الإسم:

البريد الإلكترونى:
 
أبو بكرة من فضلاء الصحابة - رد على د. محمد الأشقر
 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله ، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

)يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ( ( آل عمران آية 102)

) يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (

(النساء آية 1 )

) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ( ( الأحزاب آية 71 )

أما بعد ،،،

فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .

أيها القارئ الكريم :

هذا رد موجز على بعض ما جاء في مقال الدكتور محمد الأشقر ـ حفظه الله ـ والذي نشر في جريدة الوطن يوم السبت 29 / 5 / 2004 م والذي جرح فيه الشيخ ـ عفا الله عنه ـ عدالة الصحابي أبي بكرة ـ رضي الله عنه ، وعد أحاديثه التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم موضوعة ومكذوبة لا يصلح الاستدلال بها، وفي هذا كذلك طعن في صحيح البخاري، والتقليل من شأنه، واتهام البخاري بإخراج أحاديث موضوعة ومكذوبة في صحيحة . وردي على فضيلته سيكون في النقاط التالية :

أولا : ترجمة أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ .

ثانيا : ذكر أقوال أهل العلم بعدالة الصحابة .

ثالثا : أقوال أهل العلم في عدالة أبي بكرة وفضله .

رابعا : مراد المحدثين في العدالة الثابتة لجميع الصحابة .

خامسا : قصة أبي بكرة مع المغيرة ـ رضي الله عنهما ـ .

سادسا : حكم قبول شهادة القاذف .

سابعا : تفريق العلماء بين الشهادة والرواية .

ثامنا : سبب امتناع أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ عن التوبة عندما دعاه عمر ـ رضي الله عنه ـ .

تاسعا : مكانة الإمام البخاري عند العلماء .

عاشرا : مكانة صحيح البخاري عند العلماء .

الحادي عشر : الآثار السلبية لهذا المقال .

هذا وأرجو الله تبارك وتعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه .

والحمد لله رب العالمين ،،،

كتبه /

ناظم سلطان المسباح

14 / ربيع الآخر 1425هـ

الموافق 2 / 6 / 2004 م

الكويت

الدكتور محمد الأشقر مكانته عظيمة عند شباب الصحوة في كويتنا ـ حفظها الله تعالى ـ فله فضل ومنة بعد الله تعالى على شباب الكويت ، فقد درس وحاضر وأفتى وخدم في الموسوعة الفقهية ...، فلا ينكر منصف علمه وفضله ومكانته ، ولكنه ـ حفظه الله وبارك في علمه ـ لم يكن موفقا فيما كتب في مقاله الموسوم ( نظرة في الأدلة الشرعية حول مشاركة المرأة في الوظائف الرئاسية والمجالس النيابية ونحوها ) والذي نشر في جريدة الوطن الكويتية يوم السبت بتاريخ 29 / 5 / 2004 م ومما جاء فيه : ( ....ولذلك جلد عمر ـ رضي الله عنه ـ أبا بكرة ثمانين جلدة حد القذف بالزنى . ثم قال له : تب أقبل شهادتك ، فأبى أن يتوب وأسقط عمر ـ رضي الله عنه ـ بعد ذلك شهادته، فكان أبو بكرة بعد ذلك إذا استشهد على شيء يأبى أن يشهد، ويقول: إن المؤمنين قد أبطلوا شهادتي .

وقد قال الله تعالى في آية لاحقة: ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) (النور 13) . أي أنهم في حكم الله تعالى كاذبون لا يثبت بقولهم حق. هكذا حكم الله تعالى على من قذف محصنا، وهذا منطبق على أبي بكرة، فإن الآية تدمغه بالفسق وبالكذب، وهذا يقتضي رد ما رواه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما انفرد به كهذا الحديث العجيب " لن يفلح قوم تملكهم امرأة " فينبغي أن يضم هذا الحديث إلى الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى

وقال في لقاء آخر مع رئيس تحرير جريدة الوطن نشر يوم الاثنين بتاريخ 31 / 5 / 2004 م ما نصه : ( رئيس التحرير : أليس هناك أحاديث أخرى غير حديث أبي بكرة " لا يفلح قوم اسندوا أمرهم إلى امرأة " ؟ .

د . الأشقر : ليس هناك تحريم للمسألة إلا في هذا الحديث . ومن رواه صحابي جليل لكنه أخطأ . وقد قبل الحديث احتراما له على الرغم من أنه لا يجوز قبول هذا الحديث .

رئيس التحرير : هناك من يسأل هل تسقط بقية الأحاديث التي رواها الصحابي أبو بكرة ؟

د . الأشقر : نعم وهي بين 50 إلى 60 حديثا . وليس هناك من هو منزه عن الخطأ حتى البخاري نفسه . إن كتب الحديث ليست قرآنا .

وحول ما كتب سماحته لي بعض التعقيبات :

أولا : ترجمة أبي بكرة رضي الله عنه :ـ

" أبو بكرة " هو نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة ، صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل له أبو بكرة : لأنه تدلى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببكرة من حصن الطائف ، فكني أبا بكرة ، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ .

روى أبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة واثنين وثلاثين حديثا ، اتفق الشيخان على ثمانية وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث كما قال العيني في عمدة القاري .

روى عنه : الحسن البصري وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، والأحنف بن قيس ، ومحمد بن سيرين وأبناؤه وغيرهم .

كان مثل النصل في العبادة حتى مات ، له عقب كثير لهم وجاهة وسؤدد بالبصرة ، اعتزل الفتن في البصرة فلم يقاتل مع أحد الفريقين .

قال البخاري : قال مسدد : مات أبو بكرة والحسن بن علي في سنة واحدة . قال : وقال غيره :مات سنة إحدى وخمسين بعد الحسن .

ثانيا : ذكر أقوال أهل العلم بعدالة عموم الصحابة .

كلام الدكتور محمد في أبي بكرة كلام ليس بصواب ، ولم يسبقه إليه أحد ممن يعتد به، فعدالة الصحابة مجمع عليها بين علماء الكتاب والسنة . وهذه أقوال جهابذة أهل العلم فيهم:

قال النووي في التقريب : الصحابة كلهم عدول ، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به . ( تدريب الراوي للسيوطي 2 / 214 )

وقال إمام الحرمين : والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم : أنهم حملة الشريعة ، فلو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصره صلى الله عليه وسلم ، ولما استرسلت سائر الأعصار ، وقيل يجب البحث عن عدالتهم مطلقا ، وقيل : بعد الفتن . قال المعتزلة : عدول إلا من قاتل عليا ، وقيل : إذا انفرد ، وقيل إلا المقاتِل والمقاتَل ، وهذا كله ليس بصواب ، إحسانا للظن بهم وحملا لهم في ذلك على الاجتهاد المأجور فيه كل منهم .( نقله السيوطي في كتاب تدريب الراوي 2 / 214 )

وقال القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عدول بتعديل الله ورسوله لهم ولا ينتقص أحدا منهم إلا زنديق .

قال ابن الملقن : للصحابة بأسرهم خصيصة ، وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به . ( المقنع في علوم الحديث 2 / 492 نقلا من كتاب ولاية المرأة في الفقه الإسلامي لحافظ محمد أنور )

وقال ابن كثير كما في الباعث الحثيث ( 2 / 498 ) : ( والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة ، لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز ، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم ، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل ، والجزاء الجميل .

وأما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل ، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين ، والاجتهاد يخطئ ويصيب ، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ، ومأجور أيضا . وأما المصيب فله أجران .

وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين . وقول المعتزلة : الصحابة عدول إلا من قاتل عليا ، قول باطل مرذول مردود .

وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة ( 1 / 10 ـ 11 ) : " اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ المبتدعة ، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلا نفيسا في ذلك . فقال : عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم ، فمن ذلك قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) وقوله: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) وقوله : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ) وقوله : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) وقوله : ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) وقوله : ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) إلى قوله : ( إنك رؤوف رحيم ) في آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها ، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق ، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة ، والجهاد ونصرة الإسلام ، وبذل المهج ، والأموال ، وقتل الآباء والأبناء ، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم ، وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم ، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم ، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله .

ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال : إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول حق ، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى وهم زنادقة . انتهى

والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة .

ثالثا :أ قوال أهل العلم في عدالة أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ

قال علي بن محمد الجزري في كتابه أسد الغابة ( 4 / 391 ) :

كان أبو بكرة من فضلاء أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصالحيهم، كثير العبادة حتى مات .

وقال الحسن البصري : لم ينزل البصرة من الصحابة ممن سكنها أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة ( المصدر السابق )

وقال الحافظ ابن حجر في كتاب الإصابة ( 10 / 183) عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه مشهور بكنيته ، وكان من فضلاء الصحابة .

ونقل الحافظ ابن حجر قول العجلي في أبي بكرة أنه كان من خيار الصحابة .

( تهذيب التهذيب ج 10 / 469)

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (3 / 5 ) : ( كان من فقهاء الصحابة ).

أما رأي الشيخين ـ البخاري ومسلم ـ فمعروف في تعديل أبي بكرة ، فقد رويا له في صحيحيهما .

قال العيني في عمدة القاري (7 / 208 ) : ( روى له ـ يعني أبا بكرة ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنان وثلاثون حديثا اتفقا على ثمانية وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث .

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : كان رجلا صالحا ورعا ، آخى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي برزة . ( تهذيب الكمال 18 / 420 )

وقال ابن كثير في البداية والنهاية (8 / 57 ) : أبو بكرة صحابي جليل كبير القدر.

وقد أجمعت الأمة على قبول رواية الصحابي الجليل أبي بكرة ونقل الإجماع ابن قدامة وقال : " ولا نعلم خلافا في قبول رواية أبي بكرة مع رد شهادته " ( المغني 12 / 87 )

وقال ابن القيم : " وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة رضي الله عنه "

( إعلام الموقعين 1 / 127 )

هذه أقوال جهابذة أهل العلم في أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ وهم أهل الاختصاص بهذا الفن ، وبهذا يتضح خطأ د. محمد في حق هذا الصحابي الجليل ـ رضي الله عنه ـ .

رابعا : مراد المحدثين في العدالة الثابتة لجميع الصحابة

قال الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر و محقق كتاب تدريب الراوي ( 2 / 215 ) تطلق العدالة بإطلاقات منها :

بمعنى التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها ، فلا يقع من الصحابة ذنب ، أو يقع ولا يؤثر في قبول مروياتهم .

قال ابن الأنبا ري : المراد من عدالة الصحابة قبول روايتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية ، إلا أن يثبت ارتكاب قادح ، ولم يثبت ذلك .

وقال شاه ولي الله الدهلوي : وبالتتبع وجدنا أن جميع الصحابة يعتقدون أن الكذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشد الذنوب ويحترزون عنه غاية الاحتراز .

وقال الآلوسي في الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية : أنه ما مات من ابتلي منهم بفسق إلا تائبا عدلا ببركة الصحبة ، والآلوسي يفسر بذلك معنى العدالة المرادة للمحدثين . ثم قال : لا يقال : إذا كانت العدالة التي ادعيتموها للصحابة رضي الله عنهم بذلك المعنى يلزم منه التوقف في قبول رواية من وقع منه مفسق إلى أن يعلم أنها بعد التوبة ، لأنا نقول بعد الالتزام ، بأنه لا بد من أن يتوب ببركة الصحبة التي هي الإكسير الأعظم ، لا احتمال ، لكون روايته عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذبا وافتراء عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن صحة توبته يقتضي تلافي ذلك بالإخبار عن أمره ، فتأمله فإنه دقيق ، وعليك برعاية حق الصحبة فهو بالرعاية حقيق . ا.هـ .

وبهذا يتضح أن المراد بالعدالة الثابتة لجميع الصحابة عند المحدثين هي تجنب تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها فإن الذنب على فرض وقوعه لا يمنع من قبولها، فهم عدول على العموم .

ويشرح معنى عدالتهم محمد أبو شيبة فيقول : ومعنى عدالتهم أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما اتصفوا به من قوة الإيمان والتزام التقوى وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط .

خامسا : قصة أبي بكرة مع المغيرة ـ رضي الله عنهما ـ

الصحابة على جلالة قدرهم، ومكانتهم في الإسلام ، والاتفاق على عدالتهم فيما يبلغون من دين الله فهم فيما عدا ذلك بشر غير معصومين يعتريهم ما يعتري البشر من ضعف ، وغفلة ، فقد يقع أحدهم في الخطأ والزلل وهم محفوظون بحفظ الله لهم وتيسير التوبة لهم وببركة دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم وبما قدموه للإسلام من خدمات جليلة عظيمة وبما لهم من حسنات ومناقب .

روى سليمان بن كثير عن الزهري عن سعيد بن المسيب " أن عمر حيث شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة ، وشهد زياد على خلاف شهادتهم ، فجلدهم عمر واستتابهم وقال : من رجع منكم عن شهادته قبلت شهادته . فأبى أبو بكرة أن يرجع " أخرجه عمر بن شبة في أخبار البصرة من هذا الوجه ، وساق قصة المغيرة هذه من طرق كثيرة محصلها أن المغيرة بن شعبة كان أمير البصرة لعمر ، فاتهمه أبو بكرة ـ رضي الله عنه ـ وهو ـ نفيع ـ الثقفي الصحابي المشهور ، وكان أبو بكرة ونافع بن الحارث بن كلدة الثقفي وهو معدود في الصحابة وشبل ( بكسر المعجمة وسكون الموحدة ) ابن معبد بن عتيبة بن الحارث البجلي ، وهو معدود في المخضرمين ، وزياد بن عبيد الذي كان بعد ذلك يقال له زياد بن أبي سفيان اخوة من أم ، أمهم سمية مولاة الحارث بن كلدة ، فاجتمعوا جميعا فرأوا المغيرة متبطن المرأة ، وكان يقال لها الرقطاء أم جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية ، وزوجها الحجاج بن عتيك بن عوف الجشمي ، فرحلوا إلى عمر فشكوه فعزله وولى أبا موسى الأشعري ، وأحضر المغيرة فشهد عليه ثلاثة بالزنا ، وأما زياد فلم يبت الشهادة وقال رأيت منظرا قبيحا وما ادري أخالطها أم لا ؟ فأمر عمر بجلد الثلاثة حد القذف وقال ما قال . واخرج القصة الطبراني في ترجمة شبل بن معبد ، والبيهقي من رواية أبي عثمان النهدي أنه شاهد ذلك عند عمر وإسناده صحيح ورواه الحاكم في المستدرك من طريق عبد العزيز بن أبي بكرة مطولا وفيها قال زياد : رأيتهما في لحاف واحد وسمعت نفسا عاليا ولا أدري ما وراء ذلك .

( فتح الباري 5 / 321 )

سادسا : حكم قبول شهادة القاذف:ـ

قال سبحانه : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ، إلا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فإن الله غفور رحيم ) ( النور 4 ، 5 ) فباب التوبة مفتوح للناس جميعا من القذف وغيره فمن تاب تاب الله عليه ، وتكذيب القاذف نفسه ليس شرطا في قبول توبته. صحيح أن عمر رضي الله عنه ذهب إلى ذلك ولكن خالفه جمع كبير من أهل العلم .

قال ابن جرير الطبري في تفسيره ( 9 / 270 ) : ( وقال آخرون توبته من ذلك صلاح حاله وندمه على ما فرط منه من ذلك، والاستغفار منه، وتركه العود في مثل ذلك من الجرم، وذلك قول جماعة من التابعين وغيرهم، وقد ذكرنا بعض قائليه فيما مضى، وهو قول مالك بن أنس، وهذا القول أولى القولين في ذلك بالصواب، لأن الله ـ تعالى ذكره ـ جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود منه والندم على ما سلف منه، واستغفار ربه منه فيما كان من ذنب بين العبد وبينه، دونما كان من حقوق عباده ومظالمهم بينهم . والقاذف إذا أقيم عليه فيه الحد، أو عفي عنه فلم يبق عليه إلا توبته من جرمه بينه وبين ربه، فسبيل توبته منه سبيل توبته من سائر أجرامه، فإذا كان الصحيح من القول ما وصفنا فتأويل الكلام : أولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من جرمهم الذي اجترموه من قذفهم المحصنات من بعد اجترامهموه ( فإن الله غفور رحيم) يقول : ساتر على ذنوبهم بعفوه لهم عنها، رحيم بهم بعد التوبة أن يعذبهم عليها، فاقبلوا شهادتهم ولا تسموهم فسقة بل سموهم بأسمائهم التي هي لهم في حال توبتهم ) أ.هـ .

وقال القرطبي في تفسيره ( 12 / 179 ـ 181 ) : " وقال الجمهور: الاستثناء عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وإنما كان ردها لعلة الفسق، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا قبل الحد وبعده، وهو قول عامة الفقهاء، وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى والله اعلم .

وقال الزجاج : وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته . قال : وقوله (أبدا ) أي مادام قاذفا، كما يقال لا تقبل شهادة الكافر أبدا، فإن معناه ما دام كافرا . وقال الشعبي للمخالف في هذه المسالة : يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته . وقال مالك ـ رحمه الله تعالى ـ : توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب نفسه، وحسبه الندم على قذفه والاستغفار منه، وترك العود إلى مثله وهو قول ابن جرير . انتهى كلامه .

فأبو بكرة ـ رضي الله عنه ـ التوبة النصوح حاصلة منه إن شاء الله، وهذا الذي يجب أن يظن به، فهو صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو حريص على ما يقربه من مولاه سبحانه، ودعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حقه مستجابة حين قال له : " زادك الله حرصا ولا تعد " أخرجه أحمد وغيره صحيح الجامع رقم ( 559 ) وجلده لا يقدح في قبول روايته، فإنه لم يجلد في جريمة إنما جلد في حد قذف لم يستكمل فيه نصاب الشهادة .

سابعا : تفريق العلماء بين الشهادة والرواية :ـ

فرق العلماء بين الشهادة والرواية ، فلا يلزم من عدم قبول شهادة رجل عدم قبول روايته ،فالشهادة يطلب فيها مزيد تثبت لا يطلب في الرواية، كالعدد والحرية وغير ذلك . لذلك احتج البخاري ومسلم وغيرهما بحديث أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ مع علمهم بقصة جلده .

ذكر العيني في كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري (7/207) عن الإسماعيلي في كتابه المدخل ، إذا لم يثبت هذا كيف رواه البخاري في صحيحه ؟ وأجيب بأن الخبر مخالف للشهادة، ولهذا لم يتوقف أحد من أهل المصر عن الرواية عنه، ولاطعن أحد على روايته من هذه الجهة، مع إجماعهم أن لا شهادة لمحدود في قذف غير ثابت، فصار قبول خبره جاريا مجرى الإجماع وفيه ما فيه .

وقال أبو عبد الله الزركشي : " إذا جاء القاذف مجيء الشاهد كما في قصة الذين شهدوا على المغيرة ، فإن شهادته ترد دون روايته ، بدليل ما تقدم عن عمر في حق أبي بكرة ـ رضي الله عنهما ـ ، مع أنه مقبول الرواية بلا تردد ، بخلاف من قصد الشتم والقذف، فإن شهادته وخبره وفتياه لا يقبلن حتى يتوب " . ( شرح الزركشي على الخرقي 3 / 407 )

ثامنا : سبب امتناع أبي بكرة عن التوبة عندما دعاه عمر ـ رضي الله عنه ـ إلى تكذيب نفسه :ـ

امتنع أبو بكرة ـ رضي الله عنه ـ من أن يتوب عندما دعاه عمر ـ رضي الله عنه ـ للتوبة بعد أن جلده للآتي :

1. لم ير أبو بكرة ما يراه عمر ـ رضي الله عنه الله عنه ـ من اشتراط تكذيب القاذف نفسه لقبول توبته وشهادته .

2. أبو بكرة يفرق بين الشاهد والقاذف .

3. يرى أبو بكرة أنه كان صادقا فيما أدلى به من الشهادة فمم يتوب إذ ا ؟!

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 3 / 7 ) قال البيهقي : " إن صح هذا ، فلأنه امتنع من التوبة من قذفه وأقام على ذلك . قلت : ( أي الذهبي ) كأنه يقول لم أقذف المغيرة، وإنما أنا شاهد ، فجنح إلى الفرق بين القاذف والشاهد، إذ نصاب الشهادة لو تم بالرابع لتعين الرجم ولما سموا قاذفين .

وقال القسطلاني في كتابه إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ( 6 / 89 ) : وقد سأل ابن المنير فقال : إن كان صادقا في قذفه فمم يتوب إذا ؟! وأجاب : بأنه يتوب من الهتك ومن التحدث بما رآه، ويحتمل أن يقال إن المعاين للفاحشة مأمور بأن لا يكشف صاحبها إلا إذا تحقق كمال النصاب معه، فإذا كشف قبل ذلك عصى فيتوب من المعصية في الإعلان لا من الصدق في علمه، وتعقبه في الفتح بأن أبا بكرة لم يكشف حتى تحقق كمال النصاب ومع ذلك أمره عمر بالتوبة لتقبل شهادته قال : ويجاب عن ذلك بأن عمر لعله لم يطلع على ذلك، فأمره بالتوبة، ولذلك لم يقبل منه أبو بكرة ما أمره به لعلمه بصدقه عند نفسه . أ . هـ

4 . إقامة الحد على الشهود إذا لم يكتمل النصاب فيه خلاف بين العلماء ، ففي المغني لابن قدامة الحنبلي ( 8 / 202 ) : وذكر أبو الخطاب فيهم روايتين وحكي عن الشافعي فيه قولا ن أحدهما لا حد عليهم لأنهم شهود فلم يجب عليهم الحد كما لو كانوا أربعة أحدهم فاسق . .. الخ .

ولعل أبا بكرة ـ رضي الله عنه ـ يرى هذا لذلك لم يستجب إلى ما دعاه عمر ـ رضي الله عنه ـ من التوبة بتكذيب نفسه. والله أعلم .

تاسعا : مكانة الإمام البخاري عند العلماء :ـ

البخاري هو : محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي( أبو عبد الله) ولد في بخارى يوم الجمعة في 11 شوال سنة 194 هـ وتوفي ليلة عيد الفطر سنة 256 هـ .

مكانته العلمية عظيمة عند أهل العلم ، أقامه المولى عز وجل لحفظ سنة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحباه الله بذاكرة قوية ، حتى كان يقال له جبل الحفظ ، متمكن متبحر بهذا الفن ( علم الحديث )، وهذه طائفة من ثناء العلماء عليه وبيان مكانته ـ رحمه الله ـ:

قال عنه إمام أهل السنة الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ"ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل يعني البخاري" وقال محمد بن بشار شيخ البخاري ومسلم : " حفاظ الدنيا أربعة : أبو زرعة الرازي بالري ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند ، ومحمد بن إسماعيل ببخارى " .

وقال عبد الله بن محمد المسندي : " محمد بن إسماعيل إمام ، فمن لم يجعله إماما فاتهمه " .

وقال أبو حامد الأعمش : " رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في جنازة ، ومحمد بن يحي الذهلي شيخه يسأله عن الأسماء والكنى وعلل الحديث ، والبخاري يمر فيها مثل السهم ، كأنه يقرأ ( قل هو الله أحد ) " .

وقال أبو عيسى الترمذي : " لم أر بالعراق ولا بخراسان في معرفة العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل " .

وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة : " ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من محمد بن إسماعيل البخاري " .

عدد القراء : 6931
تاريخ الموضوع: 26 - ديسيمبر - 2004 ميلادية
 
Developed By ChromePixel.com
almanhaj@almanhaj.net
1421-1423/2000-2005
المنهج