المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التَّكفيرُ .. سَرطانُ العَصرِ ؟!



منهاج السنه
10-04-2009, 03:12 AM
الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه, أما بعد:
فلا زالت فتنة التكفير تطلُّ علينا بين الحين والآخر, وإذا هدأت في مصرٍ, هاجت في مصرٍ آخر,
فتنةٌ لا تنتهي, كما قال فيهم -صلى الله عليه وسلم-: (كلما خرج قرنٌ قُطِع, كلما خرج قرنٌ قُطِع, حتى يخرجَ في أعراضهم الدجال). (صحيح الجامع/8171)
فتنةٌ عمياء, شوهاء, صلعاء, يركب موجتها زمرة من البلهاء, ورهط من الحدثاء, فتنةٌ طالت العديد من بلدان المسلمين! وآذت الكثير من عباد الله المؤمنين!
وآخر ذلك ما رأيناه اليوم من أحداث داميةٍ في أرض الكنانة, بلد الإسلام والمسلمين, كان الله لهم ومعهم, ورد كيد الباغين في نحورهم, وجنب المؤمنين شرورهم.
فالسؤال هو:
ألم يأنِ لهؤلاء السفهاء البلهاء أن يردعهم رادع الدِّين الذي تنكَّبوه؟ أو يزعهم وازع الإيمان أم فقدوه؟
ألم يأنِ لأجلافهم أن يتأملوا في حال أسلافهم؟
ألم يروا عاقبة أمرهم, ونتائج فكرهم؟
أين ذو الخويصرة, وابن الأزرق؟
أم أين نجدة, وابن حطان؟
بل أين ابن ملجم, وماذا جنى على الإسلام؟


أتى على الكلِّ أمرٌ لا مرد له *** حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا


وكنت قد كتبت مقالاً قبل سنتين بعنوان: (التكفير .. سرطان العصر), نُشر في مجلتنا الغرَّاء: (الدعوة السلفية)؛ بيَّنت فيه حقيقة التكفير وخطره, قلت فيه:
(إنَّ من الفتن العظيمة والبلايا الجسيمة التي أصابت كثيراً من المسلمين في دينهم في هذا العصر ولم ينج منها إلا من رحم الله: (فتنة التكفير), هذه الفتنة التي لطالما حذر علماؤنا وأئمتنا منها, ومن الوقوع فيها وبها, ولطالما أوصوا بتركها لأهلها والأعلم بها, لأن التكفير في شرعنا الحنيف هو حكم شرعي له شروط وموانع, وقيود وضوابط, لا يقدم عليه إلا أهل العلم الراسخون, والأئمة المعتبرون, أما في زماننا هذا فهو داءٌ وبلاءٌ, أقدم عليه السفهاء, وتجرأ عليه الدهماء, وتكلم فيه كل إنسان, بلا حجة ولا برهان, فحق لنا أن نسميه بالسرطان, كيف لا؟! وهو لم يسلم مجتمع من المجتمعات الإسلامية من الخوض فيه, وطالت شبهاتُه الآلاف من المسلمين, وكأن الفطرة عند عامة الناس قد انقلبت, وصار الأصل عندهم هو التكفير, وليس الحكم بالإسلام, وما وصل الحال بالمسلمين إلى هذه الدرجة من الانحراف الفكري والعقدي ـ إلا من رحم ربي منهم ـ إلا بسبب الجهل, والبعد عن العلم وأهله, ووجود الفرق والأحزاب والجماعات التي تُروِّج لهذا الفكر الخطير, والشر المستطير, كيف لا وهم لا يزال يطرق أسماعهم كلمات التكفير تنطلق من على المنابر, وكيف لا وهم لا يزالون يقرؤون الأفكار المسمومة التي تسطرها الأقلام والمحابر, فتربى المسلمون ـ مع بالغ الأسف الشديد ـ على ترهات هذه الأحزاب وأفكارها, ونشأ أبناؤهم في محاضنها وأوكارها, من خلايا وتنظيمات, وتكتلات واجتماعات, وحتى مدارس وجامعات, بل لم تسلم دور تحفيظ القرآن وحلق المساجد من هذا الفكر الخطير, فصار شغلها الشاغل تهييج عامة الناس على المخالفين من الجماعات الأخرى, ومن العلماء والدعاة, والحكومات والأنظمة, وإلقاء الأحكام على الناس جزافاً, حتى صار المؤمن الحق يمنى الموت قبل أن يبتلى بهذا المرض القلبي الخطير ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ.


كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً *** وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا


فرأيت حقاً ولزاماً علي أن أكتب في هذا الباب الخطير الذي أشبعه علماؤنا ـ رحم الله ميتهم وحفظ الأحياء منهم ـ بحثاً, ـ وإن كنت لا أرى نفسي أهلاً لذلك ـ ولكن دفعتني الحرقة على هذا الدين أولاً, والشفقة على إخواني المسلمين ثانياً, فأقول وبالله أستعين, وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين:
كانت أول بوادر ظهور فكر التكفير في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-, وذلك بالدعوة للخروج على ولي الأمر, وعدم الرضا بحكمه, وكان أوَّل من نادى به, ودعا إليه رجل يدعى: ذو الخويصرة التميمي، حين تطاول على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطعن في عدالته, وقال: اتق الله, واعدل يا محمد, فإنك لم تعدل. وقد قال فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ). والمقصودون بالحديث هنا هم الخوارج.
فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: بعث عليُّ بن أبي طالب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من اليمن بذهبة في أديم مقروظ, لم تُحصَّل ـ أي لم تُميَّز ـ من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. قال: فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً). قال: فقام رجل غائر العينين, مشرف الوجنتين, ناشز الجبهة, كث اللحية, محلوق الرأس, مشمر الإزار, فقال: يا رسول الله! اتق الله. فقال: (ويلك! أو لست أحق أهل الأرض أن يتقى الله). قال: ثم ولّى الرجل. فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ فقال: (لا, لعله أن يكون يصلي). قال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشقَّ بطونهم). قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍ فقال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). قال: أظنه قال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود). أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ( 1064 )
أما أوَّل خروجهم ومفارقتهم لجماعة المسلمين فكان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بعد حادثة التحكيم عام 37هـ، وإن كان رؤوس هذه الفرقة هم قتلة عثمان -رضي الله عنه- إلاّ أن خروجَهم وشقَّهم عصا المسلمين كان في زمن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب, فاستأصل شأفتهم -رضي الله عنه- بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي وصفهم بأنهم شر الخلق والخليقة وحضَّ على قتلهم ورغَّب فيه.
ثم لا زالت ثوراتهم ونكباتهم في هذه الأمة تتوالى وتتعاقب حيناً بعد حين, حتى جاء الخوارج الجدد من حملة فكر التكفير في هذا العصر فطوروا هذه الفتنة وزخرفوها بشعارات ودعايات إسلامية مبطنة بأكاذيب وأباطيل وتلبيسات وقلب للحقائق يتنـزه عنها أسلافهم الغلاة.
ولعل طالب الحق المنصف يتبين له بعد البحث والنظر أن الحامل لراية التكفير بحق في هذا الزمان ـ وإن كان غيرهم لا يخلو من التكفير كحزب التحرير ـ هم جماعة الإخوان المسلمين بشعبها الثلاث: البنائية, والقطبية, والسرورية, وما تطوَّر وتفرَّع عنها من تنظيمات وحركات وجماعات مسلحة في العراق وفلسطين والشيشان وأفغانستان, وغيرها من البلدان.
ألم تقم أصول جماعة الإخوان على فكر رمزهم وسيدهم سيد قطب؟
انظر ماذا يقول سيدهم: ( إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم !....... وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار ( المجتمع الجاهلي) جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلاً!!
تدخل فيه المجتمعات الشيوعية ... وتدخل فيه المجتمعات الوثنية... وتدخل فيه المجتمعات اليهودية والنصرانية... وأخيـراً يدخل فـي إطار المجتمـع الجاهلـي تلك المجتمعات التـي تزعم لنفسهـا أنها مسلمة!) .اهـ (معالم في الطريق)ص98
ويقول سيدهم: ( والمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام, وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً .. إن الناس ليسوا مسلمين ـ كما يدّعون ـ وهم يحيون حياة الجاهلية. وإذا كان فيهم من يحب أن يخدع نفسه أو يخدع الآخرين ، فيعتقد أن الإسلام يمكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية فله ذلك. ولكن انخداعه أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئاً.. ليس هذا إسلاماً، وليس هؤلاء مسلمين. والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام، ولتجعل منهم مسلمين من جديد!).اهـ (معالم في الطريق)ص173
ويقول سيدهم: ( لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بـ(لا إله إلا الله)؛ فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: لا إله إلا الله؛ دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية الحاكمية التي يدعيها العباد لأنفسهم، وهي مرادف الألوهية، سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب فالأفراد كالتشكيلات كالشعوب ليست آلهة، فليس لها إذن حق الحاكمية... إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله، فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية، ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء...
البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات لا إله إلا الله؛ بلا مدلول ولا واقع... وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة؛ لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد ـ من بعد ما تبين لهم الهدى ـ ومن بعد أن كانوا في دين الله!).اهـ (في ظلال القرآن)(2/1057)
وانظر غير مأمور كتاب الشيخ ربيع بن هادي المدخلي: (سيد قطب هو مصدر تكفير المجتمعات الإسلامية).
قلت: فأي تكفير أعظم وأبلغ من هذا التكفير؟!!!
فهل بقي هناك أدنى شك بعد هذه التصريحات الخطيرة في أنَّ جماعة الإخوان تحمل راية التكفير في هذا الزمان؟ ولكنهم قد تعلو أصواتهم, وترتفع صيحاتهم حيناً وتخبو حيناً آخر, بحسب الغلبة أو عدمها؛ فإذا استضعفوا سكنوا, وإذا تمكنوا صرَّحوا, وهذا شأن وديدن أهل البدع.
وقد جاء في السنة الوعيد الشديد في حق من تجرأ على رمي أخيه المسلم بالكفر, لأن إخراج مسلمٍ من دينه والحكم عليه بالكفر والردة حق لله ولرسوله, لا يجوز لأي أحد أن يخوض فيه.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه).أخرجه البخاري(6104) ومسلم(111)
قال الحافظ ابن حجر نقلاً عن القرطبي -رحمهما الله-: ( والحاصل: أن المقول له إن كان كافراً كفراً شرعياً فقد صدق القائل وذهب بها المقول له, وإن لم يكن رجعت للقائل معرة ذلك القول وإثمه. قال الحافظ: وهو من أعدل الأجوبة ).اهـ (فتح الباري)(10/481)
وعن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- وكان من أصحاب الشجرة ـ حدثه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال, وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك, ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة, ومن لعن مؤمناً فهو كقتله, ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله). أخرجه البخاري (6105)
قال العلاء بن زياد ـ رحمه الله ـ من أئمة التابعين ـ: ( ما يضرك شهدت على مسلم بكفر أو قتلته). (السير)(4/204) أي: كلا الأمرين في الإثم سواء.
وعن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إن أخوف ما أخاف عليكم رجلٌ قرأ القرآن, حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردءاً للإسلام, انسلخ منه ونبذه وراء ظهره, وسعى على جاره بالسيف, ورماه بالشرك, قلت: يا نبي الله! أيهما أولى بالشرك: الرامي أو المرمي؟ قال: بل الرامي ). أخرجه البخاري في تاريخه(2907), وابن حبان(81) وحسنه الألباني في (الصحيحة/3201)
فهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها فيها وعيد أكيد, وزجر شديد لمن تجرأ على هذه الآفة اللسانية الخطيرة, وأطلق العنان لهواه في الحكم على عباد الله ـ جل وعلا ـ, بأن المُكَفَّر إن لم يكن أهلاً لهذه الكلمة ـ وهي أن يقال له: يا كافر ـ وهو الغالب, رجع إثمها على قائلها وهو المُكَفِّر.
وإليك أخي القاريء طائفة من أقوال أهل العلم في التحذير من التكفير:
1ـ قال ابن ناصر الدين الدمشقي -رحمه الله- في الأحاديث المتقدمة: ( فهل بعد هذا الوعيد من مزيد في التهديد, ولعل الشيطان يزين لمن اتبع هواه, ورمى بالكفر والخروج من الإسلام أخاه, أنه تكلم فيه بحق ورماه وأنه من باب الجرح والتعديل, لا يسعه السكوت عن القليل من ذلك فكيف بالجليل.
هيهات هيهات, إن في مجال الكلام في الرجال عقبات؛ مرتقيها على خطر, ومرتقبها هوى لا منجى له من الإثم ولا وزر, فلو حاسب نفسه الرامي أخاه ما السبب الذي هاج ذلك, لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك).اهـ (الرد الوافر)ص36,35
2ـ قال ابن حزم الظاهري -رحمه الله-: (والحق هو أن كل من ثبت له عقد الإسلام فإنه لا يزول عنه إلا بنص أو إجماع, وأما بالدعوى والافتراء فلا).اهـ (الفِصَل في الملل والأهواء والنحل)(2/91)
3ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ( ليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين ـ وإن أخطأ وغلط ـ حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة. ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ).اهـ (مجموع الفتاوى)(12/501)
4ـ ولله در العلامة ابن القيم -رحمه الله- القائل في نونيته:

الكفر حق الله ثم رسوله *** بالنص يثبت, لا بقول فلان

من كان رب العالمين وعبده *** قد كفراه فذاك ذو الكفران


5ـ قال ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- في شرح الطحاوية بعد قول الإمام الطحاوي -رحمه الله-: (ولا نكفرأحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله).
( واعلم ـ رحمك الله وإيانا ـ أن باب التكفير وعدم التكفير, باب عظمت الفتنة والمحنة فيه, وكثر فيه الافتراق..... فإنه من أعظم البغي أن يُشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار, فإن هذا حكم الكافر بعد الموت. ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب الأدب: (باب النهي عن البغي), وذكر فيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين, فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة, فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أَقصِر. فوجده يوماً على ذنب, فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي, أبعثت علي رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك, أو لا يدخلك الله الجنة. فقبض أرواحهما, فاجتمعا عند رب العالمين, فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي, وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته). وهو حديث حسن).اهـ ( شرح الطحاوية)ص316ـ319
6ـ قال ابن عبد البر -رحمه الله-: ( فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره ببيان لا إشكال فيه, ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين, ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً, فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام, لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حجة, ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر, أو سنة ثابتة لا معارض لها. وقد اتفق أهل السنة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أن أحداً لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام, وخالفهم أهل البدع, فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره, أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة). اهـ (التمهيد)(17/22)
7ـ قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-: (وباب التكفير باب خطير, أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا, وتوقف فيه الفحول فسلموا, ولا نعدل بالسلامة شيئاً). اهـ (المفهم)(3/111)
8ـ قال أبو حامد الغزالي (الصّوفي) -رحمه الله-: (والذي ينبغي الاحتراز منه: (التكفير) ما وجد إليه سبيلاً, فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة, المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ, والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من سفك دمٍ لمسلم). اهـ (الاقتصاد في الاعتقاد)ص269
9ـ قال الشوكاني -رحمه الله-: ( اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار, فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة: أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما). اهـ (السيل الجرار)(4/578)
10ـ قال الإمام الألباني -رحمه الله-: ( إن أمر التكفير خطير جداً؛ ولذلك قال العلماء: إذا كان هناك تسعةٌ وتسعون قولاً في تكفير شخص معين, وقول واحد في عدم تكفيره؛ فالحيطة والحذر في أن نتبنى هذا القول الوحيد, بدل تلك الأقوال؛ لأن الأمر فيه خطورة ).اهـ (الأسئلة الشامية) لشيخنا علي الحلبي ص67ـ71
11ـ قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: ( الحكم بالتكفير والتفسيق ليس إلينا, بل هو إلى الله تعالى ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ , فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة, فيجب التثبت فيه غاية التثبت, فلا يُكفَّر ولا يُفسَّق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه.
والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي). اهـ (القواعد المثلى)ص86
12ـ ولهيئة كبار العلماء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ فتوى نشرت في مجلة (البحوث الإسلامية) ـ الرياض ـ العدد: (56) عام 1419هـ جاء فيها: ( التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله؛ فكذلك التكفير، وليس كل ما وُصف بالكفر من قول أو فعل، يكون كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة.
ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله؛ لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تُدْرَأ بالشبهات - مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير - فالتكفير أولى أن يُدْرَأ بالشبهات...
والتسرع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة : من استحلال الدم والمال، ومنع التوارث، وفسخ النكاح، وغيرها مما يترتب على الردة، فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة ؟!!).اهـ (التبصير بقواعد التكفير) لشيخنا علي الحلبي ص100
نسأل الله ـ جل وعلا ـ الثبات على الدين, وأن يهدي ضال المسلمين, والحمد لله رب العالمين).

علي بن محمد أبو هنية
في شهر رجب 1428هـ
الموافق: 7/2007م