المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة الحرم المدني الشريف بتاريخ 26/6/1430هـ للشيخ صلاح البدير



حسين الأنصاري
06-29-2009, 02:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه . ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلامضل له ومن يضللفلاهادي له . أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له إله الأولين والآخرين . وأشهدأن نبينا محمدا عبده ورسوله . الصادق الأمين . بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمةوجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين . صلى الله عليه وعلى آله وصحابتهالغرالميامين وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ...

أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، اتّقوا الله حقَّ تقاته، وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته، وسابِقوا إلى رحمته وجنّاته، http://www.alminbar.net/images/start-icon.gifإِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَhttp://www.alminbar.net/images/end-icon.gif [النحل: 128].
أيها المسلمون، لا خلودَ في دارِ الدنيا لأحَد، لكنّ الأعمال الجليلَة والآثار الجميلَة والسنَن الحسَنة تخلِّد ذكرَ صاحبها بين الناس، وتورثه في حياتهِ وبعدَ موتهِ ذكرًا وحمدًا وثناء ودعاءً.


أحـاديثُ تَبقَى والفَتى غيُر خـالِد إذا هو أمسـى هـامةً فوق صيِّر
وكم من العلماء والفضلاء والعظَماء قد غيَّبهم الأجل وطواهم الموت ولازالت مآثرُهم وآثارُهم وممادِحُهم ومفاخِرُهم تبعَث في المجالس طيبًا وأرجًا وعَرفًا، يحمل الناس على عمل الخير وفعل الجميل والاقتداء الحسَن.


قد مات قوم وما ماتت مكـارمهم وعاشَ قوم وهم في الناس أموات
إن قيل: مـات فلم يمت من ذكره حيٌّ علـى مـرِّ الأيّـام بـاقي
وبقاءُ الذّكر الجميل واستمرارُ الثناء الحسَن والصيتِ الطيب والحمدِ الدائم للعبد بعدَ رحيله عن هذه الدار نعمةٌ عظيمة يختصّ الله بها من يشاء مِن عباده ممن بذَلوا الخير والبرّ ونشروا الإحسان ونفعوا الخلق وجمعوا مع التقوى والصلاح مكارمَ الخصالِ وجميلَ الخلال، يقول جل في علاه: http://www.alminbar.net/images/start-icon.gifوَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ http://www.alminbar.net/images/mid-icon.gif إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ http://www.alminbar.net/images/mid-icon.gif وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ http://www.alminbar.net/images/mid-icon.gif وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الأَخْيَارِ http://www.alminbar.net/images/mid-icon.gif هَذَا ذِكْرٌhttp://www.alminbar.net/images/end-icon.gif [ص 45-48]، أي: شرف وثناءٌ جميل يُذكَرون به، وقال تعالى: http://www.alminbar.net/images/start-icon.gifوَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّاhttp://www.alminbar.net/images/end-icon.gif [مريم: 50]، قال ابن عباس رضي الله عنه: (يعني: الثناء الحسن).
وأرفعُ الناس قدرًا وأبقاهم ذكرا وأعظمُهم شرفًا وأكثرهم للخَلق نفعًا النبيُّ المعظَّم والرسول المكرَّم نبيُّنا وسيِّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم، ، الذي قال الله تعالى عنه: http://www.alminbar.net/images/start-icon.gifوَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَhttp://www.alminbar.net/images/end-icon.gif [الشرح: 4]، قال أبو بكر بن عياش رحمه الله تعالى: "وأهلُ السنّة يموتون ويحيَا ذكرُهم، وأهل البدعة يموتون ويموتُ ذِكرهم؛ لأنّ أهلَ السنّة أحيَوا ما جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم، فكان لهم نصيبٌ من قوله تعالى: http://www.alminbar.net/images/start-icon.gifوَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَhttp://www.alminbar.net/images/end-icon.gif، وأهلُ البدعة شنَؤوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ، فكان لهم نصيبٌ من قوله تعالى: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)".
والإمام العادل القويّ الشجاع الذي يحمي الحوزة ويذبّ عن البيضة وينتصر لدينِه وعقيدته وأرضِه تراه معظَّمًا في النّفوس، كبيرًا في أعينِ النّاس، جليلاً عند أهلِ الإسلام، مُمَدَّحًا عند العلماء والمؤرخين. والعالم التقيّ المتواضِعُ للناس الذي يسعَى في نفعِهم وتعليمِهم والإحسانِ إليهم يعلُو في الأرض ذكرُه، ويرتفع في النفوس قدرُه، ويبقى بين الخلق أثره؛ لعلمه ودينِه واتّباعه للسنّة وإخلاصِه لله تعالى. والجواد الكريم السخيّ المعطاء الذي يعطِف على الفقراء ويرحَم المحتاجين ويشفِق على المساكين، فإنّ العامّة تضِجُّ بالدعاء له وذِكرِ محاسنه، ويُكتَب له قبولٌ تامّ وجاهٌ عريض. والعافُّ عن المحارِم الكافُّ عَن أعراضِ الناس الذي يبذُل الندى يكُفّ الأذى ويحتمل المشقّة ويرضِي الناسَ في غير معصية بأصالةِ رأي ورجاحَة عقل وسلامة قلب وعِفّةٍ في الفرج واليد واللسان، فذاك السيّد الوجيهُ الذي يقدَّم على الأمثال وتهابُه الرّجال ويَبقَى ذكرُه في الأجيال.


إذا شئتَ أن ترثِي فقيدًا من الورى وتدعو لـه بعـد النبِيّ المكـرَّم صلى الله عليه وسلم، فلا تبكيَنّ إلا علـى فَقـد عـالمٍ يبـادِرُ بالتفهـيـم للمتعـلِّـموفَقدِ إمـامٍ عـالِمٍ قـامَ ملكـه بأنوار حكم الشرع لا بالتحكّـم
وفقد شجـاعٍ صـادقٍ في جهاده وقد كُسِِـرت رايتُـه في التقـدُّم
وفقدِ كـريمٍ لا يَمـلّ من العطـا ليطفئ بؤسَ الفقر عن كـلّ معدم
وفَقـد تقـيٍّ زاهـدٍ مـتـورّعٍ مطيـعٍ لـربّ العالميـن معظِّـم
فهم خمسة يُبكـى عليهم وغيرهم إلَى حيثُ ألقت رحلَهـا أمّ قشعَم
أوصى رجلٌ بنيه فقال: "يا بنيَّ، عاشروا الناسَ معاشرةً؛ إن غِبتم عنهم حنّوا إليكم، وإن متُّم بكوا عليكم". ويموت أناس فلا يُؤسَى على فراقهم ولا يحزن على فقدهم؛ فلم تكن لهم آثارٌ صالحة ولا أعمالٌ نافعة ولا إحسانٌ إلى الخَلق ولا بَذل ولا شَفَقَة ولا عَطف ولا رحمة ولا خُلُق حسن، يقول الله تعالى في أمثال هؤلاء: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ) [الدخان: 29]، لا يُرى لهم في الأرض شاكِر، ولا لهم بالخير ذاكر.


كأنَّهم قَـطُّ ما كانوا ولا وُجـدوا مات ذكرُهم بين الورى ونُسـوا
فالحقود الحَسود والجَموع المنوع والفاحِش البذيء وصاحب الظلم والكِبر والهوى والذي يعامل الناس بالغِلظة والقسوة والشدَّة يقطع الله الذّكر الحسَن عنه، ويبقى له البُغض في الأرض والذم من الخلق.


كم طـامعٍ بالثنـا من غير بذل يد ومشتـهٍ حمده ولـكن بمجّـانِ
والناس أكيسُ من أن يمدحوا رجلاً حتى يـرَوا عنده آثـارَ إحسَانِ
وعن عمرو بن الحمق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، : ((إذا أرادَ الله بعبدٍ خيرًا عسَله))، فقيل: يا رسول الله، وما عسَله؟ قال: ((فتح له عملاً صالحًا بين يدَي موته؛ حتى يُرضِي عنه مَن حَوله)) أخرجه أحمد وابن حبان. قال ابن قتيبة: "قوله: ((عسَله)) أراه مأخوذًا من العسل، شبّه العمل الصالح الذي يُفتَح للعبد حتى يرضى الناسُ عنه ويطيبَ ذكرُه فيهم بالعسل".
ومِن الأعمال الصالحة التي تُفتَح للموفَّقين فيرضَى الله بها عنهم ويُرضي بها خَلقَه ويلحقهم أجرها بعد الممات حبسُ النفس على التعليم وإقراء القرآن والتحديث ونشر العقيدة الصحيحة والتصدُّر للإفادةِ والتصنيف والتأليف وطباعة الكتبِ النافِعة وبناء المساجِد المدارِس والمشافي وسقي الماء وحفر الآبار وكثرة الصدقة وإدامَة البرّ والإحسان والشفقةُ على الضِّعاف وتزويج المعدوم وإعطاء المحروم وإنصاف المظلوم والأداء عن المحبوس وقضاء الحوائج ومواساة الفقراء وإدخال السّرور على المرضى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لأئمة المسلمين وعامّتهم والإصلاح بين المتخاصِمَين وجمع كلمةِ الأمّة على الخير والهدى والتقوى والصلاح، إلى غير ذلك من طرقِ الخير ووجوه البر.
فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، : ((سَبعٌ يجرِي للعبد أجرُهُنّ وهو في قبره بعد موته: مَن علّم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو غرس نخلاً، أو بَنى مسجِدًا، أو ورَّث مصحفًا، أو تَرَك ولَدًا يستغفر له بعد موته)) أخرجه أحمد، وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، : ((إنَّ ممّا يلحَق المؤمنَ مِن عمله وحسناته بعدَ موته عِلمًا علّمه ونشره، وولدًا صالحًا ترَكه، ومُصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بَيتًا لابن السّبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدَقة أخرَجها من ماله في صحّته وحياته، يلحقه من بعد موته)) أخرجه ابن ماجه.
أيّها المسلمون، والحبّ يسرِي والحمدُ يَبقى والثناء والدعاءُ يدوم لمن عمَّ نفعُه وشمِل عطاؤُه وإحسانه وتواصَل برُّه وخيره، فقدِّموا لأنفسكم من الآثارِ الطيّبة والأعمالِ الصالحة والقُرَب والطاعات والإحسان ما لا ينقطِع بها عَمل ولا تقِف معها أجور، مع تواصل الدعواتِ الصادقة لكم منَ المسلمين على مرّ الأيام والأعوام. اللهم اجعلنا مباركين أينما كنّا.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

http://www.alminbar.net/images/small-white-h-line.gif

الخطبة الثانية


الحمد لله على إحسانِه، والشّكر له على توفيقِه وامتنانه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له تعظيما لشَأنه، وأشهَد أنَّ نبيَّنا وسيِّدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119].
أيّها المسلمون، والرَّجلُ حين يعامِل زوجَه وأولادَه بالرّفق والإحسانِ والشَّفَقَة والرحمة والمحبّة والعطف والبذلِ والكرَم يبقى محمودَ الذّكر بعدَ موته، والمرأةُ حين تحسِن إلى زوجِها وتحوطُه بالإكرامِ والاحترامِ يبقَى حبُّها في قلبهِ ويسري حمدُها على لسانِه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غِرتُ على أحدٍ من نساءِ النبي صلى الله عليه وسلم ما غِرتُ على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُكثر ذكرَها، وربما ذبَحَ الشّاةَ ثم يقطِّعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلتُ له: كأن لم يكن بالدنيا إلا خديجة! فيقول صلى الله عليه وسلم : ((إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد)) أخرجه البخاري. وعند الطبراني: وكان إذا ذكَر خديجة لم يَسأم مِن ثناءٍ عليها واستغفارٍ لها؛ فأعمالها الجليلة وصفاتها الحميدَة خلَّدت مكانتَها في نفس الرسولِ صلى الله عليه وسلم وقلبِه، فكان يكثِرُ ذكرَها وحمدَها والثناءَ عليها والدعاءَ لها.
أيّها المسلمون، والمؤمن لا يبذُل الخير اجتلابًا للمِدحَة، ولا رغبةً في الثناء، ولا طمعًا في الذكر، ولكن من بذَل الخير بنيّةٍ خالصة وقصدٍ حسن قَبِل الله سَعيَه، ووضَع له القبول والحبَّ بين عبادِه، ونشَر له الذّكرَ الحسن والثناء والدعاء في حياته وبعدَ مماته، فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أهل الجنّة مَن ملأ الله أذنَيه من ثناءِ الناس خيرًا وهو يَسمَع، وأهلُ النار من مَلأ الله أُذنيه من ثناء الناس شرًا وهو يسمع)) أخرجه ابن ماجه. جعلنا الله وإياكم من الموفَّقين الهداة المهتدين.
ثم اعلموا أنّ الله أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وأيَّه بكم أيها المؤمنون من جنه وأنسه، فقال قولاً كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب 56.
اللّهمّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللّهمّ عن خلفائه الأربعة أصحاب السنة المتّبعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وفضلك وجودك وإحسانك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللّهمّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدِّين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءًً رخاءً وسائر بلاد المسلمين...

كتبه الأخ حامل المسك 1 وفقه الله

رائد
06-29-2009, 02:46 PM
أحسن الله إليكم

أملي الجنة
06-30-2009, 03:51 PM
جزى الله الخطيب والكاتب والناقل خير الجزاء وبارك فيهم ..

الشيخ صلاح البدير دائما مبدع في خطبه .. جزاه الله عن أمة محمد خير الجزاء ونفع بعلمه الإسلام والمسلمين..

المتـــــــــابع
06-30-2009, 09:57 PM
.
.
.
بورك فيك ..

بو مشاري
06-30-2009, 10:09 PM
جزيت خيرا وزوجت بكرا

غريبة_48
07-01-2009, 09:50 AM
بارك الله فيك أخينا على النقل الطيب
ونفع الله بالشيخ المفضال صلاح البدير حفظه الله وجزاه عنا خيرا

راجية رضا ربي
08-19-2009, 01:27 PM
جزاك الله خير