الإسم:

البريد الإلكترونى:
 
كنـوز السيـرة للشيخ عثمان الخميس - 6
 


;يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا "             

 

أي لن يستطيعوا فقول صفوان والله إن في العيش بعدهم خير أي ليس في العيش بعدهم خير فقال له عمير صدقت والله أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي قبلهم علة ابني أسير في أيديهم فقال له صفوان (وقد استغل هذه الكلمات) دينك عليّ أنا اقضيه عنك وعيالك مع عيالي ولا يسعني شيء ويعجز عنهم قال له عمير وقد أُلزم (بضم الألف) بما قال فاكتم عني شأني وشأنك قال أفعل ثم أخذ عمير سيفه ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته (يعني في المديـنة) رآه عمر بن الخطاب وهو في نفر من المسلمين فقال عمر: هذا عدو الله عمير ما جاء إلا لشر  ثمّ دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فأدخله علي فأقبل عمير فلببه في حمالة سيفه (أي ضمه ضماً بحيث أنه لا يستطيع أن يمسك سيفه) وقال لرجال من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون (أي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمر آخذ بحمالة  سيفه في عنقه قال: أرسله يا عمر ادنُ يا عمير فقال عمير: انعموا صباحاً فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة (إذاً لا ينبغي لنا إذا دخل علينا أحد أو دخلنا على أحد أن نقول مرحبا أو مساء الخير أو غير هذه من الكلمات وإن كانت هي في أصلها جميلة ولكن بعد السلام فالأول يبدأ بالسلام فيقول السلام عليكم ثمّ إن شاء قال مرحباً أو مساء الخير أو ما شاء من هذه الكلمات) ثمّ قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي بين أيديكم فأحسنوا فيه فقال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنّا شيئاً؟! قال: أصدقني مالذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك قال بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثمّ قلت أنت لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً فتحمّل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك استغرب عمير كيف عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأمر فقال عمير: أشهد أنك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينـزل عليك من الوحي هذا الأمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله الحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق ثمّ تشهد شهادة الحق (أي قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فقّهوا أخاكم في دينه واقرؤه القرآن واطلقوا له أسيره. أما صفوان في مكة فكان ينتظر خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان يقول لأهل مكة ابشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر وكلما جاء ركب قال لهم: ما حال عمير؟ حتى جاء ركب فقال لهم: ما حال عمير؟ فقالوا: أسلم فحلف صفوان ألاّ يكلمه أبداً ورجع عمير إلى مكة وأقام بها يدعو إلى الإسلام فأسلم على يديه أناس كثير ، سبحان الله خرج كي يقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ رجع داعية إلى الله جلّ وعلا.

يهود بنو قينقاع:

مرّ بنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقد معاهدات مع اليهود في المدينة وكان ممن عقد معهم المعاهدات بنو قينقاع كانوا شر الطوائف وأشجعهم وكانوا يسكنون داخل المدينة في حي باسمهم (أي حي بني قينقاع) وكانوا صاغة للذهب وحدادين وصنّاعاً للأواني وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة وهم أو من نكث العهد والميثاق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. روى داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما أصاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً يوم بدر وقدم إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال لهم: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثلما أصاب قريشاً قالوا: يا محمد لا يغرّنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال إنك لو قاتلتنا لعرفت أن نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا فأنـزل الله تبارك وتعالى مدافعاً عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قال "قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم أية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار". وقد روى ابن هشام في سيرته عن أبي عون أن امرأة من العرب قدمت إلى السوق بجلب لها (أي بضاعة) فباعته في سوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها وهي لا تعلم فلما قامت انكشفت سوأتها فضحك عليها اليهود فصاحت فوثب رجل من المسلمين فقتل الصائغ فقام اليهود وقتلوا المسلم فاستصرخ أهل المسلم على اليهود فوقع بينهم شر (أي قتال) داخل السوق عند ذلك قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبدالمنذر وأعطى لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب وسار بجنود الله إلى بني قينقاع ولما رأوه تحصنوا في الحصون فحاصرهم أشد الحصار صلوات الله وسلامه عليه وذلك في شوال في السنة الثانية من الهجرة واستمر الحصار خمس عشرة ليلة وقذف الله في قلوبهم الرعب فنـزلوا على حكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم فأمر بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكتفوا وعند ذلك قام الخبيث عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين فألح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفو عنهم قال: يا محمد أحسن إلى موالي وكانوا حلفاء الخزرج وهو سيد الخزرج ومن كبار ساداتهم فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكرر مقالته فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمسك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أرسلني ثمّ قال: ويحك أرسلني فقال المنافق: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمر والأسود أي لما كانوا مواليي تحصدهم في غداة واحدة إني والله امرء أخشى الدوائر قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هم لك فوهبهم له ولكن أمرهم أن يخرجوا من المدينة وأن لا يجاوروه فيها فخرجوا إلى الشام وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتل رجل يقال له كعب بن الأشرف من اليهود وكان من أشد اليهود أذى وحقداً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك أن هذا اليهودي صار يهجو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ويمدح أعداء النبي ويحرضهم عليه حتى سافر إلى قريش فنـزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين يريد أن يهيج أهل مكة للانتقام وهناك سأله أهل مكة أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلا؟ فقال: أنتم أهدى سبيلا وقام وسجد لأصنامهم فأنـزل الله جل وعلا " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا " حينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله وورسوله فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر ورجل يقال له أبو نائلة فذهبوا إليه وقتلوه في قصة طويلة.

غزوة أحد:

بعد هذه الأحداث وانتهاء هذه السنة الا وهي السنة الثانية من الهجرة اجتمع أهل مكة وجمعوا ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش والأحابيش هم النّزع من القبائل يعيشون في مكة وليسوا من أهلها وأخذوا حتى النساء وجهزوا هذا الجيش للانتقام وكانت القيادة لأبي سفيان بن حرب بعد مقتل أبي جهل وقيادة الفرسان لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وخرج هذا الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام إلى المدينة يريدون الإنتقام لقتلاهم في بدر وبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأمر ألا وهو خروج أبو سفيان من مكة يريدون قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستنفر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الناس وحمل الناس سلاحهم لا يتركون السلاح حتى في صلاتهم يخشون من دخول أهل مكة عليهم وكان أهل المدينة من الأنصار كسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة يقومون بحراسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبار أصحابه وأخبرهم برؤية رآها صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت والله خيراً رأيت بقراً يُذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلماً ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فتأول البقر بنفر من أصحابه يُقتلون وتأول الثلمة في سيفه في رجل يصاب من أهل بيته وتأول الدرع بالمدينة ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: أرى أن نقاتلهم من المدينة نتحصن في المدينة ونقاتلهم فإن أقاموا بمعسكرهم أقاموا بشر مقام وإن دخلوا المدينة قاتلناهم من الأزقة (أي الطرق الضيقة) ومن فوق البيوت وافقه على هذا كبار الصحابة وممن وافقهم على ذلك عبدالله بن أبي بن سلول الذي كان الأوس والخزرج قد اتفقوا أن يجعلوه ملكاً عليهم وقام جماعة من شباب الصحابة الذين فاتهم القتال في بدر وقالوا: يا رسول الله إنّا كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله تبارك وتعالى أن يبلغنا إياه نخشى أن يظن أنّا جبنّا عنك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا بأس ثمّ دخل إلى بيته ولبس أدراعه أي أدراع القتال صلوات الله وسلامه عليه وهذا من بذل السبب وكان الناس ينتظرونه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يخرج إليهم فقال لهم سعد بن معاذ: استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الخروج فردوا الأمر إليه فندموا على ما صنعوا فقالوا له: يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت إنما هو رأي رأيناه إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لئمته (يعني لباس الحرب) حتى يحكم الله بينه وبين عدوه فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى القتال وهم في الطريق رجع المنافق عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الجيش وأنـزل الله تبارك وتعالى في المنافقين "وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون" ونجح هذا المنافق باستدراج ثلاثمائة رجل من منافق وضعيف الإيمان ولكن أكثرهم كانوا من المنافقين وهمّت طائفتان من المسـلمين من الأنصـار وهم بنـو حـارثة من الأوس وبنو سـلمة من الخزرج هموا أن يرجعوا كذلك مع عبدالله بن أبي بن سلول ولكن الله ثبتهما وأنـزل الله جلً وعلا "إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا (أي بالرجوع) والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون" بعد أن وصل جيش المؤمنين إلى أحد ووصل جيش الكفار كذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس عن القتال حتى يأمرهم ولبس صلوات الله وسلامه عليه الدرعين وحرّض أصحابه على القتال وحضّهم على الصبر في اللقاء وبثّ فيهم روح الحماسة صلوات الله وسلامه عليه ثمّ رفع سيفه وقال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام إليه رجال فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي دجانة: خذه فقال يا رسول الله وما حقّه؟ قال: أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني قال: أنا آخذه بحقّه يا رسول الله فأعطاه إياه فلمّا أخذ السيف عصب على رأسه عصابة (أي خرقة ربطها على رأسه) وجعل يتبختر بين الصفين (أي يمشي بفخر) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن لأنه يغيض الأعداء وتقارب الجمعان وتدانت الفئتان وبدأ القتال وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة العبدري وكان من فرسان قريش يسميه المسلمون كبش الكتيبة من شجاعته خرج على جمل يدعو إلى المبارزة فتقدّم إليه الزبير بن العوام ووثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله ثم اقتحم به الأرض (أي ألقاه إلى الأرض) وقام وذبحه رضي الله عنه وأرضاه فكبّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبّر المسلمون ثمّ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزبير لكل نبي حواري وحواري الزبير .

استشهاد حمزة بن عبد المطلب:

واشتد القتال بين المسلمين وأهل مكة وقتلوا من أهل مكة كثيراً وقتل في هذه المعركة عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه قتله رجل يقال له وحشي بن حرب ويحدثنا وحشي بن حرب عن قتله لحمزة قال: كنت غلاماً لجبير بن مطعم وكان عم جبير بن مطعم هو طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إنّك إن قتلت حمزة عم محمد بعمّي فأنت عتيق قال: فخرجت مع الناس وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قلّما أخطأ (بضم الخاء) بها شيئاً فلما ألتقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبعه ببصري حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل يهدّ الناس هداً ما يقوم له شيء فوالله إني لأتهيأ له أريـده فأستـتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مـني إذ تقدمـني إلـيه سباع بن عبد العزّى فلمّا رآه حمزة قال له: هلمّ إلي يا ابن مقطّعة وذلك أن أمه كانت تختن النساء فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه (يعني أصابه إصابة واحدة قطع رأسه بها) هنا هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في أحشائه حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي (أي يأتيني) فغُلب (بضم الغين) فتركته وإياها حتى مات ثمّ أتيت بعد ذلك فأخذت حربتي ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة (يعني ما جئت لأقاتل جئت لأعتق نفسي بقتل حمـزة) وإنمـا قتـلته لأعتـق فلما قدمت مكة عتقت. والعجيب أن وحشي بن حرب هذا بعد ذلك أسلم وتاب فكان أن وفقه الله تبارك وتعالى إلى قتل مسيلمة الكذّاب فيقول قتلت ولي الله وقتلت عدو الله. اشتد القتال في هذه المعركة العظيمة أي معركة أحد وأنـزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده سبحانه وتعالى فكشف المسلمون الكافرين عن المعسكر وكانت الهزيمة قال الزبير بن العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات والخدَم (هي سيقانها) ما دون أخذهن قليل ولا كثير  (يعني يستطيع أن يمسك بهن). وفي حديث البراء عند البخاري فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل يرفعن سوقهن قد بدت خلاخيلهنّ فتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينتهبون الغنائم، نصر الله المسلمين في هذه المعركة أي في أولها عند ذلك قام الرماة بترك أماكنهم وذلك أنهم أخطأوا في هذه المسألة وكان النبي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أمرهم أن لا يتركوا مكانهم أبدا  ولكنهم لما رأوا الهزيمة ورأوا النساء تفر ورأوا الرجال يفرون ظنوا أن المعركة قد انتهت فنـزلوا عن أماكنهم وكان عبدالله بن جبير بن مطعم قائد الرماة فأمرهم أن لا يتحركوا وأن يبقوا في أماكنهم كما أمر النبي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وردّوا عليه بأن القتال قد انتهى ونـزلوا عن أماكنهم وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل كانا قائدي الفرسان ولم يشاركا في هذه المعركـة لأنه ما كان لهما دور لأن المسلمـين كانـوا قد أخذوا الأماكن الصحيحة في هذه المعركة فلما رأى خالد بن الوليد الناس قد تركوا مكانهم أي الرماة قام خالد والتف خلف الجبل وأخذ مكان الرماة فصار المسلمون الآن يتبعون كفار قريش فجاء خالد وعكرمة من خلف المسلمين ثمّ صاح في كفار قريش يناديهم وصار يرمي هو ومن معه المسلمين في ظهورهم ووقع المسلمون بين فكي الكماشة فرجع كفار مكة فصار المسلمون في الوسط فوقع فيهم القتل وفرّ من فرّ من المسلمين بعد هذه الفوضى التي رأوها وأن الكفار صاروا يقتلون منهم قتلاً ذريعاً لا يتركون أحداً إلا قتلوه ممن طالوه بأيديهم أو بسهامهم فمرّ أنس بن النضر رضي الله عنه بالمسلمين فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: قُتِل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك أنه أشيع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قُتِل فيمن قُتِل من المسلمين فقال لهم أنس: ما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين و أبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثمّ تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واه لريح الجنة يا سعد إني أجده دون أحد ثمّ مضى وقاتل القوم حتى قتل فلم يعرفه أحد إلا أخته ببنانه وذلك أنه وجد به بضع وثمانون طعنة أو ضربة سيف. قال أنس بن مالك: أفرد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه (أي يريدون قتله) فقال: من يردهم عنّا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثمّ قام الثاني فقاتل حتى قتل حتى قتل السبعة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسرت رباعيته أي أسنانه وشج في رأسه فجعل يمسح الدم صلوات الله وسلامه عليه ويقول كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم صلوات الله وسلامه عليه وأنـزل الله عز وجل "ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون" وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

بطولات في أحد:

1) طلحـة بن عبيـد الله رضي الله عنـه: دافـع عـن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى شلّت يمينه وقال قيس بن أبي حازم: رأيت يد طلحة شّلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طلحة: من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحـة بن عبيد الله وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد ذاك اليوم كله لطلحة.

2) أبو عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه: وقد رُمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وجنته و دخل المغفر (أي غطاء الرأس من الحديد) في خده فجاء أبو بكر مع طلحة بن عبيد الله فأراد أبو بكر أن ينـزع المغفر عن وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو عبيدة: ناشدتك بالله إلا تركتني فأخذ بفيه (أي بفمه) فجعل ينضضه (أي يحركه) يسيراً كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ استله بفمه فسقطت ثنيته (أي أسنانه) رضي الله تعالى عنه و لما سقطت أسنان أبي عبيدة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: دونكم أخاكم فقد أوجب (أي الجنة) بما فعل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

3) أبو طلحة رضي الله عنه: قال أنس: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو طلحة بين يديه مجوه عليه بحجفة له (أي مترّس) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النـزع (يعني يصيب إذا رمى) فكان يمر عليه الرجل ومعه الجعبة (يعني التي فيها السهام) فيقول له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انثرها لأبي طلحة ويشرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو طلحة يرمي ثمّ يصد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: نحري دون نحرك يا رسول الله بأبي أنت وأمي.

4) أبو دجانة رضي الله عنه: ولما قصد المشركون قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام أبو دجانة فترّس على النبي بظهره أي احتضن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل ظهره للرمي.

وقد أنـزل الله تبارك وتعالى في هذه المعركة آيات في سورة آل عمران "ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم لقد عفى عنكم".

هل قتَل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً؟

لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل يقال له أُبيْ بن خلف من كفار مكة وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجى فقالوا: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منّا (أي يقتله)؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: دعوه فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحربة من الحارث بن الصمّة فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطاير عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير ثمّ استقبله فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مراراً فحُمل وأخذ إلى أهل مكة فقالوا له؟ ما لك؟ فقال: قتلني والله محمد فقالوا له: ذهب والله فؤادك والله إن بك من بأس (أي ما بك بأس) فقال: إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك فوالله قتلني فمات في الطريق لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة أتاه أُبيْ بن خلف وقال له: يا محمد عندي فرس أعلفه كل يوم أقتلك عليه فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له: بل أنا قاتلك فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقتل صلوات الله وسلامه عليه عدو الله أُبيْ بن خلف. ثمّ تراجع المسلمون وتراجع الكفار كما قلنا بعد إشاعة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم توقف المشركون عن القتال وتوقف المسلمون عن القتال.

ونستطيع أن نلخص ما دار في هذه المعركة في نقاط منها:

(1) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد القتال من المدينة في البداية ولكن لما أصر شبان الصحابة خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد وتمّ القتال هناك.

(2) أن عبدالله بن أبي بن سلول رجع بثلث الجيش فصار عدد المسلمين سبعمائة وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف.

(3) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الرماة أن لا يتركوا مكانهم .

(4) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرض سيفه وأخذه أبو دجانة وتبختر به  فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه مشية لا يحبها الله تبارك وتتعالى إلا في هذا الموقف.

(5) من الأمور التي تذكر أن المشركين هزموا  في أول المعركة ثمّ كانت مخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصارت الدائرة بعد ذلك على المسلمين.

(6) استشهاد حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنس بن النضر وعمرو بن الجموح وعبدالله بن عمرو بن حرام وغيرهم.

(7) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصيب في هذه المعركة حتى سقطت رباعيته وشج وجهه صلوات الله وسلامه عليه.

(8) محاولة أُبيْ بن خلف قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الرجل الوحيد الذي قتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(9) جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبويه لسعد بن أبي الوقاص وقال له ارمِ فداك أبي وأمي.

(10) إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(11) لما اشتد القتال ووقع في المسلمين القتل وأراد المشركون قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ممن دافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم امرأة يقال لها أم عمارة نسيبة بنت كعب.

(12) وقعت الهزيمة بالمسلمين في آخر المعركة وقتل منهم عدد كثير. وقاتل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل يقال له مخيريق يهودي أسلم وقاتل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: مخيريق خير يهود.

جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشهداء (شهداء أحد) والمشهور عند أهل العلم بل شبه متواتر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل على شهداء أحد صلوات الله وسلامه عليه وكفنهم في ثيابهم إلا من لم يوجد له ثوب فكفن بغيره كمصعب بن عمير وحمزة فالقصد أنهم كفنوا في ثيابهم وفي دمائهم حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يأتون يوم القيامة الجرح يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك فلم يصل عليهم صلوات الله وسلامه عليه والصحيح في الشهداء أن الصلاة عليهم جائزة ليست ببدعة يجوز أن يصلى على الشهداء ويجوز أن تترك الصلاة عليهم وهكذا كان فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحياناً يصلي على بعض الشهداء وأحياناً يترك صلوات الله وسلامه عليه. قال عبد الرحمن بن عوف: قُتِل مصعب بن عمير وهو خير منّي وكُفّن في بُردَ فإن غُطي رأسه بدت رجلاه وإن غُطّيَت رجلاه بدا رأسه وأنـزل رأسه وصار يبكي (أي عبد الرحمن بن عوف رضي الله تبارك عنه وأرضاه).

بطولات النساء:

انتهت هذه المعركة ورجع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وقعت بطولات لبعض النساء بعد هذه المعركة بطولات في الصبر لأن الرجال بطولاتهم داخل المعركة.

(1)     وقد حصلت بعض البطولات داخل المعركة لنسيبة بنت كعب رضي الله تبارك وتعالى عنها ولكن في الأصل أن بطولات الرجال تكون داخل المعارك وبطولات النساء تكون خارج المعارك بالصبر والثبات والرضا بقضاء الله وقدره .

(2)     امرأة من بني دينار أصيب في أحد زوجها وأخوها وأبوها فلما قالوا لها: مات أبوك قالت: ولكن ما فعل رسول الله؟ قالوا: وأعظم الله أجرك في أخيك قالت: وما فعل رسول الله؟ قالوا: وقد استشهد زوجك قالت: وما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالوا: خيراً يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت: أرونيه حتى أنظر إليه فأشير إليها أي هناك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى لما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (أي ضعيفة)، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليتذكر مصيبته في فإنها أعظم المصائب. أعظم مصيبة أصيب بها الناس كلهم هي مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك هذه الصحابية رضي الله عنها حققته واقعاً مات أبوها وأخوها وزوجها وتقول ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. مرّ بنا لما ضُرب أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما كان يدعو إلى الله تبارك وتعالى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولون سليم أي لا بأس عليك وهو يكاد يموت فيقول لهم: وما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ كانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما نحن بما أننا لم نرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإظهار حبنا له صلوات الله وسلامه عليه إنما يكون باتباعه واتباع سنته والسير على هديه والدفاع عن سيرته ونشرها بين الناس فهذا هو الواجب علينا جميعاً.

قتل من المسلمين كما قلنا سبعون وقتل من المشركون ثمانية وثلاثون أو سبعة وثلاثون على خلاف في الروايات ومن أراد أن يعرف ما دار في هذه المعركة بصورة عامة فعليه أن يقرأ سورة آل عمران فإنها تكلمت عن هذه المعركة بشبه تفصيل وذكرت بعض الحوادث.

حادثة غريبة:

رجل يقال له قزمان قاتل مع المسلمين قتالاً شديداً وجاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره ما فعل قزمان فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو من أهل النار فاستغرب الناس يقاتل هذا القتال ويكون من أهل النار فقال رجل من الصحابة: لأتبعنّه فتبعه فلما أصيب قزمان وضع نصل السيف في الأرض ثمّ نام عليه حتى قتل نفسه وجاؤا هذا الرجل قبل أن يقتل نفسه فقالوا له: هنيئاً لك الجنة قاتلت في سبيل الله فقال: لا والله إنما قاتلت عن أحساب قومي (أي ما أراد وجه الله تبارك وتعالى) وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أول من تسعّر فيهم النار ثلاثة وذكر منهم صلوات الله وسلامه عليه الرجل فيقول الله له: أعطيتك من القوة فماذا صنعت؟ قال: قاتلت فيك حتى قُتِلت فيقول له: كذبت إنما فعلت هذا ليقال جريء وقد قيل خذوه إلى النار. فرجع الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقول له ما وقع لقزمان من قتله لنفسه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله: أكبر لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة هو من أهل النار.

ولذلك لا ينبغي لنا أن نحكم على الناس إذا قاتلوا بأنهم شهداء الله أعلم بما في قلوبهم ولكن أيضاً لا ينبغي أن نسيء بهم الظن بل نحسن فيهم الظن وإنهم إنما قاتلوا في سبيل الله وهذا هو الأصل ولذلك الأولى أن نقول نحسبهم شهداء، نظنهم شهداء نسأل الله لهم أن يكونوا من الشهداء أو ما شابه ذلك من الكلمات .

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى الحكم والغايات والفوائد من تلك المعركة منها:

أولاً: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ألا يبرحوه.

ثانياً: أن عادة الرسل أن تُبْتَلَى وتكون لها العاقبة في النهاية والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائماً دخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انكسروا دائماً لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب. وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفياً عن المسلمين فلما جرت هذه القصة أظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول وعاد التلويح تصريحاً وعرف المسلمون أن لهم عدواً في دورهم واستعدوا لهم وتحرزوا منهم. قال تعالى " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله" فلو كان دائماً هزيمة ما ظهر هذا الدين ولو كان دائماً نصر لم تتميز الصفوف فهزيمة ونصر حتى يظهر الله تبارك وتعالى الدين كله على الأرض كلها.

ثالثاً: إن في تأخير النصر في بعض المواطن هضماً للنفس وكسراً لشماختها فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون حتى الإنسان لا يصيبه الكبر (بكسر الكاف وسكون الباء) والعجب بنفسه فيهزم أحياناً وينتصر أحياناً حتى يعرف أن الأمر كله بيد الله تبارك وتعالى.

رابعاً: أن الله تبارك وتعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته أي الجنة لا تبلغها أعمالهم فقيظ لهم أسباب المحن والابتلاء ليصلوا إليها. يعني لو لم يكن هناك جهاد ما نال المسلمون الفردوس الأعلى عند الله تبارك وتعالى ولا شفع الشهيد لسبعين من أهله ولا غفر له مع أول قطرة دم تخرج ولا عصم من فتنة القبر ولكن الله يريد أن يرفع درجاتهم فكان الجهاد وكان القتل الذي يقع على المسلمين.

خامساً: إن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها الله سبحانه وتعالى إليهم  سوقا.

سادساً: أنه أراد سبحانه وتعالى إهلاك أعدائه فقيظ لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه فمحّص بذلك ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين. ولاشك أن هناك فوائد أخرى ولكن هذه بعض الفوائد التي ذكرها الإمام ابن القيّم رحمه الله تبارك وتعالى.

بعث الرجيع:

في السنة الرابعة من الهجرة قدم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوم من والقارة وذكروا أن فيهم إسلاماً وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويُقرؤهم القرآن فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم عشرة من أصحابه وأمّر عليهم عاصم بن ثابت وقيل أمّر مرثد بن أبي مرثد ولكن المشهور أنه أمّر عليهم عاصم بن ثابت فذهبوا معهم فلما وصلوا إلى مكان يقال له الرجيع استصرخوا عليهم (أي طلبوا مساعدتهم) حياً من هذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقرب من مائة رام من بني لحيان فلحقوهم وأحاطوا بهم ثم لجأوا إلى مكان يصدهم عن الأعداء فقال لهم أعداؤهم لكم العهد والميثاق إن نـزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً. فأبى عاصم  أن ينـزل وقاتلهم مع أصحابه فقتل منهم سبعة وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى فنـزلوا إليهم لأنهم أكثر من مائة مقابل خمسة وليس معهم سلاح ولكنهم غدروا بهم فربطوهم بأوتار قسيّهم (بأحبال النبل) فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر صالحتمونا ثمّ تربطوننا فأبى أن يستسلم لهم فقاتلوه وقتلوه وأخذوا خبيب بن عدي وزيد بن دثنة فباعوهما بمكة وكانا قتلا من رؤوسهم يوم بدر فأما خبيب فمكث عندهم مسجوناً ثم أجمعوا على قتله وخبيب رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه لما أسر وقعت له حادثتان:

الحادثة الأولى: ذكروا أن لديه طعام ولم يعطه أحد.

الحادثة الثانية: أنه طلب الموسى حتى يحلق الشعر الذي في جسده فأرسلت امرأة الموس مع ولدها فلما أتاه الولد بالموس تذكرت المرأة فكيف ترسل الموس مع ولدها وهذا الرجل مقتول قد يقتل ولدها مقابل نفسه لينتقم فجاءت مسرعة فلما رأى خبيب المرأة والولد عنده والموس معه قال لها: أخشيت أن أقتله؟! ثم أخذ خبيب رضي الله تبارك وتعالى عنه إلى التنعيم خارج مكة أي إلى الحِل لأنهم كانوا يستحرمون القتل داخل الحرم وهنا غدر ولكن يستبيحونه فتحريمهم وتحليلهم هوى وليس تبع دين وإنما أهواء يحرمون أحياناً ويحللون أحياناً فلما أجمعوا على صلبه قال: دعوني حتى أركع ركعتين فتركوه فصلاهما فلما قضى قال: والله لولا أن تقولوا إنما بي جزع لزدته (أي خشيت أن تقولوا جزع من الموت فأطال في الصلاة حتى هذه ما أعطاهم إياها وإنه في نيته أن يصلي لله سبحانه وتعالى ويريد أن يطيل لله تبارك وتعالى ولكن خشي أن يفهموا أنه إذا أطال في الصلاة أنه خائف من الموت فقال حتى هذه لا أعطيهم إياه فصلى صلاة قصيرة وهي ركعتان وقال أهل العلم سنة القتل سنهما خبيب رضي الله تبارك وتعالى عنه). ثم قال خبيب: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبقِ منهم أحدا ثم قال أبياتاً من الشعر:

لقد أجمع الأحزاب حولي وألّبوا ،،،،،،،،، قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وقد قربوا أبناءهم ونساءهم  ،،،،،،،،،،،، وقربت من جذع طويل ممنّع

إلى الله اشكو غربتي بعد كربتي ،،،،،،،،، وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي

فذا العرش صبرني على ما يراد بي ،،،،،،، فقد بضعوا لحمي وقد بؤس مطمع

وقد خيروني الكفر والموت دونه ،،،،،،،، فقد ذرفت عيناي من غير مدمع

ولست أبالي حين أقتل مسلما ،،،،،،،،،، على أي شق كان في الله مضجع

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ،،،،،،،،،، يبارك على أوصال شلوٍ ممزع

فالتفت إليه أبو سفيان وقال له: يا خبيب أيسرك أن محمداً عندنا تضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فماذا كان جواب المؤمن المحب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في مكانه الذي هو فيه يصاب بشوكة تؤذيه كانوا صادقين في حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم صلبوه رضي الله عنه ووكّلوا به من يحرس جثته فجاء عمرو بن أمية الضمري فاحتمله بالليل خديعة دون أن يراه أحد فذهب به ودفنه ويقال أن الذي قتل أو باشر قتل خبيب بن عدي هو عقبة بن الحارث . قال معاوية رضي الله تبارك وتعالى عنه قبل أن يسلم وكان موجوداً في مكة في هذا الوقت قال: كنت فيمن حضـر قتل خبـيب فلقد رأيت أبا سفيان (يعني والده) يلقيني إلى الأرض فرقاً (أي خوفاً) من دعوة خبيب وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع زلت عنه الدعوة (يعني لم تصبه) فكانوا يعتقدون أنه مظلوم وأن دعوته حق وكان كذلك ممن حضر قتل خبيب بن عدي سعيد بن عامر. وسعيد بن عامر قصته عجيبة وذلك أن عمر قد جعله والياً على الشام بعد إسلامه فسأل عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه الناس في الشام وقال: كيف حال واليكم؟ فقالوا: لا ننقم عليه إلا ثلاثة أشياء قال عمر: وما هي؟ قالوا: في يوم من الأسبوع لا يخرج إلينا والثانية أنه كل ليلة لا يخرج إلينا وقال: والثالثة قالوا: أحياناً وهو جالس معنا تصيبه غشية ويقع فناداه عمر فقال: يا سعيد ما هذا الذي يحدث الناس؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين قال: يقولون إنك في يوم من الأسبوع لا تخرج إليهم قال: يا أمير المؤمنين هذا اليوم أغسل فيه ثوبي وليس عندي ثوب غيره هل أخرج لهم بدون ثوب؟! فإني أبقى حتى يجف الثوب ثم أخرج إليهم قال: إنهم يقولون إنك لا تخرج إليهم في الليل دائماً قال يا أمير المؤمنين النهار لهم والليل لربي قال: وما هذه الغشية التي تصيبك فبكى وقال: يا أمير المؤمنين إني حضرت قتل خبيب بن عدي وإني كلما تذكرت دعوته وقتله أغمي علي من الخوف من الله تبارك وتعالى. وأما عاصم بن ثابت رضي الله تبارك وتعالى عنه فإنه امتنع عن النزول إليهم  ولم يستسلم فقاتلهم  حتى قتلوه ولكن سبحان الله البغض والحقد الذي في قلوب المشركين عظيم وذلك أن قريشاً بعثت لمن يأتي لهم بجسد عاصم حتى يتأكدوا أن عاصماً قد قتل وتشفى قلوبهم من الغل الذي فيها فبعث الله تبارك وتعالى مثل الظُلة من الدُبُر نوع من الحشرات كالبعوض فحمته من الرسل فلم تستطع أن تصل إليه وكان عاصماً قد أعطى الله تبارك وتعالى عهداً أن لا يمسه مشرك وذلك لبغضه للمشركين فوفاه الله تبارك وتعالى عهده حتى بعد موته. ولذلك لما قيل لعمر ذلك قال: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته. هذه مأساة آذت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

بئر معونة: وتبعتها في نفس الشهر  هذه المأساة، قدم عامر بن مالك ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أسلم تسلم فأظهر ليناً وأظهر نوع استجابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه لم يسلم ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني أخاف عليهم أهل نجد أخاف أن يُقتَلوا فقال أبو البراء: أنا جار لهـم فبعث النبـي صـلى الله عليه وآله وسلم معه سبعين رجلاً وأمّر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة وكان هؤلاء السبعون من خيار المسلمين ذهبوا ينشرون دين الله تبارك وتعالى في أهل نجد فساروا يتدارسون القرآن ويصلون بالليل حتى نـزلوا مكاناً يقال له بئر معونة ثم بعثوا حرام بن ملحان خال أنس بن مالك رضي الله عنه بكتاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل فقال له: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرمى بالكتاب قبل أن يقرأه ثم أمر رجلاً فطعن حرام بن ملحان بظهره رضي الله عنه فلما نفذ السيف أو الرمح (بحسب ما طعن به) في ظهره قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة (هكذا يرون أن هذا نصر وفوز لأنه نال الشهادة في سبيل الله). ثم قام عامر بن الطفيل واستنفر الناس وقال: القتال القتال فامتنع عنه كثير من الناس لجوار أبي البراء ملاعب الأسنة لأنه قال أنهـم في جـواري ولكن هذا الخبيث عامر بن الطفيل خان جوار أبي البراء وصار يستنفر الناس ويقول قوموا نقتلهم فرصة مهيأة وغنيمة باردة وقام معه رجال من عصية ورعل وذكوان قبائل عربية فجاؤا وأحاطوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم فلم ينجُ منهم إلا ثلاثة كعب بن زيد وذلك أنه سقط مع القتلى ولكنه لم يمت فبقيت فيه الروح قتركوه ومشوا ثم هرب رضي الله عنه وعمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة وهما كانا بعيدين عن القتال لأنهما كانا مع خيل وأغراض المسلمين فلم يكونا معهم ولكنهما رأيا الطير تحوم من بعيد فلما اقتربا وجدا المشركين قد قتلوا أصحابهم فقام المنذر وصار يقاتل المشركين فقتلوه رضي الله عنه أمـا عمـرو بن أمية فأُسِـر ثم تركه عامر بن الطفيل لأن على أمه عتق رقبة فهذه رقبة أعتقها فرجع عمرو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبره بهذه النكبة وبقتـل هـؤلاء السـبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي الطريق وقعت حادثة صغيرة لعمرو بن أمية رضي الله عنه وذلك أنه في الطريق نـزل في ظل شجرة فجاءه رجلان من بني كلاب فنـزلا معه فلما ناما أخذ السيف وقتلهما كان يظن أنهما ممن شارك في قتل أصحابه رضي الله عنه فلما قتلهما وجد معهما كتاباً فيه عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقدم وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما فعل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لقد قتلت قتيلين لأدينّهما (أي أدفع الدية من مالي) وانشغل بجمع ديّاتهما صلوات الله وسلامه عليه فجمع من أصحابه وطلب من بني النضير وذلك في صلب المعاهدة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يشاركون في الديات القتل الخطأ فكانت بعد ذلك سبباً لغزوة بني النضير. إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تألم جداً لهذه المأساة والتي قبلها الرجيع وصار يدعو على أولئك القوم في الصلاة شهراً كاملاً يقنت ويدعو عليهم اللهم عليك برعل وذكوان وعصية فإنها عصت ربها وكان يلعنهم صلوات الله وسلامه عليه في صلاته حتى أنـزل الله تبارك وتعالى "ليس لك من الأمر شيئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون" فترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم القنوت عليهم وقال عن القتلى أنهم قالوا: بلّغوا قومنا أنا لقِينا ربنا فرضيَ عنّا ورضينا عنه وترك الدعاء عليهم.

غزوة بني النضير:

اليهود وإن كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلح ومعاهدات إلا أنهم كما هو معلوم أهل غدر وكما ذكرنا من غدر بني قينقاع والآن نذكر غدر بني النضير وبعدهم نذكر غدر بني قريظة حتى يُعلم أنهم من عادتهم الغدر وإنهم لا يوفون بوعودهم. خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه إلى اليهود وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهما عمرو بن أمية فقالوا: نفعل يا أبا القاسم اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك فجلس صلوات الله وسلامه عليه إلى جانب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم ومعه بعض أصحابه منهم أبو بكر وعمر فاجتمع اليهود وقالوا: اقتلوه هذه فرصتكم فاتفقوا على أن يصعد أحدهم إلى أعلى البيت الذي بجانبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويلقي عليه حجراً فيقتله فقام رجل يقال له عمرو بن جحاّش فقال: أنا أفعلها فقال سلاّم بن مشكم: فوالله ليخبرنّه بما هممتم به، (سبحان الله يعلمون أنه صادق)، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه فقالوا: دعنا عنك فنـزل جبريل من عند رب العالمين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليعلمه بما هموا به فقام صلوات الله وسلامه عليه مسرعاً من مكانه وذهب إلى المدينة ولحقه أصحابه وقالوا له: يا رسول الله نهضت بدون أن تعلمنا السبب فأخبرهم أن اليهود قد عزموا على قتله صلوات الله وسلامه عليه فأرسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن مسلمة إلى بني النضير لهم اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجلتكم عشراً (أي عشرة أيام) فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه ولم يجد اليهود مناصاً من الخروج فقاموا أياماً يتجهزون للرحيل ولكن عبدالله بن أبي بن سلول بعث إليهم وقال لماذا تخرجون؟ اثبتوا وتمنعوا ولا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم وتنصركم قريظة وينصركم حلفاؤكم من غطفان فلماذا تخافون من محمد؟! اثبتوا فأعاد إليهم ثقتهم بأنفسهم فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لن نخرج فاصنع ما شئت فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم جواب سيدهم حيي بن أخطب كبّر صلوات الله وسلامه عليه وكبّر أصحابه ثمّ نهض صلـوات الله وسـلامه عليه لمنـاجزة القـوم وجـعل على المدينة عبدالله بن أم مكتوم وجعل اللواء مع على بن أبي طالب وفرض عليهم الحصار ثم أمر بقطع النخيل فقالوا محمد يفسد في الأرض فقال الله تبارك وتعالى:" ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله " فهذا ليس بفساد فلما رأوا حصار النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتزلتهم قريظة وقالوا لا شأن لنا نحن بيننا وبين محمد عهد واعتزلهم عبدالله بن أبي بن سلول وخانتهم غطفان وظلوا وحدهم، قال عبدالله بن عباس: إن سورة الحشر نـزلت فيهم وفيها قصة عبدالله بن أبي بن سلول "ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون" فامتنعوا عن نصرهم وخذلوهم وخذلتهم غطفان فقال الله تبارك وتعالى:" كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين" ولم يطل الحصار بقي ست ليال وقيل أكثر من ذلك فقذف الله تبارك وتعالى في قلوبهم الرعب فقالوا: يا محمد نخرج عن المدينة بشرط أن يخرج معنا ذرارينا وما حملت إبلنا من السلاح فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا إلا السلاح لكم ما حملت الإبل إلا السلاح فنـزلوا على رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاروا يخربون بيوتهم حتى لا يسكنها المسلمون وأخذ بعضهم حتى الشبابيك والأوتاد وغيرها معهم وحملوا النساء والصبيان على ستمائة بعير ورحل أكثرهم كحيي وسلاّم بن أبي الحقيق كلهم ذهبوا إلى خيبر فخرجوا من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وقبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلاحهم واستولى على أرضهم فوجد من السلاح خمسين درعاً وثلاثمائة وأربعين سيفاً.

غزوة الأحزاب:

غزوة الأحزاب في آخر السنة الرابعة وقيل في بداية السنة الخامسة وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن طرد بني النضير وكان قد طرد قبلهم بني قينقاع لم يبق في المدينة إلا بنو قريظة والمنافقون طبعاً موجودون في المدينة وسبب الغزوة أنه خرج عشرون رجلاً من بني قريظة ومعهم آخرون من بني النضير إلى مكة وأخذوا يحرضون أهل مكة على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون نحن معكم ننصركم من الداخل ومن الخارج وذهبوا إلى غطفان وقالوا انصروا قريشاً على محمد وذهبوا إلى قبائل العرب يحرضونهم على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فخرجت قريش وكنانة وخرج غطفان واليهود وتجمعوا حول مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  بعشرة آلاف واتفقوا على قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، علِم النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أن قريشاً مع غطفان وكنانة واليهود تحالفوا عليه فاستشار أصحابه فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه أن يحفر خندقاً وقال هكذا كان يفعل الفرس إذا تضايقوا فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بحفر الخندق حول المدينة من جهة الشمال لأن الجهات الأخرى كلها محصورة بالجبال فلا يستطيع أحد أن يأتي منها فصاروا يحفرون بجد ونشاط والرسول صلى الله عليه وآله وسلم  يشاركهم قال صحابي: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على ظهورنا فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:  اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار، وفي رواية فاغفر للأنصار والمهاجرة وعن أنس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخندق  فإذا المهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال صلوات الله وسلامه عليه: اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا له:

نحن الذين بايعوا محمدا ،،،على الجهاد ما بقينا أبدا

وُدّ متبادل بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وأصحابه وعن البراء قال: رأيته صلوات الله وسلامه عليه ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه (أي من كثرة الغبار ما أرى بطن النبي صلى الله عليه وآله وسلم)  فسمعته يرتجز بكلمات عبدالله بن رواحه وهي:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ،،،،،،، ولاتصدقنا وما صلينا

فأنـزلن سكينة علينا ،،،،،،،،،،،، وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأُلى قد بغوا علينا ،،،،،،،،، وإن أرادوا فتنة أبينا

ويعيدها إن الأُلى قد بغوا علينا ،،،،،،،،، وإن أرادوا فتنة أبينا

قال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  من الجوع ومن شدة الشكوى رفعنا القمص عن بطوننا نري النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أننا نربط الحجر على بطوننا من شدة الجوع فرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم  عن بطنه وإذا هو قد ربط حجرين أي أن جوعه أشد من جوعهم صلوات الله وسلامه عليه فاطمئنوا وهكذا يطمئن الناس إذا كان قائدهم مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم  يشعر بشعورهم يجوع كما يجوعون ويعطش كما يعطشون ويعمل كما يعملون ويهتم كما يهتمون ما يكون في برج عاجي بعيد عن الناس وإنما يشاركهم ويخالطهم فإذا رأوا ذلك علموا أنهم ليسوا فقط الذين يعملون حتى قائدهم معهم بشاركهم بل أكثر منهم صلوات الله وسلامه عليه. وهذه كرامة أعطاها الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم  ولأصحابه رضي الله تبارك وتعالى عنهم وأرضاهم قال جابر: إنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة (يعني صخرة عظيمة) ما استطعنا تكسيرها فجئنا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  فقلنا: يا رسول الله هذه كدية عرضت في الخندق ما نستطيع عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:  أنا نازل لها ثم قام وبطنه معصوب بحجر صلوات الله وسلامه عليه وكنا قد مضت علينا ثلاثة أيام لم نذق طعاماً فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم المعول فضربه فعاد كثيباً أهيل (بفتح الهاء) أو أهيم (بفتح الهاء) أي لما ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحجر صار كالرمل تفتت من قوة ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم

عدد القراء : 4600
تاريخ الموضوع: 03 - نوفمبر - 2002 ميلادية
 
Developed By ChromePixel.com
almanhaj@almanhaj.net
1421-1423/2000-2005
المنهج