرف الميم، وحرف الميم في اللغة ناتج من اجتماع الشفتين العلوية والسفلى، فالميم ولاحظ الشدة "م" فحرف الميم يدل على الجمع، فقال ابن القيم: ضمّ كلمة تستخدم للجمع ما بين اثنين، ضمّت الأم ابنها. ضم جمع بين اثنين، لماذا؟ لأن حرف الميم استُخدِم وهو ناتج من اجتماع الشفتين العلوية والسفلى، إذاً الميم للجمع إذاً انضم جمع.
لمّ: أي جمع.
أَمّ: اجتمعت مجموعة من الناس (الرجال) حول شخص معين.
غمّ: اجتمعت الغموم، وهمّ: اجتمعت الهموم، لكم، هم، فهذه كلها جمع،
دُم: اجتمعت فيه السواد، اجتمعت فيه جميع الألوان ولكن الأسود يجمع جميع الألوان والأبيض يعكس جميع الألوان.
إذاً الحرف يدل على المعنى، إذاً ما المقصود بكلمة اللهم؟ يقول يا الله من اجتمعت فيه الأسماء الحسنى والصفات العلا، فحرف الميم اجتمعت الأسماء الحسنى والصفات العلا. يقول ابن القيم في كتابه مدارك السالكين عن تفسير أو توضيح منزلة المحبة. لِمَ هذا الشعور الذي يشعر به الإنسان وهذه المودة الموجودة في القلب التي تؤدي إلى تصرفات معينة لم سميت بالحب؟ فلم لم تسمى بكلمة أخرى؟ فالحب هو شعور موجود في القلب ومتأصل فيه ثم بدا على الظاهر، وظهر على الجوارح، فهذه هي المحبة الصادقة،
لو كان حبك صادقاً لأطعته،،،،،  إن المحب لمن يحب مطيعُ
يقول: انظر إلى طريقة لفظ الكلمة كلمة حب فحرف الـ "ح" هو الحرف الوحيد الذي خرج من الجوف بشدة وبقوة. فهما حرفان يخرجان من الجوف الحاء والهاء، فالهاء بسهولة يخرج ولكن الحاء يخرج بشدة، وذلك لأن هذه المودة متأصلة في القلب من الصعب إنها تُنـْزَع. فبداية هذه الكلمة من القلب وهي أقربها إليه ثم بعد ذلك هذه المودة ظهرت على الجوارح فالحرف الذي يظهر على الجوارح حرفان حرف الباء، والميم وكما ذكرنا عن حرف الميم ففيه نوع من الشدة ولكن المعروف أن المحبة ليس فيها شدة ولكن فيها نوع من الود والحنان لذلك نقول "ب" لأن فيها لطف وحنان. فهذه اللغة جميلة، فلذلك لما قال موسى:" رب أرني انظر إليك لم يقل الله عز وجل:" لا أُرى" ولكن قال:" لن تراني" لأن "لا" تعني "لا أُرى" إلى ما لا نهاية في الدنيا والآخرة، و"لا" الفم بها مفتوح أي إلى ما لا نهاية واللسان مازال ممدوداً، ولكن "لن" انتهى اللسان باللهات، فهو نفي للمستقبل لكن نفي له نهاية، أي لن تراني في الدنيا ولكن يوم القيامة سوف تراني، وفعلا يُرى الله عز وجل من قبل المؤمنين يوم القيامة. فباللغة بطريقة لفظها تتوصل إلى معنى الكلمة.   
فالأحرف في نهايات الآيات مناسبة تماماً لموضوع السورة. فقصة الوليد بن مغيرة فهي قصة عجيبة وموافقة لموضوعنا تماماً، ، فالوليد بن المغيرة عندما سمع القرآن، أتاه أبا جهل لأنه سمع أن الوليد بن المغيرة أعجب بالقرآن، فقال له: إن قريش تجتمع الآن لتجمع لك مالاً لتعطيك إياه. قال: لِمَ، وقد علمت قريش أني أكثركم مالاً وولداً؟ فقال أبو جهل: لماذا تذهب إلى محمد؟ فقل بالقرآن قول يسمعه الأول والآخر. فقال الوليد: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله (أي أدق الأمور فيه) لمغدق (بالخير)، وإنه ليعلو (هذا القرآن) ولا يعلا عليه، وإنه ليحطّم ما تحته. فقال أبو جهل: فقل بالقرآن قولا يسمعه الأول والآخر. نظر الوليد، قال: شاعر، قال: والله إني أعلم الناس بالشعر ما هو بشاعر. قال: كاهن، والله إني أعلم الناس بالكهانة ما هو بكاهن. قال: مجنون، قال: إني أعلم بالناس بالجنون ما هو بمجنون. فقدّر التقدير الأول ثم فكّر وقدّر التقدير الثاني ثم فكّر وقدّر التقدير الثالث ثم قال بعد ذلك: إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر. فقال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: "ذرني (أي لا تتدخل، الأمر بيني وبينه) ومن خلقت وحيدا (أي وحيد أبيه، وقد رزقه الله بالأموال والبنين الكثير)& وجعلت له مالاً ممدودا & وبنين شهودا & ومهدت له تمهيدا & ثم يطمع أن أزيد (ثم بعد هذا الكفر يريد أن أزيد، فلم يقل الله عز وجل أزيدا (كممدودا، شهودا، تمهيدا،  امتداد)  فهذا دليل على انقطاع الزيادة) & كلا (لن أزيد، لن أزيده الهداية بعد أن أعرض عن الله عز وجل) إنه كان لآياتنا عنيدا & سأرهقه صعودا & إنه فكر وقدّر (قال: شاعر) & فقتل كيف قدر (قال: كاهن) & ثم قتل كيف قدر (قال: مجنون) & ثم نظر & ثم عبـس وبسر & ثم أدبر واستكبر & فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (يشير ويستهزأ بكتاب الله عز وجل)& إن هذا إلا قـول البشر & سأصليه سقر (للراء المسكنة فيها شدة وغلظة) & وما أدراك ما سقر & لا تبقي ولا تذر & ". هظيل بن عياض كان إنسان صاحب مجون ومن قطاع الطرق ويتتبع النساء وهو في الليل رأى جارية فتتبعها فصعد على الحائط فسمع بقارئ يقرأ :" ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون" فنجده قد شعر بالعظمة فرجع مما كان فيه ووجد له مكان فأخذ يبكي ويبتهل إلى الله عز وجل حتى أخذ على نفسه عهد أن يلجأ عند الكعبة ويتبتل عندها فهذا نذر على نفسه. فلذلك يقول في حق عبدالله بن مبارك:
يا عابد الحرمين لو أبصرت،،، لعلمت أنك في العبادة تلعبُ
فماذا أثر في ابن عياض غير القرآن، فلذلك المستشرقين كانوا يقولون أن هذا القرآن عجيب، فسامعه له باستمرار فلا يمل منه. فإن الإنسان فينا يلهى عن هذه الأمور الصغيرة فكيف بالكبيرة، ولذلك فوضعنا كما قال الله عز وجل:" وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا".
الحمد لله رب العالمين.
عدد القراء : 4468
تاريخ الموضوع: 24 - نوفمبر - 2002 ميلادية
 
Developed By ChromePixel.com
almanhaj@almanhaj.net
1421-1423/2000-2005
المنهج