مشاهدة النسخة كاملة : أسرار جمالية في القرآن الكريم
Om3abdulla
06-29-2003, 08:39 AM
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
كنت أستمع إلى شريط للشيخ عدنان عبدالقادر يتكلم فيه عن الأسرار الجمالية في القرءان الكريم
ورأيت أنه من الجميل أن أشارككم هذه اللفتات القرءانية التي تبين الإعجاز والجمال القرآني
والآن مع الملاحظة الأولى
في سورة الشعراء
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ
ثم تأتي آيات أخرى
كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ
ثم تأتي آية أخرى ولكن لاحظوا الفرق
كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ
فلماذا لم يقل الله تعالى "أخوهم شعيب" لماذا قال شعيب؟
لماذا عندما ذكر الله هود و صالح و لوط قال تعالى "أخوهم " ولكن عند ذكر شعيب لم يقل أخوهم؟
لأن الأيكة هي شجرة كانوا يعبدونها من دون الله فلذلك الله سبحانه وتعالى لم يقل أخوهم شعيب
فشعيب عليه السلام ليس أخوهم في عبادة هذه الشجرة
وَكَانَ نَبِيّ اللَّه شُعَيْب مِنْ أَنْفُسهمْ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ هَهُنَا أَخُوهُمْ شُعَيْب لِأَنَّهُمْ نُسِبُوا إِلَى عِبَادَة الْأَيْكَة وَهِيَ شَجَرَة وَقِيلَ شَجَر مُلْتَفّ كَالْغَيْضَةِ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا فَلِهَذَا لَمَّا قَالَ : كَذَّبَ أَصْحَاب الْأَيْكَة الْمُرْسَلِينَ لَمْ يَقُلْ : إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ شُعَيْب
أنعجب عندما يقول شخص كافر كالوليد بن المغيرة كلام في حق هذا الكتاب
والله إن له لحلاوة . وإن عليه لطلاوة . وإن أعلاه لمثمر . وإن أسفله لمغدق . وإنه ليعلو ولا يعلى عليه . وإنه ليحطم ما تحته . وما يقول هذا بشر
يتبع مع سر جمالي آخر
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا و ينفعنا بما علمنا
Om3abdulla
06-30-2003, 11:32 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والآن مع سر جمالي آخر في قول الله جل و على
كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ (ثم يسكت القاريء سكتة خفيفة ثم يقول) رَاقٍ
وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ
ما الحكمة من الوقفة هنا؟
1) أن الإنسان عندما كان عند إنسان محتضر وأحب الناس إليه هذا المحتضر، يحاول أن ينقذه بمثل هذا الموضع، ويبحث عن السبيل لعل الحياة أو الروح ترجع إليه، كما يحاول أن يجد من يقرأ عليه لعل الله يشفيه من هذا المرض، فعندما يقول "من" يبحث فيقال له: ماذا تريد؟ من ماذا؟ فالبال قد انشغل عن الكلمات. فكأن البال انشغل عن الكلمات لهول هذا الأمر، ولعظم هذا الأمر ترى الروح تخرج أمامك ولا تستطيع أن تفعل شيئاً. فالسكتة هنا إشارة لهول هذه الحادثة ولهول هذا المطلع ولهول هذا الموقف.
2)فالبال منشغل بالموقف وبالكلمة أيضاً. فهو يقول: "وَقِيلَ مَنْ " يريد أن يخرج "رَاقٍ" فلا تخرج فبعد فترة تخرج، فربما لانشغال البال وربما إنه متلعثم لعظم هذا الأمر.
3) اختلاط الأمور عليه، "وَقِيلَ مَنْ " يريد أن يبحث عن قارئ يقرأ عنه، يريد أن يبحث عن الدواء، يريد أن يحتضنه يريد أن يقبله ويريد أن يقول له كلمات ويريد أن يأخذ منه وصية ويريد كذا ويريد كذا، في لحظة واحدة يريد أن يجمع كل هذه الأمور. ففي لحظة واحدة يفعل نصف الأفعال لأنه لا يستطيع أن يقوم بجميع هذه الأفعال في نفس اللحظة أو في لحظة واحدة. فكلما ذهب إلى نصف الطريق غيّر رأيه إلى أمر آخر لهول هذا الأمر، يريد الرجل أبحث عن رجل يقرأ عليه، فهو لا يريد، أقدم له الدواء لا يريد، أطلب منه الوصية لا يريد أحتضنه لا يريد أقبله لا يريد، فلا يستطيع أن يفعل شيئاً وذلك لعظم هذا الأمر ولهول هذا الموقف والحدث
4) أنه يرى الروح تخرج ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، ربما يسلك آخر السبل "وَقِيلَ مَنْ " يبحث عن القارئ، لا يستطيع أن يكمل لأن الروح تخرج، يقول :" وَقِيلَ مَنْ " ثم يجهش بالبكاء لا يستطيع أن يخرج الكلمات، وبعد ذلك قال :" رَاقٍ" هل من راق له؟ فلا يستطيع أن يكمل هذه الكلمات لأنه يرى أحب الناس إليه يحتضر أمامه
لذلك الله عز وجل لم يقل: وقال لألا يُفْهم من ذلك أنه رجل واحد وما يتصرف هذا التصرف بل ربما مجموعة من الرجال أو من النساء، فقيل يُفهم منها ربما رجل ربما جموع من النساء والرجال والأطفال.
هذا المقال مقتبس من المنهج -موقع الشيخ عثمان الخميس حفظه الله - (للشيخ عدنان عبدالقادر)
يتبع مع سر جمالي آخر إن شاء الله
الزهراء
07-01-2003, 02:39 AM
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
اللهم اجعل لنا بكل حرف من القرآن حلاوةً في صدورنا وسكينةً واطمئناناً كما وعدتنا
جزاك الله أختنا أم عبدالله جزاء أهل الله وخاصته يوم القيامة
اللهم انفعنا
Om3abdulla
07-01-2003, 02:27 PM
اللهم آمين
وإياك أختي الغالية
أسأل الله الجواد الكريم أن يجعلنا وإياك من أهل الله و خاصته
سأضيف سرا جماليا آخر في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى
Om3abdulla
07-08-2003, 08:41 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ومازلنا مع "الأسرار الجمالية في القرآن الكريم"
في قول الله تعالى في سورة البقرة
" وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ "
وفي سورة الأعراف
" إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ "
الإنبجاس هو بداية الظهور. فلماذا في سورة البقرة قال: انفجرت وفي الأعراف قال:انبجست؟
قال بعضهم كزمخشري: إن سورة الأعراف سورة مكية فهي في بداية الدعوة، فلذلك قال تعالى: فانبجست، بينما سورة البقرة سورة مدنية فالآن انتشار الإسلام، فلذلك قال تعالى: فانفجرت.
لكن ما هو أحسن من هذا هو أن الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف قال:" إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ " عندما طلبوا من موسى وهو المخلوق قال: فانبجست، وهذه إحدى العطايا، ونعمة من النعم، لكن عندما نسب الله عز وجل الطلب إليه فذكر نعيم أعظم فقال تعالى في سورة البقرة:" وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ " فموسى هو الذي طلب من الله عز وجل،
فعندما كان الطلب من الله أتى الخير سابق أتى إلى هذه الأمة، فقال تعالى:" فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ".
إذا كان السؤال من العباد فقد يأتي بالخير ولكنه ليس كعطاء رب العالمين فهو أكرم الأكرمين.
فلذلك أخي الكريم إذا أردت أن تطلب فاطلب من الله عز وجل، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فالخير سيأتيك، ولكنك أنت لا تعلم أين الخير؟ ولكن الله عز وجل يعلم، فتأتي النعم سابقه لك أنت إذا توجهت إلى الله عز وجل، ولكن إذا توجهت إلى مخلوق فتوقع ربما تُرَد، ربما تضايق وربما تحرج أو لربما يأتيك خير قليل جداً.
ملاحظة: أرجو من الأخوة المشرفين بارك الله فيهم أن يقوموا بنقل هذا الموضوع إلى منتدى القرآن الكريم ولكم جزيل الشكر
Om3abdulla
07-16-2003, 01:24 PM
السلام عليكم ورحمة الله
كتب الشيخ عدنان عبدالقادر حفظه الله
استوقفتني مرة آية أو آيتان من كتاب الله عزّ وجل عندما قرأت في سورة البقرة، قرأت بعض آيات الطلاق قرأت أثـناءها قـول الله عزّ وجل:
"حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين & فإن خفتم فرجالاً أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علّمكم ما لم تكونوا تعلمون"
ثم بعد ذلك أكمل الله تبارك وتعالى آية الطلاق قال:
" والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم ".
لماذا أتت هاتان الآيتان في هذا الموضع في منتصف آيات الطلاق؟ آيات الطلاق ثم بعد ذلك آيات الصلاة ثم تكملة لآيات الطلاق.
فمنها حاولت أن أربط بين الآيات فلم أستطع حتى بعد ذلك رجعت إلى كتاب يسمى "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" للمؤلف برهان الدين البقاعي وهذا الكتاب في خمسة وعشرين مجلد، وقد ذكر المؤلف في هذا الكتاب تفسير لآيات الله عزّ وجل ويبين علاقة كل آية بالسابقة لها وبالآية اللاحقة لها.
فنجد أن برهان الدين البقاعي ذكر في كتابه العلاقة بين آيات الصلاة وآيات الطلاق في سورة البقرة فقال: هناك مناسبتين:
1) أمور الطلاق دائماً تشغل الإنسان، وتجعله مهموماً في النهار والليل، فلذلك قال تعالى :" حافظوا على الصلوات" أي هموم الطلاق لا تنسيكم الصلاة وحافظوا عليها فأدوها في وقتها، وبالأخص صلاة العصر، لأن كما هو معروف إن الإنسان عندما تدركه الهموم يكون قلق، قليل النوم بالليل، مما قد يؤدي إلى أن يدركه النوم في وقت الصلوات، قال تعالى:
" وقوموا لله قانتين" أي ليس فقط عليكم المحافظة على الصلاة ولكن كذلك عليكم أن تخشعوا فيها، لأن قلق الإنسان من حادثة الطلاق ومشاكلها، تجعل تفكيره مشتت، وخوفاً أن ينتقل هذا في صلاته فلا يخشع فيها، فيجب عليه أن يقوم للصلاة قانت ولا تلهيه أمور وهموم الطلاق عنها.
فلذلك قال تعالى في آية الحرب :" فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً "،
أي وأنتم في الحروب عليكم بالمحافظة على الصلاة في وقتها، وعليكم بالخشوع أيضاً، وهذا في الحروب فكيف بالطلاق؟ وهو أهون من سفك الدماء والحرب، وهو من باب أولى أن تحافظ على الصلاة في وقتها، وأن تخشع فيها.
ثم قال تعالى:" فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون"، ثم أتمّ الله عزّ وجل آية الطلاق.
2) هموم الطلاق ومشاكل الطلاق ومشاكل الزواج غالباً ما تنتج بسبب ذنب العبد، فالجأ إلى الصلاة، وإلى الله عزّ وجل، لعل الله أن يذهب عنك هذه المشاكل. كما قال الله عزّ وجل:" ما أصاب من مصيبة فبما كسبت أيديكم"
أي ما أصابكم من مصيبة بسبب ذنبكم أنتم، وما وقعتم فيه، فبالتالي توجه إلى الصلاة لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزب عنه أمر فزع إلى الصلاة. فيجب على الإنسان أن يخشع، ويستغفر لذنبه، لأن هذه المصائب التي تجمعت عليه بسبب ذنوبه، فعليه أن يراجع نفسه ويستغفر ويتب إلى الله، لذلك أن أحد علماء السلف كان يقول:" إني أعلم قد عصيت الله من خلق دابتي وزوجتي"، أي أنه يترك زوجته في أحسن حال ولكن عند عودته يجدها بغير الحال الذي تركها فعندها يعلم أنه قد عصى الله عزّ وجل.
مقتبس من هذا المقال
http://almanhaj.com/article.php?ID=120
الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
الزهراء
07-23-2003, 07:43 PM
أختي أم عبدالله
ولا أدري إذا كان الإسم صحيح اللفظ
أبدعت آيات الله الحكيم فأبدع من أبحر فيها وغاص في بحار سحرها ففاز بدرر لا يملكها إلا أهل الآخرة..
جزاك الله خيراً أيضاً على إبداعك في إخراج مشاركتك بطريقة رائعة فتزيد الجمال جمالا..
أرجوك أتحفيني دائماً بمثلها ...
جزاك الله الجنّة
Om3abdulla
07-27-2003, 08:22 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك أختي الزهراء ورزقنا وإياك الجنة
تعليقك على الموضوع يشجعني على كتابة المزيد
والآن مع سر جمالي آخر:
ذكر الله عزّ وجل قال
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ
إلى آخر هذه الآيات من سورة المائدة
هنا ذكر الله عزّ وجل لأهل الكتاب أن يتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام ثم وإذ قال موسى لقومه اذكروا إلى آخر هذه الآية، فالآية التي قبلها تبين أن يتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام، ثم الله جعلكم ملوك وأنتم ملوك وجعل فيكم أنبياء، فكيف الربط بين هاتين الآيتين فالأولى يطلب منهم الاتباع والتي بعدها يشار إليهم أنهم ملوك؟ فإن كانوا ملوك فالنبي هو الذي يتبعهم.!
كذلك قال الله عزّ وجل في هذه الآية:" جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء " كيف ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس منهم فكيف يتبعونه؟ فكأن لا يوجد علاقة بين الكلام. ففي كتاب "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" ذكر أن هناك مناسبة قوية جداً في ذلك، وعلاقة وطيدة ألا وهي:
أن الله عزّ وجل أمر أهل الكتاب بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا أهل الكتاب أعرضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خارج بني إسرائيل، فأصروا أن النبوة فيهم فكيف تكون للعرب؟ فهم خير أمة، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم جاء من أمة هم خدم لهم وأقل منهم. فلذلك الله عزّ وجل لما قال:" أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ "، أي أن لا يأتوا يوم القيامة ويقولوا لم يأتنا بشير ولا نذير، بلى لقد جاءكم بشير ونذير، فالله عزّ وجل قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب الملك، فجعلكم ملوك بعد أن كنتم خدم عند فرعون وبسط لكم الأرض وكذلك كانت فيكم النبوة فنقلها إلى بني إسماعيل.
يتبع مع سر جمالي آخر إن شاء الله تعالى
Om3abdulla
08-11-2003, 09:37 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سورة الضحى:
قال تعالى:
" وَالضُّحَى & وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى & مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى&"
ثم بعد ذلك يصل إلى قول الله تبارك وتعالى
"فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ & وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ & وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ".
لِمَ لَمْ يقل الله عز وجـل "وأما بنعمة ربك فخبّر". لكي تكتمل الفواصل لا تقهر، لا تنهر، فخبّر ولكن الله عز وجل قال فحدّث؟
فسورة الضحى شيء عجـيب فسرتها بنت شاطئ في كتـابها "تفسـير بيـان القرآن"، فالله عز وجـل قال:" وَالضُّحَى ". لِمَ لَم يقل الله عز وجل "والعصر" أو "والظهر" أو "والليل"؟ فلمعرفة ذلك يجب معرفة سبب نزول هذه الآية وهي: أن جبريل عليه السلام انقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أم جميل زوج أبي لهب وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أرى إلا صاحبك قد قلاك (تعني به الله عز وجل أو جبريل عليه السلام) فكأنها تشمت بالنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل قوله:" وَالضُّحَى & وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى & مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى&" فقال تعالى:" وَالضُّحَى" لِمَ لَم يقل الله عز وجل "والعصر" أو "والظهر" أو "والليل"؟ فمتى يبدأ وقت الضحى؟
يبدأ بعدما ترتفع الشمس بعشر دقائق تقريباً أي بداية الارتفاع، أي هي في ارتفاع. ومتى ينتهي وقت الضحى؟ ينتهي ما قبل انتصاف الشمس. فالشمس في وقت الضحى دائمة الارتفاع إلى أن نصل إلى وقت الظهر. كأن الرسالة المحمدية أو رسالة الإسلام كالشمس على الأرض فهي تنير الأرض، كذلك الرسالة فهي تنير القلوب، وهي دائماً في ارتفاع كالشمس فالإسلام لا يمكن أن ينزل. كذلك في وقت الشدة ينتشر الدين وأيضاً في وقت الرخاء. ثم قال تعالى:" وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " فالليل للراحة فجبريل قد انقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالإنسان أحياناً يشتغل في النهار بجد وقوة فهو يحتاج إلى وقت يرتاح فيهو يشتاق إلى اللقاء وإلى العمل مرة أخرى. لذلك الانفصال كما يقال: ذره فالتزدد حباً أو زد غباً تزدد حباً، فالإنسان إذا قلل من أي شيء فإنه يُحَب. فهذا إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن جبريل لم ينقطع عنك إلا لكي تشتاق إلى جبريل وتتهيأ مرة أخرى إلى لقائه لأن استمرارية نزول جبريل فأنت إلى حاجة للراحة والتهيؤ لتستعد لمقابلته مرة أخرى كلجوء الإنسان إلى الليل إلى الراحة كي يشتاق للعمل.
كذلك الله سبحانه وتعالى لم يقل: والليل إذا غسق أو دخل ولكن قال تعالى:" وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " أي أقبل الليل رويداً رويدا، فلا نشعر إلا بدخوله فهذا لطف من الله، ففي انقطاع جبريل كأن به لطف. قال تعالى:" مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى " تقول بنت الشاطئ: لَمْ يقل الله ما ودّع ربك وما قلاك ولَمْ يقل ما ودعك ربك وما قلاك، لِمَ؟ تقول: لأن الوداع ممكن أن يحصل بين حبيبين، لكن لا يحصل بين حبيبين بأن يقلي أحدهما الآخر بل يحدث بين متخاصمين، فالوداع يمكن أن يحصل بين حبيبين ومع هذا الله عز وجل نفى هذا الوداع فمازلت أنت متصل بالله عز وجل إما عن طريق صلاتك أو عن طريق جبريل أو ما يوحيه الله في قلبك.
ثم قال تعالى:" وَمَا قَلَى " ولم يقل وما قلاك. لِمَ؟ لو قال الله عز وجل: وما قلاك، ربما إن الله عز وجل ما قلاك ولكن ممكن في الأيام المقبلة يقليك. ولكن "وَمَا قَلَى " أي لا تستحق يا محمد لا في الأيام السابقة ولا اللاحقة ولا في هذه الأيام أن تُقلى. قلى، بفتح الفم أي إلى ما لا نهاية إلى أن تموت وإلى يوم القيامة وإلى الجنة فلن ولم تـُقلَ. وتقل بنت الشاطئ فهذه إشارة أخرى أنه ما قلاك أنت وإنما ما يقلي النبي صلى الله عليه وسلم وكل من سار على نهج النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابك.
قال تعالى:" وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى " أي ما سيعطيك الله عز وجل خير لك من الأولى وهي الهداية وهذا القرآن وهذا الوحي. ثم قال تعالى:" وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى" ترضى إلى ما لا نهاية فترضى أنت وأصحابك. ثم قال تعالى:" أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى " لم يقل الله عز وجل فآواك، وذلك أن المعنى آواك أنت وأصحابك إذا ما ساروا على هَدْيـِك، وهنا الإيواء مستمر.
ثم قال تعالى:" وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى & وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى " ثم بعد ذلك نهى الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر معين وعليه أن يتمسك بهذا الأمر ويستمر في التمسك به فقال تعالى:" فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ " تقهر الراء المسكنّة أي استمر بأن لا تقهر اليتيم إلى يوم القيامة وإذا ما قهرت سيكون فيه نوع من الشـدة. ثم قال:" وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ " عندما أتى عبدالله بن أم مكتوم فعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعض الشيء لمجابهة الكفار فقال تعالى:" عبس وتولى& أن جاءه الأعمى& وما يدريك لعله يتزكى& أو يتذكر فتنفعه الذكرى& أما من استغنى& فأنت له تصدى& وما عليك أن لا يتزكى& وأما من جاءك يسعى& وهو يخشى& فأنت عنه تلهى& كلا إنها تذكرة….إلى آخر السورة"، بداية السورة كلام شديد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:" فأما اليتيم فلا تقهر& وأما السائل فلا تنهر& وأما بنعمة ربك فحدّث" لم يقل الله عز وجل فخبّر، وذلك أن حرف الثاء عند لفظه يستخدم الإنسان اللسان والشفتين والأسنان وكأن الرذاذ قد خرج من فمه فإذاً أن حرف الثاء يستخدم للكثرة والانتشار، "فحدّث" أي استمر في التحديث إلى أن تموت ومن بعدك عليه أن يحدّث بهذا.
يتبع إن شاء الله تعالى مع سر جمالي قرآني آخر
Om3abdulla
08-19-2003, 01:55 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والآن مع هذه الوقفة القصيرة:
آيات من سورة ص:
ذكر الله عزّ وجل كيف أن الكفار يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى:
" أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)…إلى الآية "وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)
اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)….إلى الآية (20)".
ما العلاقة بين استهزاء الكفار بالنبي صلى الله عليه وسلم وبين إن الله أعطى لداوود الملك وسخر الله الجبال والطير وغير ذلك من المُلْك؟
إن الله عزّ وجل أراد أن يبيّن للنبي صلى الله عليه وسلّم، فلو تساءلنا ما هي أقسى المخلوقات؟
الصخرة، فأقسى المخلوقات الجبل سخّره الله عزّ وجل لسيدنا داوود عليه الصلاة والسلام، ألا يستطيع الله عزّ وجل
أن يسخّر الكفار وهم أقل قساوة من الجبال؟ فالجبال سخرها الله لنبيه داوود عليه الصلاة والسلام يقرأ وتقرأ معه.
فما عليك يا محمد إلا بالصبر. ولكن ما علاقة الطير؟ فهي أخف المخلوقات
التي لا تستطيع ضبطها فهي تم انضباطها مع نبي الله داوود عليه الصلاة والسلام.
فهل الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أن يسخر المخلوقات التي هي أثقل من الطير لك؟ ولكن يا محمد اصبر على ما يقولون.
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
Om3abdulla
08-27-2003, 11:46 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما سأكتبه اليوم سيكون من الذاكرة وليس نقلا عن موقع معين فأرجو أن تتجاوزوا عن أخطائي الإملائية و النحوية
والآن مع هذا الآية من سورة الكهف
فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً
ولنا أن نسأل مالفرق بين اسطاعوا واستطاعوا؟
المعروف في لغة العرب أن زيادة في الحرف زيادة في المعنى
أي أن استطاع تعني تمام القدرة واسطاع بمعنى القدرة الناقصة
لنأخذ هذا المثال: إذا أعطيتكم لغزا ما وانتظرت منكم الإجابة فقام عبدالله بحل هذا اللغز في الحال
أما خالد فتوصل إلى الحل بعد أيام. هنا نقول لعبد الله أنه استطاع أي عنده القدرة الكاملة أما خالد
فلا نقول استطاع وإنما اسطاع فقدرته ناقصة.
والآن عند النفي: نفي القدرة الكاملة لا تعني فقدانها بل قد تكون هناك قدرة ولكن ناقصة أما نفي القدرة الناقصة فتعني
أنه لا قدرة له على الإطلاق
مثال آخر: إذا طلبت من عبد الله أن يُقرضني 1000 دينار فقال لي: والله ما عندي 1000 دينار. فهل هذا يعني ما عنده 10 دنانير؟
أما إذا طلبت من خالد أن يُقرضني ربع دينار وقال لي " والله ما عندي ربع دينار. فهل نتوقع أن عنده 10 دنانير؟
والآن نرجع إلى الآية الكريمة: هنا الله سبحانه وتعالى نفى "الظهور على الردم" بنفي القدرة الناقصة فقال سبحانه
فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ يظهر بمعنى "يشقح في العامية" أي لن يستطيعوا أن يظهروا على هذا الردم أبدا
وأما النقب وهو الثقب الكبير فنفى سبحانه القدرة الكاملة بقوله وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً
أي ليس لديهم القدرة الكاملة للنقب ولكن بعد فترة من الزمن قد يستطيعون أن يحدثوا هذا الثقب و يخرجوا
عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهن أنها قالت استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم
من النوم محمرا وجهه يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم
يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد سفيان تسعين أو مائة قيل أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث
صحيح البخاري
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس
قال الذي عليهم ارجعوا فسنحفره غدا فيعيده الله أشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم
على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه
غدا إن شاء الله تعالى واستثنوا فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس
فينشفون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع عليها الدم
الذي اجفظ فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله نغفا في أقفائهم فيقتلهم بها
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم
صحيح ابن ماجه
يتبع مع سر جمالي آخر
Om3abdulla
09-09-2003, 05:14 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد تكون وقفتنا اليوم طويلة بعض الشيء
إذا ما أتينا إلى الآية الأولى في قول الله تبارك وتعالى:" كلا بلْ (ثم يسكت القارئ ثم يقرأ) رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون". حتى نصل إلى المغزى من هذه السكتات أو بعض الحكم من هذه السكتات، فلنفهم معنى ران. ما معنى ران؟ هناك في كتاب الله تبارك وتعالى ذكر الله عز وجل عن الكفار:-
* الريْن،
* الأكنّة: وهي الستر أو الستار الذي يحفظ ما في داخله بحيث يكون مكنوناً قال تعالى:" قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه ".
* الغُلاف: وهو الغلاف الذي يغلّف القلب قد يكون رقيقاً وقد يكون سميكاً فهو لا يشير إلى سُمْك معين قال تعالى:" قلوبنا غلف ".
* الحجاب: قال تعالـى: " بينِنا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون " وهو الغطاء السميك الغليظ الذي يحجب العين.
* وقر: وهو الحجاب الذي يحجب الآذان، غشاوة وهي الغطاء الرقيق إلى غير ذلك.
* الران: هو أغلظ الحُجُب، وأكثف الحُجُب، وأثقل الحُجُب، هو حجاب على القلب ولكنه ليس بالحجاب الرقيق، وليس كأي حجاب أو حجاب سميك يمنع الرؤيا والبصيرة وإنما هو ثقيل على القلب بحيث أصبحت هذه السيئات قد ملأت القلب وثقلت عليه فأصبح القلب ثقيلاً من هذه الذنوب ومن هذه السيئات. أي غطى القلب بحجاب كثيف ثقيل فما يستطيع الإيمان أن يصل إلى مثل هذا القلب. فالران هو أكثف الحُجُب وأغلظها كما يقول ابن القيم. كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الترمذي الذي حسّنه الشيخ الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِتت في قلبه نُكْتَة سوداء فإذا هو نزع (أي ترك الذنب واستغفر وتاب) صُقِل قلبه (أي رجع كما كان وصقل بالبياض) وإن زاد (أي في السيئات) في القلب حتى تعلوَ قلبه قال النبي صلى الله عليه وسلم: وهو الران الذي ذكر الله تبارك وتعالى:" كلا بلْ رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون".
فعندما قال الله عز وجل:" كلا بلْ رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون & كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون"، فعندما سعوا هم في حجب القلب عن محبة الله، فالله عز وجل احتجب عنهم ومنعهم الله عز وجل عن الاستمتاع برؤيته بعد أن منعوا قلوبهم من الاستمتاع بمحبة الله تبارك وتعالى.
الحكمة الأولى: هذه المقدمة للوصول إلى مفهوم هذه السكتة، لماذا يقف القارئ هذه الوقفة إشارة إذا ما كنت تسير في الطريق
وكلما رأيت شيئاً أخذته أو دفعته ثم بعد ذلك ربما تصل إلى شيء ما إلى شيء ثقيل، فهل تستطيع
بسهولة أن تدفع هذا الشيء؟ لا. إلى ما سرت ودفعت هذا وذاك لكن إذا ما وصلت إلى شيء ثقيل سميك تقول: لا، لنقف فترة
لنسترجع النفس حتى بعد ذلك نستطيع أن ندفع بقوة هذا الثقيل السميك.
فهذه إشارة من عند الله تبارك وتعالى فمن شدة هذه السيئات وهذه الذنوب وهذه النُكَت السوداء التي نُكتت في القلب وهذه العظائم
من شدتها يقف القارئ عند هذه الآية ويقرأ: كلا بلْ (ثم يسكت القارئ سكتة خفيفة ثم يقرأ) رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
إشارة لثقل ما في قلبه من سيئات ومن ذنوب ومن معاصي.
فلذلك قال تعالى:" كلا بل" فتقف تتذكر أن هذه الذنوب وهذه السيئات تثقل على العبد فتُثقِل ميزانه في السيئات حتى تكبه في نار جهنم، فيتوقف من شدة هذا.
فهذه الإشارة الأولى التي اقتنصها أبو نواس فأخذ يشير إشارات عندما تكلم وذكر القافية. فالإشارة تغني عن مثل الكلمات الزائدة، كان من الممكن أن يتكلم الله عز وجل بكلمات، ولكنها كلمات زائدة فأراد الله عز وجل أن تكون كلماته بليغة.
أما الحكمة الثانية: فهو لرحمة الله تبارك وتعالى، الإنسان إذا ما أراد أن يتكلم بخبر سيئ فيقول: يا فلان حصل كذا وكذا
ثم تقف بعد ذلك لسوء الخبر ولسوء النتيجة، فتقف فترة ثم بعد ذلك أنت لا تريد أن تقول مثل هذه الكلمات وتخبره بهذه النتيجة ولكن الأمر شديد
فأنت ولابد أن تخبره بمثل هذا فكأنك تقول هذا آسفاً أي حزيناً على هذا الكلام، فكأن الله تبارك وتعالى لا يريد أن يخبر العبد بهذه النتيجة وهذه الأمور التي في قلبه
وهذه السيئات وهذه الذنوب وهذه المعاصي التي ثقلت في قلبه وملأته، وقد حجبت القلب عن الإيمان وعن النور، ولكن الله عز وجل لابد وأن يبين مثل هذه الأمور. "كلا بل" لا يريد أن يخبر مثل هذا ولكنه
لابد أن يخبر، فرحمته قد غلبت غضبه، وما ترددت في شيء ترددي عن قبض روح عبديَ المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته.
فالله سبحانه وتعالى يكره إساءته لكن الموت لابد منه. فهنا الله عز وجل قال: "كلا بل"، أي لا أريد أن أخبر العبد بهذه الأمور، فالله عز وجل رحمته قد غلبت غضبه، ولكن لابد من الإخبار. لكنه سكوت فترة، سكت النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما أراده الله تبارك وتعالى ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: "رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون".
الحكمة الثالثة: إنه في البداية قال تعالى:" إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين". فإذا تتلى عليه الآيات قال لا أريد أن أؤمن ولا أريد أن أصدق فأصدق من أصدقك أنت ما هي إلا أساطير الأولين، كما قال سهيل ابن عمرو عندما وقَّع معه النبي صلى الله عليه وسلم كتب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العقد: "هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله رسول الله سهيل بن عمرو". قال سهيل: ماذا؟ رسول الله، امح رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِـمَ؟ قال: والله لو نعلم إنك لرسول الله لآمنّا بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امح رسول الله وإن كنت أنا رسول الله. فقال هذا الكافر: لو نعلم إنك رسول من عند الله تبارك وتعالى صدقناك ولكنه في الحقيقة أساطير الأولين، فهو يعتذر ظاهراً بهذه الأعذار يقول: إنها بسبب أساطير الأولين، ولو علمت أن القرآن من عند الله لآمنت بك. فهل هو الأمر كذلك فعلاً؟ هل هو بسبب إنه لم يتضح له الأمر ولم تتضح له الحقيقة ولم يتبين له أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من عند الله؟ لا. بل هو تبين له. فالله عز وجل يعلم ما في قلبه لكنه هو الذي أخفى ما في قلبه. فعندما أخفى هو ما في قلبه فأظهر بعض الأمور، قال: ما هي إلا أساطير الأولين. فالله عز وجل يحب الستر، ولا يحب أن يفضح الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الإمام أحمد، وأبي داود والنسائي والألباني يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل حليم حييّ ستِّـير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر. فالله عز وجل يحب أن يستر على الناس ولا يحب أن يخرج ما في قلوب الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم: "كل أمتي معافاة إلا المجاهرين". وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا ثم يصبح قد ستره الله عز وجل به فيقول: يا فلان، (يذهب هذا الإنسان الذي أذنب في الليل وقد ستره الله عز وجل، وفي الصباح يقول قد عملت كذا وكذا ويفخر بذلك ويفضح نفسه ويكشف سِتْر ربه له) وقد بات يستره ربه تبارك وتعالى. الله عز وجل لا يحب أن يفضح الناس، فيحب الله عز وجل ما هو مكنون يجعله مكنونا، لذلك إذا ما أذنب العبد فاستتر يقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ما اقترف أحدكم شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن أظهر لنا صفحته أقمنا عليه الحد. لذلك يؤتى بالعبد يوم القيامة، فالله عز وجل يضع عليه كنفه (أي يغطيه ويستره على الناس) ويقول له: قد فعلت وفعلت وفعلت ألي كذلك؟ فيقول العبد: نعم. فيقول الله عز وجل: قد سترتها عليك بالدنيا وأنا أسترها لك هنا يوم القيامة. فالله لا يحب أن يفضح الناس ولا أن يخرج ما في قلوبهم. فهذا الكافر عندما قال :" إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين"، فأظهر إنما هي إلا أكاذيب فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فزعم إنما هي من عند الله، وأنها قد نزلت إليه. فقلبه قد تيقن إنه رسول من عند الله. فالله عز وجل لا يحب أن يفضحه ولكن الله لابد أن يظهر ذلك لمصلحة أعظم. فهو يقول:" إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين & كلا بلْ (لا أحب أن أفضحه ولا أحب أن أذكر ما في قلبه ولكنه لابد) رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون" فالسيئات والذنوب هي التي أطبقت على القلب وهي التي جعلته يكفر. فهو يعلم هو رسول من عند الله تبارك وتعالى ففضحه الله عز وجل.
من بلاغة كتاب الله عز وجل أن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الوقفة في هذا الموضع من عند الله تبارك وتعالى، علمها النبي صلى الله عليه وسلم وقرأها هكذا ليشير إلى مثل هذه الإشارات العظيمة. قصد في اللفظ مع وفاء بالمعنى.
يتبع مع سر جمالي آخر إن شاء الله تعالى
Om3abdulla
09-22-2003, 10:15 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سأتوقف عن هذه السلسلة فترة من الزمن وبعدها أعود بالمزيد إن شاء الله تعالى
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا
(يكن ويك)
(يكون ويكن) معناهما معروف, ولكن لماذا تحذف النون الأصلية أحيانا, وما البلاغة فيها؟
قال الله تعالى عن مريم (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً )
وكذا عندما نفى الله الشرك عن إبراهيم الخليل عليه السلام فقال (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وآيات أخرى كثيرة
خذف النون يدل على نقصان في معنى الكلمة, فإذا سبقها حرف نفي اقتضى ذلك نفي المعنى بكل وجوهه وصوره وأشكاله
وقد وضحنا ذلك في "استطاع واسطاع"
ففي قصة مريم: جاءها جبريل عليه السلام وبلغها بحكم الله تعالى أنها ستلد عيسى عليه السلام بلا أب, فقالت وقد نزل بها
الهم والغم (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذَلِكِ ). إذ كيف يحدث مثل هذا, ولم يمسسني بشر, ولا
يحصل الحمل إلا بالجماع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " العين تزني وزناها النظر, والأذن تزني وزناها السمع,
واليد تزني وزناها البطش, والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ".
فنفي أدنى مراتب الزنى يقتضي نفي الجماع. ويقتضي كذلك الطهارة الكاملة، لذا نفت مريم عليها السلام أدنى المراتب
بقولها (ولم أك بغيا ) فنفت أقل مراتب الكون من البغاء, وكيف ولم أنظر إلى رجل نظر شهوة ولا كلمت أحدا غزلا, ولم
يمسسني بشر, فكيف أحمل بمولود؟؟ فوافقها جبريل على كل ما ذكرته من طهارتها ونقاوتها فقال (كذلك ).
وأما في حق إبراهيم عليه السلام فقد قال الله تعالى (ولم يك من المشركين ) فنفى عنه أدنى مراتب الشرك ومقدماتها,
كيف وهو الذي أراد ذبح ابنه بعد بلوغه تقربا إلى الله تعالى وتصفية لقلبه من كل شيء إلا من حبه وعبوديته
فسماه الخليل (وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً )
يتبع مع سر جمالي قرآني آخر إن شاء الله تعالى
Om3abdulla
10-12-2003, 11:15 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وقفتنا اليوم مع "الواو" بين المفاجأة والاستغاثة
هذه الوقفة من كتاب أسرار جمالية قرآنية للشيخ عدنان عبدالقادر حفظه الله
سأل المأمون يوما يحيى بن المبارك عن شيء فقال يحيى: لا وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين.
فقال المأمون: لله درك, ما وضعن "واو" قط موضعا أحسن من موضعها في لفظك هذا.
فتأمل لو حذفت الواو كيف سيتغير المعنى ويصبح "لا جعلني الله فداك"
والآن مع كتاب الله
قال تعالى " وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا "
وقال سبحانه " وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا "
فحذفت الواو عن الكفار، وذكرت في حق المؤمنين!!!
* إن الكفار يوم القيامة يُدفعون إلى نار جهنم، فإذا انتهوا إليها في ظلمة حالكة وأبوابها
مغلقة فتحت في وجوههم. ففاجأهم وبغتهم لهيبها وشهيقها وفورانها وعذابها وما أعد الله -عز وجل- لهم فيها.
فهم بمنزلة من وقف على باب لا يدري بما يفتح له من أنواع الشر، إلا أنه متوقع منه شرا عظيما ففتح في وجهه
*وهذا بخلاف أهل الجنة، فإنهم لما كانوا مساقين إلى دار الكرامة، وهي مأدبة الله تعالى، وكان من تمام
إكرام الضيف المدعو الزائر أن يفتح له باب الدار، فيجيء فيلقاه مفتوحا. فلا يلحقه ألم الانتظار
فقال سبحانه "وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا " أي: وقد فتحت أبوابها، كما قال الله تعالى
"مفتحة لهم الأبواب".
إكراما لهم بما يخرج إليهم من رائحتها وعبيرها، ويرون من زهرتها وبهجتها، ليكون لهم سائقا
ثانيا إلى مالم يروا مثله ولا رأوا عنه ثانيا.
قال وقال
=======
قال تعالى " أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ
قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ "
لم يقل الله تعالى عن القرين (وقال قرينه) ولا عن نفسه (وقال) أو (فقال: لا تختصموا) وانما بحذف أدوات العطف.
لما صدر الأمر الإلهي الذي لا مرد ولا مبدل لكلماته بالنتيجة النهائية لمصير العبد الكافر
" فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ " فأعلنت النتيجة بعد انتظار في يوم طوله خمسون ألف سنة، هنا
صرخ الكافر وصاح دون تمهل بعد الاعلان ( قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ )
فأتاه الرد سريعا دون تمهل لقطع الرجاء والأمل (قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ
مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ )
نسأل الله ذو الجود والكرم أن يجعلنا من أهل الجنة ممن يدخلونها بسلام وتفتح لهم أبوابها
وتستقبلهم خزنتها ب "سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ "
يتبع مع سر جمالي آخر إن شاء الله تعالى
Om3abdulla
10-20-2003, 02:04 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نستكمل موضوعنا راجين من الله تعالى أن يعيننا على حفظ وتدبر القرآن
فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ
لماذا وردت كلمة الرسول مفردة على لسان موسى في هذه الآية * رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *
بالرغم من أن المقصود بها: موسى وهارون كما في آية طه إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ*
ذلك إشارة إلى تعاضدهما، واتحادهما كالنفس الواحدة، واتفاقهما على شريعة واحدة، فرسالتنا واحدة،
ومطالبنا واحدة، لا نختلف في ذلك قدر أنملة، والمتكلم (أي موسى) هو الأصل والآخر (هارون) تابع
له متابعة تامة، فنحن بمثابة رجل واحد.
فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
نزلت هذه الآية في شأن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بصحبة أبي بكر رضي الله عنه، عندما لجآ
إلى غار ثور، فاختبآ، وكان أبو بكر محب تابع مطيع، معروف بكمال ملازمته ومصاحبيه للنبي صلى الله عليه وسلم
كما قال النبي عليه الصلاة والسلام "إن امنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا،
لاتخذت أبا بكر خليلا"
وعندما اشتكى إليه أبو بكر رضي الله عنه من بعض الصحابة، غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال مخاطبا الصحابة وصغارهم
"لقد جئتكم بها فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركي لي صاحبي"
فأثبت له صحبة خاصة منفردة تختلف عن الصحبة العامة، لذا كانت لأبي بكر مواقف لم يقفها غيره من الصحابة،
كما في العهد المكي وصلح الحديبية، وفي غزوة بدر، وعند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، واختصاصه بصحبة
النبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة، وفي التعامل مع مانعي الزكاة والمرتدين، مع إرساله لجيش أسامة الذي
عقد لواءه النبي عليه الصلاة والسلام لأسامة.
فأبو بكر وصف بالصحبة المطلقة الكاملة، ووصفها في أخص الأحوال التي يفارق الصاحب فيها صاحبه، وهو
حال الشدة والخوف، فكان هذا دليلا على أنه صاحبه وقت النصر والتأييد، فلم يحتج أن يذكر الضمير
الدال عليه في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها، فإذا حصل للمتبوع وهو النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحال
سكينة وتأييد، كان ذلك للتابع أيضا (أبي بكر) بحكم الحال، فوحد الضمير في قوله تعالى
فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا
ولم يذكر أبو بكر، ذلك لكمال ملازمته ومصاحبته للرسول عليه الصلاة والسلام.
فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى
خاطب الله تعالى آدم محذرا إياه من متابعة الشيطان الذي يسعى جاهدا لإخراجه وحواء من الجنة،
فقال تعالى بعد تثنية الضمير: فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا قال ِ فَتَشْقَى ولم يقل فتشقيا ذلك لأن الزوجة (حواء)
لشدة حبها وتعلقها به (آدم) ومتابعتها وملازمتها له، بل كأنها وآدم شخص واحد فإذا فرح فرحت معه
وإذا أصابه الهم شعرت بالهم معه، وإذا مرض مرضت معه وإذا شقي شقت معه، فوحد الضمير.
يتبع مع سر قرآني آخر إن شاء الله تعالى
Om3abdulla
11-08-2003, 10:14 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الفعل بين نسيان النعمة واستحضار النقمة
ذكر الله تعالى من أحوال الفراعنة مع موسى عليه السلام أنهم "فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه " سورة الأعراف. فالملاحظ من الآية المذكورة ما يلي:
عندما ذكر المولى تعالى الحسنة قال (إذا) ولما ذكر السيئة قال (إن)
عرف الحسنة فقال (الحسنة) ونكّر السيئة فقال (سيئة) بدون لام التعريف
مع الحسنة أتى فعل الماضي (قالوا) ومع السيئة أتى الفعل المضارع (يطيروا)
توضيحه فيما يلي:
(إذا) تفترق عن (إن) من أنها تفيد القطع في حال دخولها على الجملة، وتدل على كثرة
وقوعها وتكرارها، أي جملة الشرط لابد وأن تقع، كما قال تعالى " وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها "
فهذا أمر مقطوع بوقوعه وكثير الحدوث.
بينما (إن) تدل على حدث نادر الوقوع، قال تعالى " وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور "
فالمصائب نادرة الحدوث مقابل النعم التي يتقلب فيهما المرء في حياته.
تعربف الحسنة يدل على عظمها. فكل الناس يراها لأنها ظاهرة وعظيمة لذلك فهي معروفة، ثم هي معرفة تعريف الجنس،
أي حسنات كثيرة، بينما (سيئة) منكرة غير معرفة لصغرها فهي مصيبة صغيرة أصيبوا بها
مجيء الفعل الماضي (قالوا) مع الحسنة، ذلك لأن طبيعة الإنسان نسيان النعمة والمنافع التي يتلقاها
من غيره إلا من رحم ربي. فهي في طي النسيان ومن حكم الماضي، ولو كانت المنفعة حديثة لم تُبل.
بينما الضرر لا ينسى، ولو مرت عليه مدة طويلة وسنون مديدة، فيكون حاضرا في ذهن المتضرر، فلو أخطأت
في حق امرئ الذي أسبغت عليه من النعم والمنافع، تجده يستحضر خطأك ولا يستحضر منفعتك له،
فالمنفعة في خبر كان بينما الضرر حاضر في ذهنه.
ففي الآية المذكورة يبين الله تعالى أخلاق الفراعنة أنهم إذا جاءت النعم العظيمة المتوالية والتي لا تنقطع نسوها
وأعرضوا عن شكرها، بينما إن أصابتهم بعض الأضرار أو المصائب –نادرة الحدوث- لن ينسوها،
ودائما يعيرون موسى بها وأنها من شؤمه.
وفي الآية إشارة بلاغية أخرى في قوله تعالى " يطيروا بموسى ومن معه " ولم يقل المولى (وبمن معه) ذلك أن
أصحاب موسى هم تبع له، ولا يجوز أن ينفصلوا عنه، كما أنهم تبع له في الإعراب.
فلا داعي للفصل بينه و بين أتباعه ب(الباء).
Om3abdulla
12-01-2003, 10:57 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما هذا الموضوع إلا خطوة لتدبر كلام الله عز وجل. وجزا الله علماءنا الذين يسروا
لنا هذا بكتابة الكثير من الكتب والمقالات لتساعدنا على تدبر القرآن
أشكر لكم مروركم وتشريفكم
سورة القمر:
تنتهي هذه بالراء، ففيها من الشدة، والعذاب وغلظة والاستمرار. قال تعالى:
" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ & وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ "
ثم ذكر الله بعد ذلك عذاب الأقوام (نوح، وعاد، وصالح، ولوط) وهذه الأنواع من العذاب يستحق نوع من الشدة،
فتنتهي بأحرف فيها الشدة، فحرف الراء إذا كان مسكّن كأننا نكرر الحرف، فهذا إشارة لتكرار العذاب.
وأضف على هذا إذا كان حرف الراء الساكن قبله ضمة أو كسرة معناه
أنه شيء شديد ومكرر ومستمر.
فقال الله تعالى في حق قوم نوح:" فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ "
أي مستمر هذا الماء بالنزول، ونزل بشدة حتى قال علماء السلف والمفسرون:
كأن المطر نزل من السماء كما ينزل الماء من أفواه القِرَب، فهو ينصب صباً مندفعاً منها،
كذلك قالوا: منهمر، ماء شديد ومستمر، قال تعالى:" وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ "
أي هذا الأمر مقدر ومستمر إلى أن يهلك قوم نوح.
وإذا ما انتقلنا إلى قوم عاد قال تعالى:
" كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ &
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ "
أي هذا العذاب مستمر معهم في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة
إلى أن يلقون في نار جهنم أعاذنا الله عز وجل منها. ثم قال تعالى:
" تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ " آيات شديدة.
ثم انتقل الله عز وجل إلى قوم صالح وقال:
" كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ " ثم يقول الله بعد ذلك "إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ".
ثم انتقل الله عز وجل إلى قوم لوط فقال
:" كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ & إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ ”
إلى قوله تعالى:" وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ "
، عذاب في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة إلى أن يلقون في نار جهنم.
فالموضوع صورة عن العذاب والشدة والغلظة والاستمرار، ولمثل هذه الصورة تحتاج
مثل هذه الأحرف فهو حرف الراء وعليه السكون.
منقول من شبكة المنهج الاسلامية
يتبع مع سر قرآني آخر إن شاء الله تعالى...
Om3abdulla
12-07-2003, 09:49 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سأستعين في هذه الوقفة بكتاب اسمه
درة التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
قال الله تعالى (من اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) من سورة البقرة
قال تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) من سورة الأنعام
وقال تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم)
للسائل أن يسأل فيقول: هل لاختلاف الألفاظ التي ايتعت قوله (اضطر غير باغ ولا عاد )
معنى يخصص كل مكان باللفظ الذي اختص به؟
الجواب أن يقال: قصد الله تعالى في المواضع الثلاثة أن يبين للمضطر ما له أن يتناول من المحرم الذي يمسك به رمقه
فذكر في الموضعين الآخرين (فإن ربك غفور رحيم) و (فإن الله غفور رحيم)
فكان تعريضا بمغفرته لمن اضطر إلى تناول المحرم في حالته،
فالموضع الأول بدأ فيه بصريح اللفظ بإسقاط الإثم، فقال: (فلا إثم عليه)
ثم عقبه بما اتصف به من المغفرة والرحمة،
وفي هذه الآيالثلاث سؤال آخر وهو أنه قال في الأولى: (إن الله غفور رحيم)
وفي الثانيه (فإن ربك غفور رحيم)
وفي الثالثة (فإن الله غفور رحيم)
فهل لاختصاص الأول والأخير بذكر الله تعالى فائدة، ولاختصاصه في الآيه
الثانية بقوله (إن ربك غفور رحيم) وعدوله
عن ذكر الله إلى ذكر ربك فائدة مخصصة بمكانه.
الجواب عن ذلك أن يقال: لكل موضع معنى يوجب اختصاص اللفظ الذي ذكر فيه،
فأما الأول فلأنه لما قال
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)
وختم بقوله (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ) كذا كان
بما قدمه مثبتا عليهم إلهيته لأن الإله هو الذي يحق له العبادة بما له
من النعمة فلما قدم ذكر ما رزقهم منها وطالبهم بشكرها أتبعه بقوله
(إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وختم الآية بأن قال
(إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أي
من أنعم عليكم غاية النعمة واستحق بها غاية التعبد والتذلل هو الذي
يغفر لكم عند الضرورة تناول ما حرمه عليكم في
حال الاختيار رحيم بكم، وكذلك الآية الثالثة مبنية على مثل هذا، لأن أولها
(فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)
فكان مشبها لما قدمنا ذكره: فقال (فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
وأما الثانية فلأنه قدم عليها ذكر أصناف ما خلقه الله لتربية الأجسام فقال:
(َهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ)
فذكر الثمار والحب، وأتبعه بذكر الحيوان من الإبل
والبقر والغنم، خص هذا الموضع بذكر الرب، لأن الرب
هو القائم بمصالح المربوب، فكان هذا أليق بهذا المكان والله أعلم.
يتبع مع سر جمالي آخر إن شاء الله تعالى
Om3abdulla
03-13-2004, 02:00 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سأتوقف عن هذه السلسلة حيث أني لم أجد لها متابع
وأسأل الله تعالى أن يجعل عملنا خالصا لوجه الله تعالى
supervisor
03-13-2004, 06:56 PM
أختنا الكريمة :
بل أكملي على بركة الله تعالى ، فمن الذي قال أنه لا متابع لها أما قرأت عداد الزوار الذي وصل لهذا الموضوع إلى 696 زائرا حتى الآن ، نسأل الله تعالى أن تكون قراءتهم للموضوع في ميزان حسناتك .
ولكن غالبا لا يتم الرد على الموضوعات إلا عند وجود ما يحتاج للتعقيب .
أبو خالد السهلي
03-13-2004, 07:17 PM
أختنا الكريمة فمن الذي قال أنه لا متابع لها
نعم .. صدقت ..
نحن بانتظارك :)
أبو خالد السهلي
03-14-2004, 12:18 AM
اقتباس من الأخت الفاضلة ..
قال الله تعالى (من اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) من سورة البقرة
والصحيح .. فمن اضطر وليس " من اضطر " ..
وشكرا
Om3abdulla
03-14-2004, 09:28 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا على ردكم وتشجيعكم لي و إن شاء الله تعالى
أضيف المزيد من هذه اللفتات القرآنية الجميلة فتعيننا على التدبر
أخي في الله.. أشكرك على تصحيح الآية هي كما ذكرت
فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم
بارك الله فيكم وأعاننا وإياكم على تدبر القرآن
أبو خالد السهلي
03-14-2004, 03:44 PM
سأقول لك أمر ..
قد يفرحك ويشجعك كثيرا في التكملة ..
اليوم بعد صلاة الفجر ..
قد القيت درس في المسجد ..
وكان من اسرار الجمالية التي ذكرتيها لنا ..
كل هذا .. في موازين اعمالك يوم القيامة ..
فأرجو منك الاستمرار وعدم التوقف ..
وجزاك الله خيرا
Om3abdulla
03-20-2004, 06:41 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الكريم أبو خالد... فعلا كلماتك شجعتني وأدمعت عيني مع إن هذا الموضوع ما هو
إلا نقل عن كتب ومقالات وليس لي بها فضل.. فأسأل الله أن يجزي علماءنا ومشايخنا خيرا
وإن شاء الله تعالى أنقل لكم سرا جماليا آخرا خلال هذا الأسبوع
Om3abdulla
03-22-2004, 02:16 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اليوم إن شاء الله نبين كيف أن حركة الحرف (فتحة،ضمة،كسرة) تغير من قوة المعنى
الحُزنَ والحَزَن:
الحُزن والحَزن أصلهما واحد، ومادتهما واحدة والمعنى متقارب، إذ المعنى هو الشعور بالضيق
الذي يصيب الإنسان لما فاته من الخير أو ما لحقه من الشر.
لكن الحُزن -بضم الحاء- يدل على الضيق الشديد، قال تعالى عن يعقوب عليه السلام عندما بلغه
فقدان (بنيامين) -الابن الثاني- واتهام إخوته له بالسرقة فأصبح عبدا لعزيز مصر قال:
*بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم *
وتولى عنهم وقال : *يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحُزن فهو كظيم *.
فبلغ الأسف والضيف منه مبلغا شديدا، إذ تذكر في هذه اللحظة قرة عينه يوسف عليه السلام الذي فقده
صغيرا، ثم الابن الثاني من المرتبةـ فبكى بكاءً مراً أفقده بصره
أما الحَزَن -بفتح الحاء- فيدل على حزن أخف، بل لا ضيق فيه. لذا إذا دخل أهل الجنة الجنة، وتنعموا فيها
أخذوا يتندرون بما أصابهم في الدنيا من ضيق وألم وخوف، ولكن الحديث ما هو إلا ذكريات مضت،
يتسامر فيها الخلان، قال تعالى عن أهل الجنة
*وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور *
فأهل الجنة هؤلاء منهم يعقوب عليه السلام الذي أخبر المولى تعالى عنه أنه ابيضت عيناه من الحُزن،
أي أصابه الحُزن، ولكنه إذا دخل الجنة لا يذكر الحُزن، وإنما يذكر الحَزَن.
سلاماً وسلامٌ
قال الله تعالى * هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين -
إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلامٌ قوم منكرون *
قال ابن القيم قوله ( سلامٌ ) بالرفع، وهم سلموا عليه بالنصب ( سلاماً )، والسلام بالرفع أكمل.
وذلك لما يلي
أ- الرفع يدل على الجملة الإسمية بينما النصب يدل على الجملة الفعلية، قال ابن القيم : ((والسلام بالرفع
أكمل فإنه يدل على الجملة الإسمية الدالة الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الجملة الفعلية الدالة
على الحدوث والتجدد، فإبراهيم حيّاهم بتحية أحسن من تحيتهم فإن قولهم ( سلاماً ) يدل على
(سلمنا سلاماً) وقوله ( سلامٌ ) أي سلام عليكم ))
ب- توجيه آخر لعلماء اللغة:
* قال ابن القيم : ((إنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى
والفتحة خفيفة للمعنى الخفيف،-والكسرة- المتوسطة للمتوسط ))
* وقال : يقولون : يَعَزُّ - بفتح العين- إذا صَلُبَ.
يَعِزُّ -بكسر العين- إذا امتنع. والممتنع فوق الصلب، فقد لا يكون الشيء صلبا ولا يمتنع على كاسره.
يعُزُّ - بضم العين- إذا غلب
والغلبة أقوى من الإمتناع، إذا قد يكون الشيء ممتنعا في نفسه، متحصنا عن عدوه، ولا يغلب غيره،
فالغالب أقوى من الممتنع، فأعطوا الغالب أقوى الحركات-وهو الضمة- والصلب أضعف من الممتنع،
فأعطوه أضعف الحركات-وهو الفتحة- والممتنع المتوسط بين المرتبتين فأعطوه حركة الوسط.
وطرح عالم اللغة ابن جنيّ سؤالا : ((لم صار الفاعل مرفوعا؟ قال: لإسناد الفعل إليه ))
وقال: (( إن صاحب الفعل أقوى الأسماء، والضمة أقوى الحركات فجعل الأقوى للأقوى ))
مبارك
04-16-2004, 02:07 AM
الاخت ام عبدالله
جزاك الله خيرا
فعلا امتعتينا بما تنقلين لنا من جمال واعجازالقرآن الكريم
جعله الله فى ميزان حسناتك
وشكرا
Om3abdulla
04-19-2004, 08:29 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا أخي الكريم
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الأعمال خالصة لوجهه الكريم
سأرجع لكم بالمزيد إن شاء الله تعالى قريبا
محب العثيمين
04-21-2004, 11:25 AM
الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فيسرني أن أبدي اعجابي بما سطرتم في هذا الموضوع وأخص بالذكر كاتبة الموضوع جزاها الله كل خير.
فاعلمي أيتها الأخت الكريمة أنني كنت من المتابعين بعض الشيء لما كنت تكتبين فأسأل الله أن يجزيك خير الثواب.
واسمحي لي أن أزين هذا الموضوع الجميل بهذه المشاركة :
فقد ذكرنقل أحد طلبة العلم عن الشيخ عدنان عبدالقادر حفظه الله أنه قال في أحد دروسة عن سر ذكر كلمتي السنة والعام في القرآن الكريم.
فقال حفظه الله: أن ذكر كلمة سنة في القرآن الكريم يكون للجدب والقحط والبلاء
لقوله تعالى:
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ المائدة (26)
وقوله تعالى:
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ الأعراف (130)
وقوله تعالى:
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ يوسف (42)
وقوله تعالى في نفس السورة السابقة آية (47):
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ
وأما اللفظ عام فيكون للرخاء والرزق والنصر والتمكين
لقوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ التوبة (82)
وقوله تعالى:
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ يوسف (49)
وقوله تعالى:
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ لقمان (14)
والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
Om3abdulla
04-25-2004, 07:50 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا يا محب العثيمين.. بالفعل زينت الموضوع بهذه المشاركة الجميلة
أعلم بأني تأخرت هذه المرة عن المشاركة ولكن إن شاء الله تعالى سأحاول
أن أضيف شيئا هذا الاسبوع.. بإذن الله تعالى
Om3abdulla
05-03-2004, 10:50 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الموضوع هذه المرة طويل. حاولت أن أختصره و أرتبه لكني لست مبدعة في هذا الجانب
فقررت أن أنقله كما هو.. وهو يركز على اللفتات الجميلة في سورة طه
وما الفرق بين بعث وأرسل؟ وساحر وسحار...الخ
--------------------------------
المسلم عندما يقرأ كتاب الله تعالى فربما يقف عند بعض الآيات ويرى فيها نوع من التشابه، خاصة من حفظ كتاب الله عز وجل
وربما إذا ما قرأ عن ظهر قلب تختلط عليه الآيات فمثلاَ عندما يقرأفي قصة موسى في سورة الأعراف عندما قال الملأ لفرعون:
" وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم "، بينما إذ ما قرأها في سورة الشعراء عن نفس المجموعة يقول الله تبارك وتعالى:
" وابعث في المدائن (بينما في سورة الأعراف وأرسل) حاشرين يأتوك بكل سحّار عليم (بينما في سورة الأعراف بكل ساحر عليم).
كما قال تعالى في سورة الأعراف أن السحرة سجدوا لله تبارك وتعالى فقالوا:آمنا برب العالمين رب موسى وهارون "
وكذلك في سورة الشعراء قال تعالى:" رب موسى وهارون "
ولكن في سورة طه قال تعالى:" رب هارون وموسى ". فلماذا قـُدّم الله تبارك وتعالى هارون عن موسى في هذه السورة؟
الأصل أن موسى هو الذي يتم تقديمه عن هارون وذلك لأنه هو رسول ونبي بينما هارون هو نبي فقط وتابع لموسى،
ولكن ما حصل في سورة طه فهو العكس، لماذا؟ في سورة طه يجب أن نعرف مغزى هذه السورة كي نعرف أو نتوصل إلى البلاغة أو الغاية والحكمة،
ما هو الموضوع التي تتكلم عنه هذه السورة؟ فلكل سورة وحدة موضوعية، فسورة طه تتكلم عن الدعوة، وطريقتها، ووسائلها.
فعندما يقرأ الإنسان منذ البداية قال تعالى:" طه " أحرف عربية للتحدي، "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى "
فهذا القرآن تذكرة للدعوة تدعو الناس، "تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلا " لم يقل الله سبحانه إنزالا، وهناك اختلاف بينهما فالإنزال هو مرة واحدة
أما التنزيل فهو التدرّج فكأن الدعوة هي للتدرج، فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم متدرّجة، فرحمة الله تبارك وتعالى بالعباد أن قدّم الأرض على السماء
وإلا غالباً تقدّم الأرض على السماء، لـِمَ؟ قيل من الحكم التي قُدّمت الأرض في هذه الآية كذلك في سورة يونس، وهود وذلك لأن الله في هذه السورة
أراد أن يجبر خاطر النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم من ساكني الأرض فرفع الله عز وجل من شأن الأرض
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سكن هذه الأرض.
سورة طه تتكلّم عن الدعوة، لذلك الله عز وجل عندما أتى موسى، وشعر بالخوف ماذا قال الله عز وجل له؟ الله تبارك وتعالى خفّف من هذه الحِدّة
التي شعر بها موسى ومن هذه الرهبة قال تعالى:" وما تلك بيمينك يا موسى " فلاحظ كيفية الدعوة الآن، الله عز وجل كيف أخذ يكلّم موسى عليه السلام
بعد أن دخل في قلبه الروع فأدخل في قلبه الأمن، وكيف تكلّم وتدرّج معه؟ قال تعالى:
" هي عصاي (نوع من التلطف مع موسى عليه السلام) أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي (أي لتتساقط بها أوراق الشجر لتأكل منها الغنم)
وليَ فيها مآرب أخرى قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى (فهذا تلطف لم يقل الله في البداية ألق العصاة)
قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى "،
وقال الله لموسى عليه السلام في بداية الآيات عندما أتى موسى لكي يأخذ القبس قال تعالى:" وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى"
عندما تأتي لأخ وتقول له: لقد اتصلت بك دوناً عن غيرك، فهنا يشعر إنك خصصته بهذا الاتصال فهذا إن كنت مخلوق
فكيف إذا ما كان هذا المتصل وزير أو وكيل أو ملك لا بل ملك الملوك، فهنا كيف سيشعر موسى عليه السلام؟
لذلك تهيأ موسى لتلقي الرسالة، وإنه مستعد لأن يسمع ما يوحى إليه، ثم قال تعالى:
" إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى "…إلخ.
الآيات تتكلم عن موضوع الدعوة، لذلك عندما أرسل الله عز وجل موسى لفرعون قال:
" رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني " إلى قوله تعالى: "واصطنعتك لنفسي "
هنا الله سبحانه وتعالى يقول لموسى عليه السلام أنت من خاصتي، فله عليه السلام مكانة عليا عند الله، فكيف لا يستجيب موسى
وهذه الكلمات الجميلة من الله عز وجل له؟ فالله عز وجل خاطب موسى بهذا الأسلوب، فكيف بنا نحن؟
فالله سبحانه وتعالى خاطب أفضل رجل على وجه الأرض في ذلك الوقت، فكيف بنا نخاطب الناس من هو أقل من موسى عليه السلام؟
فيجب علينا أن نخاطب بطريقة فاضلة فوضح لنا الطرق التي ندعو بها الناس.
فالله تبارك وتعالى أثناء هذا الكلام قال في قصة السحرة عندما سجدوا لله عز وجل، وهي كالآتي: عندما دخل قالوا:
" رب هارون وموسى "، عندما أرسل إلى فرعون مع هارون دخلا على فرعون فدعاه إلى الله تبارك وتعالى وإلى بني إسرائيل،
رفض فرعون وأخذ يناقش موسى: ما رب العالمين؟ فقال له موسى " رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين " قال لمن حوله: " ألا تستمعون "
قال:" ربكم ورب آباءكم الأولين "، كأنما هنا موسى يُشعِر فرعون إنه يدعي الألوهية، فآباؤك قد ادعوا الألوهية سنين وهم الآن تحت الأرض في القبور،
فهؤلاء لا يستحقون الربوبية فإذاً أنت لا تستحق الربوبية، فمصيرك كمصيرهم،
فقد تكلم معه بكلام لكي يحرجه، " قال إنه رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون " "قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون "
أي إن كنت مجنون فأنتم أصحاب عقول. فهذا النقاش حصل بين موسى وفرعون، ثم بعد هذا النقاش
قال فرعون:" فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى& قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى& فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى "
وفي آية أخرى في سورة الأعراف قال تعالى:" وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم "، حاول فرعون أن يجهز الناس وأن يقفوا صفاً واحداً
أمام موسى عليه السلام، ففرعون لم يستشر قومه يوماً ما لكن في هذه الحالة فقال:
" قال للملأ حوله إن هذا لساحرُ عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون "،
فالغريب بأمر فرعون إنه لم يتفوه بهذه الكلمات من قبل، ولكنه عندما رأى الآية العظمى التي أتى بها موسى عليه السلام،
حاول أن يجمع الناس حوله لأنهم كادوا أن يتفرقون عندما رأوا الآية العظمى، فلهذه المشورة حاولوا أن يتجهزوا لها لأنها بظنهم أنها
فرصة ويريدون أن يغتنموها، سورة الأعراف يتكلم عن موضوع البشارة والنذارة والرسالة، فلذلك نجد تكرار كلمة أرسل، أرسلنا في الآيات.
يتبع
Om3abdulla
05-03-2004, 11:08 AM
فمثلاً نجد في سورة البقرة " فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء "
وفي سورة الأعراف "فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون "،
وقال تعالى:" وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم "،
الإرسال هو كما وقف النبي عليه الصلاة والسلام في القوم وقال لهم: واصباحاه..إلخ فيأتيه القوم ويبلغهم ما يريد،
لكن الموضوع في سورة الشعراء تبيان لمكانة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم الخلق على الله تبارك وتعالى،
ومهما تحدى الناس النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله سينصره إلى قيام الساعة، لذلك في بداية السورة تتكلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى:
" لعلك باخعٌ نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين& إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين "
وكذلك في نهاية السورة قال تعالى:" نزل به الروح الأمين& على قلبك لتكون من المنذرين "
فكلمة على قلبك فيها نوع من اللطف وفيها تبيان لمكانته صلى الله عليه وسلم، وكذلك في نهاية السورة قال تعالى:
" وتقلّبك في الساجدين " أي دائما أنت تذكر على لسان الساجدين، فدائما اسمك يتقلب على لسان الساجدين.
لذلك لما حصل النقاش بين فرعون وموسى فدعا قومه للوقوف معه فقالوا له:" فابعث في المدائن حاشرين "،
نحن نعلم أن اللغة العربية تتعامل بطريقة اللفظ، أي يعرف معنى الكلمة عن طريق اللفظ بها، فحرف الثاء للانتشار والكثرة،
أي فقولهم كث أي كثير منتشر، فابعث أي ابعث الرسل الكثيرين إلى كل القرى حتى بعد ذلك يخرجوا السحرة من باطن الأرض،
فإن بعثوا إلى تلك القرى ومحصوا تلك القرى وأخرجوا لك تلك السحرة فسيخرجون أعظم السحرة،
وأعظم السحرة لا يقول له ساحر بل سحّار أي صاحب علم دقيق بالسحر، فناسبت كلمة ابعث لكلمة سحّار، وأرسل ناسبت كلمة ساحر ،
فالإرسال على العموم لكن ابعث كأنه يحفر بباطن الأرض حتى يخرج أولئك السحرة. فالشاهد من هذا، أنه حصل النقاش واتفقوا على يوم ،
فأتى موسى عليه السلام وكان هذا اليوم مناسب له لأن في هذا اليوم كل الأمة تجتمع، فاجتمعت الأمة القبطية في هذا اليوم فأتى فرعون
على عرشه وحوله الوزراء والحشم والأمة كلها تنادي باسم فرعون وموسى وهارون عليهما السلام لوحدهما قال تعالى:
" قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى -
فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى -
قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى -
قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم إنها تسعى "
فهذا سحر التخييل بحيث أن الكل يرى أن الحبال تسعى ثم قال تعالى" فأوجس في نفسه خيفة موسى " أي شعر موسى بالخوف، واضطرب قلبه،
ففي هذه اللحظة لا تستطيع أن تقول له ألقي عصاك، وذلك تخيّل معي عندما تكون في وضع فيه نوع من الاستعجال والربكة والرهبة وتريد المفتاح وهو بيدك
ولكن من شدة الارتباك لم يشعر إنه بيده، فكذلك بالنسبة لسيدنا موسى عليه السلام لو قيل له: ألق عصاك فربما سأل وقال: أين العصا؟
ولكن الله عز وجل لم يقل لموسى عليه السلام: ألق عصاك ولكن قال:
" وألق ما في يمينك "
مهما كان ما في يمينك سواء كانت عصا أم غيرها ثم قال تعالى:" تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى "
فتخيلوا أن الساحة كلها ثعابين المتخيلة فإذا العصا قد تحولت إلى ثعبان عظيم قد التقم هذه الثعابين أو الحبال في لحظة واحدة، قال تعالى:
" تلقف " لأن المعروف أن الحية لا تلقف لأنها أولاً تضرب بالسم ثم بعد ذلك تبتلع ضحيتها. ولكن حية موسى شيئاً آخر
فقد لقفت في لحظة واحدة، ومنها شعر السحرة بأن هذا الأمر شيء عظيم وإن هذا ليس بسحر وإنما هو من عند الله تبارك وتعالى لأنهم أصحاب السحر
ويعلمون دقته وعظم هذا السحر، فسجدوا لله قال تعالى" فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى " وقالوا رب هارون وموسى، لِمَ؟
هذه السورة تتكلم عن الدعوة وأن صاحب الدعوة الله يرفعه درجات فمن نهى عن المنكر وأمر بالمعروف يُرفَع درجات عند الله تبارك وتعالى،
ففي هذه السورة لم يذكر الله عز وجل عن هارون أما في سورة الأعراف عندما ذهب موسى للقاء الله تبارك وتعالى بعد أن نجى الله بني إسرائيل،
فاتخذ قوم موسى ذلك العجل وعبدوه فلما رجع موسى قال تعالى:
" ولما رجع موسى غضبان أسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه "
ماذا قال هارون؟ " قال يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين "
إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني هل هذه الآية فيها دليل صريح بأن هارون أمر بالمعروف ونهى عن المنكر؟ لا.
ربما كاد هارون يأمر بالمعروف وكاد ينهى عن المنكر ولكن خاف عندما تجمع القوم قال: إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني،
فلا توجد دلالة صريحة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن في سورة طه يختلف قال موسى عليه السلام عندما رجع إلى قومه قال تعالى:
" و ما أعجلك عن قومك يا موسى & …إلى قول الله تعالى " ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري…
إلى قوله تعالى " قال يا بنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي "
فهذه فتنة وهذا كفر، فهنا أمر هارون بالمعروف ونهى عن المنكر فرفع الله تبارك وتعالى من شأن هارون عليه السلام فقدمه على اسم موسى
ولأنه لا يخطر بالبال أن هارون هو أفضل من موسى.
فالكلب أجلّكم الله عندما صاحب أهل الكهف الله عز وجل رفع من شأنه قال تعالى:
وكلبهم باسط ذراعيه بالوسيط "،
فعندما صاحب أهل المعروف والناهين عن المنكر الله رفعه عز وجل وهو كلب وذكره تكريماً له لأنه شارك المؤمنين وخرج معهم وحفظهم ويحرسهم.
فكيف بنبي من الأنبياء؟ فرفع الله تبارك وتعالى من شأنه فقدمه على ذكر موسى. ولكن قدم موسى عليه في آيتين أخرتين.
وهذه حكمة وهناك حكمة ثانية، وذلك أن كتب التاريخ دائماً ككتاب البداية والنهاية، تاريخ الطبري تجدون أول اسم مذكور
هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أو آدم عليه السلام؟ آدم عليه السلام هو الذي يذكر قبل، فكتب التاريخ تتكلم عن التسلسل التاريخي،
فسورة طه تتكلم عن التسلسل التاريخي فماذا قال لموسى؟ قال تعالى:
" قد أوتيت سؤلك يا موسى & ولقد مننا عليك مرة أخرى & إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى "
فلاحظوا التسلسل التاريخي ولو أكملنا القراءة لوجدنا أنه يصلح أن يقدّم هارون على موسى لأن هارون هو الذي ولد قبل موسى
فقدّم هارون على موسى لأن المسألة فيها تسلسل تاريخي.
-------------------
منقول من شبكة المنهج الإسلامية
يتبع مع سر جمالي آخر إن شاء الله تعالى
Om3abdulla
05-17-2004, 08:47 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الكسرة بين شوق النبي صلى الله عليه وسلم وهوان الكفار
مِتّ ومُتّ
( مِت )و ( مُت ) يدلان على تحقق الموت، ولكن ( مُت ) بضم الميم تدل على عِظم الموت المتحقق إما للمتكلم أو لمن أصابه الموت
قال تعالى عن المؤمنين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما اصابتهم الجراحات وتحول النصر إلى هزيمة، وموت بعض أبائهم وإخوانهم وأبنائهم في غزوة أحد
( وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ )
فذكرها الله بضم الميم (مُتّم)، وذلك لما يلي:
أ- إن ما حصل للصحابة كان أمرا عظيما، وهو تحول النصر إلى هزيمة، وموت غير متوقع بحضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم، لأن النصر قد حالفهم قبله،
فبدلا من أن يتبادلوا التهاني على النصر إذا بهم يعزون بعضهم على موت الآباء والأبناء.
ب- موت المؤمن عزيز على الله تعالى، إذ المؤمن يكره الموت، والله يكره ما يكرهه المؤمن، قال الله تعالى في الحديث القدسي
" وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه "
فلما كان موت المؤمن عظيما في حقه، أصبح عظيما عند الله تعالى، فاستحق التعظيم فقال تعالى (مُتم) بضم الميم.
أما (مِت ) فتدل على هوان الموت إما في حق المتكلم أو الميت فقد قالها الله تعالى في حق كل مما يلي:
1- الكفار: ( وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً )
وكذلك في قوله تعالى ( أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ )
ذلك لأن الكافر، وإن كان يشعر بأن الموت في حقه أمر شديد عظيم، لكنه هين على الله تعالى، بل لا وزن له عنده
( أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً )
فاستحق كسر الميم التي تدل على أن الموت هين عند المتكلم
2- مريم : قال تعالى عنها عندما بُشّرت بعيسى عليه السلام بلا أب وفُجعت بالخبر، فاستغاثت بربها قالت
( قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً )
فعندما جاءها المخاض لولادة عيسى عليه السلام تمنت الموت، فأصبح الموت عندها أهون من كل شيء، فأخذت تنادي وترجو الموت فقالت
( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً )
3- النبي صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ )
هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكره الموت فيكره الله تعالى مساءته؟ أم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي اختاره؟
لقد تهيأ النبي عليه الصلاة والسلام للقاء ربه، ففي مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم قالت عائشة رضي الله عنها مبينة
أنه صلى الله عليه وسلم هان عليه الموت، با اختاره صلى الله عليه وسلم
( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح : (إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير). فلما نزل به، ورأسه على فخذي،
غشي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال : (اللهم الرفيق الأعلى). فقلت : إذا لا يختارنا،
وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا وهو صحيح، قالت : فكانت آخر كلمة تكلم بها : (اللهم الرفيق الأعلى) .
محب العثيمين
05-17-2004, 10:36 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخت الكريمة Om3abdulla اسمحي لي ان أغير قليلا نمط المشاركات في موضوعك الجميل هذا حيث سأحول المشاركة من مجرد مشاركة فقط إلى مشاركة فاعله وهادفة وهي على هيئة استنباطات من الآيات الكريمات التالية:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ البقرة (164)
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِّيَحِ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ آل عمران (117)
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحِ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الأعراف (57)
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ برِّيَحِ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا برِّيَحِ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ يونس (22)
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيَحِ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ إبراهيم (18)
وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحِ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ الحجر (22)
أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيَحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا الإسراء (69)
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحِ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا الكهف (45)
لاحظ أيها القاريء الكريم وركز على كلمتي " الريح و الرِّيَاحِ " الواردة في الآيات ألمذكورة أدناه فماذا تستنتج؟؟؟
ناصر الدين
05-18-2004, 06:13 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي الفاضل محب العثيمين نفع الله به وجزاه عني خيراً.
كنت قد سمعت من الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله ( وقد طعن بعض أهل العلم في عقيدته ) سمعت منه رحمه الله ما مؤداه: أن الريح تأتي في القرآن بالعذاب والضرر، أما الرياح فبالرحمة والنعمة. وعلل رحمه الله ذلك بأن استقرار الأجسام في الطبيعة حاصل من تساوي القوى المؤثرة عليها، وهذا يستلزم وجود ريح من كل جانب تساوي في قوتها التي في الجانب المقابل، قال: فهذه مجموعة رياح. أما الريح التي تعصف فتقلع البيوت وتخرب البلاد فهذه تكون من اتجاه واحد، قال: فهذه ريح بالإفراد.
وكلامه رحمه الله في مثل هذا له وزنه، إذ هو من أهل الاستقراء والتخصص في التفسير عدا ما كان من التفسير بالأثر.
لكن هذا - والله أعلم - أغلبي وليس كلياً. وقد تتبعت ذلك فوجدته أغلبياً لا كلياً.
هذا في عجالة والأمر يحتاج تحريراً، لا سيما وقد سهل التتبع اليوم باستخدام برامج الحاسوب.
والسلام عليكم.
Om3abdulla
05-19-2004, 10:28 AM
أخي في الله محب العثيمين
جزاك الله خيرا على تفعيلك هذا الموضوع وجعله مشوقا وفتحت بابا للأعضاء للمشاركة فيه
والتدبر في آيات القرآن الكريم.. فاستمر بارك الله فيك وانفعنا بما تعلم
الأخ الكريم ناصر الدين.. أعتقد والله أعلم أن ما تفضلت به هو الصواب
محب العثيمين
05-22-2004, 01:12 PM
نص مقتبس من رسالة : ناصر الدين
كنت قد سمعت من الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله ( وقد طعن بعض أهل العلم في عقيدته ) سمعت منه رحمه الله ما مؤداه: أن الريح تأتي في القرآن بالعذاب والضرر، أما الرياح فبالرحمة والنعمة. وعلل رحمه الله ذلك بأن استقرار الأجسام في الطبيعة حاصل من تساوي القوى المؤثرة عليها، وهذا يستلزم وجود ريح من كل جانب تساوي في قوتها التي في الجانب المقابل، قال: فهذه مجموعة رياح. أما الريح التي تعصف فتقلع البيوت وتخرب البلاد فهذه تكون من اتجاه واحد، قال: فهذه ريح بالإفراد.
وكلامه رحمه الله في مثل هذا له وزنه، إذ هو من أهل الاستقراء والتخصص في التفسير عدا ما كان من التفسير بالأثر.
وأياك أيتها الأخت الكريمة
الأخ الحبيب ناصر الدين نفعنا الله بتوجيهاته وتعليقاته السديدة:
نعم كنت قد سمعت ما ذكرت للشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى في برنامجه "تفسير وخواطر" وحقيقة لم أبحث في صحة ماذكره الشيخ رحمه الله وأخذت ما تم ذكره على ظاهره.
وأسال الله تعالى أن نكون ممن يتواصي بالحق ويتواصى بالصبر وممن استثناهم جل وعلى من الخسران في الآخرة لقوله تعالى" والعصر إن الإنسن لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " سورة العصر
والحمد لله رب العالمين
Om3abdulla
06-05-2004, 10:05 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال تعالى لبني إسرائيل في سورة الأعراف: " وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين& فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون "،
بينما في سورة البقرة قال تعالى:" وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين& "
قيل أن القرية هي بيت المقدس، فالله عز وجل ذكر في سورة الأعراف تعنّت بني إسرائيل، فهو الذي نجّاهم، قال تعالى:" قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا.. "
فأخذوا يتعنتون على موسى تعنتاً شديداً، فعندما ذكر الله عز وجل هذا الأمر قال:" وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية "، فالإنسان حتى يسكن يحتاج إلى بحث عن سكن وإن وجد السكن فلربما لا يعجبه أو لا يعجب زوجته وإذا عجبهما المنزل فيحتاج إلى فترة إلى ترتيب البيت، فالإنسان يتعب حتى يسكن، فالله عز وجل لما أشار إلى تعنّت بني إسرائيل قال " اسكنوا " أي لابد أن تكدوا وتتعبوا وتكنوا بعض الشيء في البحث عن كيفية الدخول ثم بعد ذلك محاولة في السكن فاجتهدوا في ذلك حتى تسكنوا بعد ذلك.
ثم قال تعالى:" وكلوا منها حيث شئتم " كأن في إشارة أن تأكل بعد السكن، فهذه نعم من نعم الله عز وجل لأنه أذن لهم بالسكن، ثم أذن لهم بعد ذلك بالأكل فهذه نعمة أيضا، ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى لم يقل رغدا كما في سورة البقرة، ثم قال تعالى:" وقولوا حطة نغفر لكم خطيئاتكم " اعترفوا بذنوبكم واعتذروا قبل أن تدخلوا، فكلمة حطة أي حِط من خطايانا واغفر لنا، وبعد ذلك يدخلوا الباب سجدا.
أما معنى خطيئاتكم أي جمع مؤنث سالم لخطيئة، والخطيئات كثيرة وهذا من نعم الله سبحانه وتعالى بأنه سيغفرها لهم ثم قال:" سنزيد المحسنين " أي وسأعطيكم زيادة.
فالله عز وجل ذكر هذه النعم ولكن الإنسان عندما عصى الله عز وجل فالله تعالى شدّد عليه. وكذلك الله عز وجل قبل أن يذكر هذه الآيات قال تعالى:" وقطّعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه …"، وقطّعناهم هم بالفعل قسّموا إلى أمم لكن قطّعناهم كأن فيه إشارة إلى نوع من الحرب والشقاق فأثناء الدعوة لابد وأن تجد الشقاق بين الدعاة، فما هو السبب إلى هذا الشقاق؟ فبين الله عز وجل هذا السبب، إذا ما أردتم السكون فقال:" اسكنوا " فناسب كلمة السكون كلمة وقطّعناهم،
الله تبارك وتعالى ذكر أن الحياة الزوجية هي سكن وأن المرأة هي سكن للرجل قال تعالى:" خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها "، فإذا أردت أن تشعر بنوع من السكون بعد الشقاق الموجود قطعناهم، وإذا أردتم نوع من السكون والارتياح فترجعوا كما كنتم على قلب واحد " قولوا حطة وادخلوا الباب سجدا " عليكم أن تعترفوا وتعتذروا لله عز وجل وتستغفروا لذنوبكم فالله عز وجل بعد ذلك سيجعلكم على طريق واحد. فتناسب قول قطعناهم مع السكون مع تقديم حطة على الدخول.
بينما في سورة البقرة يذكر الله عز وجل نعمه السابقة، لأن في هذه السورة يتكلم الله عن أركان الدين وأركان الإيمان كما في نهاية سورة البقرة:" آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " وأيضاً في بداية السورة:" يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون " فذكر الصلاة وذكر الحج والصيام فهذه أركان الإسلام كما ذكر الله عز وجل الغاية من الخَلْقْ وهي العبادة، فلذلك فأول أمر في كتاب الله عز وجل في سورة البقرة:" يا أيها الناس اعبدوا ربكم "، أي حبوا الله تبارك وتعالى، فذكر الله موضوع محبة الله عز وجل وعبادته. ومن أسباب المحبة أن الإنسان يذكر أخيه بأنه أعطاه، ولم يبخل عنه بشيء، فحتى يرغّب الله تبارك وتعالى الناس بتحقيق هذه المحبة فنعمه عليّ سابقه فيجب علي أن استحي فأشعر بمودة له، فلذلك في سورة البقرة أخذ الله سبحانه وتعالى يذكر نعمه في بني إسرائيل فقال تعالى:" وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية " فكان يكفيكم الدخول والأمور ستتهيأ لكم، " فكلوا منها حيث شئتم رغدا " قال تعالى:" رغدا " أي بنعيم وسعة، أي في أي مكان تريدون أن تأكلوا ومن أي شيء تشاءون. " وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة " أي بعد الدخول اسجدوا وتوبوا إلى الله فكأن لا يمنع الاعتراف بعد الدخول، فهذا دليل على نعم الله عليهم وكرمه " نغفر لكم خطاياكم " وهنا قال تعالى:" خطاياكم " جمع تكسير، صيغة منتهى الجموع، وهي أكثر من خطيئات، وهذا من نعم الله تبارك وتعالى، وقال: لِمَ؟ قال: لأن الله عز وجل في بداية الآية عزّ الأمر لنفسه:" وإذ قلنا" فهنا عزاه لعظمته لما له من العظمة فذكر كذلك عظمة هذه النعمة، وفي الأعراف قال تعالى:" وإذ قيل " لم يعزه لنفسه، قال تعالى:" وسنزيد المحسنين " أي وزيادة في الأحرف زيادة في المعنى أي زيادة في النعمة، فالنعم كانت تزيد وزيادة عنها في سورة الأعراف " سنزيد المحسنين ". ثم قال تعالى:" فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم " وفي سورة الأعراف " فبدل الذين ظلموا منهم " عندما يأتي إنسان ما إلى مجموعة من الناس ويوجه إليهم الكلام فيقول لهم: أيها الناس، يوجد منكم شخص من هذه القبيلة قد فعل كذا وكذا؟ فهنا أصحاب القبيلة يحرجوا، لذلك فـ "منهم" وقعت البلايا أي من بني إسرائيل، وهذا تقريع من الله عز وجل لهم فيما وقعوا فيه من الذنب، ثم قال تعالى في سورة الأعراف:" قولاً غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون " أرسلنا وهو إرسال أي أن يأتي شيء ربما يعم في المجموعة الموجودة، والإرسال عندما تأتي الريح فلا تخص منزلاً دون الأخر أو نافذة دون الأخرى ولكنها تأتي وتعم الموجود، فبني إسرائيل عندما وقعوا ما وقعوا فيه من المعاصي يستحقوا أن يهلكوا بأكملهم. أما في سورة البقرة فقال تعالى:" فبدل الذين ظلموا " فهنا إكراماً من الله عز وجل لبني إسرائيل فلم يقل منهم، كأن هنا دلالة على أن أشخاص معينة أو واحد من الناس لأن الله عز وجل لم يقل منهم كي لا تحرج بني إسرائيل ثم قال:" قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلمو ا" الله هنا أكرمهم بأنه لم يقل عليهم لأن إذا قال عليهم معناه احتمال كل القرية، كما أن الله لم يقل أرسلنا لأنها ستعم أهل القرية كلهم ولكن قال أنزلنا فلا نفهم أن الكل أصابه الرجز ولكن البعض وهم الذين ظلموا، ثم قال تعالى:" رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون "، فذكرهم ظلموا ويفسقون فلِمَ؟ لأنه عزا الله سبحانه وتعالى في بداية السورة بقوله " وإذ قلنا " فعزاه لنفسه، وعندما نسب معصيتهم بأنهم قد عصوا العظيم قال:" فبدل الذين ظلموا " فغيروا بكلامهم فلم يقولوا حطة ولكن قالوا حنطة وفي هذا استهزاء لأوامر الله سبحانه وتعالى، فعندما عصوا الله عز وجل فعزا الله الأمر لنفسه فمن عصى العظيم يستحق أشد العقوبات فلذلك قال تعالى في هذه الآية في سورة البقرة: ظلموا، ظلموا، يفسقون. ولكن في سورة الأعراف لما قال: قيل، لم يعزوه لنفسه ولكن قال ظلموا، يظلمون.
أبو خالد السهلي
08-17-2004, 12:16 PM
بارك الله فيك
Om3abdulla
09-19-2004, 12:18 PM
وفيك اللهم بارك
Om3abdulla
12-22-2004, 09:16 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من كتاب أسرار جمالية قرآنية للشيخ عدنان عبدالقادر حفظه الله
(ما) المعظمة بين رحمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغضب المؤمنين
من خصائص اللغة العربية أنه توجد مناسبة بين اللفظ والمعنى فلفظ الحرف والكلمة يدل على معناها...
فما هي دلالة حرف (ما) في كتاب الله والتي يقال أنها زائدة وليست كذلك؟
قال الله تعالى : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ) فهل (ما) في قوله (فَبِمَا ) زائدة؟ وإذا كانت ليست كذلك فما هي دلالتها البلاغية؟
أ- الميم حرف شفهي، يجمع الناطق به شفتيه، فوضعته العرب علما على الجمع لاجتماع الشفتين فيقال للجمع المخاطب (أنتم) وللضمير (هم)، ويقال لمن جمع الشيء (لمّه)..
ب- حرف (الألف) عند التلفظ به يمتد به الصوت مالم يقطعه ضيق النفس، فآذن امتداد لفظه بامتداد معناه. فهو يفيد الاطلاق والامتداد والاستمرار
ج- في قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ) : أي قد جمعت فيك رحمة عظيمة حانية، وهي رحمة المسامحة والعفو التي تتسع لكل الهفوات، وهذه الرحمة موهوبة مني لك تتحمل بها كل مخالفة من أمتك وأتباعك. ورحمة الهداية والدلالة والإرشاد إلى طريق الفوز والنجاة في الدارين...
(مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً)
- ذكر الله تعالى ذلك في حق قوم نوح، إذ لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى الله تعالى، وهم يردون عليه أشد الرد وأقبحه، ويسخرون منه (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ )، إلى أن عظمت ذنوبهم، وتكابلت عليهم خطاياهم مدة السنوات المذكورة، قال تعالى (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ) أي بلغت خطاياهم مبلغا الله أعلم به.
قال الألوسي في (مما) : لتعظيم الخطايا في كونها من كبائر ما ينهى عنه.
(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)
وردت هذه الآية ضمن مجموعة من الآيات وصف الله تعالى بها المؤمنين ممتدحا لهم، فقال في هذه ( وَإِذَا مَا غَضِبُوا ) : (ما) هنا للدلالة على كمال الغضب أي إذا إمتلؤا غضبا وغيظا فإنهم يغفرون ويتجاوزون.
كحال أبي بكر رضي الله عنه عندما تكلم مسطح رضي الله عنه في ابنته عائشة رضي الله عنها واتهمها في حادثة الإفك، امتلأ أبو بكر غضبا وغيظا عليه، وكان قبلها ينفق عليه ويغدق فتوعده بقطع النفقة عنه، فأنزل الله تعالى قوله: (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) قال أبو بكر: بلى، أحب أن يغفر الله لي، فأجرى عليه النفقة ثانية.
يتبع مع سر جمالي آخر بإذن الله تعالى
supervisor
01-28-2005, 06:34 PM
للرفـــــع
Om3abdulla
02-07-2005, 01:36 PM
رفع الله قدرك
سنكمل قريبا إن شاء الله تعالى
أخي المشرف.. هل أستطيع أن أعدل في هذه المشاركات فأكبر الخط؟ خاصية التعديل غير موجودة
Om3abdulla
07-23-2005, 11:58 PM
الحمد لله وجدت المحاضرة في موقع طريق الإسلام
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=42284
هنا للاستماع إليها (http://media.islamway.com/lessons/Adnan_Q8//125-asrar.rm)
Om3abdulla
09-26-2005, 01:53 PM
عضدا وليس أعضاداً
قال الله تعالى : {وما كنت متخذ المضلين عضدا} بصيغة المفرد ولم يقل سبحانه «أعضاداً» بصيغة الجمع كما جمع المضلين!!.
أما في قوله تعالى: {وما كنت متخذ المضلين عضدا} فـ « العضد » هو ما فوق الذراع بين المرفق والكتف، ويكنى به عن الإعانة والمؤازرة، كما قال تعالى لموسى u {سنشد عضدك بأخيك}.
وردت هذه الآية في سورة الكهف في شأن الافتتان بشرف الأصل، كما فتن إبليس بشرف أصله أنه من الجن، زاعماً أن الجن أفضل من الإنس لأنهم خلقوا من نار. فقد يفتتن بعض الناس بشرف أصله الذي يصبح مدعاة للإعراض عن دين الله تعالى، فيفخر بنسبه وآبائه وأجداده وأخواله، ويترفع بهم عن متابعة أوامر الله تعالى وحضور مجالس الذكر ومساجد الله تعالى. فبين الله تعالى أن هؤلاء بمجموعهم دون الصلاحية، ولا يرتقون إلى مستوى المؤازر الواحد، بالرغم من شرف أصلهم المزعوم الذي اعتضدوا به وائتزروا وبلغوا القمة فيه، إلا أنهم أحقر من أن يبلغوا منزلة المعين الواحد فيستعان به، وأذل من أن يرفعهم الله تعالى لنصرة دينه.
Om3abdulla
10-25-2005, 10:10 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أن يؤتينِ خيراً من جنتك
قال المولى عز وجل في قصة صاحب الجنتين عندما خاطبه المؤمن {فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك }، فقال في الآية {أن يؤتين} بحذف الياء، وليست (أن يؤتيني ) . فما الحكمة من حذف الياء في هذه القراءة ؟
الإيتاء هو العطاء ، و« أن يؤتيني » أي: أن يعطيني . والكلمة مكونة من ثلاثة مقاطع : فعل «يؤتي» و حرفي النون والياء (يؤتي ، ن ، ي ).
أما الفعل «يؤتي» فهو بمعنى : يعطي.
وحرف « النون »: هو نون الوقاية ، ونون العماد.
أما حرف « الياء »: فهو ياء المتكلم، أي العطاء يصل إليَّ أنا.
فقوله « يؤتيني » أي العطاء يصل إلى نفسي ، يصل إليّ أنا. فإذا حذفت الياء، وقلت {يؤتين} دل ذلك على ما يلي:
1) إني لا أجزم أن العطاء يصل إلى نفسي ويصل إليّ. ومن عطاء الله لي نجاتي وإدخالي الجنة وغفران ذنوبي وعفوه عني فقوله: {فعسى ربي أن يؤتينِ خيراً من جنتك }، أي أنا لا أستطيع أن أجزم على الله تعالى أنه ينجيني، ولا أستطيع أن أجزم وأؤكد أنه يدخلني الجنة. فربما لي ذنوب كثيرة لم أنتبه لها أو نسيتها ولم أتب منها، كما قال تعالى: { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}. فقد تفوق ذنوبي الكثيرة حسناتي فتمنعني من دخول الجنة.
2) لا آمن مكر الله تعالى ، فذنوبي كثيرة، وربما تجمعت عليّ فكانت سبباً في انتكاسي وانقلاب حالي من الإيمان إلى الكفر، ومن الهداية إلى الضلال، ومن استقامة إلى زيغ. فكم من مطيع اغتر بذنوبه وأعجب بأعماله الصالحة فكانت سبباً في هلاكه وتقلب أحواله.
وفي الأثر: (ثلاث مهلكات : شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ). وإني لا آمن مكر الله تعالى. قال الله تعالى: {أفأمنوا مكر الله ، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}.
بل النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : {ما أدري ما يفعل بي ولا بكم }.
وقال إبراهيم الخليل عليه السلام :{واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}.
وقال يوسف عليه السلام : {أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين}.
وقال سليمان عليه السلام : {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين}.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ( لو وضعت قدماً في الجنة وقدماً خارجها لا آمن مكر الله تعالى ).
وبكى الإمام سفيان الثوري وهو يحتضر على فراش الموت، فعندما سئل عن ذلك قال: (أخشى أن أسلب التوحيد ).
فكيف أجزم بعد كل هذا على نجاتي ودخولي الجنة ؟! فقال : {فعسى ربي أن يؤتين} ، ولم يقل بالجزم والتأكيد (يؤتيني).
هذا اللفظ لإظهار ضعفه بين يدي الله جل وعلا، وأنه لا شيء أمام عظمته وجلاله. وهذا الأسلوب من هذا العبد المطيع لله تعالى المفتقر إليه هو الغالب عليه من خلال محاورته للكافر صاحب الجنتين كقوله له { لكنا هو الله ربي} بحذف ألف { لكنا} عند القراءة بالوصل إذ تقرأ بالوصل (لكن هو الله ربي).
وقوله {إن ترنِ أناْ أقل منك مالاً وولداً} بحذف ياء (ترني)، فقال {ترنِ}.
وقوله {أناْ أقل منك} بحذف ألف (أنا) إذ لم يقرأها بالمد (أنآ أقل)، وإنما عند الوصل تقرأ بالحذف (أنَ أقل)، مع جواز قراءتها بالمد على أصلها .
كل ما سبق من الأسلوب البلاغي في هذه القراءة تهميشاً لنفسه خضوعاً لهيبة الجلال.
منقول من موقع الشيخ عدنان عبدالقادر حفظه الله تعالى
Om3abdulla
11-19-2005, 02:34 PM
فظنوا أنهم مواقعوها / علموا
وقال تعالى:{ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها}، ولم يقل سبحانه «فتيقنوا أنهم مواقعوها» أو «علموا أنهم مواقعوها»، وإنما {فظنوا أنهم مواقعوها}.
لو رأيت أحوال المجرمين يوم القيامة لرأيتها غاية في الذل، إذ يتشبثون بأبعد الآمال للنجاة من العذاب. فبالرغم من سوقهم إلى نار جهنم وعرضهم عليها بأمر الله تعالى {خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه}. ثم الإستجابة السريعة من الملائكة العظام للأوامر الإلهية، فدفعوهم دفعاً إلى النار {يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً } أي يدفعون إليها {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون}، والأمر الإلهي بأن يكبكبوا فيها بلا تراجع لقوله سبحانه {ما يبدل القول لدي}.
إلا أنهم عندما يرونها ويعاينونها يتمسكون بقشة من الأمل لعلهم ينجون منها لما يرون فيها من الأهوال: من عمقها وهو مسيرة سبعين سنة. وشدة حرها إذ تفوق سبعين ضعفاً لنيران الدنيا الملتهبة. وشدة تسعيرها وإيقادها ولظاها الذي ينزع جلدة الوجه من الرأس {نزاعة للشوى}. قال أبو هريرة رضي الله عنه : «أوقد على النار ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء كالليل المظلم ». وعظم لهيبها وشررها {إنها ترمي بشرر كالقصر}، وصوتها المخيف حال تغيظها وفورانها وشهيقها تكاد تتقطع. لا نفس فيها، ويحطم بعضها بعضاً، وشدة صياح أهلها فيها ولا مجيب.
وهذا الأمل أخرجهم من اليقين في دخول النار إلى الظن في دخولها.لذا يحاول بكل وسيلة تخطر في ذهنه لعله ينجو بها، إذ يخطر في ذهنه أنه من الممكن أن ينجو بالكذب، ويدعي أنه لم يشرك بالله تعالى في دنياه {ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون، ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين، انظر كيف كذبوا على أنفسهم}.
فعندما لم تنفعه هذه الوسيلة، خطرت في ذهنه وسيلة أخرى ربما ينجو بها من النار وهي عدم قبول شهادة الملائكة عليه بكفره. قال النبي عليه الصلاة والسلام في مخاطبة الكافر لربه تعالى يوم القيامة ( يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ يقول: بلى. فيقول (الكافر): فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني. فيقول (الله تعالى): كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً. فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي. فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام. فيقول (الكافر): بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل). وهذا عندما يساق إليها لإلقائه فيها {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون، حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء}.
فعندما لم تنفع هذه الوسيلة لنجاته. خطر في ذهنه أن يسأل العودة إلى الدنيا فسألوا الرجعة إلى الدنيا وأن يُردوا إليها، فيؤمنوا بالله وآياته ولا يكذبوا رسله ليتخلصوا مما شاهدوه من النار {ولو ترى إذ وُقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين}.
فتكون عنده بارقة أمل بالنجاة منها، حينئذ يتحول يقينه في دخول جهنم إلى احتمال دخولها.
فالأمر متوقف على نجاح الوسائل التي سيستخدمها للنجاة منها. كالمتعلق بمن يحب من الأحياء، فجأة يراه ميتاً أمامه فيصدم وتعتريه الوساوس والأوهام لعله لم يمت، لعل.. لعل..، فيعيش حالة من التشكك في موته لا بالتيقن منه.
قال الله تعالى:{ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها}، ولم يقل سبحانه «فتيقنوا أنهم مواقعوها» أو «علموا أنهم مواقعوها» وإنما {فظنوا أنهم مواقعوها}!!.
فقارن الآن بين التكبر والترفع في الدنيا بشرف الأصل والفخر بالآباء والأجداد والتهائه به عن طاعة الله تعالى واحتقاره لعباد الله والدعاة إلى دينه من ناحية، وبين الذل الذي يحيط به يوم القيامة، وحال الذليل من التلطف والتعلق بكل حركة وكل كلمة وخشوع البصر وانكسار الوجه بحثاً عن أدنى وسيلة أو سبب لينجو مما هو فيه!
وممن حملها على ظاهرها في الظن الذي ليس بيقين مجموعة من المفسرين:
1) إذ قال الشهاب: « قيل على ظاهره لعدم يأسهم من رحمة الله قبل دخولها. وقيل: باعتبار أنهم ظنوا أنهم تخطفهم في الحال».
2) وقال النيسابوري: «إن الكفار يرون النار من مكان بعيد، فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها، واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها».
وقال البقاعي: «جرياً على عادتهم في الجهل كما قالوا {اتخذ الله ولداً}، بغير علم و{ما أظن أن تبيد هذه أبداً، وما أظن الساعة قائمة}، و{إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين} مع قيام الأدلة التي لا ريب فيها».
منقول
قطرة ندى
11-19-2005, 10:08 PM
جزاكم الله خير الجزاء ....ونفعنا وإياكم بما نقول ونسمع .........
بإنتظار المزيد ........بارك الله فيكم ......
Om3abdulla
11-29-2005, 11:01 AM
بارك الله فيك أختي الفاضلة قطرة الندى.. أسعدني مرورك وتعليقك
من موقع الشيخ عدنان عبدالقادر حفظه الله اخترت لكم هذا السر الجمالي
تستطيع / تسطِع
قال موسى عليه السلام للخضرعليه السلام : {هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً ؟ قال : إنك لن تستطيع معي صبراً، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً }. أي إنك ستجد أمامك أحداثاً ستتعرف على حِكَمِها ومغزاها إذا صبرت عليها، ولكنك لن تصبر عليها، لذا فلن تتعرف ولن تتوصل إلى حِكَمها. إذ ليست عندك القدرة الكاملة على الصبر لتعلم هذا العلم. فالصبر لتعلمها يتحقق بإحدى طريقتين :
• إما أن تصبر إلى أن تنتهي هذه الأحداث فأفسرها لك.
• و إما أن تصبر نفسك على التوصل إلى معرفة حِكَمها بنفسك.
وأنت يا موسى لا تمتلك القدرة الكاملة للصبر على تعلمها بإحدى الطريقتين. فقال موسى عليه السلام : {ستجدني إن شاء الله صابراً } أي سوف أصبر لأتعلم من هذا العلم ، وستجد عندي القدرة على تعلم هذا العلم بصبري معك بإذن الله تعالى .
ولكن موسى عليه السلام لم يصبر في الموقف الأول وذلك أنهما لمّا {ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها؟!} فذكّره الخضر{ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً}، أي ألم أقل إنك لا تمتلك القدرة الكاملة (لن تستطيع) على تعلم هذا العلم بالصبر، ولكن مازال في المجال متسع لتصبر على تعلمه. قال موسى عليه السلام حينئذٍ {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً}.
ثم حدث موقف آخر فلم يصبر فيه موسى عليه السلام عندما { لقيا غلاماً فقتله، قال: أقتلت نفساً زكية بغير نفس ؟!} ، فقال الخضر: {ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً}. فليست عندك القدرة الكاملة على تعلم هذا العلم بالصبر، وأكده بقوله ( لك ) لينتبه، ولكن ما زالت الفرصة أمامك لتصبر على معرفة الحِكَم من ورائها. فقال موسى عليه السلام : { إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ، قد بلغت من لدني عذراً}.
ثم حدث موقف ثالث عندما {أتيا أهل قرية،استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض} فأقامه الخضر . حينئذ لم يصبر موسى عليه السلام فقال: { لو شئت لاتخذت عليه أجرا}،لأن القوم لئام لم يضيفونا.
فقال الخضر: {هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} أي سأنبئك بحقيقة الأحداث وحِكَمِها، والتي لم تكن عندك القدرة الكاملة على معرفتها وتعلمها بالصبر .
فقوله تعالى في الآية{ ما لم تستطع } بإثبات التاء فيها دلائل:
1) نفى القدرة الكاملة على الصبر لتعلُّمها ، ولكن لم ينف القدرة الناقصة على معرفتها بالصبر .
قال البقاعي: « ما نفى إلا القدرة البليغة على الصبر، إشارة إلى صعوبة ما حمل موسى من ذلك، لا مطلق القدرة على الصبر».
2) إذ من الممكن في هذه اللحظة أن يطلب موسى عليه السلام من الخضر الانتظار لكي يحاول معرفة الحكمة منها بنفسه، فيصبر نفسه هذه اللحظات على التفكير في مغزاها والتوصل إليها ثم يقول: قد علمت الآن لماذا تصرفت تلك التصرفات التي ظاهرها مفسدة وحقيقتها مصلحة. لذا لم ينف الخضر القدرة الناقصة لموسى عليه السلام على أن يصبر نفسه لمعرفتها، ولكن نفى القدرة الكاملة لها .
ولكن لهول هذه الأحداث وعظمها وتتابعها من خرق سفينة المساكين الكرماء، وقتل النفس البريئة، وإكرام اللئام، لم يطق موسى عليه السلام الصبر لحظة على هذه المنكرات العظيمة في الظاهر، إلى أن يتوصل لمغزاها.
حينئذ بين له الخضر حقائق هذه الأحداث وما وراءها وتأويلها وحِكَمِها. فاتضح بعد الانتهاء من تفسير الخضر لها ، أن موسى عليه السلام لم تتوفر لديه القدرة الكاملة ولا القدرة الناقصة على تصبير نفسه للتوصل إلى معرفتها، فانتفت عنه كل أنواع القدرة للصبر على تعلمها.
لذا نفاها عنه الخضر في نهاية القصة فقال :{ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا}.
قال:{تسطع} بحذف التاء، أي القدرة الناقصة، فنفى عنه هذه القدرة الباقية الناقصة من الصبر على تحمل هذه الأهوال للتوصل إلى الحكمة منها فقال {ما لم تسطع} ولم يقل« ما لم تستطع ».
قال البقاعي: « حذفت تاء الاستطاعة لصيرورة ذلك- بعد كشف الغطاء- في حيز ما يجمل. فكان منكره غير صابر أصلاً لو كان عنده مكشوفاً من أول الأمر».
فعندما كان في المجال متسع ليصبر موسى عليه السلام نفسه لمعرفتها قبل تفسير الخضر لها قال : {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع} بإثبات التاء فلم ينف القدرة الناقصة وإنما نفى القدرة الكاملة. وبعدما فسر له الحوادث وتبين أن موسى عليه السلام لا يملك أي نوع من الصبر للتوصل إلى مغزاها قال : { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} بحذف التاء. فنفى القدرة الناقصة من الصبر لتعلمها ومعرفتها.
حور الجنة
12-02-2005, 05:45 AM
زاد الله علمك و نفع به
قد أتحفتنا بالقرأن
فأسأل الله أن نكون من أهله
شكرا
Om3abdulla
01-08-2006, 11:50 AM
جزاك الله خيرا على مرورك وتعليقك ودعائك
جعلنا الله وإياكم من أهل القرآن
Om3abdulla
02-22-2006, 02:04 PM
المهتدِ وليس المهتدي
المهتدي هو صاحب الهداية الكاملة التي لا يشوبها شيء من خطأ ونسيان وذنب صغير مغفور فضلاً عن الذنوب الكبيرة (الكبائر).
ولكن الطبيعة البشرية لابد وأن يعتريها شيء من ذلك، إذ روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلمr قال: « كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» .
فما من عبد إلا وهو معرض للخطأ كما حصل لموسى الكليم عليه السلام عندما ضرب الفرعوني فقتله خطأً. وكذلك النسيان ملازم للطبيعة البشرية كما قال موسى للخضر {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً}. بل المؤمنون يقعون في الذنوب الصغائر ولكنهم يسارعون في التوبة إلى الله تعالى.
منها ما رواه أبو أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم».
فالهداية التي يعتريها ما سبق من النسيان والخطأ والصغائر والغفلة لا يقال لمن اتصف بها أنه مهتدي هداية كاملة لا يعتريها شيء مما سبق، وإنما الأبلغ أن يقال له « مهتد » بحذف الياء للنقص المذكور في الهداية، إذ النقص في المعنى يناسبه النقص في المبنى (اللفظ).
قال الله تعالى عن أصحاب الكهف {وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد للهُ فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً}، فأصحاب الكهف كبقية المؤمنين يعتريهم النسيان والخطأ والوقوع في الصغائر، فناسبهم لفظ «المهتد».
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية بالرغم من إيمانهم العميق المتصف بالقوة إلا أن العبد المؤمن لا يأمن من الاستجابة للفتن كفتنة القهر أو المال والولد، أو حب الشهرة أو الفخر بالأصل أو فتنة العلم والمنصب. فينبغي أن يلازمه هذا الشعور، فلا يخرج نفسه من دائرة احتمال الوقوع فيها لئلا يشعر بالعُجب والغرور. فهو معرض للسقوط في أية لحظة فـ «إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما حيث يشاء».
وهذا يناسبه لفظ «مهتد».
إذ كلما شعر الإنسان أن عمله يشوبه النقص، كان أبعد عن الغرور والعجب، فيخالجه الشعور تجاه هذه الفتن أنه معرض للوقوع فيها لحظة الغفلة أو النسيان أو الخطأ أو غلبة الشهوة كحال بني آدم فهو «مهتد» لا «مهتدي».
ومن ناحية أخرى ، فإن العبد إذا ما وقع في الفتن فإنه قد يظن أنه خرج من طريق الهداية، ولا يستطيع الرجوع إليه. لكن الله تعالى بين له أنه ما زال في طريق الهداية إذا ما رجع وتاب، واستغفر وندم، فيستحق اسم الهداية فقال سبحانه {مهتد} ، فلم يوصف بالهداية التي لا يعتريها النقص أبداً - المهتدي- ولم يسلب منه اسم الهداية.
أما ورود كلمة «المهتدي» في سورة الأعراف دون «المهتد»لأن الله تعالى تكلم قبلها عن إتمام كلمته الحسنى على بني إسرائيل {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل}، وإنجائهم وإهلاك الفراعنة من أجلهم، وكلام الله تعالى لموسى عليه السلام ، وإنزال التوراة وقد خطها الله تعالى بيده. وتكررت في حقهم كلمة الهداية إذ بين الله تعالى أن هذه التوراة {هدىً ورحمة} ثم قول موسى عليه السلام لله تعالى {إنا هدنا إليك} ثم ذكر الله تعالى أن من قوم موسى أمة {يهدون بالحق}.
فأصابهم الغرور بأنهم الأمة المختارة على العالمين إذ قالوا {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً }وقالوا {كونوا هوداً} تهتدوا، وقالوا {نحن أبناء الله وأحباؤه}. فوقعوا في ضلالات متلاحقة، منها استياؤهم من مجيئ موسى عليه السلام فقالوا{أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا }، ثم طلبهم لعبادة آلهة أخرى {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}، ثم عبادتهم للعجل {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار}، ثم اشتراط خيارهم والمقدمين منهم وهم السبعون رجلاً الذين أتوا لطلب التوبة لقومهم من عبادة العجل، فقد اشترطوا رؤية الله فـ {أخذتهم الرجفة}، ثم إعراضهم عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل}، ثم قولهم «حنطة» بدلاً من {حطة}، ودخولهم يزحفون على إستاههم لما قيل لهم {ادخلوا الباب سجداً} استهزاءاً ، ثم تحايلهم للصيد يوم السبت، ثم قولهم {سيغفر لنا} مع إصرارهم على الكبائر.
ثم ذكر الله تعالى قصة العالم الذي أكرمه الله تعالى بالعلم الشرعي ولكنه أخلد إلى الأرض، قيل إنه بلعام بن باعوراء أحد علماء بني إسرائيل {واتل عليهم نبأ الذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه}. إذ جمع علماً كثيراً فغره علمه واتكل عليه، فبين الله تعالى أن العلم ليس هو الهداية، وليس الجامع للعلم هو المهتدي! فمن اتكل على علمه وكل إليه. وإنما حقيقة الهداية من هداه الله تعالى هداية حقيقية كاملة لا نقص فيها ولا شائبة نسيان وخطأ وصغيرة وغيرها، فهو المستحق لوصف المهتدي، والله تعالى قادر على خلق عبد من الإنس أو الجن بهذا الوصف، ولكنه سبحانه لم يشأ.
فمن طلب الهداية التامة الكاملة فعليه أن يلجأ إلى الله تعالى فذلك الطريق الأوحد للهداية الحقيقية التامة التي لا شائبة فيها، لا من اتكل على نفسه وغره علمه وأعجب بمكانته. فلو كانت الهداية هي العلم لكان إبليس هو أهدى الخلق في وقته.
فمناسبة ذكر « المهتدي » في هذه السورة ليعلم المغتر والعاصي قدره، وأنه بعيد عن الله تعالى. وتوضيحه كما يلي: لو تمت المقارنة بين العاصي صاحب الكبيرة المغتر وبين ذاك الذي وقع في الكبائر ثم تاب مباشرة لظن العاصي أن الفرق ليس كبيراً، إذ كلاهما وقع في الكبيرة.
وكذا صاحب الصغيرة المصر عليها مع ذاك الذي لم يتب منها ولم يصر عليها بل نسيها، لرأى أن الفرق ليس كبيراً.
ولكن لو كانت المقارنة بين العاصي صاحب الكبيرة المصر عليها والمهتدي هداية كاملة لعلم أن الفرق كبير بينهما. فيعلم حينئذ أنه بعيد عن الله تعالى فضلاً عن الفخر باختيار الله تعالى له. وهذا هو الملاحظ في سورة الأعراف.
وزيادة في الإيضاح :
لو نظر إلى مراحل الوقوع في الزنا، أولها غض البصر عن المرأة وعدم مكالمتها، ثم النظر إليها لحاجة ثم النظر إليها بلا حاجة، ثم مكالمتها لحاجة ثم مكالمتها بلا حاجة، ثم مجالستها ثم مس يدها، ثم التقبيل ثم المباشرة بلا جماع، ثم الوقوع في الزنا ثم تكراره ثم الإكثار منه.
فلو تمت المقارنة بين كل مرحلة والتي تسبقها مباشرة لقيل إن الفرق قليل سهل، ولما علم صاحب المرحلة الأخيرة عظم الجرم الواقع فيه، ولكن لو تمت المقارنة بينه (وهو المكثر من الزنا) وبين المرحلة الأولى وهي غض البصر عن المرأة لعلم عظم الجرم، والبون الشاسع بينهما.
وفي المقابل طالب العلم الشرعي:
فالمرحلة الأولى تبدأ بالسؤال ثم الإكثار من السؤال، ثم حضور مجلسٍ علمي ثم مجلسين ثم عدة مجالس علمية، ثم يصير طالباً شرعياً ثم متميزاً، ثم بداية المشيخة ثم المرحلة الثانية من المشيخة، ثم المشيخة، ثم المشيخة المتميزة، ثم عالماً ولكن في المراحل الأولى ، ثم المتوسطة ثم عالماً، ثم مجتهداً ثم مجتهداً متميزاً .
فلو تمت المقارنة بين كل مرحلة والتي قبلها لكان الفرق قليلاً، ولا يشعر صاحبه بالبون الشاسع، أما لو تمت المقارنة بين المرحلة الأولى للطلب والمرحلة الأخيرة وهو العالم المجتهد المتميز لعلم أنه لا يعلم شيئاً مقابل العالم المجتهد المتميز.
وهكذا لو تمت المقارنة بين مراحل الهداية وبين الوقوع في المعصية، فإن المهتدي هداية كاملة هو الذي لا ينسى ولا يخطئ، ولا يقع في الصغيرة متعمداً ولا غير متعمد، ولا في الكبيرة. ثم الوقوع في الخطأ غير المتعمد، ثم مع النسيان، ثم الوقوع في الصغيرة بلا إصرار، ثم الوقوع في الكبيرة بلا إصرار مع توبة مباشرة (مهتد)، ثم الوقوع في الصغيرة مع عدم التوبة، ثم مع الإصرار، ثم في الكبيرة مع عدم الإصرار، ثم الإصرار، ثم تعدد الكبائر، ثم الإكثار من الكبائر. فبمقارنة كل مرحلة مع سابقتها يبدو الفرق قليلاً، بل قد يشعر بعضهم أنه لا فرق بينه وبين سابقه. ولكن عندما تقارن آخر مرحلة (صاحب الكبائر الكثيرة) بالمهتدي هداية كاملة لا شائبة فيها من نسيان ولا غيره، يعلم العاصي حينئذ حقيقة نفسه وما هو عليه، وأنه كان مغروراً زائغاً يستحق العقوبة.
فإياك أن تغتر بهدايتك! ولذا قيل: إن طالب العلم في المرحلة الأولى يظن أنه العالم الأوحد لا نظير له، فإذا ارتقى في طلب العلم رأى نفسه كباقي الطلبة، وإذا ارتقى في سلم العلم علم أنه جاهل لما يرى من سعة العلم وتفريعاته ودقة فهم العلماء واستنباطهم، وأن هناك علوماً كثيرة ومسائل عدة لا يعرف الحق فيها وأخرى لا يعرفها، فرأى العلم على حقيقته.
فناسب في سورة الإنذار والرسالة (الأعراف) أن يقال «المهتدي»، فهي تخاطب العاصي الغارق في العصيان وهو مغتر. بينما سورة الكهف تخاطب من هداه الله تعالى وعصمه من الفتن ولم يكن مغروراً، بل هاجر فراراً إلى الله تعالى. لذا فالوصول إلى الغاية والهداية المذكورة (مهتد)، وهي الهداية مع النسيان والخطأ وغيرهما أمر ممكن، ولكن ليعلم أنه وإن اهتدى، فهو معرض للزلل في كل لحظة. فهو لا يرى أن لنفسه حقاً على الله لهدايته.
لذا كثر نكران حقوق النفس على الله تعالى بحذف حروف المد في كثير من الآيات {إنما أناْ بشر مثلكم}، {إن ترنِ أناْ أقل منك }، {أن يؤتينِ}، {تعلمنِ}، {لكناْ هو}.
ولو قال قائل: إذا خلت البشرية من المهتدي هداية كاملة بلا نسيان ولا خطأ، ألا يصح أن يطلق هذا اللفظ «المهتدي» على الذي ينسى ويخطىء ولا يتعمد المخالفة؟ لأنه من أفضل البشر مقارنة بمن يتعمد المعصية والمخالفة، فالمسألة نسبية؟
فإنه يقال: قد يطلق هذا اللفظ أحياناً كما في قراءة نافع وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب لسورة الإسراء والكهف، ولكن الأصل ما سبق بيانه.
فكل من القراءتين أعطت معنى أفاد القارئ . فقراءة نافع ومن وافقه دلت على جواز إطلاق لفظ المهتدي على أهل الدرجات العلى كالمرسلين وسائر الأنبياء والصديقين والمحسنين وغيرهم. وأنها قد تطلق على الكمال البشري . فدلت هذه القراءة على أنهم قد بلغوا الكمال ولكن البشري .
وقراءة حفص ومن وافقه دلت على أن هذا الكمال البشري في الهداية لا يخلو من النسيان أو الخطأ أو وقوع بعض المؤمنين في الصغائر، فهم من البشر، والبشر يعتريهم ما ذكر، فحقيقة أمره «مهتد».
فكلا اللفظين في هذا الموضع منح معنى بليغاً. فالأولى دلت على أنهم بلغوا الكمال البشري، والثانية دلت على أن الكمال البشري لابد وأن يعتريه شيء من النسيان والخطأ.
الشيخ عدنان عبدالقادر حفظه الله تعالى
Om3abdulla
04-02-2006, 09:07 AM
تعلمني / تعلمن:
قال موسى عليه السلام للخضر :{هل أتبعك على أن تعلمنِ مما علمت رشداً}.فقال له {تعلمنِ} بحذف الياء ، ولم يقل له (تعلمني).ما الحكمة من حذفها في هذه القراءة ؟
أصل الكلمة« تعلمني »، تتكون من ثلاثة مقاطع «تعلم» و«النون» و«الياء» للمتكلم (تعلم ، ن ، ي) أي تعلمني أنا ، فهي تمثل نفسي وحياتي أنا . فحذفت « ياء» المتكلم وبقيت «النون» فقط ، وهي نون الوقاية والعماد. فحذف ما يدل على المتكلم ، فقال { تعلمن ِ} أي لن يصل العلم إلى المتكلم وإن بذل المعلم الجهد لايصاله إليه. فلسان حاله يخاطب المعلم ويقول له: لن يصل العلم إلى نفسي وإن بذلت جهدك لتعليمي !
وذلك : « أن موسى عليه السلام ذكر الناس يوماً بأيام الله وآلائه ونعمائه وبلائه حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب، قال رجل : أي رسول الله ، أي الناس أعلم ؟
فقال موسى عليه السلام :أنا.
فقال الرجل :هل في الأرض أحد أعلم منك ؟
فقال موسى عليه السلام : لا .
فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله.
فأوحى الله إليه : إني أعلم بالخير عند من هو. وإن في الأرض رجلاً عبداً هو أعلم منك ، آتيته من العلم ما لم أوتك.
فقال موسى عليه السلام : أي رب فأين ؟
فقيل له : بمجمع البحرين.
فعندما التقى بالخضر أخذ طائر بمنقاره في البحر.
قال الخضر : ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر».
قال موسى للخضر :{ هل أتبعك على أن تعلمنِ مما علمت رشداً}. وهذا صدر من موسى عليه السلام زيادة في التلطف، وقمة في التواضع من نبي الله تعالى في طلب العلم.
قال البيضاوي: « وقد راعى موسى في ذلك غاية التواضع والأدب فاستجهل نفسه، واستأذن أن يكون تابعاً له».
ومن المعلوم بأن موسى في عهده كان أعلم البشر بالله تعالى وبشريعته، فاستجهال النفس من قبل عالم أمر شاق.
قال الجمل : «اعلم أن المتعلم الذي حصّل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال والاعتراض ثم إنه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حق هذا القسم شاق شديد، لأنه إذا رأى شيئاً أو سمع كلاماً فربما يكون ذلك منكراً بحسب الظاهر إلا أنه في الحقيقة صواب وحق».
إن لسان حال موسى يقول للخضر: أنت سوف تبذل مجهوداً كاملاً في تعليمي، أما أنا فلن أحصل على كل المعلومات التي تحاول تعليمي إياها، فلن تصل إليّ كل المعلومات التي ستبذلها لي وذلك لضعفي ، فأنا لست أعلم الخلق . وهذا قمة التواضع، ومن كمال عبوديته لله تعالى وإذعانه له ، فكيف لم أعزُ العلم إلى الله تعالى فأقول: الله أعلم !
فربما لن يصل إليَّ كل ما تبذله لي من علم. فقال {تعلمن} ولم يقل (تعلمني).
من موقع الشيخ عدنان عبدالقادر حفظه الله
Om3abdulla
05-07-2006, 11:59 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذكرت لكم في مشاركة سابقة الفرق بين "اسطاع" و "استطاع" ولكن من ذاكرتي -
أما وقد وجدت الشرح في موقع الشيخ عدنان عبدالقادر فأرى أن أنقل لكم الفرق بطريقته
اسطاع / استطاع
الزيادة في الأحرف تعني زيادة في المعنى ، والنقصان فيها يدل على نقصان في المعنى ، كما قيل : الزيادة في المبنى تقتضي الزيادة في المعنى.
كلمة « استطاع » تدل على القدرة الكاملة، ونفيها ( لم يستطع ) يدل على عدم وجود كمال القدرة، ولكنها قد توجد بصورة ناقصة، وقد لا توجد.
مثال:
لو كانت يد الأب تقصر عن توفير المتطلبات الأساسية لأولاده، كأن تكون النفقة توفي إطعامهم إلى منتصف العام فقط، ويبقى النصف الثاني بلا قوت ولا طعام، فإنه يقال فيه : (لا يستطيع الإنفاق عليهم ). ولا يعني ذلك أنه لا يملك شيئاً بتاتاً وإن كانت الكلمة ( لا يستطيع ) تحتمل الحالتين.
أما كلمة « اسطاع » فتدل على وجود قدرة ناقصة غير كاملة، ونفيها (لم يسطع) يدل على ذهابها كلية. إذ نفي القدرة القليلة المتبقية يقتضي عدم وجود أي صورة من صورها .فهو عاجز تمام العجز عن تحقيقه، فلا يملك أدنى قدرة.
مثال:
لو كانت يد الأب قاصرة عن توفير أي مقدار من الطعام والقوت للأولاد، فإنه يقال فيه على وجه الدقة (لم يسطع الإنفاق عليهم) بحذف التاء.
قال الله تعالى عن يأجوج ومأجوج ومحاولاتهم الخروج من السد المنيع : {فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً}.
من المعلوم أن الخروج من السد يحصل إما بالعلو عليه وتسلقه،أو بفتح نقب فيه - فتحة كبيرة- يستطيع المرء الخروج منه.
أما العلو عليه وتسلقه فقد نفى الله تعالى القدرة عليه نفياً قاطعاً ، إذ نفى كل أنواع القدرة وكل صورها بنفيه لأدنى أنواع القدرة، فقال سبحانه : {فما اسطاعوا أن يظهروه}، ولم يقل سبحانه : (فما استطاعوا أن يظهروه).
فلن يأتي اليوم الذي يعلون فيه على السد .
وأما فتح النقب وحفره ، فلم ينف المولى عز وجل جميع أنواع القدرة وصورها، وإنما نفى القدرة الكاملة فقال :{وما استطاعوا له نقباً}.
قال البقاعي: « وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليها أصعب من نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في علو الجبل ... ويؤيده أنهم إنما يخرجون في آخر الزمان بنقبه لا بظهوره ، ولا ينافي نفي الاستطاعة لنقبه ».
فلم ينف المولى تبارك وتعالى القدرة الناقصة وذلك لوجود القدرة على حفر النقب ، ولكنها تتحقق بعد مئات السنين، وبعد محاولات متكررة، فهي قدرة ناقصة.
وهذا الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام ، فعن زينب بنت جحش رضي الله عنها - زوج النبي عليه الصلاة والسلام - قالت: « استيقظ النبي عليه الصلاة والسلام من نومه، وهو محمر وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق- وعقد سفيان بأصابعه تسعين أو مائة. قلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم. إذا كثر الخبث ».
فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعد عشرات بل مئات السنين من بناء السد ـ ووافق ذلك العهد المدني ـ استطاع يأجوج ومأجوج أن يفتحوا ثقباً صغيراً ، فهذه قدرة ناقصة.
وفي الأثر : « إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيرجعون إليه كأشد ما كان. حتى إذا بلغت مدتهم ، وأراد الله أن يبعثهم على الناس ، حفروا حتى كادوا أن يروا شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا ، فستحفرونه غداً إن شاء الله، ويستثني- أي بقوله إن شاء الله - فيعودون إليه وهو كهيئته يوم تركوه ، فيحفرونه ويخرجون على الناس ».
ومصداق ذلك قول الله تعالى :{ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون}.
قال البقاعي : {فتحت} : أي بفتح السد.
Om3abdulla
05-27-2006, 08:50 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللمسة الجمالية التالية من كتاب " لمسات بيانية في نصوص من التنزيل "
للدكتور / فاضــل صالـح السامرائــــــــي
ما اللمسة البيانية في إختيار كلمة الأخسرين في قوله تعالى في سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103})؟ وما الفرق بين الخاسرون والأخسرون؟
ورد في القرآن الكريم استخدام كلمتي الخاسرون كما جاء في سورة النحل (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ {109})
والأخسرون كما جاء في سورة هود (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ {22})،
وفي سورة النمل (أوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ {5})
وآية سورة الكهف أيضاًََ ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) .
وفي اللغة الأخسر هو أكثر خسراناً من الخاسر ، ندرس أولاً ما السبب في إختيار كلمة الأخسرون في سورة هود؟
إذا لاحظنا سياق الآيات في سورة هود نجد أنها تتحدث عن الذين صدوا عن سبيل الله وصدّوا غيرهم أيضاً ، إنما السياق في سورة النحل فهو فيمن صدّ عن سبيل الله وحده ولم يصُدّ أحداً غيره فمن المؤكّد إذن أن الذي يصدّ نفسه وغيره عن سبيل الله أخسر من الذي صدّ نفسه عن سبيل الله لوحده فقط
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {107}).
وإذا قارنّا بين آية سورة هود وآية سورة النمل (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ {4} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ {5})
نجد أنه في سورة هود جاء التوكيد بـ (لا جرم) وهي عند النحاة تعني القسم أو بمعنى حقاً أو حقَّ وكلها تدل على التوكيد وإذا لاحظنا سياق الآيات في سورة هود الآيات
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ {18} الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ {19} أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ {20} أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ {21}).
أما في سورة النمل فسياق الآيات يدل على أنهم لا يؤمنون بالآخرة فقط أما في سورة هود فقد زاد على ذلك أنهم يصدون عن سبيل الله وأنهم يفترون على الله الكذب وفيها خمسة أشياء إضافية عن آية سورة النمل لذا كان ضرورياً أن يؤتى بالتوكيد في سورة هود باستخدام (لا جرم) والتوكيد بـ (إنهم) ولم يأتي التوكيد في سورة النمل.
ونعود إلى آية سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً {104}).
نلاحظ استخدام كلمة (ضلّ) مع كلمة (سعيهم) ولم يقل ضل عملهم لأن السعي هو العدو أو المشي الشديد دون العدو ، وقال في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يُحسن صنعا ، والإحسان هو الإتقان وليس العمل العادي ، في اللغة لدينا: فعل وعمل وصنع. أما الفعل فقد تقال للجماد (نقول هذا فعل الرياح) والعمل ليس بالضرورة صنعاً فقد يعمل الإنسان بدون صنع، أما الصنع فهو أدقّ وهو من الصَّنعة كما في قوله تعالى (صُنع الله الذي أتقن كل شيء) والصنع لا تستعمل إلا للعاقل الذي يقصد العمل بإتقان.
إذن آية سورة الكهف جاء فيها ضلال وسعي وصُنع لذا استوجب أن يؤتى بكلمة الأخسرين أعمالاً ومن الملاحظ أنه في القرآن كله لم يُنسب جهة الخُسران للعمل إلا في هذه الآية. ولأن هذه الآية هي الوحيدة التي وقعت في سياق الأعمال من أولها إلى آخرها (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات).
والأخسرين : اسم تفضيل أي أنه هناك اشتراك في الخُسران، يوجد خاسرون كُثُر والأخسرين بعضهم أخسر من بعض أي التفضيل فيما بين الخاسرين أنفسهم.