| |
 |
1- فمن هُدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم ، الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه ، هُدٍيَ هناك إلى الصراط المستقيم ، الموصل إلى الجنه ودار ثوابه ، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار ، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم . وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط . فمنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالطرف ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كشد الركاب ، ومنهم من يسعى سعياَ ، ومنهم من يمشي مشياَ ، ومنهم من يحبوا حبواَ ، ومنهم المخدوش المسلَّم ، ومنهم المكردس في النار ، فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا ، حَذْوَ القُذَّه بالقُذَّه جزاءً وفاقا ( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النمل:90) (1/16) .
2- الصراط : تارةً يضاف إلى الله ، إذ هو الذي شرعه ونصبه كقوله تعالى : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً) (الأنعام:153) وقوله : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى:52) وتارةً يضاف إلى العباد كما في سورة الفاتحه . لكونهم أهل سلوكه ، وهو المنسوب لهم ، وهم المارون عليه . (1/17)
3- هل لله على الكافر من نعمه أم لا ؟
فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان ، ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر ، كما قال تعالى : (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (ابراهيم:34)
والنعمة من جنس الإحسان ، بل هي الإحسان ، والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، وأما الإحسان المطلق : فللذين أتقوا والذين هم محسنون (1/19)
4- قال الله تعالى : (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) (الحجر:41) ، قال الحسن معناه صراط إليَّ مستقيم ، وهذا يحتمل أمرين : أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض ، فقامت أداة (عليَّ) مقام (إليَّ) والثاني : أنه أراد التفسير على المعنى ، وهو الأشبه بطريق السلف ، أي صراط موصل إليَّ ، وقال مجاهد : الحق يرجع إلى الله ، وعليه طريقه ، لا يعرج على شيء وهذا مثل قول الحسن وأبين منه ، وهو من أصح ما قيل في الآية ، وقيل (عليَّ) فيه للوجوب ، أي على بيانه وتعريفه والدلالة عليه ، والقولان نظير القولين في آية النحل (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) (النحل:9) والصحيح فيها كالصحيح في آية الحجر : أن السبيل القاصد – وهو المستقيم المعتدل – يرجع إلى الله ، ويوصل إليه (1/22)
5- قال الله تعالى : (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) (النساء:164) فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده ، ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كَلَّمَهْ ، وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية ، ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر (كلم) وهو التكليم رفعاً لما يتوهمه المعطله والجهميه والمعتزله وغيرهم من أنه إلهام ، أو إشاره ، أو تعريف للمعنى النفسي بالشيء غير التكليم ، فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبه ورفع توهم المجاز ، قال الفراء : العرب تسمي مايوصل إلى الإنسان كلام بأي طريق وصل ، ولكن لا تحققه بالمصدر ، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلى حقيقة الكلام كالإراده ، يقال : فلان إراد إراده ، يريدون حقيقة الإرادة ، هذا كلامه وقال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (لأعراف:143) وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون ، وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر ، لا في الأول ، وفيه أعطى الألواح ، وكان عن مواعده من الله له ، والتكليم الأول لم يكن عن مواعده ، وفيه قال الله تعالى له : (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي) (لأعراف:144) أي بتكليمي لك بإجماع السلف . (1/47)
6- أما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات :(حدثني قلبي عن ربي) فصحيح أن قلبه حدثه ، ولكن عمَّن ؟ عن شيطانه أو عن ربه ؟ فإذا قال :(حدثني قلبي عن ربي) كان مسنداََ الحديث إلى من يعلم أنه حدثه به ، وذلك كذب ، قال : ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك ، ولا تفوه به يوماََ من الدهر ، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك ، بل كتب كتابه يوماًَ (وهذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) فقال (لا أمْحُهُ ، وأكتب : هذا ما رأى عمر بن الخطاب فإن كان صواباً فمن الله ، وإن كان خطأً فمن عمر ، والله ورسوله منه بريء) وقال في الكلالة (أقول فيها برأيي ، فإن يكن صواباً فمن الله ، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان) فهذا قول المحدث بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنت ترى الإتحادي والحلولي والإباحي الشَّطاح والسماعي : مجاهر بالقِحَّةِ والفِرْيَه . يقول (حدثني قلبي عن ربي) فأنظر إلى مابين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين وأعط كل ذي حقٍ حقَّه ولا تجعل الزغل والخالص شيئاُ واحداً . (1/50)
7- والتحقيق في هذا أن كل واحد من (الفراسة) و (الإلهام) ينقسم إلى عام وخاص . وخاص كل واحد منهما فوق عام الآخر ، وعام كل واحد قد يقع كثيراً وخاصه قد يقع نادراً ولكن الفرق الصحيح : أنَّ الفراسه قد تتعلق بنوع كسب وتحصيل ، وأمّا الإلهام فموهبه مجرده ، لا تنال بكسب البتَّه (1/53)
8-أصدق الرؤيا : رؤيا الأسحار ، فإنه وقت النزول الإلاهي ، وأقتراب الرحمة والمغفره ، وسكون الشياطين ، وعكسه رؤيا العتمه عند إنتشار الشياطين والأرواح الشيطانيه , وقال عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) وللرؤيا ملك موكل بها يريها العبد في أمثال تناسبه وتشاكله ،فيضربها لكل أحد بحسبه . وقال مالك ( الرؤيا من الوحي وحي) وزجر عن تفسيرها بلا علم ، وقال :(أتتلاعب بوحي الله ؟)
(1/63)
9- كثيراً ما كنت أسمع شيخ الإسلام بن تيمية – قدس الله روحه – يقول (إياك نعبد ) تدفع الرياء ( وإياك نستعين ) تدفع الكبرياء (1/65)
10- هنا أمور ثلاثة : موافقة الدواء للداء ، وبذل الطبيب له ، وقبول طبيعة العليل ، فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء ، وإذا أجتمعت حصل الشفاء ولا بد بإذن الله سبحانه وتعالى . ومن عرف هذا كما ينبغي تبين له أسرار الرقي ، وميز بين النافع منها وغيره ورقى الداء بما يناسبه من الرقي ، وتبين له أن الرقية براقيها وقبول المحل ، كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع ، وهذه إشارة مطلعه على ما ورائها لمن دق نظرة ، وحسن تأمله . والله أعلم .
وأما شهادة التجارب بذلك : فهي أكثر من أن تذكر . وذلك في كل زمان . وقد جربت أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أموراً عجيبة ، ولا سيما مدة المقام بمكة . فإنه كان يعرض لي آلام مزعجه ، بحيث تكاد تقطع الحركة مني وذلك في أثناء الطواف وغيره ،فأبادر إلى قرائة الفاتحة ، وأمسح بها على محل الألم فكأنه حصاة تسقط . جربت ذلك مراراً عديدة ، وكنت آخذ قدحاً من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مراراً ، فأشرب به فأجد به من النفع والقوة مالم أعهد مثله في الدواء . والأمر أعظم من ذلك ، ولكن بحسب قوة الإيمان ، وصحة اليقين والله المستعان .. (1/69)
11- الإستدلال بالصنعة كثير ، وأما الإستدلال بالصانع فله شأن ، وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) (ابراهيم:10) أي أيشك في الله حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده ؟ وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول ؟ فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى ؟ ثم نبهوا على الدليل بقولهم (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الزمر:46) وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين أبن تيمية – قدس الله روحة – يقول : كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيءٍ ؟ وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت :
وَلَيْسَ يَصِحُّ في الَأَذْهانِ شَيءٌ ... إِذا أحْتاجَ النَّهارُ إِلى دَليلٍ
ومعلومٌ أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما (1/71)
12- فإنه سبحانه يسأله من في السماوات والأرض : يسأله أوليائه وأعدائه ويمد هؤلاء وهؤلاء ، وأبغض خلقة : عدوه إبليس ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها ، ومتعه بها ، ولكن لما لم تكن عوناً له على مرضاته كانت زيادةً له في شقوته ، وبعده عن الله وطرده عنه ، وهكذا كل من أستعان به على أمرٍ وسأله إياه ، ولم يكن عوناً له على طاعته : كان مبعداً له عن مرضاته ، قاطعاً له عنه ولابد .
وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره ، وليعلم أن إجابة الله لسؤاله ليست لكرامة السائل عليه ، بل يسأله العبد الحاجة فيقضيها له ، وفيها هلاكه وشقوته ، ويكون قضائها له من أوانه عليه ، وسقوطه من عينه ، ويكون منعه منها لكرامته عليه ولمحبته له ، فيمنعه حمايةً وصيانةً وحفظاً لا بخلاً . وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته ، ويعامله بلطفه ، فيظن – بجهله – أن الله لا يحبه ولا يكرمه ، ويراه يقضي حوائج غيره ، فيسيء ظنه بربه ، وهذا حشو قلبه ولا يشعر به ، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة ، وعلامة هذا : حمله على الأقدار ، وعتابه الباطن لها ، كما قيل :
وَعاجِزُ الرّأْيِ مٍضْياعٌ لِفُرْصَتِهِ ... حَتّى إِذا فاتَ أَمْرٌ عاتَبَ القَدَرَ
فوالله لو كشف عن حاصله وسره لرآى هناك معاتبة القدر وأتهامه وأنه قد كان ينبغي أن يكون كذا وكذا ، ولكن ما حيلتي ، والأمر ليس إلي ؟ والعاقل خصم نفسه ، والجاهل خصم أقدار ربه .
فأحذر كل الحذر أن تسأله شيئاً معيناً خيرته وعاقبته ومغيبةً عنك وإذا لم يجد من سؤاله بد ، فعلقه على شرط علمه تعالى فيه الخيرة وقدم بين يدي سؤالك الإستخارة ، ولا تكن إستخارة باللسان بلا معرفة ، بل إستخارة من لا علم له بمصالحه ولا قدرة له عليها ولا أهتداءٌ له إلى تفاصيلها ، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، بل إن وكل إلى نفسه هلك كل الهلاك ، وأنفرط عليه أمره . (1/91)
13- من زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد ، فهو زنديق كافر بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله ، والإنسلاخ من دينه . (1/171)
14- كذلك الصدق ، والفرق بينه وبين الإخلاص : أن للعبد مطلوباً وطلباً ، فالإخلاص : توحيد مطلوبة ، والصدق : توحيد طلبة ، فالإخلاص : أن لا يكون المطلوب منقسماً ، والصدق : أن لا يكون الطلب منقسماً ، فالصدق بذل الجهد ، والإخلاص إفراد المطلوب . (1/124)
15- (البصيرة) على ثلاث درجات ، من إستكملها فقد إستكمل البصيرة : بصيرةٌ في الأسماءِ والصفات ، وبصيرةٌ في الأمر والنهي ، وبصيرةٌ في الوعد والوعيد (1/139)
16- تجد أضعف الناس بصيرةً أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف ، لجهلهم بالنصوص ومعانيها ، وتمكن الشبهة الباطلة من قلوبهم ، وإذا تأملت حال العامة – الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم – رأيتهم أتم بصيرةً منهم ، وأقوى إيماناً ، وأعظم تسليماً للوحي ، وانقياداً للحق . (1/141)
17- لا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها ، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه (1/191)
18- إن العبد بين منةٍ من الله عليه ، وحجةٌ منه عليه ، ولا ينفك عنهما فالحكم الديني متضمنٌ لمنته وحجته ، قال الله تعالى : (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (آل عمران:164) وقال: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) (الحجرات:17) وقال: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) (الأنعام:149) .
والحكم الكوني أيضاً متضمنٌ لمنته وحجته ، فإذا حكم له كوناً حكماً مصحوباً باتصال الحكم الديني به فهو منةٌ عليه ، وإن لم يصحبه الديني فهو حجةٌ منه عليه .
وكذلك حكمه الديني إذا أتصل به حكمه الكوني ، فتوفيقه للقيام به منةٌ منه عليه ، وإن تجرد عن حكمه الكوني صار حجةٌ منه عليه ، فالمنةُ : باقتران أحد الحكمين بصاحبه ، والحجةُ : في تجرد أحدهما عن الآخر ، وكل علم صحبه عمل يرضي الله سبحانه وتعالى فهو منةٌ ، ، وإلا فهو حجة . وكل قوةٍ ظاهرةٍ وباطنةٍ صحبها تنفيذٌ لمرضاته وأوامره فهي منةٌ ، وإلا فهي حجةٌ ، وكل حالٍ صحبه تأثير في نصرةِ دينه والدعوة إليه فهو منةٌ منه ، وإلا فهو حجة ، وكل مالٍ اقترن به إنفاق في سبيل الله وطاعته ، لا لطلب الجزاء ولا الشكور ، فهو منةٌ من الله عليه ، وإلا فهو حجة . وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منةٌ عليه ، وإلا فهو حجة .
وكل قبول في الناس ، وتعظيم محبةٍ له ، أتصل به خضوع للرب ، وذل وإنكساء ، ومعرفةٌ بعيب النفس والعمل وبذل النصيحه للخلق فهو منةٌ وإلا فهو حجة وكل بصيرةٍ وموعظة ، وتذكير وتعريف من تعريفات الحق سبحانه إلى العبد أتصل به عبرةٌ ومزيد من العقل ، ومعرفةٌ في الإيمان فهي منةٌ ، وإلا فهي حجة . وكل حالٍ مع الله تعالى ، أو مقامٍ اتصل به السير إلى الله ، وإيثار مراده على مراد العبد فهو منةٌ من الله ، وإن صحبة الوقوف عنده والرضى به وإيثار مقتضاه من لذة النفس به وطمأنينتها إليه ، وركونها إليه ، فهو حجةٌ من الله عليه .
فليتأمل العبد هذا الموضع العظيم الخطر ، ويميز بين واقع المنن والمحن والحجج والنعم ، فما أكثر ما يلتبس ذلك على خواطر الناس وأرباب السلوك قال تعالى : (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (النور:46) (1/192)
19- قال الله تعالى (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) (آل عمران:17) قال الحسن : مدوا الصلاة إلى السحر . ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل (1/195)
20- ولله در الشيخ أبي مدين حيث يقول : من تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء ، وأحواله بعين الدعوى ، وأقواله بعين الافتراء ، وكلما عظم المطلوب في قلبك ، صغرت نفسك عندك ، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله ، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية ، وعرفت الله ، وعرفت النفس ، وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق . ولو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته وإنما يقبله بكرمة وجودة وتفضله
(1/196)
21- يحتمل أن يريد : أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم أثماً من ذنبه وأشد من معصيته ، لما فيه من صَوْلة الطاعة ، وتزكية النفس ، وشكرها والمناداة عليها بالبراء من الذنب ، وأن أخاك باء به ، ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذله والخضوع ، والازدراء على نفسه ، والتخلص من مرض الدعوى ، والكبر والعجب ، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس , خاشع الطرف ، منكس القلب : أنفع له وخير من صولة طاعتك وتكَثُّرِكَ بها والاعتداد بها ، والمنَّة على الله وخلقة بها . فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله ! وما أقرب هذا المُذِلُّ من مَقْتِ الله ! فذنب تذل به لديه ، أحب إليه من طاعة تُدِلُّ بها عليه ، وإنك إن تبيت نائماً وتصبح نادماً ، خير من أن تبيت قائماً وتصبح معجباً ، فإن العجب لا يصعد له عمل ، وأنك إن تضحك وأنت معترف ، خير من أن تبكي وأنت مدل ، وأنين المذنبين ، أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين ، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء أستخرج به داءً قاتلاً هو فيك ولا تشعر (1/197)
22- الله تعالى : يضيف تزيين الدنيا والمعاصي للشياطين ، كما قال تعالى : (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:43) وقال : (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) (الأنعام:137) وفي الحديث ( بعثت هادياً وداعياً ، وليس إليَّ من الهدايةِ شيء . وبعث إبليس مغوياً ومزيناً وليس إليه من الضلالة شيء ) ولا يناقض هذا قوله تعالى : (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) (الأنعام:108) فإن إضافة التزين إليه قضاءً وقدراً ، وإلى الشيطان تسبباً ، مع أن تزيينه تعالى عقوبةً لهم على ركونهم إلى زينه الشيطان لهم فمن عقوبة السيئة : السيئة بعدها ، ومن ثواب الحسنه : الحسنه بعدها (1/204)
23- ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه ، وإسائة الظن به فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل ، وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم : صلوات الله وسلامه عليه – والكامل من عد خطأه ، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام ، وضلت فيه أفهام ، وأفترقت بالسالكين فيه الطرقات ، وأشرفوا – إلا أقلهم – على أودية الهلكات(1/219)
24- ذكر الجفا في وقت الصفا جفا (1/223)
25- قال شيخنا : تزوجت الحقيقة الكافرة ، بالبدعة الفاجرة ، فتولد بينهما خسران الدنيا والآخرة (1/245)
26- التوبة لا تصح من ذنب ، مع الإصرار على آخر من نوعه ، وأما التوبة من ذنب ، مع مباشرة آخر لا تعلق له به ، وهو من نوعه : فتصح كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلاً ، فإن توبته من الربا صحيحه وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه أو بالعكس ، أو تاب من تناول الحشيش وأصر على شرب الخمر أو بالعكس ، فهذا لا تصح توبته وهم كمن يتوب عن الزنا بأمره وهو مصر على زنا بغيرها غير تائب منها ، أو تاب من شرب عصير العنب المسكر ، وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة ، فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب (1/300)
27-نص أحمد على هذا في رواية ، فقال : ينبغي للعبد أن يتزوج إذا خاف على نفسه ، فيستدين ويتزوج ، لا يقع في محظور فيحبط عمله (1/304)
28- لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل (1/320)
29- قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم – على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة (1/322)
30- هذا – والله أعلم – هو السر في استجابة دعوة الثلاثة : المظلوم والمسافر ، والصائم ، للكسرة التي في قلب كل واحد منهم . فإن غربة المسافر وكسرته مما يجده العبد في نفسه : وكذلك الصوم ، فإنه يكسر سورة النفس السبعية الحيوانية ، ويذلها (1/325)
31- قوله تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (لأنفال:33) فإن الله لا يعذب مستغفراً ، وأما من أصر على الذنب ، وطلب من الله مغفرةً ، فهذا ليس باستغفار مطلق ، ولهذا لا يمنع العذاب ، فالاستغفار يتضمن التوبة ، والتوبة تتضمن الاستغفار ، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق(1/335)
32- قال محمد بن كعب القرظي : يجمعه أربعة أشياء : الاستغفار باللسان ، والإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سيء الأخوان
(1/337)
33- فلأهل الذنوب ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا . فإن لم تفِ بطهرهم طهروا في نهر الجحيم يوم القيامة : نهر التوبة النصوح ، ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها ، ونهر المصائب العظيمة المكفرة ، فإذا أراد الله بعبده خيراً أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة ، فورد القيامة طيباً طاهراً ، فلم يَحْتَجْ إلى التطهير الرابع (1/339)
34- يحكى عن أبي إسحاق الإسفرائيني أنه قال : الذنوب كلها كبائر وليس فيها صغائر ، فليس مراده : أنها مستوية في الإثم ، بحيث يكون أثم النظر المحرم ، كإثم الوطء في الحرام ، وإنما المراد : أنها بالنسبة إلى عظمة من عُصِيَ بها كلها كبائر ، ومع هذا فبعضها أكبر من بعض ، ومع هذا فالأمر في ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى (1/342)
35- أعلم أن أشعة (لا إله إلا الله) تبدد من ضباب الذنوب وقيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه ، فلها نور ، وتفاوت أهلها في ذلك النور . قوةً وضعفاً – لا يحصيه إلا الله تعالى .
فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس ، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري ، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم ، وآخر كالسراج المضيء وآخر كالسراج الضعيف . ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بإيمانهم ، وبين أيديهم على هذا المقدار ، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة ، علماً وعملاً ، ومعرفةً وحالاً .
وكلما عظم نور هذه الكلمة وأشتد : أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته . حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهه ولا شهوة ولا ذنباً إلا احرقه وهذا حال الصادق في توحيده ، الذي لم يشرك بالله شيئاً . فأي ذنب أو شهوة أو شبهه دنت من هذا النور أحرقها ، فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته ، فلا ينال منها السارق إلى على غِرَّةً وغفلة لا بد منها للبشر ، فإذا أستيقظ وعلم ما سرق منه إستنقذه من سارقه أو حصل أضعافه بكسبه ، فهو هكذا أبداً مع لصوص الجن والأنس ، ليس كمن فتح لهم خزانته ، وولى الباب ظهره (1/358)
36- ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا .....) (الحجرات:6) الآية ، و(النبأ) هو الخبر الغائب عن المخبر إذا كان له شأن ، (والتبين) طلب بيان حقيقة والإحاطة بها علماً .
وها هنا فائدة لطيفة ، وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملة ، وإنما أمر التبين ، فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه ، عمل بدليل الصدق ، ولو أخبر به من أخبر ، هكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته ، وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم ، بل كثير منهم يتحرى صدق غاية التحري وفسقه من جهات آخر ، فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته ، ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق ، وبطل كثير من الأخبار الصحيحة ، ولا سيما من فسقه من جهة الاعتقاد والرأي وهو متحرٍ للصدق ، فهذا لا يرد خبره ولا شهادته .
وأما من فسقه من جهة الكذب : فإن كثر منه وتكرر ، بحيث يغلب كذبه على صدقه ، فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته ، وإن ندر منه مره ومرتين ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء . وهما روايتان عن الإمام أحمد – رحمه الله - (1/391)
37- الكذب يراد به أمران : أحدهما : الخبر غير المطابق لمخبره ، وهو نوعان : كذب عمداً ، وكذب خطأ ، فكذب العمد معروف ، وكذلك الخطأ ككذب أبي السنابل بن بعكك في فتواه للمتوفي عنها إذا وضعت حملها (أنها لا تحل حتى تتم أربعة أشهر وعشراً) فقال النبي صلى الله عليه وسلم (كذب أبو السنابل) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (كذب من قالها) لم قال (حبط عمل عامر ، حيث قتل نفسه خطأ) ومنه قول عبادة بن الصامت :( كذب أبو محمد ) حيث قال :(الوتر واجب) فهذا كله من كذب الخطأ ومعناه (أخطأ) قائل ذلك . والثاني من أقسام الكذب : الخبر الذي لا يجوز الأخبار به ، وإن كان خبره مطابقاً لمخبره ، كخبر القاذف المنفرد برؤية الزنا ، والأخبار به فإنه كاذب في حكم الله ، وإن كان خبره مطابقاً لمخبره ، ولهذا قال تعالى (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النور:13) فحكم الله في مثل هذا : أن يعاقب عقوبة المفتري الكاذب وإن كان خبره مطابقاً ، وعلى هذا فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند الله ، كما أخبر الله تعالى به عنه ، فإذا لم يعترف بأنه كاذب وجعله الله كاذباً ، فأي توبةٍ له ؟ وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه ؟ (1/395)
38- فأما مشهد الحيوانية ، وقضاء الشهوة : فمشهد الجهال ، الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان ، إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان ، ليس همهم إلا مجرد ميل الشهوة بأي طريق أفضت إليها ، فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية لم تترق عنها إلا درجة الإنسانية ، فضلاً عن درجة الملائكة , فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر , وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها , فمنهم : من نفسه كلبيه ، لو صادف جيفه تشبع ألف كلب لوعه عليها , وحماها من سائر الكلاب , ونبح كل كلب يدنوا منها ، فلا تقربها الكلام إلا على كره منه وغلبه , ولا يسمح لكلب بشيءٍ منها ، وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق : ميته أو مذكى ، خبيث أو طيب ، ولا يستحي من قبيح ، إن تحمل عليه يلحث , إن أطعمته بصبص بِذَنَبِهِ ودار حولك , وإن منعته هرك ونبحك .
ومنهم من نفسه حماريه . لم تخلق إلا للكد والعلف , كلما زيد في علفه زيد في كده ، أبكم الحيوان ، وأقله بصيرة ، ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حمله كتابه ، فلم يحمله معرفة ولا فقهاً ولا عملاً ، ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه الله آياته فأنسلخ منها ، وأخلد إلى الأرض وأتبع هواه ، وفي هذين المثلين أسرار عظيمة ، ليس هذا موضع ذكرها .
ومنهم من نفسه سبعيَّه غضبيَّه ، همته العدوان على الناس ، وقهرهم بما وصلت إليه قدرته ، طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه .
ومنهم من نفسه فأريَّه ، فاسق بطبعه ، مفسد لما جاوره ، تسبيحه بلسان الحال : سبحان من خلقه للفساد
ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمّات ، كالحيه والعقرب وغيرهما ، وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه ، فيُدخِل الرجل القبر والجمل القِدْر ، والعين وحدها لم تفعل شيئاً ، وإنما النفس الخبيثة السُّمِّيَّة تكيّفت بكيفية غضبيه ، مع شدة حسد وإعجاب ، وقابلت المَعِين على غِرَّة منه وغفلة ، هو أعزل من سلاحه ، فلدغته كلدغة الحية التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الإنسان فتنهشه فإما عطب وإما أذى ، ولذى لا يتوقف أذى العائن على الرؤية والمشاهد ، بل إذا وُصِف له الشيء الغائب عنه وصل إليه أذاه ، والذنب لجهل المعين وغفلته وغِرَّتهُ عن حمل سلاحه كل وقت ، فالعائن لا يؤثر في شاكي السلاح ، كالحية إذا قابلت درعاً سابقاً على جميع البدن ليس فيه موضع مكشوف . فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها : أن لا يزال متدرعاً متحصناً لابساً أداة الحرب مواظباً على أوراد التعويذات ، والتحصينات النبويه ، التي في القرآن والتي في السنَّه (1/432)
39- فما حصل للعبد حال مكروهه قط إلاّ بذنب ، وما يعفوا الله عنه أكثر قال الله تعالى (َمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30)
وقال لخيار خلقه وأصحاب نبيه (َوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165) وقال (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) (النساء:79)
والمراد بالحسنة والسيئة هنا : النعم والمصائب التي تصيب العبد من الله . ولهذا قال : (ما أصابك) ولم يقل : (ما أصبت) فكل نقص وبلاء وشر في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب ،ومخالفة أوامر الرب فليس في العالم شر قط إلا الذنوب وموجباتها (1/456)
40- كان شيخ الإسلام بن تيمية – رضي الله عنه – يقول : من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية (1/464)
41- (الإنابة) إنابتان : إنابة لربوبية ، وهي إنابة المخلوقات كلها ، يشترك فيها المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، قال الله تعالى (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) (الروم:33) فهذا عام في حق كل داعٍ أصابه الضر ، كما هو الواقع. وهذه (الإنابة) لا تستلزم الإسلام بل تجامع الشرك والكفر كما قال تعالى في حق هؤلاء :( ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُون ليكفروا بما آتيناهم ) (الروم:33) فهذا حالهم بعد إنابتهم .
و (الإنابة) الثانية إنابة أوليائه ، وهي إنابة لإلهيته ، إنابة عبودية ومحبة . وهي تتظمن أربعة أمور : محبته ، الخضوع له ، الإقبال عليه ، الإعراض عما سواه ، فلا يستحق أسم (المنيب) إلاّ من اجتمعت فيه هذه الأربع ، وتفسير السلف لهذه اللفظه يدور على ذلك . (1/467)
42- قال : وإنما يستقيم الرجوع إليه إصلاحاً بثلاثة أشياء : بالخروج من التبعات ، التوجُّع للعثرات ، استدراك الفائتات .
والخروج من التبعات : هو بالتوبة من الذنوب التي بين العبد وبين الله ، وأداء الحقوق التي عليه للخلق
التوجع للعثرات يحتمل شيئين
أحدهما : أن يتوجع لعثراته إذا عثر ، فيتوجع قلبه فينصدع ، وهذا دليل على إنابته إلى الله ، بخلاف من لا يتألم قلبه ولا ينصدع من عثرته ، فإنه دليل على فساد قلبه وموته
الثاني : أن يتوجع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر ، حتى كأنه هو الذي عثر بها ولا يشمت به ، فهي دليل على رِقَّةْ قلبه وإنابته
استدراك الفائتات : هو استدراك ما فاته من طاعة وقربة بأمثالها ، أو خير منها ولا سيما في بقية عمره ، عند قرب رحيله إلى الله ، فبقية عمر المؤمن لا قيمة لها ، يستدرك بها ما فات ، ويُحيي بها ما أمات (1/469)
43- فلا إله إلا الله . كم من النفوس من علل وأمراض وحظوظ تمنع الأعمال : أن تكون لله خالصة ، وأن تصل إليه ؟ وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البته وهو غير خالص لله ، ويعمل العمل والعيون قد أستدارت عليه نطاقا وهو خالص لوجه الله ، فلا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها . (1/472)
44- كان شيخ الإسلام بن تيمية – قدس الله روحة – شديد اللهج بها جداً ، وقال لي يوماً : لهذين الإسمين وهما (الحي القيوم) تأثير عظيم في حياة القلب وكان يشير إلى أنهما الإسم الأعظم ، وسمعته يقول : من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر (ياحي ياقيوم – لا إله إلا أنت – برحمتك أستغيث ) حصلت له حياة القلب ، ولم يمت قلبه (1/482)
45- مفسدات القلب الخمسة فهي التي أشار إليها : كثرة الخلطة، التمني ، التعلق بغير الله ، الشبع ، المنام ، فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب .
(1/488)
46- إنه لا نعيم له ولا لذَّة ، ولا ابتهاج ، ولا كمال ، إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره ن والفرح والإبتهاج بقربه ، والشوق إلى لقائه ، فهذه جنته العاجله ، كما أنه لا نعيم له في الآخرة ، ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة ، فله جنتان لا يدخل الثانية منها إن لم يدخل الأولى
وسمعت شيخ الإسلام بن تيمية – قدس الله روحه – يقول : إن في الدنيا جنه من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة
قال بعض العارفين : إنه ليمر بالقلب أوقات . أقول : إن كان أهل الجنه في مثل هذا ، إنهم لفي عيش طيب
وقال بعض المحبين : مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها ، وقالوا : وما أطيب ما فيها ؟ قال : محبة الله ، والأنس به ، والشوق إلى لقائه ، والإقبال عليه ، والإعراض عما سواه – أو نحو هذا الكلام (1/488)
47- قيل للإمام أحمد : أيكون الرجل زاهداً ، ومعه ألف دينار ؟ قال : نعم على شريطة ألاّ يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت ، ولهذا كان الصاحبة أزهد الأمه مع ما بأيديهم من الأموال .
وقيل لسفيان الثوري : أيكون ذو المال زاهداً ؟ قال : نعم إن كان إذا زيد ماله شكر ، وإن نقص شكر وصبر (1/500)
48- ليس من شرط ولي الله العصمة ، وقد تقاتل أولياء الله في صفين بالسيوف ، ولما سار بعضهم إلى بعض كان يقال : سار أهل الجنة إلى أهل الجنة ، وكونُ ولي الله يرتكب المحظور والمكروه متأوِّلاً أو عاصياً لا يمنع ذلك من الإنكار عليه ، ولا يخرجه من أصل ولاية الله . (1/537)
49- أجمع أرباب السلوك : على أن حزن الدنيا غير محمود إلاّ أبا عثمان الحِيِري ، فإنه قال : الحزن بكل وجه فضيلة ، وزيادة للمؤمن ، مالم يكن بسبب معصية ، قال : لأنه إن لم يوجب تخصيصاً ، فإنه يوجب تمحيصاً فيقال: لا ريب أنه محنه وبلاء من الله ، بمنزلة المرض والهم والغم ، وأما إنه من منازل الطريق : فلا والله سبحانه أعلم . (1/544)
50-[الوَجَلْ] و [الخَوْفْ] و [الخَشْيَه] و [الرَّهْبَه] ألفاظ متقاربة غير مترادفة ، فقال أبو القاسم الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس وقيل : الخوف اضطراب القلب وحركته مع تذكر المخوف وقيل : الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام ، وهذا سبب الخوف ، لأنه نفسه وقيل : الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره و [الخشية] أَخَصَّ من الخوف ، فإن الخشية للعلماء بالله ، وقال الله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28) فهي خوف مقرون بمعرفة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنّي أَتْقاكُم لله ، وأَشدُّكم لَهُ خشية ) فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون ، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحوه ، له حالتان
إحداهما : حركة للهرب منه ، فهو الخوف والثانية : سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه ، وهي الخشية ، ومنه : انخش الشيء ، والمضاعف المعتل أخوان ، كتقضي البازي وتقضض . وأما [الرهبة] فهي الإمعان في الهرب من المكروه ، وهي ضد [الرغبة] التي هي سفر القلب إلى طلب المرغوب فيه . بين الرهَبَ والهرب تناسب في اللفظ والمعنى ، يجمعهما الاستشقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع . وأما [الوجل] فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته ، أو لرؤيته وأما [الهيبة] فخوف مقارن للتعظيم والإجلال ، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة ، و [الإجلال] تعظيم مقرون بالحب فالخوف لعامة المؤمنين ، والخشية لعامة العارفين ، والهيبة للمحبين ، والإجلال للمقربين ، وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنى لأعلمكم بالله ،وأشدكم له خشية) وفي رواية (خوفاً) وقال ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى ) (1/549)
51- سمعت شيخ الإسلام بن تيمية – قدس الله روحه – يقول : الخوف المحمود ، ما حجزك عن محارم الله (1/551)
52-كان بعض الصحابة – رضي الله عنهم – وهو حذيفة ، يقول (إياكم وخشوع النفاق ، فقيل له : وما خشوع النفاق ؟ قال : أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع) ورأى أبن الخطاب – رضي الله عنه – رجل طأطأ رقبته في الصلاة فقال : (يا صاحب الرقبه ، إرفع رقبتك ، ليس الخشوع في الرقاب ، إنما الخشوع في القلوب) ورأت عائشة – رضي الله عنها – (شباباً يمشون ويتماوتون في مشيتهم ، فقالت لأصحابها : من هؤلاء ؟ فقالوا : نساك . فقالت : كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع : وإذا قال أسمع ، وإذا ضرب أوجع ، وإذا أطعم أشبع ، وكان هو الناسك حقاً) ، وقال الفضيل بن عياض ، ، كان يُكره أن يُرِىَ الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه ، وقال حذيفة – رضي الله عنه – ( أول ما تفقدون من دينكم الخشوع ، وأخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ، ورب مصلي لا خير فيه ، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعه فلا ترى فيه خاشعاً) وقال سهل : من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان (1/559)
53- سمعت شيخ الإسلام أبن تيمية – قدس الله روحه – يقول : العارف لا يرى له على أحد حقاً ، ولا يشهد له على غيره فضلاً ، ولذلك لا يعاتب ، ولا يطالب ، ولا يضارب (1/561)
54- إنما المراد : أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده ، كخشوعه وذله وانكساره ، لألا يراها الناس فيعجبه أطلاعهم عليها ، ورؤيتهم لها ، فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله ، وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك ؟ والمعصوم من عصمة الله ، فلا شيء أنفع للصادق من التحقيق بالمسكنة والفاقه والذل ، وأنه لا شيء ، وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدّعي الشرف فيه
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام بن تيمية – قدس الله روحة – من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره ، وكان يقول كثيراً : مالي شيء ولا من شيء ، ولا في شيء وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت :
أنا المُكَدّي وأبن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدّي
وكان إذا أُثنِيَ عليه في وجهه يقول : والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقتٍ وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً (1/562)
55-قال بعض السلف : الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك ، فما الظن بمن يهدي إليه جاريه شلّاء ، أو عوراء ، أو عمياء ، أو مقطوعة اليد والرجل ، أو مريضه ، أو دميمة ، أو قبيحة ، حتى يهدي إليه جاريه ميته بلا روح وجاريه قبيحة ، فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ، ويتقرب بها إلى الرب تعالى ؟ ، والله طيب لا يقبل إلّا طيباً ، وليس من العمل الطيب : صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيّب عتق عبد لا روح فيه (1/564)
56- سمعت شيخ الإسلام أبن تيمية – قدس الله روحه – يقول : الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة ، والوَرَعْ : ترك ما يخاف ضرره في الآخرة (2/10)
57- حكي عن بعضهم : أنه كان يرد عليه – وهو على بطن إمرأته – حاله يعهدها في غيرها .
ولهذا سبب صحيح ، وهو اجتماع قوى النفس ، وعدم التفاتها حينئذ إلى شيء ، مع ما يحصل لها من السرور والفرح ، والسرور يذكر بالسرور ، واللذة تذكر باللذة ، فتنهض الروح من تلك الفرحة إلى ما لا نسبة بينها وبينها بتلك الجمعية ، والقوة والنشاط ، وقطع أسباب الإلتفاف فيورثه ذلك حالاً عجيبة
ولا تعجل بالإنكار ، وأنظر إلى قلبك عند هجوم أعظم محبوب له عليه في هذه الحال ، كيف تراه ؟ فهكذا حال غيرك . ولا ريب أن النفس إذا نالت حظاً صالحاً من الدنيا قويت به وسرت ، واستجمعت قواها وجمعتها ، وزال تشتتها اللهم أغفر فقد طغى القلم ، وزاد الكلم ، فعياذاً بك اللهم من مقتك (2/19)
58- يقول : إن من صعد على الدرجة الأولى إلى هذه الدرجة من الورع يترك كثيراً مما لا بأس به من المباح ، إبقاء على صيانته ، وخوفاً عليها أن يتكدر صفوها ، ويطفأ نورها ، فإن كثيراً من المباح يكدر صفو الصيانة ، ويذهب بهجتها ، ويطفيء نورها ، ويخلق حسنها وبهجتها .
وقال لي يوماً شيخ الإسلام بن تيمية – قدس الله روحه – في شيء من المباح : هذا ينافي المراتب العالية ، وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة ، أو نحو هذا من الكلام .
والعارف يترك كثيراً من المباح إبقاء على صيانته ، ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخاً بين الحلال والحرام – فإن بينهما برزخاً – فتركه لصاحب هذه الدرجة كالمتعين الذي لا بد منه لمنافاته لدرجته (2/26)
59- (الرجاء) طمع و (الرغبة) طلب ، فإذا قَوٍيَ الطمع صار طلباً (2/58)
60- مراتب العلم والعمل ثلاثة (رواية) وهي مجرد النقل وحمل المروي . و(دراية) وهي فهمه وتعقل معناه ، و(رعاية) وهي العمل بموجب ما علمه ومقتضاه (2/62)
61-أرباب الطريق مجمعون على مراقبة الله تعالى في الخواطر : سبب لحفظها في حركات الظواهر ، فمن راقب الله في سره ، حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته (2/69)
62-سمعت شيخ الإسلام بن تيمية – قدس الله روحه – يقول : إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً ، فأتهمه ، فإن الرب تعالى شكور ، يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في النيا من حلاوة يجدها في قلبه ، وقوة انشراح وقرة عين فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول (2/70)
63- الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة ، التي لأرباب الولايات التي قدم
عدد القراء : 4208 |
 |
| تاريخ الموضوع: 06 - أكتوبر - 2003 ميلادية |
 |
|
|