المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [**حكم صيام يوم السبت إذا وافق يوم عـــرفة**] ((هـــام))



أبو عمر خميس
01-28-2004, 03:42 PM
الســــــلام عليكــــــم

كمـــا لا يخفـــــى عليكــم أن يوم السبـــت هــو يـــوم عـــرفـــة إن شــــاء اللــــه.... فمـــــا هـــو حكــــم صيـــــامــــــــــه ؟؟؟؟

من شــــريط بعنــــوان الطــــائفـــة المنصــــورة للشيخ الألباني:

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

بمناسبة صوم يوم عاشوراء، وباختلاف الرزنامات أو المفكرات في تحديد يوم عاشوراء ما بين يوم الجمعة وما بين يوم السبت، وليس من المهم الآن أن نبحث عن سبب هذا الاختلاف؛ لأنني سأدير كلمتي أو سانحتي التي سنحت لي آنفا حول موضوع صيام يوم عاشوراء إذا صادف يوما منهيا عن صيامه.
فسواء كان يوم عاشوراء يوم جمعة وهو منهي عن صيامه وحده، أو صادف يوم السّبت وهو منهي عن صيامه نهيا مطلقا سواء اقترن يوم بعده أو قبله إلا فيما فرض الله عز وجل.
فخطر في بالي الحديث التالي والتعليق عليه:
الحديث التالي مما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه:
أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن صوم يوم عاشوراء فقال «ذاك يوم صيامه يُكَفِّر السنةَ الماضية»، فسئل عن صيام يوم عرفة فقال «يكفِّر السنة الماضية والسنة الآتية»، فقيل له ماذا تقول في صوم يوم الاثنين؟ قال «ذاك يوم وُلدت فيه ويوم بعثت فيه» وفي لفظ «نزل القرآن عليَّ فيه».

فجمع هذا الحديث التنصيص على فضيلة ثلاثة أيام؛ يوم في كل أسبوع ألا وهو يوم الاثنين ويومان في كل سنة؛ ألا وهو يوم عاشوراء ويوم عرفة.

فالذي خطر في بالي التنبيه عليه أنّ هذه الأيام الثلاثة الفاضلة والفضيلة تُرى إذا صادفت يوما نهى الشارع الحكيم عن صيامه لأمرٍ عارضٍ، فهل نَظَلُّ على الأصل الذي هو فضيلة صيام الثلاثة أم نخرج عن ذلك الفضيلة إذا ما عرض لذلك اليوم عارض من نهي؟ هنا تُحَلُّ المشكلة التي تغيب عن أذهان كثير من الناس في مثل هذه المناسبة.

يوم عاشوراء إذا كان يوم السبت، فيوم السبت قد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح «لا تصوموا يوم السبت إلا في ما أفترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لِحاء شجرة فليمضغه»

الشاهد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى في هذا الحديث الصحيح عن صيام يوم السبت مطلقا إلا في الفرض، وذلك لا يكون إلا فيما فرضه الله كشهر رمضان إما أداء وإما قضاء، وإلا -مع احتمال الخلاف والنزاع- فيما نذره المسلم إذا نذر أن يصوم شهرا كاملا أو أن يصوم أسبوعا كاملا صار فرضا عليه لزاما أن يصوم هذا الشهر أو هذا الأسبوع.
أما في ما لم يفرض عليه مثل ما نحن فيه الآن صيام عاشوراء عرفتم أنه يكفر السنة الماضية ولكن ليس فرضا.
كذلك عرفة، قد يصادف عرفة أن يكون يوم السبت، هل يصام؟ لا يصام، إلا في ما أفترض عليكم، الحديث صريح.

يوم الاثنين إذا صادف يوم عيد كما صادف في العيد الماضي يوم خميس، يوم الخميس أيضا من الأيام الفاضلة التي حضّ الشارع الحكيم صيامه أيضا فإذا صادف يوم عيد يوم الاثنين أو يوم الخميس فهل نُغَلِّب الفضيلة أم النهي عن الفضيلة؟

تُحل المشكلة بقاعدة علمية فقهية أصولية وهي:
إذا تعارض حاظرٌ ومبيح قُدِّم الحاظر على المبيح.

إذا تعارض نصان –هذه قاعدة مهمة جدا- نهى عن كذا وفعل كذا، نهى أن يتزوج بأربع وتزوج بأكثر من أربع، نهى عن الشرب قائما وشرب قائما، أشياء كثيرة وكثيرة جدا، يُغلَّب الحاظر على المبيح، الآن هنا أمام مشكلة إذا كان يوم عاشوراء يوم السبت فلا يصام لأنه ليس فرضا.
فكما عالجنا مشكلة يوم الاثنين أو يوم الخميس ليوم عيد غلَّبنا النهي على فضيلة الصيام لأنه عرض هذا النهي قلنا: لا نصوم يوم الاثنين ولا يوم الخميس إذا وافق يوم عيد، كذلك لا نصوم يوم السبت إذا وافق يوم فضيلة.

كثيرا ما نُسأل إنسان يصوم أفضل الصيام بنص حديث الرسول صيام داوود عليه السلام يصوم يوما ويفطر يوما، فقد يصادف يوم سبت، هل يصومه؟ نقول:لا، لأن هذا ليس فرضا، إذن دَعْهُ.
كذلك يصادف يوم من الأيام البيض ثلاثة عشرة، أربعة عشرة، خمسة عشرة، يوم سبت هل نصومه؟

الجواب:لا.

وهكذا خذوها قاعدة واستريحوا: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما أفترض عليكم.

فإذا اعترض عليكم معترض فأتوه من باب العيد، ولا محيص له عنه إطلاقا، ولا يستطيع أحدا أن يؤثر صيام يوم العيد صادف فضيلة كيوم الاثنين أو يوم الخميس، ماذا يفعل هنا المعترض إذا كان عالما؟ يرجع على عقبيه؛ يقول ما نصومه، لماذا؟ لأنّ الرسول نهى عن صيام يوم العيد، إذن قدم النهي عن الفضيلة، هذه قاعدة مطردة فاستريحوا.

هذا الذي أردت أن أذكر به بمناسبة حديث أبي قتادة الذي جمع فيه فضيلة ثلاثة أيام، كيف تعالج هذه الفضائل إذا تعارضت مع نهي؟ النهي يقدم عن الفضل.

ولكن قد ذكرت سابقا وأعيد التذكير والذكرى تنفع المؤمنين به أنهي هذه الجلسة التي خاصة بي أنا، فأقول قال عليه الصلاة والسلام «من ترك شيئا لله عوَّضه الله خيرا منه»

فالمسلم الذي ترك صيام يوم الاثنين أو صيام يوم الخميس؛ لأنه صادف نهيا، هل ترك صيام هذا اليوم أو ذاك عبثا أم تجاوبا مع الشارع الحكيم مع طاعة رسوله الكريم؟ مع طاعته عليه الصلاة والسلام، إذن هو ترك صيام هذا اليوم لله، فهل يذهب عبثا؟ الجواب: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه».

فأرجو أن تحفظوا عني هاتين الكلمتين، من عارضكم كيف تترك صيام عاشوراء يكفر السنة الماضية ويوم عرفة يكفر السنتين من أجل هذا الحديث، يا أخي هذا حديث غريب هذا حديث شاذ.
هذا الحديث صحيح وكل من يضعه فهو الضعيف المضعّف؛ لأنه يضعف بدون علم.
فالشاهد فمن عارضكم، عارضوه لماذا لا تصوم يوم الاثنين يوم عيد، يقول لأنه نهى عن صوم يوم العيد، جوابنا هو جوابك تماما.
واحفظوا الأمر الثاني وهو حديث الرسول «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه».

نحن واقعنا الآن أو اليوم إن كان يوم عاشوراء يوم الجمعة كما هو التقويم الأردني، فنحن سنصوم غدا لأننا صمنا يوم خميس فإننا أدركنا كفارة سنة، وإن كان كما جاءنا عن السعودية بأن عاشوراء هو يوم السبت فنحن تركناه وما خسرنا.

على كل حال نحن كما يقول المثل الشامي: مثل المنشار يأكل على الطالع وعلى النازل، فنحن رَبْحَانِين سواء كان عاشوراء غدا أو بعد غدا؛ لأنه إذا كان غدا فنحن نصومه لأننا قدما قبل يوم الجمعة يوم الخميس، وإن كان بعد غد فنحن تركناه لله وسيعوضنا الله خيرا منه.
هذا الذي أردت أن أذكركم به.

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. إهـ

وفقكم الله

القلب الراجي للتوبة
01-28-2004, 11:27 PM
جزاك الله خيرا يا أخي الكريم أبو عمر خميس
كلامك جميل على الرغم من أنني أسمعه للمرة
الأولى وأحب أن أسأل الذي يصوم العشرة من
ذو الحجة آخرها السبت . ماذا يفعل؟ هل يكمل
أو يتوقف عند الجمعة ؟ أرجو إفــــــادتـــــي
وجزاكم الله عني كل خير

ناصر الدين
01-28-2004, 11:38 PM
السلام عليكم أخي الفاضل أبا عمر،
كأن الصحيح في المسألة والذي عليه أكثر العلماء صيام يوم عرفة ولو وافق يوم السبت
ولهم كلام كثير على هذا الحديث.
ولا شك أن العلامة الألباني فقيه متبحر، ولقوله وزنه، لكن نظل نعتقد أنه بشر يخطئ فيؤجر ويصيب فيؤجر.. والعبرة بالدليل.
وأذكر أخي بأن مسائل الفروع الخلافية التي تعارضت فيه الأنظار لا ينكر فيها.. فمن ترجح عنده دليل العلامة الألباني ولم يصم فأحسن.. ومن ترجح عنده دليل غيره فعمل به فأحسن أيضاً. وهو بين الأجر والأجرين. والله أعلم
فلعلي أجمع في هذا ما تيسر في وقت يتسع.
وجزاك الله خيرا.
أخوك أبو جعفر فيصل القلاف

محب العثيمين
01-29-2004, 04:51 PM
جزا الله الأخ أبو عمر خميس خير الجزاء على طرح هذه المسألة فقد سمعتها على لسان العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الشريط المذكور.
وسمعت ما يعارض هذا القول لشيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى وللأسف لا تحضرني الأدلة التي ساقها الشيخ رحمه الله لأني سمعتها في أحد أشرطة الكاسيت.

على كل حال قرأت في موقع الإيمان في شرح المنظومة البيقونية ما يلي:

والشذوذ‏:‏ قد يكون في حديث واحد، وقد يكون في حديثين منفصلين، يعني أنه لا يشترط في الشذوذ أن يكون الرواة قد اختلفوا في حديث واحد، بل قد يكون الشاذ أتى في حديث آخر، مثاله‏:‏ ما ورد في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن الصيام إذا انتصف شعبان، والحديث لا بأس به من حيث السند، لكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم في الصحيحين أنه قال‏:‏ "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه" فإذا أخذنا بالحديث الثاني الوارد في الصحيحين قلنا إن فيه دلالة على أن الصيام بعد منتصف شعبان جائز، وليس فيه شيء، لأن النهي حُدد بما قبل رمضان بيوم أو يومين، وإذا أخذنا بالأول فنقول إن النهي يبدأ من منتصف شعبان، فأخذ الإمام أحمد بالحديث الوارد في الصحيحين وهو النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وقال إن هذا شاذ، يعني به حديث السنن، لأنه مخالف لمن هو أرجح منه إذ أن هذا في الصحيحين وذاك في السنن‏.‏
ومن ذلك ما ورد في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن صوم يوم السبت قال‏:‏ «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» فقد حكم بعض العلماء على هذا الحديث بالشذوذ، لأنه مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلّم لإحدى نسائه حين وجدها صائمة يوم الجمعة، فقال‏:‏ «هل صمت أمس»‏؟‏ فقالت‏:‏ لا، قال‏:‏ «أتصومين غداً»‏؟‏ قالت‏:‏ لا، قال‏:‏ «فأفطري»‏.‏ وهذا الحديث ثابت في الصحيح، وفيه دليل على أن صيام يوم السبت جائز ليس فيه بأس، وهنا قال بعض العلماء‏:‏ إن حديث النهي عن صيام يوم السبت شاذ؛ لأنه مخالف لما هو أرجح منه، ومن العلماء من قال‏:‏ لا مخالفة هنا، وذلك لإمكان الجمع، وإذا أمكن الجمع فلا مخالفة، والجمع بين الحديثين أن يقال‏:‏ إن النهي كان عن إفراده، أي أنه نُهي عن صوم يوم السبت مستقلاً بمفرده، أما إذا صامه مع يوم الجمعة، أو مع يوم الأحد فلا بأس به حينئذ، ومن المعلوم أنه إذا أمكن الجمع فلا مخالفة ولا شذوذ‏.
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=337&CID=1&SI=h3#h3

أعلم ان المسألة خلافية ولعل الله تعالى ييسر للأخ ناصر الدين حفظه الله كما عودنا ما يمكنه من جمع الأدلة و يبين التعارض في النصوص الظاهرة في هذه المسألة.

والله الهادي إلى سواء السبيل

أبو عمر خميس
01-29-2004, 06:22 PM
بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله أما بعد

نشكر الأخوة على مشاركاتهم و فوائدهم القيمة نسأل الله أن يثيبنا عليها..

بالنسبة لصيام يوم السبت فالحديث صريح في النهي عن إفراده بالصوم لحديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم: ((لا تصوموا يوم السبت إلا في ما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه)) سنن أبي داوود و ابن ماجة و جامع الترمذي و الحديث صحيح.

فهذا نهي صريح عن صيام يوم السبت لدرجة أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: ((وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة)) فهــذا يدل على وجوب الإفطــار يوم السبت.


قال الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في الصحيحة، المجلد الثالث، الاستدراكات صفحة (733) (734)
؛" وتخريجه عندي [حديث السبت] صحيح كحديث الجمعة (( لقوله صلى الله عليه و على آله وسلم "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده" متفق عليه )) فلا يجوز أن نضيف إليه قيدا آخر غير قيد " الفرضية " كقول بعضهم " إلا لمن كانت له عادة من صيام ، أو منفردا " فانه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم ، ولا يخفي قبحه "

واما الذين يقولون بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " إلا ان يصوم يوماً قبله أو بعده " الحديث . واليوم الذي ياتي بعد الجمعة بطبيعة الحال هو يوم السبت إذن يمكن صيام يوم السبت مقرونا بالجمعة وزاد بعضهم إمكانية صومه مع يوم الأحد أيضا.

وهدا خطأ من وجهين :

الوجه الأول " إلا أن يصوم يوما قبله أو بعده " قيد وضعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليوم الجمعة لايمكن تقييد يوم السبت به وهذا قد سبق .

أما الوجه الثاني فقد قال الشيخ العلامة الألباني رحمه الله : " هذا وقد كان بعض المناقشين عارض حديث السبت بحديث الجمعة هذا ، فتأملت في ذلك ، فبدالي أن لا تعارض والحمد لله ، وذلك بأن نقول : من صام يوم الجمعة دون الخميس فعليه أن يصوم السبت وهذا فرض عليه لينجو من إثم مخالفته الإفراد ليوم الجمعة ، فهو في هذه الحالة داخل في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث السبت : " إلا فيما افترض عليكم " ولكن هذا إنما هو لمن صام الجمعة وهو غافل عن النهي عن افراده.

و أما حديث "كان صلى الله عليه وعلى آله و سلم يكثر الصيام يوم السبت" (( ضعيف. الضعيفة مجلد (3) ص (219) رقم(1099) ))
فقد تبين أنه لا يصح من قبل إسناده، و قد توليت بيان ذلك في "الضعيفة" برقم (1099) من المجلد الثالث فليراجعها من شاء الوقوف على الحقيقة" ((الصحيحة ، المجلد الثالث ،الاستدراكات صفحة (733)(734) ))

هــذا و الله تعــالى أعلم و صلى الله و سلم على نبينا محمد.

محب العثيمين
01-29-2004, 07:38 PM
الرجاء من الأخوة المشرفين نقل الموضوع إلى منتدى طالب العلم وذلك لخصوصيته العلمية من جهة ولإحيائه بالمشاركات العلمية النافعة من جهة أخرى. ولكم خير الجزاء من الله تعالى.

ناصر الدين
01-30-2004, 07:25 PM
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على المصطفى، وعلى أهل بيته الشرفا، وعلى صحبه الكرام الحنفا، وعلى من اتخذ سبلهم إلى الله زُلَفاً.

وبعد، فيوم غد إن شاء الله يظلنا يوم عظيم، إنه يوم عرفة الذي قال في صيامه رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم: ( إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ).
لكن شاء الله بحكمته أن يوافق يوم سبت قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه ).

فهل نعمل بمقتضى الحديث الأول أم بمقتضى الثاني؟
في هذا خلاف بين العلماء رضي الله عنهم. فمن صام منهم نسال الله أن يكفر عنه ما شاء، ومن أفطر فله بإذن الله أجره فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. ولا شكَّ كل على خير.

ولهم في صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، إذ خرج اثنان منهما فأدركتهما صلاة من غير ماء فتيمما وصلياها، فجاءهما الماء قبل خروج الوقت، فتوضأ أحدهما وأعاد الصلاة ولم يعد الآخر. فلما جاءا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبراه، قال لمن أعاد: ( لك الأجر مرتين ) وقال للآخر: ( أصبت السنة ).
فالأول أصاب أجر الصلاة الثانية وأجر اجتهاده الذي أخطأ فيه، والآخر أصاب السنة، وما أدراك ما أجر السنة؟
فكذا نحن اليوم بين مصيب مأجور ومخطئ معذور، ولله الحمد والمنة.

لكن لا ريب أن ذلك الأجر لا يكون لمن أعمل هواه فاختار أحد القولين خبطاً، ولا لمن تعصب فعمل بقول علم خطأه عَدْواً. لكن هو للذين اتبعوا هدي نبيهم واجتهدوا في ذلك ما استطاعوا. أسأل الله أن يجعلني وإخواني منهم.

فأبدأ هنا تسطير ما تبين لي في هذه المسألة على إقرار بقلة بضاعة وحداثة في الصناعة، فما أصبت فيه الحق فمن الله فضلاً جزيلاً، وما أخطأت فمن نفسي جهلاً أو تقصيراً، ومن الشيطان وسواساً أثيماً.

فالمسألة كلها منصبة على صيام السبت في غير الفريضة، وللعلماء فيها أقوال: فمنهم من أجازه بإطلاق، ومنهم من حرمه بإطلاق، ومنهم من فصل وقيد، فالبعض قيده بأن يكون مضموماً لغيره، وزاد آخرون موافقة عادة له، وزاد بعضهم ما لم يقصد السبت لذاته.

فهذه الأقوال، نبحث عن الصواب فيها، وعلى الله التكلان.

أما القول الأول ففيه مذهبان:

أحدهما مذهب من قال بنسخ حديث ( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ). ويضعف هذا المذهب عدم العلم بتقدم الحديث أو تأخره عن غيره مما عارضه. ويضعفه كذلك إمكان الجمع، ومهما أمكن فلا نصير إلا إليه.

وثانيهما مذهب من ضعف الحديث معللاً معارضته لجمع من الأحاديث الصحيحة ( وفي بعضها كلام )، منها:
1. أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أكثر صومه السبت والأحد، ويقول: ( هما يوم عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم ).
2. أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم من الشهر السبت والأحد والإثنين ومن الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس.
3. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا يصومنّ أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده ).
4. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( خير الصوم صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ).
5. أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يصوم تسع ذي الحجة.
6. أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان.
7. قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن كنت صائماً فعليك بالغر البيض ثلاث عشر وأربع عشر وخمس عشر ).
وغيرها كأحاديث صوم عرفة وعاشوراء ويوم التاسع من محرم.
فهذه الأحاديث كلها عندهم تعارض حديث النهي عن صوم السبت، وما خالف الأرجح فهو شاذ. ومنهم من زاد فعلل الحديث بالاضطراب سنداً.

وهذا القول قوي جداً إلا أنه رُدّ بإمكان الجمع بين أحاديث صوم السبت السابقة وحديث النهي عن صوم السبت، كما رُدّ على دعوى الاضطراب بأنه اضطراب لا يؤثر في صحة الحديث، كما حققه العلامة الألباني رحمه الله.

ثم القول الثاني، وهو قول من منع من صيام السبت في غير الفريضة مطلقاً. ولهم على قولهم أربعة أدلة:
1- أن ظاهر الحديث يقتضيه: ( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ) فاستثنى الفرض، فدل على عدم استثناء النافلة.
2- وقدموا هذا الحديث على كل الأحاديث السابقة، فيصام ما دل الدليل على فضله إلا ما وافق سبتاً. اللهم إلا حديث صيام السبت بعد الجمعة، لأنه واجب لمنع إفراد الجمعة بصيام.
3- وقاسوا يوم السبت على يوم العيد، فلا يصام وإن وافق يوماً فاضلاً كالإثنين أو الخميس.
4- وقالوا أن يوم السبت منهي عن صيامه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.

وهو قول قويّ كذلك، إلا أن عليه مآخذ تضعفه أنبّه عليها:

أولاً: وجود الاستثناء في الحديث لا ينفي وجود أمور أخرى مستثناة كذلك. لأن من المخصصات متصل ومنها منفصل. وهذا واضح جداً.
فإن قيل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استثنى ما هو متبادر أصلاً ( وهو صوم الفريضة ) فدل على عدم استثناء ما كان أحوج منه للذكر ( وهو صوم النوافل المقيدة ).
فيردّ بأن الدلالة على ذلك جائزة لا واجبة، وما كان جائزاً جاز وقوع خلافه. ومنه ما جاء في آية المحرمات من النساء فذكر الأم والأخت والبنت على ظهور حرمتهن، وترك ذكر خالة الزوجة وعمتها مع خفاء حكمهما اكتفاء بالسنة.

ثانياً: ترجيح حديث النهي عن صوم السبت وحده على كل أحاديث الفضائل لا يصح، لأن الجمع أولى من الترجيح إن كان ثمة تعارض بين نصين، فكيف إن كان بين نص وحيد ونصوص كثيرة، بل متواترة معنىً؟!
فإن قيل نجمع بينها بتخصيص كل الأحاديث المبيحة بهذا الحديث المانع، رُدّ بأن منها ما لا يحتمل التخصيص، وإنما مقتضى تخصيصه الترجيح، كأحاديث صيام تسع ذي الحجة وصوم السبت مع الأحد مخالفة للمشركين وصوم السبت مع الأحد والإثنين من الشهر. وهذا واضح ولله الحمد.

ثالثاً: قياس صوم السبت على صوم العيد لا يصح، إذ العلة في منع صيام العيد تعبدية محضة، ولا قياس في العبادات.
ودليل افتراقهما أن يوم العيد إن جاء بعد جمعة لم يصح صيامه، بخلاف السبت. وكذلك صيام شهري كفارة الظهار أو القتل لا تنقطع بفطر العيد وتنقطع بفطر السبت. فعلم افتراقهما. والله أعلم.
بل لعل القياس الصحيح يقتضي صيام السبت، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صام السبت مع الأحد وقال: ( هما يوم عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم ). فعلم بالنص علة تقتضي صيام السبت، ونقيض هذه العلة حاصل في يومي العيد، فاقتضى الأمر الافتراق. والله أعلم.
أما من حيث الشبه فالسبت أشبه بالجمعة منه بالعيد من حيث النهي عن صومه منفرداً وورود صومه مقترناً وانقطاع صيام كفارة الظهار بالفطر فيهما وغير ذلك. فإذا ألحقناه بالجمعة جاز صومه مقروناً بغيره، والله تعالى أعلم.

رابعاً: لا يصح قولهم أن يوم السبت منهي عن الصوم فيه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وذلك لأن كون هذا النهي مقدم على أحاديث الفضائل، وبالتالي موجه إلى ما تضمنته غير مسلَّم. لكن كما تقرر سابقاً أن الجمع أولى، وحالَ الجمع وتخصيص حديث النهي بأحاديث الفضائل تخرج من النهي صور كثيرة، وحالَ خروجها لم يعد النهي متوجهاً إليها، وبالتالي فلا مقتضى له فيها. والله أعلم.

فيظل القول الثالث القائل بالتفصيل، وهو أظهر الأقوال وأبعدها عن الاعتراض وأجمعها للأدلة وعليه جمهور أهل العلم.
وهو أن يوم السبت ممنوع إفراده بالصوم تطوعاً مطلقاً، جائز صومه مع جمعة تسبقه أو أحد يلحقه أو موافقة نافلة مقيدة.

أما دليل المنع من إفراده فعموم حديث: ( لا تصوموا يوم السبت إلا في ما افترض عليكم ) ولا مخرج له من العموم.
ويشهد لهذا المعنى حديث الصماء رضي الله عنها أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتغدى، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: تعالي تغدي. فقالت: إني صائمة. فقال لها صلى الله عليه وآله وسلم: أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: كلي، فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك. إلا أن فيه ضعف.

وأما دليل جمعه مع الجمعة فحديث: ( لا يصومنّ أحدكم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو بعده ) وهو مخصص لحديث النهي.

وأما دليل صومه مع الأحد فحديث: ( إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أحب أن أخالفهم ) وهو مخصص لحديث النهي.

وأما دليل صومه موافقة للنافلة المقيدة فأحاديث صوم داود وصوم عرفة وصوم عاشوراء وغيرها، وهي تخصص حديث النهي كذلك.

والدليل على تخصيص حديث المنع بأحاديث الجواز أمور:

الأول: كثرتها، ومقاومة الفرد للكثير أضعف من مقاومة الكثير للفرد. فكثرة المعارض تدل على ضعف دلالته على العموم.

الثاني: هديه صلى الله عليه وآله سلم حيث صام السبت، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الثالث: أن النهي عن صوم السبت عام في كل سبت ظاهراً، وأحاديث الجواز عامة في أيامها كذلك. وحديث النهي خصص بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث صام السبت وبقوله كذلك حيث أمر من لم يصم الخميس وصام الجمعة أن يصوم السبت، فدل على ضعف دلالته على العموم. أما أحاديث الجواز فإن خُصَّ أحدها لم يخصَّ الآخر. فيخصِّص الأقوى دلالة الأضعفَ دلالة.

فخلاصة القول في المسألة ما ذكره العلامة المحقق ابن القيم رحمه الله حيث قال:
لا ريب أن الاستثناء [ إلا فيما افترض عليكم ] أخرج صورة الفرض من عموم النهي [ لا تصوموا يوم السبت ]، وصورة الاقتران بما قبله أو بما بعده أُخرجت بدليل الأحاديث المذكورة.
فكلا الصورتين مُخرَج: أما الفرض فبالمخرِج المتصل، وأما صومه مضافاً [ مع الجمعة أو الأحد ] فبالمخرِج المنفصل.
فبقيت صورة الإفراد [ إفراد النفل المطلق. أما المقيد كصوم داود ويوم عرفة وعاشوراء، فقد خرج بالمخرِج المنفصل كذلك ] واللفظ متناول لها [ أي لصورة الإفراد بالنفل المطلق ]، ولا مخرج لها من عموم النهي، فيتعين حمل النهي عليها.
انتهى بتصرف.

قال شيخنا الفاضل محمد الحمود النجدي حفظه الله معلقاً على كلام ابن القيم رحمه الله: وهذا الكلام متين تجتمع به الأدلة، وهو اختيار ابن القيم كما يدل عليه السياق، وصرح به في الزاد. انتهى.

وهو اختيار العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز والعلامة الشيخ محمد بن عثيمين رحمهما الله. كما نقل فتواهما الشيخ محمد الحمود كذلك.

وهذا آخر ما تيسر في هذه العجالة، فأسأل الله أن ينفعني بما كتبت يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وإسنادَ الفضل لأهله، فقد استفدت كثيراً في هذا البحث من برنامج مكتبة الألباني رحمه الله ( إصدار الإخوة في موقع روح الإسلام جزاهم الله خيراً ) ومن كتاب القول الثبت في صوم يوم السبت لشيخنا محمد الحمود حفظه الله.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتبه أخوكم فيصل القلاف

أبو خالد السهلي
02-02-2004, 02:12 PM
نص السؤال:

اختلف الناس هنا في صوم يوم عرفة لهذا العام، حيث صادف يوم السبت فمنهم من قال إن هذا يوم عرفة نصومه لأنه يوم عرفة وليس لكونه يوم السبت المنهي عن صيامه، ومنهم من لم يصمه لكونه يوم السبت المنهي عن تعظيمه مخالفة لليهود


نص الإجابة:

الحمد لله
يجوز صيام يوم عرفة مستقلاً سواء وافق يوم السبت أو غيره من أيام الأسبوع لأنه لا فرق بينها؛ لأن صوم يوم عرفة سنة مستقلة وحديث النهي عن يوم السبت ضعيف لاضطرابه ومخالفته للأحاديث الصحيحة.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .



اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو: عبدالله بن غديان
نائب رئيس اللجنة: عبدالرزاق عفيفي
الرئيس: عبدالعزيز بن عبدالله بن باز

أبو خالد السهلي
02-02-2004, 02:13 PM
نص السؤال:

حديث [لا تصوموا السبت إلا فيما افترض عليكم]. هل هو صحيح، وما مفهومه وعمومه؟


نص الإجابة:

النهي عن صوم السبت هو تخصيصه، لأن اليهود يسبتون فيه، فنهى عن تعظيمه لعدم التشبه بهم، ويجوز صومه لسبب، كمن صام يومًا وأفطر يومًا، أو وافق يوم عرفة أو عاشوراء ونحوه، فمعنى افترض عليكم شرع وسن لكم.

عبد الله بن جبرين