المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يلزم الصحة لأسانيد السيرة النبوية والمغازي؟؟ (جواب الشيخ الطيباوي)



أبو الأزهر السلفي
09-16-2009, 01:04 AM
بسم الله الرحمـــن الرحـيـم

جواب أبي محمد عمر البومرداسي عن أسانيد السيرة

الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده،وبعد.....
سأل الأخ الفاضل قائلا: ما هي السبيل الصحيحة لنقد روايات السير..؟
أولا: جزى الله أخانا أبا محمد عمر البومرداسي على نشاطه المحمود في سبيل الدعوة، ونشر العلم الصحيح، ويسّر له طريقا إلى العلم النافع و العمل الصالح.
إذا كان مقصود الأخ السيرة النبوية فهذا الجواب، وإن قصد سير العلماء فهذا مبثوث في المساجلات العلمية التي دارت على المنتدى بسبب كتاب الشيخ علي حسن الحلبي ـ حفظه الله ـ وقد أنزلت في هذا الشأن مقالات عديدة قبلها تتعلق بمتن روايات سير العلماء كـ " إنهاء المداولة على مسألة الجرح للعداوة"، و" ذم الغلاة أشباه القضاة بعدم التفريق بين جرح العلماء وجرح الرواة"، و"من بدع الجرح والتعديل قبول خبر العوام والمجاهيل".
كما تعرضت لمسألة الاستفاضة و المعاصرة المكانية وغيرها في بعض المقالات وعلى العموم طرق نقد الأسانيد واحدة.
إن أكثر أسانيد السيرة و التفسير و المغازي والملاحم مرسلة كما هو مشهور،وقد تساهل العلماء فيها أكثر من الحديث النبوي، وأكثر أنواع الأخبار التي اعتبر فيها الأئمة الاشتهار هي السيرة و المغازي.
و السيريّ وسط بين المحدث و المؤرخ ، و إن كان بعض أهل السيرة محدثين فإن بعضهم الآخر سيريّ محض.
ولعل الأخ قد فطن للجواب عن سؤاله لأنه إذا كان الإشكال في أسانيد السيرة الانقطاع ـ و أقصد هنا الإرسال ـ فيجب تفصيل هذا الأمر، و بيان رتب المرسل وتفاوته، وشروط الاحتجاج به عند الأئمة، وبه تتبين السبيل الصحيحة لنقد روايات السير.
والسيرة النبوية فيها الصحيح والموضوع والمعضل، ومعلوم أن الكذب لم يكثر في التابعين كما في غيرهم، فما كان من مراسيل كبار التابعين أو ممن عرفوا بالصدق و التثبت، و اشتهر الأمر في كتب السيرة و المغازي، ولم يخالف حديثا صحيحا استشهد به و قبل، هكذا جرى العمل عند أئمة الحديث.
فيمكن تقوية مرسل بمرسل ما دام أن المرسلين لا يسكنان في مكان واحد أي اختلاف الشيوخ، وهو ما يسميه الشافعي :اختلاف المخرج.
قال ابن تيمية في "المجموع":ولهذا قال الإمام أحمد ثلاثة أمور ليس لها إسناد : التفسير والملاحم والمغازي ويروى: ليس لها أصل أي إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل مثل ما يذكره عروة بن الزبير والشعبي والزهري وموسى بن عقبة وابن إسحاق ومن بعدهم كيحيى بن سعيد الأموي والوليد بن مسلم والواقدي ونحوهم في المغازي ؛ فإن أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم، وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم، ولهذا عظم الناس كتاب أبي إسحاق الفزاري الذي صنفه في ذلك، وجعلوا الأوزاعي أعلم بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار.
وأما " التفسير " فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس وأبي الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم ؛ وكذلك أهل الكوفة منه أصحاب ابن مسعود ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب ."
قلت: فمن خلال هذا الكلام نفهم كيف نتعامل مع المرسل في السير والمغازي والمرسل في التفسير وذلك من خلال اعتبار مخرجه أي أين وقعت الحادثة ومن أخبر به من أي الأمصار هو ، فهذه قرائن قد تحتف بالمرسل فيقبل .
وهذه الآن بعض التفصيل في المسألة عند أئمة الحديث كما أوردها ابن رجب في كتابه القيم "شرح علل الترمذي" أنقله لك بإيجاز و اختصار، ثم أذكر في الأخير كيف نعرف صحة الخبر من كذبه أو الخطأ فيه .
المرسل متفاوت من حيث القوة، ومن حيث الاحتجاج به، وقد أخطا بعض أئمة الحديث ـ الترمذي والحاكم ـ عندما نقلوا في كتبهم أن أكثر العلماء ـ علماء الحديث ـ على تضعيف المرسل فقد نقضهم ابن رجب نقضا قويا وبيّن أن الذي صحّ عن أئمة الشأن الطعن في بعض المراسيل و ليس في عمومها.
فأهل الحديث لهم كلام طويل في المراسيل يدل على تفاوتها في الرتبة والاحتجاج ومن أشهر من وضع قواعد متينة للمرسل الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ
وإن اشتهر عند بعض العلماء أنه لا يقبل إلا مراسيل سعيد بن المسيب، وهذا بسبب قوله ـ رواية يونس بن عبد الأعلى ـ قال لي الشافعي : ليس المنقطع بشئ ، ما عدا منقطع ابن المسيب. خرجه ابن أبي حاتم في أول كتاب المراسيل عن أبيه عن يونس، وناوله على أن مراده أنه يعتبر بمرسل سعيد بن المسيب.
وخرجه عبد الغني بن سعيد من طريق محمد بن سفيان بن سعيد المؤذن عن يونس به.
وقد ذهب إلى عدم الاحتجاج بالمرسل بعض الأئمة:
قال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج إلا بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح.
وكذلك قال الدار قطني: المرسل لا تقوم به حجة.
وخرّج مسلم في مقدمة كتابه من طريق بن سعد عن مجاهد قال : جاء بشير بن كعب العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.
ثم قال مسلم في أثناء كلامه: المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة.
تحقيق مذهب الشافعي وغيره:
أنكر البيهقي على أبي محمد الجويني قوله: لا تقوم الحجة بسوى مرسل ابن المسيب، فقد نقل ابن رجب رواية عن الربيع عن الشافعي قوله في الرهن الصغير كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا ولم تقبلوه عن غيره؟
قال الشافعي: "لا نحفظ لابن المسيب منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثر عن أحد عرفناه عنه إلا عن ثقة معروف، فمن كان مثل حاله قبلنا منقطعه."
ففي هذه الرواية عن الربيع لا يعتد الشافعي بمراسيل سعيد بن المسيب فقط.
قال البيهقي: وليس الحسن وابن سيرين بدون كثير من التابعين وإن كان بعضهم أقوى مرسلا منهما أو من أحدهما، وقد قال الشافعي بمرسل الحسن حين اقترن به ما يعضده في مواضع منها: النكاح بلا ولي، وفي النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، وقال بمرسل طاوس، وعروة، وأبي أمامة بن سهل، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار وغيرهم من كبار التابعين حين اقترن به ما أكده
وبهذا يكون المرسل عند الشافعي قسمين:
1- صحيح محتج به وهو مراسيل كبار التابعين بشرائط مخصوصة، ومرسل ابن المسيب وغيره في ذلك سواء.
2- ضعيف غير محتج به وهو كل مرسل فقد الشرائط المذكورة ومرسل ابن المسيب وغيره في ذلك سواء.
اتفاق الإمام أحمد مع الشافعي في هذا المذهب:
الشائع والمعروف عند أهل المصطلح أن الشافعي انفرد بهذا المذهب في المراسيل ولكن ابن رجب يثبت في شرح الترمذي أن الإمام أحمد يشارك الشافعي في هذا فنجده يقول:
وهذا المعنى الذي ذكره الشافعي من تقسيم المراسيل إلى صحيح محتج به وغير محتج به يؤخذ من كلام غيره من العلماء كما تقدم عن أحمد وغيره تقسيم المراسيل إلى صحيح وضعف، ولم يصحح أحمد المرسل مطلقا، ولا ضعفه مطلقا وإنما ضعف مرسل من يأخذ عن غير ثقة، كما قال في مراسيل الحسن وعطاء وهي أضعف المراسيل، لأنهما يأخذان عن كل أحد ،وقال أيضا :لا تعجبني مراسيل يحيى بن أبي كثير لأنه يروي عن رجال ضعاف صغار.
وقال مهنا: قلت لأحمد: لم كرهت مرسلات الأعمش؟ قال: كان الأعمش لا يبالي عمن حدث.
قال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة قد رأى عمر وسمع منه.
قال الأثرم: كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبي وفي إسناده شيء فيأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه.
وقال أحمد ـ في رواية مهنا ـ في حديث معمر عن سالم عن ابن عمر: إن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة" قال أحمد: ليس بصحيح والعمل عليه، ويعني أن الحديث لم يصح مع أن العمل عليه بأن يطلق ما عدا أربع نسوة.
وكلام أحمد هذا ينطبق على المرسل الذي احتفت به القرائن قال الإمام أحمد في حديث عراك عن عائشة تروي عن النبي قوله حولوا مقعدتي إلى القبلة: هو أحسن ما روي في الرخصة وإن كان مرسلا فإن مخرجه حسن، ويعنى بإرساله أن عراكا لم يسمع من عائشة، وقال إنما يروى عن عروة عن عائشة، فلعله حسنه لأن عراكا قد عرف أنه يروي حديث عائشة عن عروة عنها.
تفاوت درجات المراسيل وأسباب ذلك.
مذهب أئمة الحديث:
ذكر الترمذي أيضاً كلام يحيى بن سعيد القطان في أن بعض المرسلات أضعف من بعض ، ومضمون ما ذكره عنه تضعيف مرسلات عطاء ، وأبي إسحاق ، والأعمش ، والتيمي ، ويحيى بن أبي كثير ، والثوري ، وابن عيينة . وأن مرسلات مجاهد ، وطاووس ، وسعيد بن المسيب ، ومالك ، أحب إليه منها .
وقد أشار إلى علة ذلك بأن عطاء كان يأخذ عن كل ضرب ، يعني أنه كان يأخذ عن الضعفاء ، ولا ينتقي الرجال ، وهذه العلة مطردة في أبي إسحاق ، والأعمش ، والتيمي ، ويحيى بن أبي كثير ، والثوري ، وابن عيينة ، فإنه عرف منهم الرواية عن الضعفاء أيضاً .
وأما مجاهد ، وطاووس ، وسعيد بن المسيب ، ومالك ، فأكثر تحرياً في رواياتهم ، وانتقاداً لمن يروون عنه ، مع أن يحيى بن سعيد صرّح بأن الكل ضعيف .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل ثنا علي ابن المديني قال : قلت ليحيى : سعيد بن المسيب عن أبي بكر ؟ ، قال : ذلك شبه الريح .
قال وسمعت يحيى يقول : مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلىّ من سفيان عن إبراهيم . قال يحيى : وكل ضعيف .
قال وسمعت يحيى يقول : سفيان عن إبراهيم شبه لا شئ ، لأنه لو كان فيه إسناد صاح به .
قال : وقال يحيى : أما مجاهد عن علي فليس بها بأس ، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي .
وأما عطاء يعني عن علي فأخاف أن يكون من كتاب .
قال: وسمعت يحيى يقول : مرسلات بن أبي خالد ليس بشئ ،ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلىّ.
قال: وسمعت يحيى يقول : مرسلات معاوية بن قرة أحب إلىّ من مرسلات زيد بن أسلم .
وذكر يحيى عن شعبة أنه كان يقول : عطاء عن علي إنما هي من كتاب ، ومرسلات معاوية بن قرة نرى أنه عن شهر بن حوشب .
قال ابن أبي حاتم ونا أحمد بن سنان الواسطي قال : كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً ، ويقول : هو بمنزلة الريح ويقول : هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشئ علقوه .
وكلام يحيى بن سعيد في تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض يدور على أربعة أسباب :
أحدها : ما سبق من أن من عرف روايته عن الضعفاء ضعف مرسله بخلاف غيره .
والثاني : أن من عرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك ، وهذا معنى قوله : مجاهد عن علي ليس به بأس ، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي .
والثالث : أن من قوي حفظه يحفظ كل ما يسمعه ، ويثبت في قلبه ، ويكون فيه ما لا يجوز الاعتماد عليه ، بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ ـ لم أجد في العلم موضعا يحمد فيه قلة الحفظ و ضعفه ويرجح به إلا هذا الموضع فسبحان الله يرفع ويضع ـ ، ولهذا كان سفيان إذا مر بأحد يتغنى يسد أذنيه ، حتى لا يدخل إلى قلبه ما يسمعه منه فيقر فيه .
وقد أنكر مرة يحيى بن معين على علي بن عاصم حديثاً وقال : ليس هو من حديثك إنما ذوكرت به ، فوقع في قلبك ، فظننت أنك سمعته ولم تسمعه وليس هو من حديثك .
وقال الحسين بن حريث سمعت وكيعاً يقول : لا ينظر رجل في كتاب لم يسمعه ، لا يأمن أن يعلق قلبه منه .
وقال الحسين بن الحسن المروزي سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : كنت عند أبي عوانة فحدث بحديث عن الأعمش ، فقلت : ليس هذا من حديثك . قال : بلى . قلت : لا . قال : بلى . قلت : لا . قال : يا سلامة هات الدرج ، فأخرجت فنظر فيه فإذا ليس الحديث فيه . فقال : صدقت يا أبا سعيد ، فمن أين أتيت ؟ قلت : ذوكرت به وأنت شاب ، فظننت أنك سمعته .
الرابع : أن الحافظ إذا روى عن قمة لا يكاد يترك اسمه ، بل يسميه ، فإذا ترك اسم الراوي دل إبهامه على أنه غير مرضي ، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيراً ، يكنون عن الضعيف ولا يسمونه ، بل يقولون : عن رجل .
وهذا معنى قول القطان : لو كان فيه إسناد لصاح به، يعني لو كان أخذه عن ثقة لسماه وأعلن باسمه .
وخرج البيهقي من طريق أبي قدامة السرخسي ، قال سمعت يحيى بن سعيد يقول : مرسل الزهري شر من مرسل غيره ، لأنه حافظ ، وكلما يقدر أن يسمي سمى ، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه .
وقال يحيى بن معين : مراسيل الزهري ليست بشيء .
وقال الشافعي : إرسال الزهري عندنا ليس بش ، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم .
وقد روي أيضاً تضعيف مراسيل الزهري عن يحيى بن سعيد ، وأن أحمد بن صالح المصري أنكر عليه ذلك ، لكن من وجه لا يثبت .
وأما مراسيل الحسن البصري رضي الله عنه :
ففي كلام الترمذي ما يقتضي تضعيفها مع مراسيل الشعبي ، فإنه ذكر أن الحسن ضعف معبداً ثم روى عنه ، وأن الشعبي كذب جابراً الجعفي ثم روى عنه . فتضعف مراسيلهما حينئذ .
وما ذكره عن يحيى القطان أن مراسيل الحسن وجد لها أصلاً إلا حديثاً أو حديثين يدل على أن مراسيله جيده .
وقال ابن عدي سمعت الحسن بن عثمان يقول : سمعت أبا زرعة الرازي يقول : كل شئ قال الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجدت له أصلاً ثابتاً ،ما خلا أربعة أحاديث .
وخرج عبد الغني بن سعيد من طريق نصر بن مرزوق وسلمة ابن مكتل ، قالا : سمعنا الخصيب بن ناصح يقول : كان الحسن إذا حدثه رجل واحد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحديث ذكره ، فإذا حدثه أربعة بحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألقاهم ، وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
سلمة بن مكتل مصري ذكره ابن يونس .
والخصيب بن ناصح مصري أيضاً متأخر ، لم يدرك الحسن ، إنما يروي عن خالد بن خداش ونحوه ، ويروي عنه [ أيضاً ] عبد الرحمن ابن عبد الله بن عبد الحكم .
وقال محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي سمعت علي بن المديني يقول : مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ، ما أقل ما يسقط منها .
وقال ابن عبد البر : روى عباد بن منصور سمعت الحسن قال : ما حدثني به رجلان قلت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وروى محمد بن موسى الحرشي عن ثمامة بن عبيدة ثنا عطية بن محارب عن يونس قال : سألت الحسن ، قلت : يا أبا سعيد إنك تقول قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم تدركه ؟ . قال : كل شئ سمعتني أقوله : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو عن علي بن أبي طالب ، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر علياً . وكان في عمل الحجاج .
وهذا إسناد ضعيف ، ولم يثبت للحسن سماع من علي .
وذكر البخاري في تاريخه قال : قال الهيثم بن عبيد الصيد حدثني أبي قال قال رجل للحسن : إنك لتحدثنا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلو كنت تسند لنا ! . قال : والله ما كذبناك ولا كذبنا ، لقد غزوت إلى خراسان غزوة معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وهذا يدل على أن مراسيل الحسن أو أكثرها عن الصحابة . وضعّف آخرون مراسيل الحسن .
روى حماد عن ابن عون عن ابن سيرين قال : كان ههنا ثلاثة يصدقون كل من حدثهم : وذكر الحسن ، وأبا العالية ، ورجلاً آخر .
وروى جرير عن رجل عن عاصم الأحول عن ابن سيرين قال: لا تحدثني عن الحسن، ولا عن أبي العالية، فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث.
وروى داود بن أبي هند عن الشعبي قال : لو لقيت هذا - يعني الحسن - لنهيته عن قوله : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، صحبت ابن عمر ستة أشهر ، فما سمعته قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا في حديث واحد .
وروى شعبة عن عبد الله بن صبيح عن محمد بن سيرين قال : ثلاثة كانوا يصدقون من حدثهم : أنس ، وأبو العالية ، والحسن البصري .
قال الخطيب : أراد أنس بن سيرين . وفيه نظر .
وقال الإمام أحمد ثنا أبو أسامة عن وهيب بن خالد عن خالد الخذاء قال سمعت محمد بن سيرين يقول : كان أربعة يصدقون من حدثهم : أبو العالية ، والحسن ، وحميد بن هلال ، ورجل آخر سماه )) .
وقد كان ابن سيرين يقول : سلوا الحسن ممن سمع حديث العقيقة ، وسلوا الحسن ممن سمع حديث : عمار تقتله الفئة الباغية .
وقال أحمد في رواية الفضل بن زياد : مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات ، ومرسلات إبراهيم لا بأس بها ، وليس في المرسلات أضعف من مراسيل الحسن وعطاء بن أبي رباح ، فإنهما يأخذان عن كل .
وقال أحمد في رواية الميموني وحنبل عنه : مرسلات سعيد ابن المسيب صحاح لا نرى أصح من مرسلاته . زاد الميموني : وأما الحسن وعطاء فليس هي بذاك . هي أضعف المراسيل كلها . فإنهما كانا يأخذان عن كل .
وقال ابن سعد : قالوا : ما أرسل الحسن ولم يسند فليس بحجة .
وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله : ابن جريج كان لا يبالي من أين يأخذ ، وبعض أحاديثه التي يرسلها يقول : أُخبرت عن فلان موضوعة .
وممن تكلم من السلف في المراسيل ابن سيرين ، وقد تقدم قوله : كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة .
وقوله لما حدث عن أبي قلابة : أبو قلابة رجل صالح ، ولكن عمن أخذه أبو قلابة
وكذلك تقدم قول ابن المبارك لما روي له حديث عن الحجاج بن دينار عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مفوز تنقطع فيها أعناق الإبل .
وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم ، وذكر كلام إبراهيم النخعي : أنه كان إذا أرسل فقد حدثه به غير واحد . وإن أسند لم يكن عنده إلا عمن سماه .
وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند ، لكن عن النخعي خاصة فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة.
وقد قال أحمد في مراسيل النخعي : لا بأس بها .
وقال ابن معين : مرسلات المسيب أحب إلىّ من مرسلات الحسن ، ومرسلات إبراهيم صحيحه إلا حديث تاجر البحرين ، وحديث الضحك في الصلاة .
وقال أيضاً : إبراهيم أعجب إلىّ مرسلات من سالم والقاسم وسعيد بن المسب.
قال البيهقي : والنخعي نجده يروي عن قوم مجهولين لا يروي عنهم غيره ، مثل هني بن نويرة ، وحزامة الطائي ، وقرثع الضبي ، ويزيد بن أوس ، وغيرهم .
وقال العجلي : مرسل الشعبي صحيح لا يكاد يرسل إلا صحيحاً .
وقال الحسن بن شجاع البلخي سمعت علي بن المديني يقول : مرسل الشعبي وسعيد بن المسيب أحب إلىّ من داود بن الحصين عن عكرمة ، عن ابن عباس.
وقد استدل كثير من الفقهاء بالمرسل وهو الذي ذكره أصحابنا أنه الصحيح عن الإمام أحمد .
وهو قول أبي حنيفة ، وأًصحابه ، وأًصحاب مالك أيضاً . هكذا أطلقوه ، وفي ذلك نظر سننبه عليه إن شاء الله تعالى .
وحكى احتجاج بالمرسل عن أهل الكوفة ، وعن أهل العراق جملة .
وحكاه الحاكم عن إبراهيم النخعي ، وحماد بن أبي سليمان ، وأبي حنيفة ، وصاحبيه .
وقال أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل مكة : وأما المراسيل ، فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى ، مثل سفيان الثوري ، ومالك بن أنس ، والأوزاعي ، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه ، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره .
قال أبو داود : فإن لم يكن مسند ضد المراسيل ، ولم يوجد مسند فالمراسيل يحتج بها ، وليس هو مثل المتصل في القوة .
وبعد أن استعرضنا أقوال أئمة الحديث و حققنا مذهب الشافعي و الإمام أحمد و ختمنا بقول ابن أبي داود فهو أعدل الأقوال و أشبهها بصنيع أئمة الحديث وفقهائه.
فهذه كلمة من شيخ الإسلام ابن تيمية رائعة وبارعة تبين كيف نعرف أن الخبر صحيح أو مكذوب فدونكها علمك العليم الخبير.
قال ابن تيمية : و " المراسيل " إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدا أو الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعا."
شروط قبول المرسل عند ابن تيمية:
1 ـ تعدد الطرق ـ اختلاف المخرج ـ
2 ـ عدم التواطؤ و الاتفاق، أو الاتفاق من غير قصد.
" فإن النقل إما أن يكون صدقا مطابقا للخبر وإما أن يكون كذبا تعمد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه ؛ فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقا بلا ريب .
فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات وقد علم أن المخبرين لم يتواطآ على اختلافه، وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقا بلا قصد علم أنه صحيح مثل شخص يحدث عن واقعة جرت ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال ويأتي شخص آخر قد علم أنه لم يواطئ الأول فيذكر مثل ما ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال فيعلم قطعا أن تلك الواقعة حق في الجملة فإنه لو كان كل منهما كذبها عمدا أو خطأ لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما لصاحبه، فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتا وينظم الآخر مثله أو يكذب كذبة ويكذب الآخر مثلها أما إذا أنشأ قصيدة طويلة ذات فنون على قافية وروي فلم تجر العادة بأن غيره ينشئ مثلها لفظا ومعنى مع الطول المفرط بل يعلم بالعادة أنه أخذها منه، وكذلك إذا حدث حديثا طويلا فيه فنون وحدث آخر بمثله فإنه إما أن يكون واطأه عليه أو أخذه منه أو يكون الحديث صدقا، وبهذه الطريق يعلم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات، وإن لم يكن أحدها كافيا إما لإرساله وإما لضعف ناقله لكن مثل هذا لا تضبط به الألفاظ والدقائق التي لا تعلم بهذه الطريق فلا يحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق، ولهذا ثبتت بالتواتر غزوة بدر وأنها قبل أحد بل يعلم قطعا أن حمزة وعليا وعبيدة برزوا إلى عتبة وشيبة والوليد وأن عليا قتل الوليد وأن حمزة قتل قرنه ثم يشك في قرنه هل هو عتبة أو شيبة .
وهذا الأصل ينبغي أن يعرف فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك . ولهذا إذا روي الحديث الذي يتأتى فيه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر جزم بأنه حق لا سيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب، وإنما يخاف على أحدهم النسيان والغلط ؛ فإن من عرف الصحابة كابن مسعود وأبي بن كعب وابن عمر وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم علم يقينا أن الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا عمن هو فوقهم كما يعلم الرجل من حال من جربه، وخبره خبرة باطنة طويلة أنه ليس ممن يسرق أموال الناس، ويقطع الطريق ويشهد بالزور ونحو ذلك .
وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة فإن من عرف مثل أبي صالح السمان والأعرج وسليمان بن يسار وزيد بن أسلم وأمثالهم علم قطعا أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث فضلا عمن هو فوقهم مثل محمد بن سيرين والقاسم بن محمد أو سعيد بن المسيب أو عبيدة السلماني أو علقمة أو الأسود أو نحوهم . وإنما يخاف على الواحد من الغلط ؛ فإن الغلط والنسيان كثيرا ما يعرض للإنسان ومن الحفاظ من قد عرف الناس بعده عن ذلك جدا كما عرفوا حال الشعبي والزهري وعروة وقتادة والثوري وأمثالهم لا سيما الزهري في زمانه والثوري في زمانه فإنه قد يقول القائل : إن ابن شهاب الزهري لا يعرف له غلط مع كثرة حديثه وسعة حفظه .
و " المقصود " أن الحديث الطويل إذا روي مثلا من وجهين مختلفين من غير مواطأة امتنع عليه أن يكون غلطا كما امتنع أن يكون كذبا ؛ فإن الغلط لا يكون في قصة طويلة متنوعة وإنما يكون في بعضها فإذا روى هذا قصة طويلة متنوعة ورواها الآخر مثلما رواها الأول من غير مواطأة امتنع الغلط في جميعها كما امتنع الكذب في جميعها من غير مواطأة .
ولهذا إنما يقع في مثل ذلك غلط في بعض ما جرى في القصة مثل حديث اشتراء النبي صلى الله عليه وسلم البعير من جابر ؛ فإن من تأمل طرقه علم قطعا أن الحديث صحيح وإن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن .
وقد بين ذلك البخاري في صحيحه فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ؛ لأن غالبه من هذا النحو ؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق والأمة لا تجتمع على خطأ ؛ فلو كان الحديث كذبا في نفس الأمر ؛ والأمة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع وإن كنا نحن بدون الإجماع نجوز الخطأ أو الكذب على الخبر فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطن ؛ بخلاف ما اعتقدناه فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطنا وظاهرا .
ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن " خبر الواحد " إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك ...وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة .
و " المقصود هنا " أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول ؛ لكن هذا ينتفع به كثيرا في علم أحوال الناقلين .
وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ وبالحديث المرسل ونحو ذلك"
شروط قبول المرسل:
4ـ يرسله تابعي كبير، خبر الأئمة حديثه، ولم يعرف بالأخذ عن أي أحد.
3ـ اشتهار الخبر عند أئمة السير و المغازي "التلقي بالقبول ".
1ـ عدم مخالفة حديث مسند صحيح.
2ـ اختلاف المخرج أي تعدد مخارج الحديث" تعدد الطرق وعدم التشاعر والاتفاق" .
فهذه الطريقة الصحيحة لنقد أسانيد السيرة والمغازي حسب ما فهمته من كلام الأئمة.
ملاحظة: لا يضّعف الرجل برواية المراسيل ولكن برفعها.

أما عن سؤالك الآخر فجزاك الله خيرا على حرصك الشديد على عرض أخيك ودافع الله تعالى عنك في الدنيا والآخرة.
وليعلم أخي الفاضل أنه لم يبق موضع مني إلا عض فكأن ببعضهم السعار، ونحن في زمن انتكست فيه الفطرة فصار الإنسان يتلذذ بما حرم عليه، وبما يلوث القلوب ويشحنها بالبغضاء، فلست أدري والله العظيم ألكوني سيئا عند الله أم لشيء آخر يريده الله بي إلا أني كلما صبرت على الأذى أجد ثمرات الصبر في العلم والعمل، وفي شؤون الحياة المختلفة، وأيقن أن الصبر علي هذا الأذى طريق للفلاح والرفعة الحقيقية، و لذلك أتغافل عن بعض الأمور، و أترك أمرها لله تعالى، فالدنيا ليست ساعة، ولا يوم، ولا شهر، ولا سنة، بل دهر طويل يرفع فيه الله أقواما ويضع أقواما، وكم من واقف سيركع، وراكع سيقف، ولله في خلقه شؤون، والعاقبة للمتقين.
ربنا الرحمن يرزقني وإياك قلبا يسع أذى المسلمين، يدنينا به إليه، ويلحقنا بركب الصالحين، غفر الله للمحسن و المسيء، وختم لنا جميعا ـ الطاعن و المطعون فيه ـ بالحسنى.
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أرزيو / الجزائر في 08 رمضان1430
أخوك مختار الأخضر طيباوي