أبومدين
11-11-2003, 03:53 PM
بقلم امتياز أحمد
ترجمة عبدالحميد آل عبدالجبار
كنت مدرساً للرياضيات في إحدى المدارس الثانوية في مدينة "فورت ميد" بولاية "ميرلاند" في أمريكا، وكنت أتولى تدريس خمسة فصول مختلفة في تلك المدرسة بين السنة التاسعة والثانية عشر (الثالث المتوسط والثالث الثانوي). يضم كل فصل منها حوالي أربعين طالباً. وذات يوم استأذن الطالب "جيمس أبيبا" لمقابلتي، ولم يكن طالباً في أي من فصولي، وإنما طلب الإذن عن طريق أحد تلاميذي. وعندما قابلته في مكتبي سألني بعض الأسئلة الأولية عن الإسلام، فأجبته عنها باختصار، ثم عاد فيما بعد بالمزيد من الأسئلة، فسألته: هل هذه الأسئلة تتعلق بمادة العلوم الاجتماعية التي تدرسها؟ فأجاب بأنه قرأ كتاباً عن الإسلام في مكتبة المدرسة مما بعث الفضول في نفسه عن الإسلام.
ولما كان القانون الأمريكي يفصل بين الدين والدولة، فقد أخبرته بأن المدرسة الحكومية ليست المكان المناسب للحديث بتوسع في هذه الأمور، ودعوته لتناول وجبة خفيفة في أحد المطاعم القريبة. وبعد حديث طويل عن الإسلام والتوحيد، بدا أنه استفاد كثيراً من لقائنا.
كان "جيمس" آنذاك في السادسة عشر من عمره. وراودتني في تلك الفترة عدة خواطر، أولها أنه مجرد مراهق، وإذا علم أبواه باهتمامه بالإسلام وأحاديثي معه فقد يضايقانه. كما أن مدينة "فورت ميد" ليست سوى قاعدة عسكرية مجاورة لدائرة الأمن القومية الأمريكية، وتساءلت إذا كان ذلك سيسبب لي بعض الحرج حيث إن أباه يعمل في تلك الدائرة.
ورغم ذلك التقيت به عدة مرات في ذلك المطعم، وفي كل مرة يزداد الحديث صراحة وفائدة له. ثم أبدى رغبته في أن يزور المسجد الذي يصلي فيه المسلمون، فأخذته إلى مسجد في مدينة "لوريل" المجاورة. وكان ذلك المسجد عبارة عن بيت قديم غيّره المسلمون هناك ليناسب الغرض. وهناك شرحت له كيفية الصلاة في الإسلام، فانجذب إليها بشوق، وأعجبه أنها صلةٌ مباشرة بين المرء ورب العالمين سبحانه وتعالى.
بعدها أخبرني "جيمس" برغبته في الدخول في الإسلام، وسأل: ماذا عليه أن يفعل؟ فأخبرته بسهولة ذلك، وأن القرار قراره هو، ورغم حماسه أخبرته أن أسوأ ذنب يلقى المرء به ربه هو أن يرتد عن الإسلام بعد الدخول فيه، ولذا فعليه أن يعرف المزيد عن الإسلام وعما يجب عليه تجاه ربه من التوحيد والعبادة؛ ليدخل الإسلام عن قناعة ومعرفة.
وبعد عدة أيام جاء برغبته واختياره ونطق الشهادتين بفضل الله ومنته. وأخذت أصطحبه بسيارتي مرة في الأسبوع للصلاة في المسجد، وحضور الدروس التي تعقد فيه، وبدأت أعلمه خلال ذلك الحروف العربية، فأتقنها بسهولة، ثم تدرج في تعلم تلاوة القرآن من المصحف حتى استطاع ذلك، ثم أبدى رغبته في تعلم الأذان، فتعلمه وحرص على أن يؤذن في المسجد كلما أتى إليه، وظهر تأثره بالأذان، وتأثيره فيه عندما يؤذن.
وذات مرة مررت بمنزله لأصحبه إلى المسجد فخرج وهو يرتدي جلباباً عربياً، فاستغربت ذلك؛ خصوصا أن من حوله كانوا يلاحظون ترددي على منزله واصطحابي له إلى المسجد بغير عين الرضا. فذكرت له ذلك قائلاً إن الأمر قد لا يحتمل لفت الأنظار بلبس الجلباب، فالمسلم يمكن أن يصلي بالقميص والبنطال.
وبعد أن أنهيت ملاحظتي نظر إلي وقال بكل بساطة: يا أستاذ أحمد.. إن إيمانك ضعيف! فسألته إن كان والداه يضايقهما لبسه للجلباب، فذكر أنهما لا يمانعان، وأنهما متفهمان رغبته واختياره، وذكر أن أمه تطبخ له اللحم الحلال لوحده، تقديرا لرغبته في عدم أكل اللحم الذي قد يكون لحم خنزير أو لحم ميتة، فارتحت لذلك كثيراً.
وبعد فترة جاءني طالباً تغيير اسمه إلى الأسماء الإسلامية.. فأخبرته بأنه غير ملزم بذلك مادام اسمه الحالي ليس فيه محظور، كما أن اختيار اسم غريب على أقرانه الأمريكيين قد لا يساعده في دعوته إياهم إلى الإسلام، فقد يظن أحدهم أن عليه أن يترك اسمه لكي يدخل في الإسلام، وأنهم قد يتجافون عنه إذا علموا بذلك. ولكنه رد بنفس الأسلوب السابق: يا أستاذ أحمد.. إن إيمانك ضعيف! فكان ما أراد وأصبح اسمه "جيمس علي أبيبا"، ويبدو أن الاسم الأخير أفريقي حيث يحرص كثير من الأمريكان السود على أن يستخدموا مثل هذه الأسماء.
وبعد نجاحه في الثانوية العامة أخذ يبحث عن عمل في إجازة الصيف، فاستطعنا أن نجد له وظيفة استقبال في إحدى العيادات الطبية لطبيبة مسلمة. وكان يقضي كثيراً من الوقت في القراءة؛ حيث إن العيادة كانت جديدة ولم يكن العمل فيها كثيراً.
وذات مرة وفقت إلى أداء العمرة خلال شهر رمضان، وقد كانت أول مرة أقضي فيها شهر رمضان المبارك كله بين مكة المكرمة ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع فرحتي بقضاء العيد في مكة مع المسلمين فقد كنت قلقا على ذلك الفتى؛ كونه وحيدا هناك. وقد كنت أسأل بعض الإخوة في المسجد عن حاله، فذكروا لي محافظته وانتظامه، بل إنهم ذكروا أنه اعتكف العشر الأواخر من رمضان في المسجد. وعندما قابلته فيما بعد وسألته عن أخباره وما فعله لم يذكر شيئا عن اعتكافه.
وبعد ذلك التحق بالجامعة وتخصص في دراسة التاريخ الإسلامي، وعلمت أنه تزوج بفتاة مسلمة من الهند، وكان له نشاط في اتحاد الطلبة المسلمين في الجامعة، وعندما تخرج عمل مدرساً في إحدى المدارس الإسلامية في شيكاغو، ثم انقطعت أخباره عني لسنين طويلة.
منقول
ترجمة عبدالحميد آل عبدالجبار
كنت مدرساً للرياضيات في إحدى المدارس الثانوية في مدينة "فورت ميد" بولاية "ميرلاند" في أمريكا، وكنت أتولى تدريس خمسة فصول مختلفة في تلك المدرسة بين السنة التاسعة والثانية عشر (الثالث المتوسط والثالث الثانوي). يضم كل فصل منها حوالي أربعين طالباً. وذات يوم استأذن الطالب "جيمس أبيبا" لمقابلتي، ولم يكن طالباً في أي من فصولي، وإنما طلب الإذن عن طريق أحد تلاميذي. وعندما قابلته في مكتبي سألني بعض الأسئلة الأولية عن الإسلام، فأجبته عنها باختصار، ثم عاد فيما بعد بالمزيد من الأسئلة، فسألته: هل هذه الأسئلة تتعلق بمادة العلوم الاجتماعية التي تدرسها؟ فأجاب بأنه قرأ كتاباً عن الإسلام في مكتبة المدرسة مما بعث الفضول في نفسه عن الإسلام.
ولما كان القانون الأمريكي يفصل بين الدين والدولة، فقد أخبرته بأن المدرسة الحكومية ليست المكان المناسب للحديث بتوسع في هذه الأمور، ودعوته لتناول وجبة خفيفة في أحد المطاعم القريبة. وبعد حديث طويل عن الإسلام والتوحيد، بدا أنه استفاد كثيراً من لقائنا.
كان "جيمس" آنذاك في السادسة عشر من عمره. وراودتني في تلك الفترة عدة خواطر، أولها أنه مجرد مراهق، وإذا علم أبواه باهتمامه بالإسلام وأحاديثي معه فقد يضايقانه. كما أن مدينة "فورت ميد" ليست سوى قاعدة عسكرية مجاورة لدائرة الأمن القومية الأمريكية، وتساءلت إذا كان ذلك سيسبب لي بعض الحرج حيث إن أباه يعمل في تلك الدائرة.
ورغم ذلك التقيت به عدة مرات في ذلك المطعم، وفي كل مرة يزداد الحديث صراحة وفائدة له. ثم أبدى رغبته في أن يزور المسجد الذي يصلي فيه المسلمون، فأخذته إلى مسجد في مدينة "لوريل" المجاورة. وكان ذلك المسجد عبارة عن بيت قديم غيّره المسلمون هناك ليناسب الغرض. وهناك شرحت له كيفية الصلاة في الإسلام، فانجذب إليها بشوق، وأعجبه أنها صلةٌ مباشرة بين المرء ورب العالمين سبحانه وتعالى.
بعدها أخبرني "جيمس" برغبته في الدخول في الإسلام، وسأل: ماذا عليه أن يفعل؟ فأخبرته بسهولة ذلك، وأن القرار قراره هو، ورغم حماسه أخبرته أن أسوأ ذنب يلقى المرء به ربه هو أن يرتد عن الإسلام بعد الدخول فيه، ولذا فعليه أن يعرف المزيد عن الإسلام وعما يجب عليه تجاه ربه من التوحيد والعبادة؛ ليدخل الإسلام عن قناعة ومعرفة.
وبعد عدة أيام جاء برغبته واختياره ونطق الشهادتين بفضل الله ومنته. وأخذت أصطحبه بسيارتي مرة في الأسبوع للصلاة في المسجد، وحضور الدروس التي تعقد فيه، وبدأت أعلمه خلال ذلك الحروف العربية، فأتقنها بسهولة، ثم تدرج في تعلم تلاوة القرآن من المصحف حتى استطاع ذلك، ثم أبدى رغبته في تعلم الأذان، فتعلمه وحرص على أن يؤذن في المسجد كلما أتى إليه، وظهر تأثره بالأذان، وتأثيره فيه عندما يؤذن.
وذات مرة مررت بمنزله لأصحبه إلى المسجد فخرج وهو يرتدي جلباباً عربياً، فاستغربت ذلك؛ خصوصا أن من حوله كانوا يلاحظون ترددي على منزله واصطحابي له إلى المسجد بغير عين الرضا. فذكرت له ذلك قائلاً إن الأمر قد لا يحتمل لفت الأنظار بلبس الجلباب، فالمسلم يمكن أن يصلي بالقميص والبنطال.
وبعد أن أنهيت ملاحظتي نظر إلي وقال بكل بساطة: يا أستاذ أحمد.. إن إيمانك ضعيف! فسألته إن كان والداه يضايقهما لبسه للجلباب، فذكر أنهما لا يمانعان، وأنهما متفهمان رغبته واختياره، وذكر أن أمه تطبخ له اللحم الحلال لوحده، تقديرا لرغبته في عدم أكل اللحم الذي قد يكون لحم خنزير أو لحم ميتة، فارتحت لذلك كثيراً.
وبعد فترة جاءني طالباً تغيير اسمه إلى الأسماء الإسلامية.. فأخبرته بأنه غير ملزم بذلك مادام اسمه الحالي ليس فيه محظور، كما أن اختيار اسم غريب على أقرانه الأمريكيين قد لا يساعده في دعوته إياهم إلى الإسلام، فقد يظن أحدهم أن عليه أن يترك اسمه لكي يدخل في الإسلام، وأنهم قد يتجافون عنه إذا علموا بذلك. ولكنه رد بنفس الأسلوب السابق: يا أستاذ أحمد.. إن إيمانك ضعيف! فكان ما أراد وأصبح اسمه "جيمس علي أبيبا"، ويبدو أن الاسم الأخير أفريقي حيث يحرص كثير من الأمريكان السود على أن يستخدموا مثل هذه الأسماء.
وبعد نجاحه في الثانوية العامة أخذ يبحث عن عمل في إجازة الصيف، فاستطعنا أن نجد له وظيفة استقبال في إحدى العيادات الطبية لطبيبة مسلمة. وكان يقضي كثيراً من الوقت في القراءة؛ حيث إن العيادة كانت جديدة ولم يكن العمل فيها كثيراً.
وذات مرة وفقت إلى أداء العمرة خلال شهر رمضان، وقد كانت أول مرة أقضي فيها شهر رمضان المبارك كله بين مكة المكرمة ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع فرحتي بقضاء العيد في مكة مع المسلمين فقد كنت قلقا على ذلك الفتى؛ كونه وحيدا هناك. وقد كنت أسأل بعض الإخوة في المسجد عن حاله، فذكروا لي محافظته وانتظامه، بل إنهم ذكروا أنه اعتكف العشر الأواخر من رمضان في المسجد. وعندما قابلته فيما بعد وسألته عن أخباره وما فعله لم يذكر شيئا عن اعتكافه.
وبعد ذلك التحق بالجامعة وتخصص في دراسة التاريخ الإسلامي، وعلمت أنه تزوج بفتاة مسلمة من الهند، وكان له نشاط في اتحاد الطلبة المسلمين في الجامعة، وعندما تخرج عمل مدرساً في إحدى المدارس الإسلامية في شيكاغو، ثم انقطعت أخباره عني لسنين طويلة.
منقول