قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ولم يكن بينهم قتال وإنما أغار عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الماء بعد أن فرّ أكثر مقاتليهم فسبى ذراريهم وأموالهم كما جاء عنه قال: أغار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بني المصطلق وهم غارّون وهذا في صحيح البخاري وكان من جملة السبي في هذه الغزوة جويرية بنت الحارث سيد قومه وكانت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها والمكاتبة هي أن يقول لها لك حريتك على أن تعطيني شيئاً من المال مثل مائة دينار أو مائتين حسب ما يتفق وإياها عليه فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك أدى عنها ثمّ تزوجها صلوات الله وسلامه عليه وهي حرة ولما سمع المسلمون بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تزوج بجويرية اعتقوا من كان معهم من ذراري وسبي بني خزاعة وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد مرَّ أن المنافقين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول.
ووقعت حادثتان من هذا المنافق في تلك الغزوة، أما الحادثة الأولى: فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان معه أجير يقال له جهجاه الغفاري ازدحم هو وسنان بن وبر الجهني (بضم الجيم) على الماء (يعني تخاصما على الماء) فاقتتلا فصرخ الجهني فقال: يا معشر الأنصار ثم صرخ جهجاه وقال: يا معشر المهاجرين. عند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أَبِدَعوة الجاهلية وأنا بين أظهركم (وهذا يدل على أن الناس إلى الآن فيهم من لم يدخل الإيمان قلبه تماماً ففيه بعض أمور الجاهلية وذلك أنه دعا بدعوة الجاهلية وقال يا معشر الأنصار والآخر يا معشر المهاجرين فهذا يريد أن يقوم معه الأنصار والآخر يريد أن يقوم معه المهاجرون بغض النظر عن الحق مع من يكون) ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبدعوة الجاهلية فسماها جاهلية صلوات الله وسلامه عليه دعوها فإنها منتنة فلما سمع عبد الله بن أبي بن سلول بذلك الحدث وهو أن هذا المهاجري قال: يا معشر المهاجرين أمام الأنصاري وهم في بلادهم يعني في المدينة والأنصار كما تعلمون قد آووا المهاجرين وأسكنوهم في منازلهم وزوجوهم من نسائهم وأعطوهم من أموالهم فغضب عبد الله بن أبي بن سلول عند ذلك ثمّ قال أَوَقَد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: سمّن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزُّ منها الأذلَّ ثم أقبل على من حضره فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحول إلى غير دياري.
وسمع زيد بن أرقم وكان شاباً صغيراً فذهب إلى عمه فأخبره فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان عند رسول الله عمر فقال عمر: يا رسول الله مر عباّد بن بشر فليقتله لأن قوله سمّن كلبك يأكلك وقوله ليخرجنّ الأعز منها الأذل عن المهاجرين وشمل معهم سيدهم ورسولهم صلى الله عليه وآله وسلم فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس إنّ محمداً يقتل أصحابه؟ ثم سكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما ارتحل الناس جاء أسيد بن حضير رضي الله تبارك وتعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أما بلغك ما قال صاحبكم؟ أي عبد الله بن أبي بن سلول لأن أسيد بن حضير من رؤوس الأنصار كان سيدا من سادات الأوس. فقال: وما قال؟ فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل. فقال أسيد بن حضير: فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت والله العزيز. ثمّ قال: يا رسول الله ارفق به والله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه يرى أنك استلبته ملكه. ثمّ مشى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالناس أي في رجوعه غزوة بني المصطلق حتى أصبح وصدر يومه ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس ووقعوا نياماً (أي ناموا من شدة التعب وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريدهم أن يتكلموا بهذا الأمر أتعبهم في المشي حتى مجرد أن يصلوا ينامون ولا يتكلمون بهذا الأمر ألا وهو كلام عبد الله بن أبي بن سلول في النبي صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه أما عبد الله بن أبي فلما علم أن زيداً بلّغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخبر ذهب إلى النبي وحلف وقال: والله يا رسول الله ما قلت وإنما كذب علي زيد وقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل فصدقه قال زيد بن أرقم: فأصابني هم لم يصبني مثله قط لأنه كأنه يتهم بالكذب أو بعدم الفهم والأولى أقوى يقول: فجلست في بيتي من الحزن ويقصد في بيته إما أن يقصد المدينة عندما رجع وإما أن يقصد بيته في حال نزولهم في السفر يقول فأنزل الله جلّ وعلا "إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" إلى قوله تعالى "هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يعلمون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يفقهون".
هنا بين الله تبارك وتعالى أن زيداً لم يخطئ رضي الله تبارك وتعالى عنه وإنما أصاب بما قال وأن عبد الله بن أبي بن سلول كاذب في مدعاه عند ذلك أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زيد فقرأها عليه ثم قال له: إن الله قد صدقك أي فيما قلت. وهذا المنافق كان له ولد اسمه عبد الله كاسم أبيه فهو عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وكان رجلاً صالحاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولما بلغه أن والده قال هذا الكلام عن رسول الله وأصحابه وقف في مدخل والده إلى المدينة وقال له أأنت الذي تقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل تريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فوالله لرسول الله هو الأعز وأنت الأذل. فحمية العقيدة طغت على حمية الولادة وقدم حمية عقيدته على حمية ولادته ثم قال: والله لا تدخل إلى المدينة إلا وأنا قاتلك أو يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. عند ذلك أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتركه ودخل إلى المدينة.
حادثة الإفك:
الحادثة الثانية العظيمة التي وقعت في هذه الغزوة ألا وهي حادثة الإفك. والإفك عظيم الكذب والافتراء وهذه الحادثة من كتاب صحيح الإمام البخاري رحمه الله تبارك وتعالى قال رحمه الله تبارك وتعالى: حدثنا يحي بن بكير قال: حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا وكل حدثني طائفة من الحديث وبعض حديثهم يصدق بعضا وإن كان بعضهم أوعى لهم من بعض. هذه الحادثة في الحقيقة فيها عبر عظيمة جداً ولعل الواحد منا عندما يقرأ هذه الحادثة أن تهمل عيناه بالدموع وأن يستشعر القصة ويحاول أن يكون حاضراً بقلبه على الأقل وأن يستخرج منها الدروس والعبر.
قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: الذي حدثني عروة عن عائشة رضي الله عنها أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه قالت: فأقرع بيننا في غزوة غزاها (أي هذه الغزوة) فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.[1] فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدما نزل الحجاب (تقصد بعدما نزلت آية الحجاب) فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه[2] فسرنا حتى إذا فرغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من غزوته تلك (أي غزوة بني المصطلق) وقفل (أي رجع) ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل[3] فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت على راحلتي فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع (والجزع هو الخرز فيه شيء من الطيب كانت تلبسه النساء في ذلك الوقت) فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحّلون لي راحلتي فاحتملوا هودجي فرحلوه على البعير الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهنّ اللحم وإنما يأكلن العُلَقة (بضم العين وفتح اللام) من الطعام (أي القليل) فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن (كان لها من العمر ثلاث عشرة سنة) فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. (فلتحاول كل امرأة أن تضع نفسها أو ابنتها مكان عائشة رضي الله عنها فتاة صغيرة في ليل مظلم وحدها في مكان مقفر والناس كلهم قد ذهبوا رضي الله عنها وأرضاها).
تقول عائشة رضي الله عنها فأممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني ويرجعون إليَّ (وهذا من فطنتها وذكائها رضي الله عنها ولو كان غيرها من النساء لصاحت وصارت تركض يميناً ويساراً شرقاً وغرباً تبحث عن أهلها ولكن عائشة رضي الله عنها لكمال عقلها جلست في مكانها لأنها علمت أنها لو خرجت خلفهم ستضيع). تقول فبينا أنا جالسة في منزل (أي في مكان) غلبتني عيني فنمت (وهذا يدل على أمرين اثنين أما الأمر الأول فهو شجاعة عائشة رضي الله عنها أما الأمر الثاني فهو رعاية الله لها وذلك أن الله تبارك وتعالى ألقى عليها النوم حتى لا تبدأ تفكر في القوم وفيما سيأتي إليها من حيوانات أو أناس أو غير ذلك). تقول: وكان صفوان بن المعطّل السلمي (بضم السين) ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج (أي مشى في الليل) فأصبح عند منـزلي (والغريب في هذا الرجل رضي الله عنه أنه كان هو وقبيلته كلهم كانوا معروفين بكثرة النوم حتى إنه جاء حديث أن زوجته جاءت تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفوان بن المعطّل وتقول: يا رسول الله إن صفوان لا يصلي الفجر فناداه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسأله؟ قال: يا رسول الله إننا قوم قد عرفنا بالنوم ننام حتى تطلع الشمس).
فالقصد أن صفوان بن المعطّل كان متأخراً عن الجيش ولعله بسبب النوم وأنه سار على طريقهم فوجد عائشة رضي الله عنها نائمة في مكانها تقول عائشة: فرأى سواد إنسان نائم من بعيد فأتاني فعرفني حين رآني (لأنها لما كانت نائمة كانت وجهها مكشوفاً تقول وكان يراني قبل الحجاب) فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني (أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون) فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطأ على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة (أي يمسك بلجامها ويمشي على رجله) حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فوصلنا إليهم فهلك من هلك (تقصد أن الناس تكلموا في عرضها لما رأوها قادمة مع صفوان لوحدها فتكلم فيها من تكلم من المنافقين حتى إنه نقل فيما نقل من كلامهم كلام عبد الله بن أبي بن سلول أنه قال: والله ما جاءا إلا بعد أن فجر بها وفجرت به. والعياذ بالله فلعنة الله عليه) وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللطف الذي كنت أراه منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيسلم ويقول كيف تيكم؟ (أي كيف حالك؟) ثمّ ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر وذاك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا مرضت عائشة كان يلاطفها ويسليها كما في الحديث المعروف للبخاري لما قالت عائشة رضي الله عنها: وارأساه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل أنا وارأساه وما ضرك يا عائشة لو مت لغسلتك وكفنتك وصليت عليك وأنزلتك في قبرك وهي أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سأله عمرو بن العاص: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: ومن الرجال؟ قال: أبوها.
حتى خرجت بعدما نقهت (أي تعافيت) معي أم مِسطح (بكسر الميم) قبل المناصع (أي مكاناً لقضاء الحاجة قرب المدينة) وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن تُتخذ (بضم التاء) الكُنُف (وهي الحمامات) قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول بالتبـرز قُبِل (بكسر القاف وفتح الباء) الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح (وهي ابنة أبي رُهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق أي أن أم مسطح ابنة خالة أبي بكر وابنها مسطح بن أثاثة) فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مِرطها (أي في ثوبها) فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ قالت: أي هنتاه (وتقال للبنت المغفلة وهنا اتهمت عائشة بالغفلة) فقالت: أولم تسمعي ما قال؟ قالت عائشة: وما قال؟ قالت عائشة: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي. (لك أخيتي أنت أن تتصوري نفسك وقد اتهمت في عرضك كيف تكون حياتك وكيف تنعمين بالحياة وأعز ما عند المرأة عرضها قد تتهم بكذب أو بسرقة أو بغيبة أو بربا أو بتبرج لكن أن يصل الأمر إلى العرض فهذا أخطر شيء تصاب به المرأة)، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلّم ثم قال: كيف تيكم؟ أي (لم يتغير من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شيء ولكن الذي تغير أن عائشة علمت السبب الآن عرفت لماذا تغير حال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معها) فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم. قالت عائشة: وأنا حينئذ أريد أن استيقن الخبر من قبلهما (لأنها تستحي أن تسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم)، فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ (وأمها أم رومان بنت عامر الكنانية) فقالت: يا بنيه هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قالت: فقلت: سبحان الله! أو لقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع (أي لا ينقطع) ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي، (هذه الفترة يذكر أنها استمرت أكثر من شهر والناس يتكلمون في عائشة ويخوضون فيها والوحي منقطع، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يدري ما وقع وهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم الغيب)، يستأمرهما في فراق أهله، (أما علي رضي الله عنه فهو زوج ابنته وابن عمه وأقرب الناس إليه من حيث النسب وأما أسامة فهو تربى في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو حب (بكسر الحاء) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن حبه فلذلك استشارهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقربهما من بيته ولمعرفتهما بعائشة رضي الله عنهم أجمعين)، أما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك (علي كأنه يميل إلى طلاقها من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فأسامة رضي الله عنه نظر في صالح عائشة ولذلك برأها وأما علي فنظر إلى صالح النبي صلى الله عليه وآله وسلم والهم الذي ركبه من هذه القضية) فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها (أي أعيبه)، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله (أي ثم أقول لعائشة: انتبهي للعجين حتى أذهب وآتي فتنام وتترك العجين فتأتي الداجن (وهي الحيوانات التي تعيش في البيت كالغنم والدجاج) فتأتي وتأكل العجين وذلك لأن عائشة جارية صغيرة).
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي بن سلول (أي طلب العذر في قتله لأنه هو الذي أشاع هذا الكلام عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا (يريد صفوان بن المعطل) ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ الأنصاري وهو سيد الأوس رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت عائشة: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية (وكيف ذلك؟ عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج بل من كبار الخزرج بل كانوا سيتوجونه على الأوس والخزرج ملكاً فلما قال سعد بن معاذ إن كان من الأوس قتلناه وإن كان من الخزرج أمرتنا بأمرك غضب سعد بن عبادة وأخذته حمية الجاهلية هنا في هذه القضية) فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وهو من الأوس فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، (أي هذا التصرف منك تصرف المنافقين وهذا يبين لنا أنه يجوز إطلاق كلمة المنافق على من تصرف تصرفات المنافقين أي في هذه الصفة وهذا يسمى النفاق العملي وليس النفاق الاعتقادي، تقول عائشة: فتساور الحيان (وفي رواية أخرى فتثاور الحيان، أي كاد يكون قتال)، الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله يخفّضهم (بضم الياء) حتى سكتوا وسكت، (وترك أمر عبد الله بن أبي بن سلول وذلك للمصلحة الراجحة).
فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح أبواي عندي وقد كنت بكيت ليلتين ويوماً يظنان، أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فجلست تبكي معي وهذا مما يهوّن على صاحب المصيبة أي إذا أصابت امرأة مصيبة فجاءت امرأة أخرى تبكي معها تهوّن عليها المصيبة بمشاركتها إياها ولذلك قالت الخنساء لما مات أخوها صخر:
ولولا كثرة الباكين حولي،،،، على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكين مثل أخي ولكن،،،، أعزي النفس عنه بالتأسي
فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلّم ثمّ جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جلس قال: أما بعد، ثم قال: يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت أمها: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، (موقف عجيب وابتلاء من الله تبارك وتعالى لعائشة رضي الله عنها)
فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن، إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم: إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقنّي، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" ثم تحولت، (أي أعطتهم ظهرها)، فأضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النوم، لأن رؤيا الأنبياء حق، رؤيا يبرئني الله فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان( بضم الجيم) من العرق (أي كاللؤلؤ) وهو في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي ينزل عليه قال تعالى" إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلا" قالت فلما سري (بضم السين) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة أما الله عز وجل فقد برأك فقالت أمي: قومي إليه (يعني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل فأنزل الله تبارك وتعالى "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم" (عشر آيات أنزلها الله تبارك وتعالى في براءة عائشة رضي الله عنها) فلما أنزل الله في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبدا فأنزل الله جل وعلا "ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولوا القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" قال أبو بكر بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى النفقة.
فوائد قصة الإفك كثيرة فمنها:
قول الله تبارك وتعالى في براءة عائشة " إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم" تتهم عائشة في عرضها والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتهم في عرضه ويحزن صلوات الله وسلامه عليه ويبقون شهراً كاملاً ويتكلم الناس فيها ويفرح المنافقون بهذا فأين الخير هنا؟ ذكر أهل العلم أموراً كثيرة ظهرت فيها الخيرية في هذه القضية منها:
1- الابتلاء، حيث ابتلى اللهُ رسولَه صلى الله عليه وآله وسلم كما ابتلى عائشة وابتلى صفوان بن المعطل فخرجوا من البلاء كالذهب الخالص. والابتلاء خير لأن فيه رفع درجات.
2- تنقية الصفوف، لو لم تحدث هذه الحادثة لما تميز المؤمنون من المنافقين فمثل هذه الحوادث يظهر فيها المنافقون رؤوسهم ويتكلمون ويظهرون تبجحهم وهزأهم وسخريتهم بالمؤمنين.
3- فضل عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها، ومحبة الله لها حيث أنزل فيها قرآناً يتلى.
4- في هذه الحادثة بيان أن الله تبارك وتعالى يدافع عن عباده المؤمنين. ولذلك قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"، فظهر من هذه القصة أن عائشة رضي الله عنها من أولياء الله تبارك وتعالى فلذلك دافع الله عنها سبحانه وتعالى وهذا يعطي الولي التقي اطمئناناً أن الله سبحانه وتعالى سيدافع عنه ولذلك قالت عائشة "صبر جميل والله المستعان" فلجأت إلى الله فما خيبها ربها سبحانه وتعالى.
5- أن الله تبارك وتعالى أظهر لنا حُكماً شرعياً في قوله جل وعلا" لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون" وما كان سيظهر هذا الحكم لولا أن وقعت هذه الحادثة فإذا حدثت حوادث أخرى نعرف كيف نتعامل معها.
6- وضعت قواعد عامة لمثل هذه القضايا مثل أن الأصل في المسلم العدالة والأصل فيه أنه برئ حتى تثبت التهمة ومن قذف مؤمناً فإنه يجلد وهكذا. فهذه القواعد العامة ما كنّا لنعرفها لولا أن وقعت هذه الحادثة.
7- أن الله تبارك وتعالى فضح المنافقين وعراهم أمام المؤمنين.
8- بيان فضل صفوان بن المعطّل رضي الله عنه وأن الله تبارك وتعالى دافع عنه كما دافع عن عائشة رضي الله عنها.
وهنا مسألة ذكرها ابن القيّم رحمه الله تبارك وتعالى وهي عبارة عن فوائد طيبة جداً ذكرها في الزاد نذكرها لعل الله تبارك وتعالى ينفعنا بها:
أولاً: فإن قيل فما بال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توقف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به وهلّ قال سبحانك الله إن هذا بهتان عظيم كما قاله فضلاء الصحابة. يعني لم (بكسر اللام) لم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قال غيره من الصحابة سبحانك الله إن هذا بهتان عظيم. يقول ابن قيم والجواب أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل هذه القصة سبباً لها وامتحاناً وابتلاءً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولجميع الأمّة إلى يوم القيامة ليرفع بهذه القصة أقواماً ويضع بها آخرين ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيماناً ولا يزيد الظالمين إلا خسارة، واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس (بضم الحاء) الوحي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شهراً في شأنها لا يوحى إليه في ذلك شيء لتمم حكمته التي قدّرها وقضاها وتظهر على أكمل الوجوه ويزداد المؤمنون الصادقون إيماناً وثباتاً على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده ويزداد المنافقون إفكاً ونفاقاً ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم ولتتم العبودية المرادة من الصدّيقة وأبويها لما قالت "أشكو بثي وحزني إلى الله" والافتقار إلى الله والذل إليه وحسن الظن به والرجاء له ولينقطع رجاءها من المخلوقين وتيئس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق ولهذا وفّت هذا المقام حقه لما قالا لها أبواها قومي إليه وقد أنزل الله عليه براءتها فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي وأيضا" فكان من حكمة حبس الوحي شهراً أن القضية محّصت (بضم الميم) وتمحّضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحي لله إلى رسوله فيها، يعني صار المؤمنون عن ذلك ينتظرون الفرج من الله في هذه القضية وتطلّعت إلى ذلك غاية التطلّع فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون فورد الوحي عليهم ورود الغيث على الأرض أحوج ما كانت عليه فوقع منهم أعظم موقع وألطفه وسرّوا به أتم السرور وحصل لهم غاية الهناء بهذا الوحي فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة وأنزل الوحي على الفور بذلك لفاتت هذه الحكم وأضعافها بل أضعاف أضعافها.
ثانيا": وأيضاً فإن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه جل وعلا الدفاع والمنافحة عنه والرد على أعداءه وذمهم وعيبهم وبأمر لا يكون له فيه عمل، أي ليس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يدافع عن زوجه بل الله يدافع عن رسوله وعن أهل بيته يقول ولا ينسب (بضم الياء) إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بل يكون هو وحده أي الله جل وعلا المتولي لذلك، الثائرة لرسوله وأهل بيته بل يكون الله تبارك وتعالى هو وحده المتولي لذلك الثائرة لرسوله وأهل بيته.
ثالثاً: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو المقصود بالأذى والتي رميت (بضم الراء) زوجته فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه فهذا لا يكفي أو ظنّه الظن المقارب للعلم ببراءتها ولا يظن بها سوءاً قط وحاشاه وحاشاها ولذلك لما استعذر من أهل الإفك قال من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت في أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي فكان عنده صلوات الله وسلامه عليه من القرائن التي تشهد ببراءة الصديّقة أكثر مما عند المؤمنين ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنه بربه وثقته به وفّى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسرّ قلبه وعظّم قدره وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناءه بشأنه.
رابعاً: ومن تأمل قول الصدّيقة فقال لها أبواها قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله يقول ابن القيم من نظر إلى قولها ذلك وتأمله علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها النعمة بربها وإفراده بالحمد في ذلك المقام وتجريدها التوحيد وقوة جأشها وإذلالها ببراءة ساحتها وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له وثقتها بمحبة رسول الله لها قالت ما قالت إذلالاً لحبيب على حبيبه ولاسيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإذلال فوضعته موضعه ولله ما كان أحبّها إليه حين قالت لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي ولله ذلك الثبات والرزانة منها وهو أحب شيء إليها أي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا صبر لها عنه وقد تنكر قلب حبيبها لها شهراً ثم صادفت منه الرضا والإقبال فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له وهذا غاية الثبات والقوة.
بقي أن نعرف أن بعض المؤمنين كأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه لما قالت له امرأته وهذا يبين موقف المؤمنين الثابت "لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا" بعد أن أشيع (بضم الألف) الخبر عن عائشة قالت زوجته فقالت يا أبا أيوب هل سمعت ما قال الناس في عائشة ما رأيك في هذا الذي قيل فانظرن إلى جواب أبي أيوب رضي الله عنه وأرضاه التفت إليها وقال يا أم أيوب أوتفعلينه أنت أي هل تزنين أنت.؟ قالت لا ما أفعله قال والله لعائشة خير منك. انتهى كلامه، فهي أم المؤمنين وزوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال الله تبارك وتعالى في كتابه "الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات" اختارها الله للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أتفعله لا والله ما تفعله أبدا وبعد هذا كله من تكلم في عائشة الآن بعد أن برئها الله تبارك وتعالى واتهمها بالزنى فلاشك أنه كافر خارج من ملة الإسلام لأنه مكذب لله جل وعلا بل على الصحيح لأقوال أهل العلم أن كل من اتهم أي زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالزنى فإنه كافر لأنه مكذب لقول الله تبارك وتعالى "الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات". هذا ما وقع لزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها في حادثة الإفك التي نرجو الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما فيها من فوائد عظيمة وقد تركت ذكر الفوائد من هذه القصة فمن أراد الرجوع منكم فليرجع إلى كتب أهل العلم ليرى هذه الفوائد من تلك الغزوة.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] هذا فيه طبعاً مشروعية القرعة بين الزوجات أي إذا كان للرجل أكثر من زوجة وأراد أن يسافر فلا بأس أن يعمل قرعة بين زوجاته ومن خرجت لها القرعة خرجت معه.
الهودج هو مثل الغرفة الصغيرة التي تجلس فيها المرأة وتوضع فوق الجمل وتكون فيها المرأة حتى لا يراها أحد وكان حجاب زوجات النبي صلى الله عليه وآله[2] وسلم هو أن يستر كل ما فيها من مفرق الرأس إلى أخمص القدم كله يستر وهذا بلا خلاف بين أهل العلم أن زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كن يغطين وجوههنّ وأما الخلاف الذي وقع بين أهل العلم في تغطية وجه غير زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان لاشك الأولى بالنساء المؤمنات أن يغطين وجوههن.
لأنهم في رحلتهم هذه ولعددهم الكبير وللمسافات الطويلة فهم يسيرون ثم يجلسون ويسيرون ثم يجلسون وهكذا يكون مسيرهم في الليل لأنه أبرد وأريح للإبل [3] فإذا طلع الفجر توقفوا صلوا الفجر وجلسوا وارتاحوا حتى يأتي الليل يسيرون وهكذا ففي ليلة من الليالي تقول عائشة رضي الله عنها آذن ليلة بالرحيل أي بعد أن ارتاحوا وجلسوا وغربت الشمس آذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرحيل أي بالمسير لإكمال الطريق.