بومالك الأنصاري
07-08-2009, 09:54 AM
الحمد لله العزيز الوهاب القاهر القابض الغلاب, يمهل للظالم ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر, أحمده تعالى وأشكره على سوابغ نعمه, وأسأله أن يدفع عنا أسباب سخطه ونقمه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله, اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه،،، وبعد:
وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى :
( القاعدة الثانية : أُنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَا دَعَوْنَاهُمْ وَتَوَجَّهْنَا إِلَيْهِمْ إِلا لِطَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ، فَدَلِيلُ الْقُرْبَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3]. وَدَلِيلُ الشَّفَاعَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ﴾ [يونس: 18]. )
ذكر رحمه الله في القاعدة الثانية شبهة المشركين الذين سماهم الله مشركين .
سؤال ما هي شبة المشركين ؟
الجواب : هي أنهم يقولون نقصدهم ونتوجه اليهم ليكونوا شفعاء لنا عند الله تعالى في قضاء الحوائج .
وهم لا يعتقدون أن هؤلاء الشفعاء يخلقون او ينفعون أو يضرون ، وانما يتقربون لهم ويعتقدون أنهم يشفعون لهم عند الله .
هذا قول الكفار سواء بسواء ، أي قول من يقول هذه المقالة من القبوريين ، ولهذا تجد جواب من تناقش اليوم من القبوريين هو نفس جواب المشركين يقول : أنا أدري أن هذا الولي أو هذا الرجل الصالح لا يضر ولا ينفع ، ولكن هو رجل صالح وأريد منه الشفاعة عند الله ، والجواب : على شبههم هو ما ذكره المؤلف رحمه من آيات الله تعالى التي تبين أنه لا أحد يستحق شيئا من أنواع العبادات الا الله سبحانه .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم ... ) الآية : (قال قتادة في قوله : { أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } شهادة أن لا إله إلا الله. ثم أخبر تعالى عن عُبّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } أي : إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم ، فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ؛ ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم ، وما ينوبهم من أمر الدنيا ، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.
قال قتادة ، والسدي ، ومالك عن زيد بن أسلم ، وابن زيد : { إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } أي : ليشفعوا لنا ، ويقربونا عنده منزلة.
ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم : "لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك". وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه ، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، بردها والنهي عنها ، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له ، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم ، لم يأذن الله فيه ولا رضي به ، بل أبغضه ونهى عنه : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل : 36]{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء : 25].
وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم ، كلهم عبيد خاضعون لله ، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى ، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم ، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ، { فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ } [النحل : 74] ، تعالى الله عن ذلك. ) أ.هـ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : (وَالشَّفَاعَةُ شَفَاعَتَانِ: شَفَاعَةٌ مَنْفِيَّةٌ، وَشَفَاعَةٌ مُثْبَتَةٌ.
فَالشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ: مَا كَانَتْ تُطْلَبُ مِنْ غَيْرِ اللهِ فِيمَا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلا اللهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254].
وَالشَّفَاعَةُ الْمُثْبَتَةُ: هِيَ الَّتِي تُطْلَبُ مِنَ اللهِ ، وَالشَّافِعُ مُكَرَّمٌ بِالشَّفَاعَةِ، وَالْمَشْفُوعُ لَهُ مَنْ رَضِيَ اللهُ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ بَعْدَ الإِذْنِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. )
الشفاعة اصطلاحا : التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة .
والشفاعة تنقسم الى قسمين : مثبتة ومنفية .
المثبتة هي التي توفرت فيها شروط الشفاعة ، ما هي شروط الشفاعة ؟
يشترط لهذه الشفاعة شرطان :
1- اذن الله في الشفاعة ، كما قال تعالى : ( من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه ) ، وقال سبحانه : ( يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ) .
2- رضا الله عن الشافع والمشفوع له ، لقوله تعالى : ( ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ) .
وأما الكافر فلا شفاعة له ، كما قال الله تعالى : ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ، وقال سبحانه : ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( العهد : شهادة أن لا إله إلا الله ، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة ، ولا يرجو إلا الله ، عز وجل ) .
فلا يشفع أحد عند الله بغير إذنه سبحانه ، ولا يأذن سبحانه وتعالى إلا لمن ارتضى ، ولا يرضى إلا بالتوحيد كما قال سبحانه : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) ، ولا يمكن أن يرضى الكفر لقوله تعالى : ( ان تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم ) .
فإذا كان لا يرضى الكفر فانه لا يأذن بالشفاعة للكافر .
والشفاعة المنفية -كما ذكر الإمام رحمه الله- هي الشفاعة فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا؛ مثل شفاعة في مغفرة الذنب ممن لا يملك ذلك ، وهكذا .
وصح أن الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون ، وغيرهم ممن صح الدليل على شفاعتهم .
ونحن لا ننكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع ونرجوا شفاعته ، ولكن الشفاعة كلها لله ، كما قال تعالى : ( قل لله الشفاعة جميعا ) ، فاذا تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه ، فقل : اللهم لا تحرمني شفاعته ، اللهم شفعه في – بتشديد الياء- ، و أمثال ذلك .
• بالنسبة للشفاعة في أمور الدنيا : الشفاعة من حي يقدر عليها فهذه جائزه ، وهي ما نسميها اليوم ( الواسطة ) .
قال الامام النووي رحمه الله في بيان ذلك : تستحب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة الى السلطان ووال ونحوهما أم الى أحد من الناس ، وسواء كانت الشفاعة الى سلطان في كف الظلم .. الى أن قال :
و أما الشفاعة في الحدود فحرام ، وكذا الشفاعة في تتميم باطل ، أو ابطال حق ، ونحو ذلك فهي حرام ) أ.هـ.
فالشفاعة لدى الآخرين من أجل تخليص الحقوق أو درء المظالم ، أو نحو ذلك من حاجات الناس المباحة سعي مشكور وعمل مبرور .
بخلاف الشفاعة في ابطال الحقوق أو اقرار الباطل ، أو تعطيل حد ، فجهد مذموم وعمل مردود .
وقد دلت النصوص الشرعية على ما تقدم ، قال الله تعالى : ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى : ( وقوله : { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا } أي : من سعى في أمر ، فترتب عليه خير ، كان له نصيب من ذلك { وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا } أي : يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته ، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء".
وقال مجاهد بن جَبْر : نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض.
وقال الحسن البصري : قال الله تعالى : { مَنْ يَشْفَعْ } ولم يقل : من يُشَفَّع.
وقوله : { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا } قال ابن عباس ، وعطاء ، وعطية ، وقتادة ، ومطر الوراق : { مُقِيتًا } أي : حفيظا. ) أ.هـ.
هذه نبذة سريعة لتوضيح الشفاعة المتعلقة بأمور الدنيا تتميما للفائدة ، والا فالمقصود الكلام عن الشفاعة المتعلقة بأمور الآخرة ، والله الموفق المعين .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ
أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ظَهَرَ عَلَى أُنَاسٍ مُتَفَرِّقِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْمَلائِكَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الأَشْجَارَ وَالأَحْجَارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ﴾ [الأنفال: 39]. وَدَلِيلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت: 37]. وَدَلِيلُ الْمَلائِكَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً... ﴾ الآية [آل عمران: 80]. وَدَلِيلُ الأَنْبِيَاءِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ الآية [المائدة: 116].
وَدَلِيلُ الصَّالِحِينَ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ... ﴾ الآية [الإسراء: 57]. وَدَلِيلُ الأَشْجَارِ وَالأَحْجَارِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴾ [النجم: 91، 20]. )
نقف هنا ونكمل انشاء الله في الدرس القادم .
أسئلة للمشاركة .
س1: ما هي شروط الشفاعة ؟ اذكر الدليل .
س2: هل الشفاعة في أمور الدنيا جائزة ؟
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعلنا من عبادك الصالحين.
اللهم احفظنا بالإسلام واقفين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
كتبه العبد الفقير الى الله : بومالك الأنصاري .
وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى :
( القاعدة الثانية : أُنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَا دَعَوْنَاهُمْ وَتَوَجَّهْنَا إِلَيْهِمْ إِلا لِطَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ، فَدَلِيلُ الْقُرْبَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3]. وَدَلِيلُ الشَّفَاعَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ﴾ [يونس: 18]. )
ذكر رحمه الله في القاعدة الثانية شبهة المشركين الذين سماهم الله مشركين .
سؤال ما هي شبة المشركين ؟
الجواب : هي أنهم يقولون نقصدهم ونتوجه اليهم ليكونوا شفعاء لنا عند الله تعالى في قضاء الحوائج .
وهم لا يعتقدون أن هؤلاء الشفعاء يخلقون او ينفعون أو يضرون ، وانما يتقربون لهم ويعتقدون أنهم يشفعون لهم عند الله .
هذا قول الكفار سواء بسواء ، أي قول من يقول هذه المقالة من القبوريين ، ولهذا تجد جواب من تناقش اليوم من القبوريين هو نفس جواب المشركين يقول : أنا أدري أن هذا الولي أو هذا الرجل الصالح لا يضر ولا ينفع ، ولكن هو رجل صالح وأريد منه الشفاعة عند الله ، والجواب : على شبههم هو ما ذكره المؤلف رحمه من آيات الله تعالى التي تبين أنه لا أحد يستحق شيئا من أنواع العبادات الا الله سبحانه .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم ... ) الآية : (قال قتادة في قوله : { أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } شهادة أن لا إله إلا الله. ثم أخبر تعالى عن عُبّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } أي : إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم ، فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ؛ ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم ، وما ينوبهم من أمر الدنيا ، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.
قال قتادة ، والسدي ، ومالك عن زيد بن أسلم ، وابن زيد : { إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } أي : ليشفعوا لنا ، ويقربونا عنده منزلة.
ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم : "لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك". وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه ، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، بردها والنهي عنها ، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له ، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم ، لم يأذن الله فيه ولا رضي به ، بل أبغضه ونهى عنه : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل : 36]{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء : 25].
وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم ، كلهم عبيد خاضعون لله ، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى ، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم ، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ، { فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ } [النحل : 74] ، تعالى الله عن ذلك. ) أ.هـ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : (وَالشَّفَاعَةُ شَفَاعَتَانِ: شَفَاعَةٌ مَنْفِيَّةٌ، وَشَفَاعَةٌ مُثْبَتَةٌ.
فَالشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ: مَا كَانَتْ تُطْلَبُ مِنْ غَيْرِ اللهِ فِيمَا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلا اللهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254].
وَالشَّفَاعَةُ الْمُثْبَتَةُ: هِيَ الَّتِي تُطْلَبُ مِنَ اللهِ ، وَالشَّافِعُ مُكَرَّمٌ بِالشَّفَاعَةِ، وَالْمَشْفُوعُ لَهُ مَنْ رَضِيَ اللهُ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ بَعْدَ الإِذْنِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. )
الشفاعة اصطلاحا : التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة .
والشفاعة تنقسم الى قسمين : مثبتة ومنفية .
المثبتة هي التي توفرت فيها شروط الشفاعة ، ما هي شروط الشفاعة ؟
يشترط لهذه الشفاعة شرطان :
1- اذن الله في الشفاعة ، كما قال تعالى : ( من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه ) ، وقال سبحانه : ( يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ) .
2- رضا الله عن الشافع والمشفوع له ، لقوله تعالى : ( ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ) .
وأما الكافر فلا شفاعة له ، كما قال الله تعالى : ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ، وقال سبحانه : ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( العهد : شهادة أن لا إله إلا الله ، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة ، ولا يرجو إلا الله ، عز وجل ) .
فلا يشفع أحد عند الله بغير إذنه سبحانه ، ولا يأذن سبحانه وتعالى إلا لمن ارتضى ، ولا يرضى إلا بالتوحيد كما قال سبحانه : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) ، ولا يمكن أن يرضى الكفر لقوله تعالى : ( ان تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم ) .
فإذا كان لا يرضى الكفر فانه لا يأذن بالشفاعة للكافر .
والشفاعة المنفية -كما ذكر الإمام رحمه الله- هي الشفاعة فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا؛ مثل شفاعة في مغفرة الذنب ممن لا يملك ذلك ، وهكذا .
وصح أن الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون ، وغيرهم ممن صح الدليل على شفاعتهم .
ونحن لا ننكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع ونرجوا شفاعته ، ولكن الشفاعة كلها لله ، كما قال تعالى : ( قل لله الشفاعة جميعا ) ، فاذا تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه ، فقل : اللهم لا تحرمني شفاعته ، اللهم شفعه في – بتشديد الياء- ، و أمثال ذلك .
• بالنسبة للشفاعة في أمور الدنيا : الشفاعة من حي يقدر عليها فهذه جائزه ، وهي ما نسميها اليوم ( الواسطة ) .
قال الامام النووي رحمه الله في بيان ذلك : تستحب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة الى السلطان ووال ونحوهما أم الى أحد من الناس ، وسواء كانت الشفاعة الى سلطان في كف الظلم .. الى أن قال :
و أما الشفاعة في الحدود فحرام ، وكذا الشفاعة في تتميم باطل ، أو ابطال حق ، ونحو ذلك فهي حرام ) أ.هـ.
فالشفاعة لدى الآخرين من أجل تخليص الحقوق أو درء المظالم ، أو نحو ذلك من حاجات الناس المباحة سعي مشكور وعمل مبرور .
بخلاف الشفاعة في ابطال الحقوق أو اقرار الباطل ، أو تعطيل حد ، فجهد مذموم وعمل مردود .
وقد دلت النصوص الشرعية على ما تقدم ، قال الله تعالى : ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى : ( وقوله : { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا } أي : من سعى في أمر ، فترتب عليه خير ، كان له نصيب من ذلك { وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا } أي : يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته ، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء".
وقال مجاهد بن جَبْر : نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض.
وقال الحسن البصري : قال الله تعالى : { مَنْ يَشْفَعْ } ولم يقل : من يُشَفَّع.
وقوله : { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا } قال ابن عباس ، وعطاء ، وعطية ، وقتادة ، ومطر الوراق : { مُقِيتًا } أي : حفيظا. ) أ.هـ.
هذه نبذة سريعة لتوضيح الشفاعة المتعلقة بأمور الدنيا تتميما للفائدة ، والا فالمقصود الكلام عن الشفاعة المتعلقة بأمور الآخرة ، والله الموفق المعين .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ
أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ظَهَرَ عَلَى أُنَاسٍ مُتَفَرِّقِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْمَلائِكَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الأَشْجَارَ وَالأَحْجَارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ﴾ [الأنفال: 39]. وَدَلِيلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت: 37]. وَدَلِيلُ الْمَلائِكَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً... ﴾ الآية [آل عمران: 80]. وَدَلِيلُ الأَنْبِيَاءِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ الآية [المائدة: 116].
وَدَلِيلُ الصَّالِحِينَ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ... ﴾ الآية [الإسراء: 57]. وَدَلِيلُ الأَشْجَارِ وَالأَحْجَارِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴾ [النجم: 91، 20]. )
نقف هنا ونكمل انشاء الله في الدرس القادم .
أسئلة للمشاركة .
س1: ما هي شروط الشفاعة ؟ اذكر الدليل .
س2: هل الشفاعة في أمور الدنيا جائزة ؟
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعلنا من عبادك الصالحين.
اللهم احفظنا بالإسلام واقفين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
كتبه العبد الفقير الى الله : بومالك الأنصاري .