الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، (أي قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، من الطعام والشراب وما شابه ذلك)، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها وهكذا حتى جاءه الحق، (والحق هنا يحتمل أن يكون جبريل ويحتمل أن يكون الأمر الحق أي وهو البعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فقال: اقرأ ،فقال صلوات الله وسلامه عليه: ما أنا بقارئ، (أي لا أعرف القراءة وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمّي لا يستطيع القراءة ولا يعرفها صلوات الله وسلامه عليه وقد أخبر الله تبارك وتعالى عنه في قوله الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن نفسه فقال: إنّا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب، رواه البخاري ومسلم). فقال له: اقرأ ،فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطنّي (أي ضمّني ضمّاً شديداً) حتى بلغ منّي الجهد (بفتح الجيم) (أي التعب) ثمّ أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطنّي الثانية حتى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطنّي الثالثة ثمّ أرسلني فقال: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم". فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرجف فؤاده (أي من الخوف) صلوات الله وسلامه عليه. أمر غريب يأتيه الملك في هذا المكان الموحش المظلم في الليل ويضمّه هذا الضم الشديد فأوقع هذا في قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخوف وهذا خوف فطري لا يضره شيئاً. فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني، زملوني، وذلك أن الخائف يشعر بالبرد والرعشة فيحتاج إلى أن يتلحّف ويتغطى حتى يذهب عنه ما يجد من الرجفة فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي قالت خديجة: وهي المثبّتة وهي التي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلا والله ما يخزيك الله أبداً. هذا الكلام من خديجة تبدأه بالنفي ثمّ بالقسم والله ما يخزيك الله أبداً وتؤكده بقولها أبداً كل هذا دليل على ثقة هذه المرأة بربها تبارك وتعالى ومعرفتها الحقّة بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم والسبب الذي من أجله بنت هذا الكلام هو ما ذكرته بعد ذلك. قالت: إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، والكل هو الذي لا يستطيع أن يستقل بأمره (يعني يساعده)، وتكسب (بضم التاء) المعدوم، (أي الذي ما عنده شيء تعطيه)، وتقري الضيف، (أي تكرم الضيف)، وتعين على نوائب الحق، (أي على مصائب الدنيا)، كأنها تقول للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كانت هذه صفاته لا يمكن أن يقع الخزي من الله عليه أبداً لأن هذه الصفات صفات كمال، ثمّ انطلقت به حتى أتت به ورقة بن نوفل وهو ابن عم لها وقيل هو عمها وكان قد تنصّر في الجاهلية، (يعني اتخذ النصرانية ديناً)، وذلك أن قريشاً كانت على الشرك والوثنية، وكان هناك بعض النصارى وهم أقرب الناس إلى الحق في ذلك الوقت، قالت: وكان يكتب الكتاب العبراني، (يعني التوراة والإنجيل، وسميت اللغة باللغة العبرانية نسبة إلى عبورهم النهر)، ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى (أي هذا الشيء هو الذي أنزله الله تبارك وتعالى على موسى صلوات الله وسلامه عليه) يا ليتني فيها جذعاً (أي شاباً قوياً)، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، عندها استبعد الرسول أن يخرجه قومه وذلك أنه يرى أن قومه يحبونه حباً شديداً ولا يسمونه إلا الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه قال: أو (بفتح الواو) مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. (وهذه قاعدة مهمة وأصل عظيم بنى عليه ورقة بن نوفل رأيه وذلك أن كل الأنبياء أوذوا وعودوا فمنهم من قتل ومن من طرد ومنهم من أوذي ومنهم من خوّف وهذا كثير) وأن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزرا ثمّ لم ينشب ورقة أن توفي. وفتر الوحي بعد ذلك (أي انقطع الوحي) مدة طويلة. وهذه المدة قدرها أهل العلم بستة أشهر وقال بعضهم: إنها بلغت ثلاث سنين. وورقة بن نوفل رحمه الله تبارك وتعالى ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه بشره بالجنة أو أخبر أنه من أهل الجنة. ولكن هل كان صحابياً؟ الصحيح أنه لم يكن صحابياً وذلك أنه لم يدرك الرسالة لأنه مات بعد مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقبل تبليغه صلوات الله وسلامه عليه.
أنواع الوحي:
أنواع الوحي ستة كما قال أهل العلم:
أولاً: الرؤيا الصادقة، وهي كانت مبدأ الوحي للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذكر.
ثانياً: ما كان يلقيه الملك في روع النبي وقلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كقوله صلوات الله وسلامه عليه إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
ثالثاً: أنه كان يتمثل الملك رجلاً فيخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يعي عنه كما في حديث جبريل لما جاء للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو بين أصحابه.
رابعاً: أنه كان يأتيه كمثل صلصلة الجرس وكان هذا أشده عليه حتى إن جبين الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليتفصّد عرقاً في اليوم الشديد البرد.
خامساً: أن يرى الملك في صورته التي خلقه الله تبارك وتعالى عليها فيوحي إليه ما شاء.
سادساً: ما يوحيه الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مباشرة بدون واسطة ملك.
كيف وصل الشرك إلى مكة؟
كانت خزاعة هم ولاة البيت الحرام قبل قريش وكانوا يتوارثون الولاية على البيت كابراً عن كابر واستمرت على ولاية البيت (أي خزاعة) ثلاثمائة سنة وقيل خمسمائة سنة وفي زمانهم جلبت الأوثان إلى مكة على يد زعيمهم عمرو بن لحي (بضم اللام) وكان قوله فيهم كالشرع المتبع لمكانته عندهم وكان عمرو بن لحي هذا قد خرج إلى الشام فرأى أهل الشام يعبدون الأصنام فقال: ما هذه الأصنام التي تعبدون قالوا: هذه أصنام نعبدها نستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال: ألا تعطوني منها صنماً أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنماً يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته فأطاعوه قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار أي يجر أمعاءه في النار، رواه الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما. وقد كانت العرب على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولكن لطول العهد نسوا كثيراً من تفاصيل الشرع واستمر هذا الأمر وهو رئاسة خزاعة على البيت الحرام حتى قام قصي بن كلاب بالزواج من ابنة رئيس خزاعة ثمّ بعد ذلك استعان بالعرب على قتال خزاعة فهزمهم وأجلاهم عن مكة وتسلم قصي الرئاسة وقصي كما هو معلوم من قريش. وكان مما بقي عند العرب من العبادات التي كانت على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام الحج فكانوا يطوفون ويسعون ويقفون في عرفات ومزدلفة ويهدون البدن ولكنهم صاروا يقولون في تلبيتهم بعد بعد (بضم الباء وكسر الدال) العهد لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ملكته وما ملك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام قال تعالى: "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراءاً على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين" قال ابن كثير: من ذلك ما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي قبحه الله مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم وهو كاذب مفتر في ذلك ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام قال الله تبارك وتعالى: "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام" والبحيرة هي التي كانوا يبحرون أذنها أي يشقونها ويجعلون لبنها للطواغيت ويمنعون الناس منها، وأما السائبة فهي البعير يسيب فلا يحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبه أحد ويكون للآلهة، وأما الوصيلة فهي الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى فتكون لها وإن ولدت ذكراً فهي للآلهة، وأما الحام فهو الفحل إذا انتج من ظهره عشرة ترك فلا يركب (بضم الياء) ولا يمنع (بضم الياء) من رعي، وتابعه أهل مكة على ذلك وزيادة، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تبارك وتعالى: بل قد تابعوه في ما هو أطمّ من ذلك وأعظم بكثير وهو عبادة الأوثان مع الله عز وجل وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وتحريم الشرك وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من أمم المشركين. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وهم الخدم وحجّاب يذبح لها ويطاف حولها ومع هذا كله يعرفون فضل الكعبة. أمّا تلك الآلهة فكانت لقريش العزى وهبل وكانت اللات لثقيف وكانت مناة للأوس والخزرج، وكان ذو الخلصة (بضم الخاء واللام) لدوس.
بدء الدعوة:
بعد أن أوحي (بضم الألف) للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبشر (بضم الباء) صلوات الله وسلامه عليه وبعد انقطاع الوحي الفترة التي ذكرناها، عاد إليه مرة ثانية وصار صلوات الله وسلامه عليه يدعو المقربين إلى دين الله تبارك وتعالى فكان أول من اسلم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة ومن الغلمان علي بن أبي طالب ومن الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ومن العبيد بلال بن رباح. جاء في صحيح البخاري من حديث همّام بن الحارث عن عمّار بن ياسر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر وأسلم على يدي أبي بكر الصديق الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي الوقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين. وجاء كذلك في صحيح مسلم حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أول ما بعث وهو في مكة وهو حينئذ مستخف فقلت: ما أنت قال: أنا نبي قلت: وما النبي قال: رسول الله قلت: آ الله أرسلك قال: نعم قلت: بم أرسلك قال: بأن تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الأصنام وتصل الأرحام قال: قلت: نعم (بكسر النون) ما أرسلك به فمن اتبعك على هذا قال: حر وعبد يعني أبا بكر وبلالاً قال: فكان عمرو بعد ذلك يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام قال: فأسلمت قلت: فأتبعك يا رسول الله قال: لا ولكن الحق بقومك فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني. وروى أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط بمكة فأتى عليّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقالا: عندك يا غلام لبن تسقينا قلت إني مؤتمن ولست بساقيكما فقال: هل عندك من جذعه (بفتح الجيم والذال) لم ينز عليها الفحل بعد (أي لم يجامعها الفحل) بعد قلت نعم فأتيتهما بها (يعني ائتنا بجذعه ليس فيها لبن) فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الضرع ودعا فحفل الضرع وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثمّ شرب هو وأبو بكر ثمّ سقياني ثمّ قال: للضرع أقلص فقلص (أي رجع) كما كان فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت علمني من هذا القول الطيب (يعني القرآن) فقال: إنك غلام معلّم (بفتح اللام) فأخذت من فيه (أي من فمه) سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد.
إسلام أبي ذر الغفاري :
وكذلك ممن أسلم في أول الأمر أبو ذر الغفاري وقصته كما يأتي: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري قال: خرجنا من قومنا غفار وهم يحلون (بضم الياء) الشهر الحرام وخرجت أنا وأخي أنيس (بضم الألف وفتح النون) وأمنا فنزلنا على خال لنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس (يعني أنه يخونه في أهله) فجاء خالنا فنثى علينا الذي قيل له (يعني قال لنا وذكر لنا ما قيل له) فقلت له: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته (أي بتصديقك هذه الأخبار) ولا جماع لك فيما بعد فقربنا صرمتنا (بكسر الصاد) (أي ناقتنا) فاحتملنا عليها فتركنا خالنا وسرنا فتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة (أي قريباً من مكة) فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهنة فخيّر أنيساً فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها (يعني أن أنيساً كان شاعراً فجاء إلى قريب من مكة ففاخر الناس بالشعر ثمّ احتكموا على ناقة مقابل ناقة ثمّ احتكموا إلى الكاهن فحكم لأنيس أنه أشعر فأخذ الصرمة الثانية أي الناقة الثانية) قال أبو ذر للراوي عنه عبدالله بن الصامت: وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثلاث سنين قلت (يعني عبدالله بن الصامت) لمن؟ قلت: لله. قلت: فأين توجهت؟ (أي إلى أي قبلة) قلت: أتوجه حيث يوجهني ربي أصلي عشاءاً حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس (يعني كأني كساء أو ثوب من ضعفي وتعبي سقطت ونمت لا حركة في)، قال أبو ذر: فقال لنا أخي أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني (أي ابق) مع أمي حتى اذهب وأرجع فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي (أي تأخر) ثمّ جاء فقلت ما صنعت قال: لقيت بمكة رجلاً على دينك يزعم أن الله أرسله قال أبو ذر: فقلت: فما يقول الناس قال: يقولون شاعر كاهن ساحر وكان أنيس أحد الشعراء قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر (أي على أنواع الشعر وأوزانه) فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر (أي ليس بشعر) والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون قال أبو ذر: قلت لأنيس: فاكفني حتى أذهب فأنظر فأتيت مكة فتضعّفت رجلاً منهم (أي ذهبت إلى رجل أرى إنه ضعيف فيهم) فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ (يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فأشار إليّ وقال: الصابئ، الصابئ (يعني يشير عليّ بأني أنا الصابئ) فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم، (المدرة هي حجارة من الطين)، حتى خررت مغشياً عليّ من الضرب فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، (أي عندما وعيت من هذا الضرب وقفت كأني علامة حمراء من كثرة الدماء التي على جسدي) فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها ولقد لبثت يا ابن أخي (يقول لعبد الله بن الصامت) ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم (ما كانوا يطعمونه لأنهم يتهمونه بأنه صابئ)، فسمنت حتى تكسرت عكن (بضم العين وفتح الكاف) بطني (يعني لحم البطن صار على بعضه)، وما وجدت على كبدي سخفة (بضم السين) جوع (أي ما شعرت بالضعف بسبب الجوع لأنه جلس شهراً كاملاً ما يشرب إلا ماء زمزم)، فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان (يعني مضيئة) إذ ضرب (بضم الضاد) على أصمختهم (أي آذانهم)، فما يطوف بالبيت أحد (يعني الناس كلهم نيام) و امرأتين تدعوان إسافاً ونائلة (أي رأيت امرأتان تدعوان إسافاً ونائلة)، (وإساف صنم وكذلك نائلة)، فأتتا عليّ وهما في طوافهما فقلت أنكحا أحدهما الآخر (يعني يستهزأ بآلهتهما) فما تناهتا عن قولهما ثمّ انطلقتا تولولان وتقولان لو كان هاهنا أحد من أنفارنا (أي لو كان أحد هنا يقوم فيدافع عنّا) فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وهما هابطان قال: ما لكما؟ قالتا الصابئ بين الكعبة وأستارها قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما قال لكما؟ قالا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم (أي عظيمة) فجاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثمّ صلى فلما قضى صلاته صلوات الله وسلامه عليه فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام فقلت له السلام عليك يا رسول الله فقال: وعليك ورحمة الله ثمّ قال: من أنت؟ قلت من غفار قال فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت: في نفسي كره أن انتميت إلى غفار فذهبت آخذ بيده (أي أرفع يده) عن جبهته فقدعني صاحبه (أي منعني ودفعني صاحبه) وكان أعلم به مني ثمّ رفع رأسه (أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ثمّ قال: متى كنت هاهنا؟ قلت قد كنت هاهنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال: فمن كان يطعمك؟ قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن (بضم العين وفتح الكاف) بطني وما أجد على كبدي سخفة (يضم السين) جوع فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنها مباركة إنها طعام طعم (بضم الطاء) فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في إطعامه الليلة فانطلق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر باباً فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف (والزبيب هو العنب) وكان ذلك أول طعام أكلته بها ثمّ غبرت (بفتح الغين والباء وتسكين الراء) (أي بقيت ما بقيت) ثمّ أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: إني قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب (أي أني أسافر إلى يثرب) أهاجر إليها صلوات الله وسلامه عليه فهل أنت مبلّغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم فأتيت أنيساً فقال لي: ما صنعت قلت صنعت أني قد أسلمت وصدقت قال: ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت فأتيت أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت فاحتملنا (أي ارتحلنا) حتى أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وكان يؤمهم إماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم وقال: نصفهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة أسلمنا فقدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة فأسلم نصفهم الباقي (أي أسلمت غفار) كلّها يقول وجاءت أسلم (أي قبيلة أسلم) فقالوا: يا رسول الله إخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه فأسلموا فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله.