موالي آل البيت((ع))
10-17-2003, 03:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله الطاهرين.
أما بعد:-
الغار ينخسف على رأس أبي بكر
هل هي فضيلة لأبي بكر، أم هي رذيلة؟!
من ناحية تفسير الآية:
قال سبحانه: ((إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا، ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه،و أيده بجنود لم تروها، وحعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم)).
هذه الآية كانت ولم تزل شعاراً اتخذه أهل السنّة تقويماً لأمر أبي بكر، وتقويضا لأمر مخالفيه، ولست مخطئاً لو قلت أنها أقوى وأعلى وأسمى وأسنى مستند رأوه لتفضيل ابن أبي قحافة على سائر صحابة النبي الخاتم محمد (ص).
ولكن، هل الحق أنها فضيلة، أم هي رذيلة دونها الرذائل؟
أدلة أهل السنّة:
الذين استدلوا بهذه الآية، استدلوا من جهات مختلفة، وحيثيات متفاوتة، هي:
أولاً: إن الله ذكر أبا بكر، وذكر النبي، وجعله ثانيه، فقال: (إذ هما في الغار).
ثانياً: إنه وضعهما بالإجتماع في مكان واحد، وادّعوا: لتأليفه بينهما-، فقال: (إذ هما في الغار).
ثالثاً: إنه أضاف إليه بذكر الصحبة ليجمعه بينهما بما يقتضي الرتبة، فقال: (إذ يقول لصاحبه).
رابعاً:إنه أخبر عن شفقة النبيّ ورفقه به، وموضعه عنده، فقال: (لا تحزن).
خامساً: إنه أخبر أن الله معهما على حدّ سواء، ناصرا لهما، ودافعاً عنهما، فقال):إن الله معنا).
سادساً: إنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأن رسول الله لم تفارقه السكينة قط، فقال: (فأنزل الله سكينته عليه(.
الردود، والأدلة النقضية..
فلنلقِ نظرة أخرى إلى الآية بإمعان وتدقيق..
ليجلو لنا أن الأدلة السالفة إن هي إلا "كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف"، وإلا "كسراب يحسبه الظمآن ماءا" وما هي إلا ظنون، و"إن الظن لا يغني عن الحق شيئا"..
كيف؟
أما الأول: فإن الله سبحانه، ذكر النبي، وجعل أبا بكر ثانيه، وهو إخبار عن العدد ليس إلا. فلعمري لقد كانا إثنين، فما في ذلك من الفضل؟! ونحن نعلم بالضرورة أن مؤمنا ومؤمنا، ومؤمنا وكافرا، اثنان..فهل في ذلك ثم طائل يمكن الإعتماد عليه؟!!
الثاني: (في انه وصفهما بالاجتماع في المكان) ، فانه كالاول. لأن المكان يجمع المؤمن والكافر كما يجمع العدد المؤمنين والكفار .
وأيضا : فان مسجد النبي أشرف من الغار ، وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار ، وفي ذلك قوله عزوجل : ( فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين).
وأيضا : فان سفينة نوح قد جمعت النبي ، والشيطان ، والبهيمة ، والكلب..
الثالث: (في أنه اضاف إليه بذكر الصحبة) ، فانه أضعف من الفضلين الاولين : لان اسم الصحبة يجمع بين المؤمن والكافر . والدليل على ذلك قوله تعالى : ( قال له صاحبه وهو يحاوره: أكفرتَ بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا).
وأيضا : فان اسم الصحبة تطلق بين العاقل وبين البهيمة ، والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم ، فقال الله عزوجل: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه )، انهم سموا الحمار صاحبا، فقالوا : (ان الحمار مع الحمار مطية -------- فإذا خلوت به فبئس الصاحب).
وأيضا : قد سموا الجماد مع الحي صاحبا ، قالوا ذلك في السيف شعرا :
(زرت هندا وذاك غير اختيان -------- ومعي صاحب كتوم اللسان).
فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر ، وبين العاقل والبهيمة ، وبين الحيوان والجماد ، فاي حجة لأبي بكر فيه ؟!
الرابع : (انه قال : لا تحزن ) فانه وبال على أبي بكر، ومنقصة له ، ودليل على خطئه! لأن قوله (ص): ( لا تحزن ) نهي. وصورةُ النهي قول القائل : ( لا تفعل ) لا يخلوا أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية :
فان كان ( طاعة ) فان النبي لا ينهى عن الطاعات، بل يأمر بها ويدعو إليها..
وان كان ( معصية ) فقد نهاه النبي عنها ، وقد شهدت الاية بعصيانه بدليل أنه نهاه .
الخامس : (انه قال : إن الله معنا ) فان النبي (ص) قد اخبر أن الله معه ، وعبر عن نفسه بلفظ الجمع ، كقوله : ( انا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
وقيل أيضا في هذا : ان أبا بكر قال : ( يا رسول الله حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه ).
فقال له النبي (ص) : ( لا تحزن إن الله معنا ) أي : معي ومع أخي علي بن أبي طالب (ع).
السادس : (في ان السكينة نزلت على أبي بكر )، فانه تركٌ للظاهر : لان الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيده بالجنود ، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله : ( فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود ، لم تروها).
فان كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود ، وفي هذا اخراج للنبي (ص) من النبوّة، على أن هذا الموضع لو كتمته عن أبي بكر، كان خيرا ، لان الله تعالى أنزل السكينة على النبي (ص)في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها:
فقال - في أحد الموضعين - : ( فانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى).
وقال في الموضع الاخر : ( انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وانزل جنودا لم تروها ).
ولما كان في هذا الموضع خصه وحده بالسكينة قال : ( فانزل الله سكينته عليه ) فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة، كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين ، فدل اخراجه من السكينة على خروجه من الايمان .
من الأحاديث الواردة في هذا الشأن:
من طرائف مناقضة أهل السنة لقولهم واعتقادهم أن أبا بكر صحب نبيهم إلى الغار وقد رووا في مسند أحمد بن حنبل في حديث ابن عباس وهو حديث يتضمن عشر خصال جليلة دل بها نبيهم على منزلة علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في جملة الحديث المذكور وشرا علي نفسه لبس ثوب رسول الله " ص " ثم نام مكانه قال : وكان المشركون يتوهمون أنه رسول الله فجاء أبو بكر وعلي عليه السلام نائم ، قال أبو بكر : فحسبت أنه رسول الله فقال له علي : إن نبي الله قد انطلق إلى بئر ميمون فأدركه . قال : فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار . وقد ذكر محمد بن جرير الطبري وهو من أعيان رجال المخالفين لأهل البيت عليهم السلام نحو هذا في تاريخه في الجزء الثالث إن أبا بكر أتى عليا فسأله عن نبي الله " ص " فأخبره أنه لحق بالغار من ثور وقال إن كان لك فيه حاجة فالحقه فخرج أبو بكر مسرعا فلحق نبي الله " ص " في الطريق فسمع رسول الله جرس أبي بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين فأسرع رسول الله المشي ، فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها وأسرع السعي فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله فرفع صوته وتكلم ، فعرفه رسول الله فقام حتى أتاه فانطلقا ورجل رسول الله " ص " تستن دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبح فدخلاه (الطبري في تاريخه : 2 / 245 ) . أقول : فأول دم سفك من رسول الله " ص " بعد الهجرة على هذه الرواية هذا الدم الذي قد خرج من قدمه الشريف بجناية أبي بكر عليه ، ولو كان توصل في إشارة يعرف بها رسول الله " ص " إنه صاحبه ما كان قد أسرع المشي ولا خاف منه ولا جرى دمه . وقد رأيت جماعة قد ادعوا أن قوله تعالى " إذ يقول لصاحبه لا تحزن " يقتضي تفضيل أبي بكر حيث سمي بلفظ لفظ الصحبة ، ولم أجد في ذلك فضيلة لأن القرآن قد تضمن تسمية الصحبة من الكفار للنبي " ص " ولغيره من الأنبياء بل ذكر المصاحبة مع الحيوان أيضا ولا ينافيه اللغة كما يقولون بئس الصاحب الحمار ، وفي الأخبار ذكرت صاحبات نوح ولوط ويوسف ، وقد ذكر الكافر مصاحبا للمؤمن قال الله تعالى " إذ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا " (الكهف : 37) . ومن نظائره أنه قال " قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (سبأ : 46 ) وقال تعالى في صحبة الكفار للنبي " أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة " (الأعراف: 184 . ) . وإنما ذكرنا تصريح القرآن بصحبة الكفار للنبي " ص " لأننا وجدنا الاحتجاج بمثل هذا في كثير مما وقفنا عليه ، ألا ترى رواية الطبري وهو غير متهم على أبي بكر يتضمن أنه ما كان عنده علم من توجه النبي " ص " من مكة إلى المدينة وأن النبي " ص " ستر ذلك عنه كما ستره عن أعداء الإسلام وأنه ما عرف بتوجه النبي " ص " ولا موضع الاستتار إلا من علي بن أبي طالب عليه السلام ولم يمكن المقام بمكة بعد النبي " ص " خوفا من الكفار .
فهذا الحديث يشهد أن نبيهم " ص " ما عرف أبا بكر بأمره ولا اطلعه على سره ولا صحبه إلى الغار ولا كان اتباعه إلى الغار بإذنه ولا دخوله معه فيه بقوله ، فما أحسن هذه الرواية عند الشيعة ، وأما قولهم فيها إن عليا عليه السلام أشار على أبي بكر بإدراكه فلا تصدق الشيعة ذلك وتروي خلاف هذا . ومن طريف الروايات في أن النبي " ص " ما صحب أبا بكر إلى الغار خوفا منه أن يدل الكفار عليه ما ذكره أبو هاشم بن الصباغ في كتاب النور والبرهان فقال في باب ما أنزل الله تعالى على نبيه " ص " قم فأنذر " وقوله تعالى " فاصدع بما تؤمر " وما ضمن رسول الله صلى الله عليه وآله لمن أجابه وصدقه ، رفع الحديث عن محمد بن إسحاق قال : قال حسان : قدمت مكة معتمرا وأناس من قريش يقذفون أصحاب رسول الله " ص " فقال ما هذا لفظه : فأمر رسول الله عليا عليه السلام فنام على فراشه ، وخشى ابن أبي قحافة أن يدل القوم عليه فأخذه معه ومضى إلى الغار . وقال صاحب هذا الكتاب في باب هجرة النبي " ص " إلى المدينة رفعه إلى سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين عليه السلام قال في بعض هذا الحديث ما هذا لفظ لنظه : قال سعيد قلت لعلي بن الحسين عليه السلام قد كان أبو بكر مع رسول الله " ص " حين انتقل إلى المدينة فأين فارقة ؟ فقال : إن أبا بكر لما قدم رسول الله " ص " إلى قبا فنزل بها ينتظر قدوم علي بن أبي طالب عليه السلام قال له أبو بكر انهض بنا إلى المدينة فإن القوم يستبشرون بقدومك وهم يسترهبون اقبالك إليهم فانطلق بنا ولا تقم هاهنا تنتظر عليا فما أظنه يقدم عليك شهرا ولا دهرا فقال له رسول الله : كلا بفيك الحجر ، ما أسرعه يقدم ولا أزيل قدما عن قدم حتى يقدم علي بن أبي طالب ابن عمي وأخي في الله وأحب أهل بيتي إلي ، فقد وقاني بنفسه من المشركين وخفت غيره أن يدلهم علي ، فغضب عند ذلك أبو بكر واشمأز وجهه ودخله من ذلك حسد لعلي بن أبي طالب عليه السلام وكان أول عداوة بدت منه لرسول الله " ص " في علي وأول خلاف على رسول الله واسترها في نفسه حقدا ، فانطلق حتى دخل المدينة وحده وتخلف رسول الله ينتظر قدوم علي بن أبي طالب عليه السلام .
في هذا الحديث ما يكشف لك عن السرائر وينبهك عن الحق الباهر إن كنت من أهل البصائر وتخاف من يوم الآخر . ومن طرائف مناقضاتهم أنهم يقولون لو كان علي بن أبي طالب عليه السلام يعلم أنه أحق بالخلافة بعد نبيهم لنازع أبا بكر وأظهر كراهيته لبيعته ، وأنهم ينسون أو يتناسون ما تقدم بعضه من رواياتهم في صحاحهم أن علي بن أبي طالب عليه السلام بقي ممتنعا من مبايعة أبي بكر هو وسائر بني هاشم مدة ستة أشهر ، وجاهروا بالكراهة لبيعته والإنكار لمتابعته .
والحمد لله رب العالمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله الطاهرين.
أما بعد:-
الغار ينخسف على رأس أبي بكر
هل هي فضيلة لأبي بكر، أم هي رذيلة؟!
من ناحية تفسير الآية:
قال سبحانه: ((إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا، ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه،و أيده بجنود لم تروها، وحعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم)).
هذه الآية كانت ولم تزل شعاراً اتخذه أهل السنّة تقويماً لأمر أبي بكر، وتقويضا لأمر مخالفيه، ولست مخطئاً لو قلت أنها أقوى وأعلى وأسمى وأسنى مستند رأوه لتفضيل ابن أبي قحافة على سائر صحابة النبي الخاتم محمد (ص).
ولكن، هل الحق أنها فضيلة، أم هي رذيلة دونها الرذائل؟
أدلة أهل السنّة:
الذين استدلوا بهذه الآية، استدلوا من جهات مختلفة، وحيثيات متفاوتة، هي:
أولاً: إن الله ذكر أبا بكر، وذكر النبي، وجعله ثانيه، فقال: (إذ هما في الغار).
ثانياً: إنه وضعهما بالإجتماع في مكان واحد، وادّعوا: لتأليفه بينهما-، فقال: (إذ هما في الغار).
ثالثاً: إنه أضاف إليه بذكر الصحبة ليجمعه بينهما بما يقتضي الرتبة، فقال: (إذ يقول لصاحبه).
رابعاً:إنه أخبر عن شفقة النبيّ ورفقه به، وموضعه عنده، فقال: (لا تحزن).
خامساً: إنه أخبر أن الله معهما على حدّ سواء، ناصرا لهما، ودافعاً عنهما، فقال):إن الله معنا).
سادساً: إنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأن رسول الله لم تفارقه السكينة قط، فقال: (فأنزل الله سكينته عليه(.
الردود، والأدلة النقضية..
فلنلقِ نظرة أخرى إلى الآية بإمعان وتدقيق..
ليجلو لنا أن الأدلة السالفة إن هي إلا "كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف"، وإلا "كسراب يحسبه الظمآن ماءا" وما هي إلا ظنون، و"إن الظن لا يغني عن الحق شيئا"..
كيف؟
أما الأول: فإن الله سبحانه، ذكر النبي، وجعل أبا بكر ثانيه، وهو إخبار عن العدد ليس إلا. فلعمري لقد كانا إثنين، فما في ذلك من الفضل؟! ونحن نعلم بالضرورة أن مؤمنا ومؤمنا، ومؤمنا وكافرا، اثنان..فهل في ذلك ثم طائل يمكن الإعتماد عليه؟!!
الثاني: (في انه وصفهما بالاجتماع في المكان) ، فانه كالاول. لأن المكان يجمع المؤمن والكافر كما يجمع العدد المؤمنين والكفار .
وأيضا : فان مسجد النبي أشرف من الغار ، وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار ، وفي ذلك قوله عزوجل : ( فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين).
وأيضا : فان سفينة نوح قد جمعت النبي ، والشيطان ، والبهيمة ، والكلب..
الثالث: (في أنه اضاف إليه بذكر الصحبة) ، فانه أضعف من الفضلين الاولين : لان اسم الصحبة يجمع بين المؤمن والكافر . والدليل على ذلك قوله تعالى : ( قال له صاحبه وهو يحاوره: أكفرتَ بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا).
وأيضا : فان اسم الصحبة تطلق بين العاقل وبين البهيمة ، والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم ، فقال الله عزوجل: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه )، انهم سموا الحمار صاحبا، فقالوا : (ان الحمار مع الحمار مطية -------- فإذا خلوت به فبئس الصاحب).
وأيضا : قد سموا الجماد مع الحي صاحبا ، قالوا ذلك في السيف شعرا :
(زرت هندا وذاك غير اختيان -------- ومعي صاحب كتوم اللسان).
فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر ، وبين العاقل والبهيمة ، وبين الحيوان والجماد ، فاي حجة لأبي بكر فيه ؟!
الرابع : (انه قال : لا تحزن ) فانه وبال على أبي بكر، ومنقصة له ، ودليل على خطئه! لأن قوله (ص): ( لا تحزن ) نهي. وصورةُ النهي قول القائل : ( لا تفعل ) لا يخلوا أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية :
فان كان ( طاعة ) فان النبي لا ينهى عن الطاعات، بل يأمر بها ويدعو إليها..
وان كان ( معصية ) فقد نهاه النبي عنها ، وقد شهدت الاية بعصيانه بدليل أنه نهاه .
الخامس : (انه قال : إن الله معنا ) فان النبي (ص) قد اخبر أن الله معه ، وعبر عن نفسه بلفظ الجمع ، كقوله : ( انا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
وقيل أيضا في هذا : ان أبا بكر قال : ( يا رسول الله حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه ).
فقال له النبي (ص) : ( لا تحزن إن الله معنا ) أي : معي ومع أخي علي بن أبي طالب (ع).
السادس : (في ان السكينة نزلت على أبي بكر )، فانه تركٌ للظاهر : لان الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيده بالجنود ، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله : ( فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود ، لم تروها).
فان كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود ، وفي هذا اخراج للنبي (ص) من النبوّة، على أن هذا الموضع لو كتمته عن أبي بكر، كان خيرا ، لان الله تعالى أنزل السكينة على النبي (ص)في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها:
فقال - في أحد الموضعين - : ( فانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى).
وقال في الموضع الاخر : ( انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وانزل جنودا لم تروها ).
ولما كان في هذا الموضع خصه وحده بالسكينة قال : ( فانزل الله سكينته عليه ) فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة، كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين ، فدل اخراجه من السكينة على خروجه من الايمان .
من الأحاديث الواردة في هذا الشأن:
من طرائف مناقضة أهل السنة لقولهم واعتقادهم أن أبا بكر صحب نبيهم إلى الغار وقد رووا في مسند أحمد بن حنبل في حديث ابن عباس وهو حديث يتضمن عشر خصال جليلة دل بها نبيهم على منزلة علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في جملة الحديث المذكور وشرا علي نفسه لبس ثوب رسول الله " ص " ثم نام مكانه قال : وكان المشركون يتوهمون أنه رسول الله فجاء أبو بكر وعلي عليه السلام نائم ، قال أبو بكر : فحسبت أنه رسول الله فقال له علي : إن نبي الله قد انطلق إلى بئر ميمون فأدركه . قال : فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار . وقد ذكر محمد بن جرير الطبري وهو من أعيان رجال المخالفين لأهل البيت عليهم السلام نحو هذا في تاريخه في الجزء الثالث إن أبا بكر أتى عليا فسأله عن نبي الله " ص " فأخبره أنه لحق بالغار من ثور وقال إن كان لك فيه حاجة فالحقه فخرج أبو بكر مسرعا فلحق نبي الله " ص " في الطريق فسمع رسول الله جرس أبي بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين فأسرع رسول الله المشي ، فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها وأسرع السعي فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله فرفع صوته وتكلم ، فعرفه رسول الله فقام حتى أتاه فانطلقا ورجل رسول الله " ص " تستن دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبح فدخلاه (الطبري في تاريخه : 2 / 245 ) . أقول : فأول دم سفك من رسول الله " ص " بعد الهجرة على هذه الرواية هذا الدم الذي قد خرج من قدمه الشريف بجناية أبي بكر عليه ، ولو كان توصل في إشارة يعرف بها رسول الله " ص " إنه صاحبه ما كان قد أسرع المشي ولا خاف منه ولا جرى دمه . وقد رأيت جماعة قد ادعوا أن قوله تعالى " إذ يقول لصاحبه لا تحزن " يقتضي تفضيل أبي بكر حيث سمي بلفظ لفظ الصحبة ، ولم أجد في ذلك فضيلة لأن القرآن قد تضمن تسمية الصحبة من الكفار للنبي " ص " ولغيره من الأنبياء بل ذكر المصاحبة مع الحيوان أيضا ولا ينافيه اللغة كما يقولون بئس الصاحب الحمار ، وفي الأخبار ذكرت صاحبات نوح ولوط ويوسف ، وقد ذكر الكافر مصاحبا للمؤمن قال الله تعالى " إذ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا " (الكهف : 37) . ومن نظائره أنه قال " قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (سبأ : 46 ) وقال تعالى في صحبة الكفار للنبي " أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة " (الأعراف: 184 . ) . وإنما ذكرنا تصريح القرآن بصحبة الكفار للنبي " ص " لأننا وجدنا الاحتجاج بمثل هذا في كثير مما وقفنا عليه ، ألا ترى رواية الطبري وهو غير متهم على أبي بكر يتضمن أنه ما كان عنده علم من توجه النبي " ص " من مكة إلى المدينة وأن النبي " ص " ستر ذلك عنه كما ستره عن أعداء الإسلام وأنه ما عرف بتوجه النبي " ص " ولا موضع الاستتار إلا من علي بن أبي طالب عليه السلام ولم يمكن المقام بمكة بعد النبي " ص " خوفا من الكفار .
فهذا الحديث يشهد أن نبيهم " ص " ما عرف أبا بكر بأمره ولا اطلعه على سره ولا صحبه إلى الغار ولا كان اتباعه إلى الغار بإذنه ولا دخوله معه فيه بقوله ، فما أحسن هذه الرواية عند الشيعة ، وأما قولهم فيها إن عليا عليه السلام أشار على أبي بكر بإدراكه فلا تصدق الشيعة ذلك وتروي خلاف هذا . ومن طريف الروايات في أن النبي " ص " ما صحب أبا بكر إلى الغار خوفا منه أن يدل الكفار عليه ما ذكره أبو هاشم بن الصباغ في كتاب النور والبرهان فقال في باب ما أنزل الله تعالى على نبيه " ص " قم فأنذر " وقوله تعالى " فاصدع بما تؤمر " وما ضمن رسول الله صلى الله عليه وآله لمن أجابه وصدقه ، رفع الحديث عن محمد بن إسحاق قال : قال حسان : قدمت مكة معتمرا وأناس من قريش يقذفون أصحاب رسول الله " ص " فقال ما هذا لفظه : فأمر رسول الله عليا عليه السلام فنام على فراشه ، وخشى ابن أبي قحافة أن يدل القوم عليه فأخذه معه ومضى إلى الغار . وقال صاحب هذا الكتاب في باب هجرة النبي " ص " إلى المدينة رفعه إلى سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين عليه السلام قال في بعض هذا الحديث ما هذا لفظ لنظه : قال سعيد قلت لعلي بن الحسين عليه السلام قد كان أبو بكر مع رسول الله " ص " حين انتقل إلى المدينة فأين فارقة ؟ فقال : إن أبا بكر لما قدم رسول الله " ص " إلى قبا فنزل بها ينتظر قدوم علي بن أبي طالب عليه السلام قال له أبو بكر انهض بنا إلى المدينة فإن القوم يستبشرون بقدومك وهم يسترهبون اقبالك إليهم فانطلق بنا ولا تقم هاهنا تنتظر عليا فما أظنه يقدم عليك شهرا ولا دهرا فقال له رسول الله : كلا بفيك الحجر ، ما أسرعه يقدم ولا أزيل قدما عن قدم حتى يقدم علي بن أبي طالب ابن عمي وأخي في الله وأحب أهل بيتي إلي ، فقد وقاني بنفسه من المشركين وخفت غيره أن يدلهم علي ، فغضب عند ذلك أبو بكر واشمأز وجهه ودخله من ذلك حسد لعلي بن أبي طالب عليه السلام وكان أول عداوة بدت منه لرسول الله " ص " في علي وأول خلاف على رسول الله واسترها في نفسه حقدا ، فانطلق حتى دخل المدينة وحده وتخلف رسول الله ينتظر قدوم علي بن أبي طالب عليه السلام .
في هذا الحديث ما يكشف لك عن السرائر وينبهك عن الحق الباهر إن كنت من أهل البصائر وتخاف من يوم الآخر . ومن طرائف مناقضاتهم أنهم يقولون لو كان علي بن أبي طالب عليه السلام يعلم أنه أحق بالخلافة بعد نبيهم لنازع أبا بكر وأظهر كراهيته لبيعته ، وأنهم ينسون أو يتناسون ما تقدم بعضه من رواياتهم في صحاحهم أن علي بن أبي طالب عليه السلام بقي ممتنعا من مبايعة أبي بكر هو وسائر بني هاشم مدة ستة أشهر ، وجاهروا بالكراهة لبيعته والإنكار لمتابعته .
والحمد لله رب العالمين