المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فصل الخطاب في بيان عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب



الصفحات : [1] 2

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:14 AM
للشيخ
عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ



بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال شيخنا وقدوتنا الشيخ عبداللطيف بن شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، أحسن الله لهم المآب ، وأجزل لهم الثواب ، بمنه وكرمه :
الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيراً ، أما بعد :
فإن الله تعالى قد اصطفى لنبوته ، وأكرم برسالته ، أفضل خلقه ، وأقربهـم إليه منزلة ، وأحقهم بمواهب كرامته ، ومنشور ولايته و { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ويهب كرامته وولايته ، واصطفى من أنبيائه ورسله ساداتهم وأكابرهم وأولي العزم منهم ، وجعلهم في الذروة العليا والمقام الأسنى الذي تقاصر عنه المتطاولون ، ووقف دون درجته المرسلون { ومامنا إلا له مقام معلوم } فقاموا من أعباء الرسالة ، وأثقال الجهاد ، ومكابدة الجبارين ، ومراغمة رؤوس الكفرة والمستكبرين ، بما لم يقم به سواهم ، ولم يصل إليه من عداهم ، وقيض لهم من أعدائه أئمة الكفر وصناديده المكذبين لرسله ، العادلين به غيره ، الجاعلين معه الآلهـة والأنداد ، الواصفين ربهم بما يتنزه عنه ولا يليق بجلاله وكمال وحدانيته وصمديته ـ كالصاحبة والشركاء والأولاد ـ لتظهر عجائب الحكمة وبدائع الاتقان ، ولطائف الصنع وعظمة السلطان { وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً . ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون . ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:19 AM
بتبع

فسبحان من فتح لمعرفته كل باب ، وكشف عن قلوب أوليائه كل غي وحجاب { وما يتذكر إلا أولو الألباب } .
واقتضت حكمته الإلهية ، ومشيئته الربانية ، أن يبتلي ورثة رسله وأنبيائه بحسب ميراثهم عن صفوته وأوليائـه ، فأكثرهم ميراثا أشدهم متابعة ، وأعظمهم اقتداء هو أكبرهم محنة ، وأعظمهم بلية وأصعبهم أضداداً ، لا سيما ورثة هذا النبي الكريم ذي الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود والتعظيم فإن الله ابتلاهم بجهال هذه الأمة ومنافقيها ، كما ابتلى مؤمنيها بكفارها ، وخيارها بشرارها ، وأبرارها بفجارها ، وأهل سنتها بمبتدعيها { وكان ربك بصيراً } .
ومن سبر أحوال الناس واستقرأها ، ونظر فيما أصيب به أهل العلم وابتلى به أئمة الهدى ، عرف سنة الله التي قد خلت من قبل ، واستبانت له حكمة الترجيح والفضل ، وأكثر الناس في خفارة جهله ، وغباوة فهمه .
وفي أثناء القرن الثاني عشر ظهر بنجد من أحبار الأمة وساداتها من يدعو إلى توحيد الله بالعمل والعبادة ، وإفراده بالقصد والإرادة ، ويجدد ما اندرس من أصول الملة وقواعد الدين ، ودعا إلى مذهب السلف والأئمة السابقين : في إثبات صفات الله رب العالمين ، ونفى عن آيات الصفات وأحاديثها تأويل الجاهلين ، وإلحاد المحرفين وزيغ المبطلين . قرر ذلك بأدلته وقوانينه الشرعيه ، وحكى نصوص الأئمة وإجماع الأمة ، بالنقل عن العدول الأثبات الذين عليهم مدار أحكام الدين في نقل أصوله وفروعه وأجمعت الأمة على هدايتهم ودرايتهم ، حتى ظهر المذهب وانتشر ، وعرفه كثير من أهل الفقه وحذاق البشر ، ومن له نهمة في طلب العلم والأثر وقد كان قبل ذلك مهجورا بين الناس ، لا يعرفه منهم إلا النزاع من الأكياس ، وقرر توحيد العبادة بأدلته القرآنية وبراهينه النبوية ، ونهى عن التعلق على غير الله محبةً وإنابةً وتعظيماً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً ونحو ذلك من أنواع

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:20 AM
بتبع

فسبحان من فتح لمعرفته كل باب ، وكشف عن قلوب أوليائه كل غي وحجاب { وما يتذكر إلا أولو الألباب } .
واقتضت حكمته الإلهية ، ومشيئته الربانية ، أن يبتلي ورثة رسله وأنبيائه بحسب ميراثهم عن صفوته وأوليائـه ، فأكثرهم ميراثا أشدهم متابعة ، وأعظمهم اقتداء هو أكبرهم محنة ، وأعظمهم بلية وأصعبهم أضداداً ، لا سيما ورثة هذا النبي الكريم ذي الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود والتعظيم فإن الله ابتلاهم بجهال هذه الأمة ومنافقيها ، كما ابتلى مؤمنيها بكفارها ، وخيارها بشرارها ، وأبرارها بفجارها ، وأهل سنتها بمبتدعيها { وكان ربك بصيراً } .
ومن سبر أحوال الناس واستقرأها ، ونظر فيما أصيب به أهل العلم وابتلى به أئمة الهدى ، عرف سنة الله التي قد خلت من قبل ، واستبانت له حكمة الترجيح والفضل ، وأكثر الناس في خفارة جهله ، وغباوة فهمه .
وفي أثناء القرن الثاني عشر ظهر بنجد من أحبار الأمة وساداتها من يدعو إلى توحيد الله بالعمل والعبادة ، وإفراده بالقصد والإرادة ، ويجدد ما اندرس من أصول الملة وقواعد الدين ، ودعا إلى مذهب السلف والأئمة السابقين : في إثبات صفات الله رب العالمين ، ونفى عن آيات الصفات وأحاديثها تأويل الجاهلين ، وإلحاد المحرفين وزيغ المبطلين . قرر ذلك بأدلته وقوانينه الشرعيه ، وحكى نصوص الأئمة وإجماع الأمة ، بالنقل عن العدول الأثبات الذين عليهم مدار أحكام الدين في نقل أصوله وفروعه وأجمعت الأمة على هدايتهم ودرايتهم ، حتى ظهر المذهب وانتشر ، وعرفه كثير من أهل الفقه وحذاق البشر ، ومن له نهمة في طلب العلم والأثر وقد كان قبل ذلك مهجورا بين الناس ، لا يعرفه منهم إلا النزاع من الأكياس ، وقرر توحيد العبادة بأدلته القرآنية وبراهينه النبوية ، ونهى عن التعلق على غير الله محبةً وإنابةً وتعظيماً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً ونحو ذلك من أنواع

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:21 AM
التعلقات . وقرر أن هذا حق الله لا يصلح لسواه من نبي أو ملك أو صالح أو غيرهم ، وبسط القول في ذلك وأطنب وعلل ، ومثَّل وجادل وناضل حتى ظهرت الحجة واستبانت المحجة ، فاستجاب له من أراد الله هدايته ، وسبقت له السعادة ، وصد عنه آخرون وعارضوه بشبهات ترجع إلى شبهات إخوانهم وأشباههم الذين كفروا من قبل ، وعارضوا الرسل بجهلهم { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم } .
وقد رأيت لبعض المعاصرين كتابا يعارض به ما قرر شيخنا من أصول الملة والدين ، ويجادل بمنع تضليل عبَّاد الأولياء والصالحين ، ويناضل عن غلاة الرافضة والمشركين ، الذين أنزلوا العباد بمنزلة الله رب العالمين . وأكثر التشبيه بأنهم من الأمة ، وأنهم يقولون لا إله إلا الله ، وأنهم يصلون ويصومون . ونسي في ذلك عهود الحمى ، وما قرره كافة الراسخين من العلماء وأجمع عليه الموافق والمخالف من الجمهور والدهماء ، ونص عليه الأكابر والخواص من اشتراط العلم والعمل في الاتيان بكلمة الإخلاص ، والحكم بموجب الردة على فاعل ذلك من سائر العبيد والأشخاص ، وسمى كتابه ( جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة ) ومراده بالأمة هنا من عبد آل البيت وغلا فيهم وعبد الصالحين ودعاهم واستغاث بهم ، وجعلهم وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم . هذا مراده ولكنه أوقع عليهم لفظ الأمة ترويجا على الأغمار والجهال ، ولبساً للحق بالباطل ، وهو يعلم ذلك وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين ، قال تعالى : { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنياوكذلك نجزي المفترين } فلكل مفتر نصيب منها بحسب جرمه وعلى قدر ذنبه . وقد رأيت على هذا الرجل من الذلة والمهانة مدة حياته ما هو ظاهر بين يعرفه من عرفه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:22 AM
التعلقات . وقرر أن هذا حق الله لا يصلح لسواه من نبي أو ملك أو صالح أو غيرهم ، وبسط القول في ذلك وأطنب وعلل ، ومثَّل وجادل وناضل حتى ظهرت الحجة واستبانت المحجة ، فاستجاب له من أراد الله هدايته ، وسبقت له السعادة ، وصد عنه آخرون وعارضوه بشبهات ترجع إلى شبهات إخوانهم وأشباههم الذين كفروا من قبل ، وعارضوا الرسل بجهلهم { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم } .
وقد رأيت لبعض المعاصرين كتابا يعارض به ما قرر شيخنا من أصول الملة والدين ، ويجادل بمنع تضليل عبَّاد الأولياء والصالحين ، ويناضل عن غلاة الرافضة والمشركين ، الذين أنزلوا العباد بمنزلة الله رب العالمين . وأكثر التشبيه بأنهم من الأمة ، وأنهم يقولون لا إله إلا الله ، وأنهم يصلون ويصومون . ونسي في ذلك عهود الحمى ، وما قرره كافة الراسخين من العلماء وأجمع عليه الموافق والمخالف من الجمهور والدهماء ، ونص عليه الأكابر والخواص من اشتراط العلم والعمل في الاتيان بكلمة الإخلاص ، والحكم بموجب الردة على فاعل ذلك من سائر العبيد والأشخاص ، وسمى كتابه ( جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة ) ومراده بالأمة هنا من عبد آل البيت وغلا فيهم وعبد الصالحين ودعاهم واستغاث بهم ، وجعلهم وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم . هذا مراده ولكنه أوقع عليهم لفظ الأمة ترويجا على الأغمار والجهال ، ولبساً للحق بالباطل ، وهو يعلم ذلك وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين ، قال تعالى : { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنياوكذلك نجزي المفترين } فلكل مفتر نصيب منها بحسب جرمه وعلى قدر ذنبه . وقد رأيت على هذا الرجل من الذلة والمهانة مدة حياته ما هو ظاهر بين يعرفه من عرفه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:22 AM
القلوب بعد شتاتهـا ، وتألفت بعد عداوتها ، وصاروا بنعمة الله اخوانا ، فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور ، ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي والصخور ، وفتح عليهم الاحساء والقطيف ، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر ، ومن اليمن إلى العراق والشام . دانت لهم عربها وأعطوا الزكاة ، فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدنيا والدين ، وتفتخر بما نالها من العز والنصر والإقبال والسنا ، كما قال عالم صنعاء وشيخها في ذلك :
قفي واسألي عن عالم حل سوحها * به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمـد الهــادي لسنة أحـد * فيا حبذا الهـادي ويا حبذا المهدي
لقد سـرني ما جاءني من طريقة * وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
وقال عالم الاحساء وشيخها :
لقد رفـع المولى به رتبة الهدى * بوقت بـه يعلو الضـلال ويرفـع
وجـرت به نجد ذيول افتخارها * وحــق لهـا بالألمعي ترفُّـــع


وهذا في أبيات لا نطيل بذكرها ، وقد شهد غيرهما بمثل ذلك ، واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته ، وقد قال تعالى : { قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } .
وما أحسن ما قال قتادة عن حال أول هذه الأمة من المسلمين : لما قالوا لا إله إلا الله ، أنكر ذلك المشركون ، وكبرت عليهم ، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها ، ويظهرها على من ناوأها . إنها كلمة من خاصم بها فلج ومن قاتل بها نصر . إنما يعرفها أهل هذه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:23 AM
القلوب بعد شتاتهـا ، وتألفت بعد عداوتها ، وصاروا بنعمة الله اخوانا ، فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور ، ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي والصخور ، وفتح عليهم الاحساء والقطيف ، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر ، ومن اليمن إلى العراق والشام . دانت لهم عربها وأعطوا الزكاة ، فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدنيا والدين ، وتفتخر بما نالها من العز والنصر والإقبال والسنا ، كما قال عالم صنعاء وشيخها في ذلك :
قفي واسألي عن عالم حل سوحها * به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمـد الهــادي لسنة أحـد * فيا حبذا الهـادي ويا حبذا المهدي
لقد سـرني ما جاءني من طريقة * وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
وقال عالم الاحساء وشيخها :
لقد رفـع المولى به رتبة الهدى * بوقت بـه يعلو الضـلال ويرفـع
وجـرت به نجد ذيول افتخارها * وحــق لهـا بالألمعي ترفُّـــع


وهذا في أبيات لا نطيل بذكرها ، وقد شهد غيرهما بمثل ذلك ، واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته ، وقد قال تعالى : { قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } .
وما أحسن ما قال قتادة عن حال أول هذه الأمة من المسلمين : لما قالوا لا إله إلا الله ، أنكر ذلك المشركون ، وكبرت عليهم ، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها ، ويظهرها على من ناوأها . إنها كلمة من خاصم بها فلج ومن قاتل بها نصر . إنما يعرفها أهل هذه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:24 AM
الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل . ويسير الراكب في فئام لا يعرفونها . ولا يقرون بها .
وهذا المعترض عاش في ظل ذلك ، وتولى القضاء ، وصارت له الرياسة عند أهل محلته بانتسابه إلى هذا الدين ، ودعواه محبة الشيخ ، وانه شرح بعض كتبه ومع ذلك تجرد لمسبته ومعاداته ، وجحد ما جاء به وقرره من الهدى ودين الحق ، قال تعالى : { وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } وقال بعضهم :
وما ضر نور الشمس إن كان ناظراً * إليها عيون لم تزل دهرها عميا
ولا ينكر ما قررناه إلا مكابر في الحسيات ، ومباهت في الضروريات ، ويرى أن عبادة الصالحين ودعاءهم والتوكل عليهم ، وجعلهم وسائط بينهم وبين الله مما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب ، وأنه هو الاسلام وأهله هم الأمة المحمدية ، ومن أنكر عليهم وضللهم فهو خارج مارج كما قال هذا الرجل وصاحبه ابن سند في منظومته التي أنشدها لما استولت العساكر المصريه على بلاد الدرعية :
لقد فتحت للدين أعينه الرمد
ثم أخذ في مسبة المسلمين وتضليلهم والشماتة بهم ، ومدح من عبد الصالحين ودعاهم مع الله ، وجعلهم انداداً تعبد ، وقد أجابه الذكي الأديب الشيخ أحمد بن مشرف بمنظومة ذكر فيها حال العساكر المصرية وما اشتهر عنهم من اللواط والشركيات والزنا وشرب المسكرات وإضاعة الصلوات ، ثم قال بعده في أثناء رده :
فإن كان هذا عندك الدين والهدى * لقد فتحت للدين أعينه الرمد
وبالجملة فلا يقول مثل هذا في الشيخ رحمه الله إلا رجل مكابر ، لا يتحاشى من البهت والافتراء ، وإلى الله ترجع الأمور وعنده تنكشف السرائر .
وأما قوله : ( ولم يتخرج على العلماء الأمناء ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:26 AM
الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل . ويسير الراكب في فئام لا يعرفونها . ولا يقرون بها .
وهذا المعترض عاش في ظل ذلك ، وتولى القضاء ، وصارت له الرياسة عند أهل محلته بانتسابه إلى هذا الدين ، ودعواه محبة الشيخ ، وانه شرح بعض كتبه ومع ذلك تجرد لمسبته ومعاداته ، وجحد ما جاء به وقرره من الهدى ودين الحق ، قال تعالى : { وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } وقال بعضهم :
وما ضر نور الشمس إن كان ناظراً * إليها عيون لم تزل دهرها عميا
ولا ينكر ما قررناه إلا مكابر في الحسيات ، ومباهت في الضروريات ، ويرى أن عبادة الصالحين ودعاءهم والتوكل عليهم ، وجعلهم وسائط بينهم وبين الله مما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب ، وأنه هو الاسلام وأهله هم الأمة المحمدية ، ومن أنكر عليهم وضللهم فهو خارج مارج كما قال هذا الرجل وصاحبه ابن سند في منظومته التي أنشدها لما استولت العساكر المصريه على بلاد الدرعية :
لقد فتحت للدين أعينه الرمد
ثم أخذ في مسبة المسلمين وتضليلهم والشماتة بهم ، ومدح من عبد الصالحين ودعاهم مع الله ، وجعلهم انداداً تعبد ، وقد أجابه الذكي الأديب الشيخ أحمد بن مشرف بمنظومة ذكر فيها حال العساكر المصرية وما اشتهر عنهم من اللواط والشركيات والزنا وشرب المسكرات وإضاعة الصلوات ، ثم قال بعده في أثناء رده :
فإن كان هذا عندك الدين والهدى * لقد فتحت للدين أعينه الرمد
وبالجملة فلا يقول مثل هذا في الشيخ رحمه الله إلا رجل مكابر ، لا يتحاشى من البهت والافتراء ، وإلى الله ترجع الأمور وعنده تنكشف السرائر .
وأما قوله : ( ولم يتخرج على العلماء الأمناء ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:27 AM
فهذه الدعوى الضالة نشأت من سوء المعتقد وخبث الطوية ، وهذا الرجل لا زمام ولا خطام لأكاذيبه وأباطيله يرسلها حيث شـاء ويكابر أهل العلم ولا يتحاشى ، وقد عرف طلب الشيخ للعلم ورحلته في تحصيله كما ذكره صاحب التاريخ الشيخ حسين بن غنام الاحسائي ، وقد اجتمع بأشياخ الحرمين في وقته ومحدثيها ، وأجازه بعضهم ورحـل إلى البصرة وسمع وناظر ، وإلى الاحساء وهي إذ ذاك آهلة بالعلماء ، فسمع من أشياخها ، وباحث في أصول الدين ومقالات الناس في الإيمان وغيره ، وسمع من والده ومن فقهاء نجد في وقته ، واشتهر عندهم بالعلم والذكاء وعرف به على صغر سنه .
وأيضا فقد كان أهل العلم سلفا وخلفا يسمعون الأحاديث ويروونها ، ويحفظون السنن ويستنبطون منها الأحكام . وهذا عندهم هو الغاية التي يرحل إليها المحدثون وينتهي إليها الطالبون ، وليس من عادتهم القراءة في كتب الرأي والفروع كما هو معروف عند الناس . رحل الشافعي إلى المدينة وسمع الموطأ ، وتصدى للفتيا ، وأنكر على من لم يطمئن في صلاته لما دخل مسجد محمد بن الحسن بالكوفة ، ولم يسمع من مالك ولا غيره كتابا في الرأي والمذهب ، وهكذا غيره من أهل العلم والفتوى .
وأما قوله : ( كما صح وثبت عن مشايخنا الأمجاد النقاد ) .
فجوابه : أن هذه الدعوى في مشايخة كل يدعيها . فالقدرية والرافضة والجهمية والمعتزلة وغلاة عباد القبور يرون أن مشايخهم أمجاد نقاد ، يؤخذ عنهم ويحفظ عنهم ، ويسمون أهل السنة والجماعة وأهل الحديث حشوية مجسمة وناصبة ومجردة ، وعباد القبور يسمون الموحدين متنقصين للأنبياء والصالحين ويقرر ذلك أشياخ كل طائفة ، وأتباعهم يرون أنهم بذلك أمجاد نقاد ، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم ، قال تعالى : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:28 AM
فهذه الدعوى الضالة نشأت من سوء المعتقد وخبث الطوية ، وهذا الرجل لا زمام ولا خطام لأكاذيبه وأباطيله يرسلها حيث شـاء ويكابر أهل العلم ولا يتحاشى ، وقد عرف طلب الشيخ للعلم ورحلته في تحصيله كما ذكره صاحب التاريخ الشيخ حسين بن غنام الاحسائي ، وقد اجتمع بأشياخ الحرمين في وقته ومحدثيها ، وأجازه بعضهم ورحـل إلى البصرة وسمع وناظر ، وإلى الاحساء وهي إذ ذاك آهلة بالعلماء ، فسمع من أشياخها ، وباحث في أصول الدين ومقالات الناس في الإيمان وغيره ، وسمع من والده ومن فقهاء نجد في وقته ، واشتهر عندهم بالعلم والذكاء وعرف به على صغر سنه .
وأيضا فقد كان أهل العلم سلفا وخلفا يسمعون الأحاديث ويروونها ، ويحفظون السنن ويستنبطون منها الأحكام . وهذا عندهم هو الغاية التي يرحل إليها المحدثون وينتهي إليها الطالبون ، وليس من عادتهم القراءة في كتب الرأي والفروع كما هو معروف عند الناس . رحل الشافعي إلى المدينة وسمع الموطأ ، وتصدى للفتيا ، وأنكر على من لم يطمئن في صلاته لما دخل مسجد محمد بن الحسن بالكوفة ، ولم يسمع من مالك ولا غيره كتابا في الرأي والمذهب ، وهكذا غيره من أهل العلم والفتوى .
وأما قوله : ( كما صح وثبت عن مشايخنا الأمجاد النقاد ) .
فجوابه : أن هذه الدعوى في مشايخة كل يدعيها . فالقدرية والرافضة والجهمية والمعتزلة وغلاة عباد القبور يرون أن مشايخهم أمجاد نقاد ، يؤخذ عنهم ويحفظ عنهم ، ويسمون أهل السنة والجماعة وأهل الحديث حشوية مجسمة وناصبة ومجردة ، وعباد القبور يسمون الموحدين متنقصين للأنبياء والصالحين ويقرر ذلك أشياخ كل طائفة ، وأتباعهم يرون أنهم بذلك أمجاد نقاد ، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم ، قال تعالى : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:30 AM
إذا عرفت هذا فمشايخ هذا الرجل الذين أثنى عليهم من أكابر المعادين للدين ، ومن رؤوس المخالفين ، وقد عرف ذلك عن ابن سند وابن سلوم وأمثالهما من أشياخه الذين كثر في هذا الباب سبابهم ، وغلظ عن معرفة الله ومعرفة حقه حجابهم .
وأما قوله : ( فسعى بالتكفير للأمة وخاصها وعامها ، وقاتلها على ذلك جملة إلا من وافقه على قوله ) .
فهذه العبارة تدل على تهـور في الكذب ، ووقاحة تامة ، وفي الحديث : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : اذا لم تستح فاصنع ما شئت ) .
وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع هذه الأمة من المبعث النبوي الى قيام الساعة إلا من وافقه على قوله الذي اختص به . وهل يتصور هذا عاقل عرف حال الشيخ وما جاء به ودعا اليه ؟! بل أهل البدع كالقدرية والجهمية والرافضة والخـوارج لا يكفرون جميع من خالفهم ، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل العلم . والشيخ رحمه الله لا يُعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة ، بل ولا عن أهل السنة والجماعة منهم . وجميع أقواله في هذا الباب ـ اعني ما دعا اليه من توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العمل والعبادات ـ مجمع عليه عند المسلمين ، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم ، وعدل عن منهاجهم ، كالجهمية والمعتزلة وغلاة عباد القبور ، بل قوله مما أجمعت عليه الرسل واتفقت عليه الكتب ، كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاءوا به وتصوره . ولا يكفر إلا على هذا الأصل بعد قيام الحجة المعتبرة ، فهو في ذلك على صراط مستقيم متبع لا مبتدع .
وهذا كتاب الله وسنة رسوله ، وكلام أصحاب رسول الله  ومن بعدهم من أهل العلم والفتوى معروف مشهور مقرر في محله في حكم من عدل بالله وأشرك به ، وتقسيمهم للشرك إلى أكبر وأصغر ، والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر مشهور عند الأمة لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم ، وما جاءت به

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:30 AM
إذا عرفت هذا فمشايخ هذا الرجل الذين أثنى عليهم من أكابر المعادين للدين ، ومن رؤوس المخالفين ، وقد عرف ذلك عن ابن سند وابن سلوم وأمثالهما من أشياخه الذين كثر في هذا الباب سبابهم ، وغلظ عن معرفة الله ومعرفة حقه حجابهم .
وأما قوله : ( فسعى بالتكفير للأمة وخاصها وعامها ، وقاتلها على ذلك جملة إلا من وافقه على قوله ) .
فهذه العبارة تدل على تهـور في الكذب ، ووقاحة تامة ، وفي الحديث : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : اذا لم تستح فاصنع ما شئت ) .
وصريح هذه العبارة أن الشيخ كفر جميع هذه الأمة من المبعث النبوي الى قيام الساعة إلا من وافقه على قوله الذي اختص به . وهل يتصور هذا عاقل عرف حال الشيخ وما جاء به ودعا اليه ؟! بل أهل البدع كالقدرية والجهمية والرافضة والخـوارج لا يكفرون جميع من خالفهم ، بل لهم أقوال وتفاصيل يعرفها أهل العلم . والشيخ رحمه الله لا يُعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة ، بل ولا عن أهل السنة والجماعة منهم . وجميع أقواله في هذا الباب ـ اعني ما دعا اليه من توحيد الأسماء والصفات وتوحيد العمل والعبادات ـ مجمع عليه عند المسلمين ، لا يخالف فيه إلا من خرج عن سبيلهم ، وعدل عن منهاجهم ، كالجهمية والمعتزلة وغلاة عباد القبور ، بل قوله مما أجمعت عليه الرسل واتفقت عليه الكتب ، كما يعلم ذلك بالضرورة من عرف ما جاءوا به وتصوره . ولا يكفر إلا على هذا الأصل بعد قيام الحجة المعتبرة ، فهو في ذلك على صراط مستقيم متبع لا مبتدع .
وهذا كتاب الله وسنة رسوله ، وكلام أصحاب رسول الله  ومن بعدهم من أهل العلم والفتوى معروف مشهور مقرر في محله في حكم من عدل بالله وأشرك به ، وتقسيمهم للشرك إلى أكبر وأصغر ، والحكم على المشرك الشرك الأكبر بالكفر مشهور عند الأمة لا يكابر فيه إلا جاهل لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم ، وما جاءت به

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:33 AM
الرسل . وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف غير واحد من أهل العلم وحكى الإجماع عليها ، وأنها من ضروريات الإسلام كما ذكره تقي الدين ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن عقيل وصاحب الفتوى البزازية وصنع الله الحلبي والمقريزي الشافعي ومحمد بن حسين النعمي الزبيدي ومحمد بن إسماعيل الصنعاني ومحمد بن علي الشوكاني وغيرهم من أهل العلم .
وأما قوله : ( وجعل بلاد المسلمين كفاراً أصليين ) .
فهذا كذب وبهت ، ما صدر ولا قيل ، ولا أعرفه عن أحد من المسلمين فضلا عن أهل العلم والدين ، بل كلهم مجمعون على أن بلاد المسلمين لها حكم الإسلام في كل زمان ومكان .
وإنما تكلم الناس في بلاد المشركين الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين ويجعلونهم أنداداً لله رب العالمين ، أو يسندون إليهم التصرف والتدبير كغلاة القبوريين ، فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم ، والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم أن من فعل ذلك ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردة ولم يجعلوه كافراً أصلياً . وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته تجريد التوحيد المسمى بـ( تطهير الاعتقاد ) وعلل هذا القول بأنهم لم يعرفوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص ، فلم يدخلوا بها في الإسلام مع عدم العلم بمدلولها . وشيخنا لا يوافقه على ذلك .
ولكن هذا المعترض لا يتحاشى من الكذب ولو كان من الميتة والموقوذة والمتردية ، وما رأيت شيخ الإسلام أطلق على بلد من بلاد المنتسبين إلى الإسلام أنها بلد كفر ، ولكنه قرر أن دعاء الصالحين وعبادتهم بالاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر والتوكل ، على أنهم وسائط بين العباد وبين الله في الحاجات والمهمات ، هو دين المشركين وفعل الجاهليين الضالين من الأميين والكتابيين ، فظن هذا أن لازم قوله أنه يحكم على هذه البلاد أنها بلاد كفر ، وليس هذا بلازم ، ولو لزم فلازم المذهب ليس بمذهب . ونحن نطالب الناقل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:34 AM
الرسل . وقد أفرد هذه المسألة بالتصنيف غير واحد من أهل العلم وحكى الإجماع عليها ، وأنها من ضروريات الإسلام كما ذكره تقي الدين ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن عقيل وصاحب الفتوى البزازية وصنع الله الحلبي والمقريزي الشافعي ومحمد بن حسين النعمي الزبيدي ومحمد بن إسماعيل الصنعاني ومحمد بن علي الشوكاني وغيرهم من أهل العلم .
وأما قوله : ( وجعل بلاد المسلمين كفاراً أصليين ) .
فهذا كذب وبهت ، ما صدر ولا قيل ، ولا أعرفه عن أحد من المسلمين فضلا عن أهل العلم والدين ، بل كلهم مجمعون على أن بلاد المسلمين لها حكم الإسلام في كل زمان ومكان .
وإنما تكلم الناس في بلاد المشركين الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين ويجعلونهم أنداداً لله رب العالمين ، أو يسندون إليهم التصرف والتدبير كغلاة القبوريين ، فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم ، والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم أن من فعل ذلك ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردة ولم يجعلوه كافراً أصلياً . وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته تجريد التوحيد المسمى بـ( تطهير الاعتقاد ) وعلل هذا القول بأنهم لم يعرفوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص ، فلم يدخلوا بها في الإسلام مع عدم العلم بمدلولها . وشيخنا لا يوافقه على ذلك .
ولكن هذا المعترض لا يتحاشى من الكذب ولو كان من الميتة والموقوذة والمتردية ، وما رأيت شيخ الإسلام أطلق على بلد من بلاد المنتسبين إلى الإسلام أنها بلد كفر ، ولكنه قرر أن دعاء الصالحين وعبادتهم بالاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر والتوكل ، على أنهم وسائط بين العباد وبين الله في الحاجات والمهمات ، هو دين المشركين وفعل الجاهليين الضالين من الأميين والكتابيين ، فظن هذا أن لازم قوله أنه يحكم على هذه البلاد أنها بلاد كفر ، وليس هذا بلازم ، ولو لزم فلازم المذهب ليس بمذهب . ونحن نطالب الناقل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:35 AM
بتصحيح نقله .
نعم ، ذكر الحنابلة وغيرهم أن البلدة التي تجـرى عليها أحكام الكفر ، ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر ، وما ظهر فيها هذا وهذا فقد أفتى فيها شيخ الاسلام ابن تيمية بأنه يراعى فيها الجانبان فلا تعطى حكم الإسلام من كل وجه ولا حكم الكفر من كل وجه كما نقله عن ابن مفلح وغيره .
وقوله : ( فلا تؤكل ذبائحهم عنده ولا تحل نساؤهم ) .
فهذا من نمط ما قبله ، والشيخ لا يمنع من ذبيحة الشخص المعين إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ودخل في الإسلام ، ما لم يأت بمانع يمنع من حل ذبحه . وكذا حكم النساء ، فكيف يقول ذلك في أهل بلد وأهل قرية لا يعلم تفاصيل أحوالهم وما يجري منهم من النواقض إلا الله عالم الغيب والشهادة .
وأما القتال فلم يقاتل إلا على أصـل الإسلام ، والتزام مبانيه العظام ، ومن نقل عنه أنه قاتل على غير ذلك فقد كذب وافترى ، على أن بعض العلماء يرى القتال على ترك بعض الواجبات فكيف بما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها ؟.
وأما قوله : ( ولا يجوّز السفر إليهم حتى منع السفر إلى جميع بلاد الإسلام ) .
فيطالب أولا بتصحيح هذا ؛ فإن صح فللسلف كلام معروف في السفر إلى بلد ظهر فيه من شعار الكفر والفسوق لمن لم يقدر على إظهار دينه وللقادر أيضا كما يعرفه أهل العلم والفقه . وقد منعوا من السفر إلى بلد تظهر فيها البدع لمن خشى الفتنة ، فكيف ببلد يدعى فيها غير الله ويستغاث بسواه ، ويتوكل على ما عبد معه من الآلهة ؟! بل لقد صرح غـلاة عباد القبور بأن لمشايخهم شركة في التدبير والتصريف وبعضهم يقول : وكل إليهم تدبير العالم . كما رأيناه وسمعناه من طوائف كثيرين ؛ وقد حكاه عنهم شيخ الإسلام في منهاجه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:36 AM
بتصحيح نقله .
نعم ، ذكر الحنابلة وغيرهم أن البلدة التي تجـرى عليها أحكام الكفر ، ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر ، وما ظهر فيها هذا وهذا فقد أفتى فيها شيخ الاسلام ابن تيمية بأنه يراعى فيها الجانبان فلا تعطى حكم الإسلام من كل وجه ولا حكم الكفر من كل وجه كما نقله عن ابن مفلح وغيره .
وقوله : ( فلا تؤكل ذبائحهم عنده ولا تحل نساؤهم ) .
فهذا من نمط ما قبله ، والشيخ لا يمنع من ذبيحة الشخص المعين إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ودخل في الإسلام ، ما لم يأت بمانع يمنع من حل ذبحه . وكذا حكم النساء ، فكيف يقول ذلك في أهل بلد وأهل قرية لا يعلم تفاصيل أحوالهم وما يجري منهم من النواقض إلا الله عالم الغيب والشهادة .
وأما القتال فلم يقاتل إلا على أصـل الإسلام ، والتزام مبانيه العظام ، ومن نقل عنه أنه قاتل على غير ذلك فقد كذب وافترى ، على أن بعض العلماء يرى القتال على ترك بعض الواجبات فكيف بما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها ؟.
وأما قوله : ( ولا يجوّز السفر إليهم حتى منع السفر إلى جميع بلاد الإسلام ) .
فيطالب أولا بتصحيح هذا ؛ فإن صح فللسلف كلام معروف في السفر إلى بلد ظهر فيه من شعار الكفر والفسوق لمن لم يقدر على إظهار دينه وللقادر أيضا كما يعرفه أهل العلم والفقه . وقد منعوا من السفر إلى بلد تظهر فيها البدع لمن خشى الفتنة ، فكيف ببلد يدعى فيها غير الله ويستغاث بسواه ، ويتوكل على ما عبد معه من الآلهة ؟! بل لقد صرح غـلاة عباد القبور بأن لمشايخهم شركة في التدبير والتصريف وبعضهم يقول : وكل إليهم تدبير العالم . كما رأيناه وسمعناه من طوائف كثيرين ؛ وقد حكاه عنهم شيخ الإسلام في منهاجه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:36 AM
فماذا على شيخنا رحمه الله تعالى لو حمى الحمى وسد الذريعة وقطع الوسيلة ؟! .
لا سيما في زمن فشا فيه الجهل وقبض العلم ، وبعُد العهد بآثار النبوة ؛ وجاءت قرون لا يعرفون أصل الإسلام ومبانيه العظام ، وأكثرهم يظن أن الاسلام هو التوسل بدعاء الصالحين وقصدهم في الملمات والحوائج ، وأن من أنكره جاء بمذهب خامس لا يعرف قبله . فإذا كان الحـال هكذا فأي مانع من قوله ؟ وأي دليل يجيز السفر إليهم ويبيحه مطلقاً ؟ هذا لا يقوله إلا جاهل بأصول الشريعة ومدارك الأحكام ومن القواعد المهمة سد الذريعة وقطع الوسيلة المفضية إلى محظورات الشريعة . فكيف بالكفر الذي لا ساحل له ؟! وقد ابتلينا بهؤلاء المعترضين الجهال الذين لا يعرفون قواعد الملة والشريعة ، ولا يستصحبون الأصول فيما يبدونه أو يحكونه من النقول :
وهذا اغتراب الدين من لك بالتي * كقبض على جمر فتنجو من البلا
وأما قوله : ( فإذا تولى بلداً قهراً من بلاد محاربيه جعلها بزعمه فيئا بيت مال له ولعياله وأتباعه ؛ يزعم بذلك أنه يفعل فعل الصحابة رضي الله عنهم بالشام والعراق وغيرها من بلاد المسلمين ) .
والجواب أن يقال : هذه العبارة عبارة جاهل بالحال والواقع ، جاهل بالأحكام الشرعية . والشيخ رحمه الله ما اختص بشيء من ذلك له ولا لعياله ، بل هم كسائر المسلمين ، يأكل أحدهم من الزكاة بفقره وحاجته وجهاده ؛ ومن الفيء بحسب غناه في الإسلام ونفعه لأهله ومقامه فيه ، وغيرهم أحظى وأكثر . وأمر هذا المال إلى ولاة الأمور والأئمة . هذا حقيقة الحال .
وأما الحكم الشرعي فمعلوم أن الرسول  فتح خيبر وقسمها بين الغانمين واختص منها بفدك يأكل منها هو وأهله ، ثم صارت صدقة بعده بنص الحديث ؛ بيد أبي بكر ثم عمر ، ثم دفعها عمر إلى علي والعباس . وهذا أطيب المكاسب وأحلها ، قال الله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } وقال تعالى : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول }

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:37 AM
فماذا على شيخنا رحمه الله تعالى لو حمى الحمى وسد الذريعة وقطع الوسيلة ؟! .
لا سيما في زمن فشا فيه الجهل وقبض العلم ، وبعُد العهد بآثار النبوة ؛ وجاءت قرون لا يعرفون أصل الإسلام ومبانيه العظام ، وأكثرهم يظن أن الاسلام هو التوسل بدعاء الصالحين وقصدهم في الملمات والحوائج ، وأن من أنكره جاء بمذهب خامس لا يعرف قبله . فإذا كان الحـال هكذا فأي مانع من قوله ؟ وأي دليل يجيز السفر إليهم ويبيحه مطلقاً ؟ هذا لا يقوله إلا جاهل بأصول الشريعة ومدارك الأحكام ومن القواعد المهمة سد الذريعة وقطع الوسيلة المفضية إلى محظورات الشريعة . فكيف بالكفر الذي لا ساحل له ؟! وقد ابتلينا بهؤلاء المعترضين الجهال الذين لا يعرفون قواعد الملة والشريعة ، ولا يستصحبون الأصول فيما يبدونه أو يحكونه من النقول :
وهذا اغتراب الدين من لك بالتي * كقبض على جمر فتنجو من البلا
وأما قوله : ( فإذا تولى بلداً قهراً من بلاد محاربيه جعلها بزعمه فيئا بيت مال له ولعياله وأتباعه ؛ يزعم بذلك أنه يفعل فعل الصحابة رضي الله عنهم بالشام والعراق وغيرها من بلاد المسلمين ) .
والجواب أن يقال : هذه العبارة عبارة جاهل بالحال والواقع ، جاهل بالأحكام الشرعية . والشيخ رحمه الله ما اختص بشيء من ذلك له ولا لعياله ، بل هم كسائر المسلمين ، يأكل أحدهم من الزكاة بفقره وحاجته وجهاده ؛ ومن الفيء بحسب غناه في الإسلام ونفعه لأهله ومقامه فيه ، وغيرهم أحظى وأكثر . وأمر هذا المال إلى ولاة الأمور والأئمة . هذا حقيقة الحال .
وأما الحكم الشرعي فمعلوم أن الرسول  فتح خيبر وقسمها بين الغانمين واختص منها بفدك يأكل منها هو وأهله ، ثم صارت صدقة بعده بنص الحديث ؛ بيد أبي بكر ثم عمر ، ثم دفعها عمر إلى علي والعباس . وهذا أطيب المكاسب وأحلها ، قال الله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } وقال تعالى : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول }

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:38 AM
وقد أخذ الجزية من مجوس هجر وأهل نجران وقسمها بين أصحابه ، وسيرته  في المغانم معروفة مشهورة عند أهل العلم . والبحث في حال من أخذت منه وفي دينه : هل هذا الأخذ على الوجه الشرعي والقانون المرضي أو لا ؟ هذا محل البحث وأما التشنيع بمجرد أخذها فهو حرفة الجاهلين ، وطريقة غير المحصلين .
وحينئذ فيقال : إن كان ما صدر من رؤساء الاحساء والقطيف وغيرهم ممن أخذ ماله فيئا وغنيمة هو الشرك الأكبر وعبادة الصالحين ، وهو صريح الرد على الله وعلى رسله وعلى أئمة الدين . وما قرره الشيخ وبينه هو توحيد رب العالمين الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وأنهم قاموا أشد القيام في رده وإطفائه ، وقاتلوه على ذلك بعد قيام الحجـة ، واعترف كثير من علمائهم بأنه الحق وأنه دين الله ، فلا حرج حينئذ ولا إثم في أخذ تلك الأموال فيئا وغنيمة اقتداء برسول الله  ، وعملا بدينه وشرعه ؛ وإن كان ما عليه من أخذت أموالهم من عبادة الصالحين والشرك بالله والاعـراض عن دينه وقتال أهله ومعاداة من قام به ، هو الإسلام وهو الحق ، وهم مصيبون في ذلك على بينة من الله فالذم لمن حكم على أموالهم بهذا الحكم والعيب له وتجهيله يتجه ولا يعاب .
فالكلام في الأصل الذي تفرع عنه أخـذ الأموال وجعلها فيئا وغنائم ، والمعترض لا يرى أن عبادة الصالحين ودعائهم والتوكل عليهم والذبح لهم وتسويتهم بالله في الحب والخوف والرجاء والتعظيم شرك وضلال يبيح الأموال والدماء بعد قيام الحجة ، فلذلك اعترض بأخذ الأموال وجعلها فيئا ؛ بل ولا يرى ما كانت عليه البوادي من ترك دين الله والاعراض عما جاءت به الرسل ، وإنكار البعث والرجوع في الدماء والأموال إلى ماحكمت به أسلافهم وعشائرهم ، مع الاستهزاء الصريح بدين الله ورسله ، مكفراً مبيحاً للقتال والمال . وشبهة هذا الضال وإخوانه من قبل أنهم يقولون : لا إله الا الله .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:39 AM
وقد أخذ الجزية من مجوس هجر وأهل نجران وقسمها بين أصحابه ، وسيرته  في المغانم معروفة مشهورة عند أهل العلم . والبحث في حال من أخذت منه وفي دينه : هل هذا الأخذ على الوجه الشرعي والقانون المرضي أو لا ؟ هذا محل البحث وأما التشنيع بمجرد أخذها فهو حرفة الجاهلين ، وطريقة غير المحصلين .
وحينئذ فيقال : إن كان ما صدر من رؤساء الاحساء والقطيف وغيرهم ممن أخذ ماله فيئا وغنيمة هو الشرك الأكبر وعبادة الصالحين ، وهو صريح الرد على الله وعلى رسله وعلى أئمة الدين . وما قرره الشيخ وبينه هو توحيد رب العالمين الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وأنهم قاموا أشد القيام في رده وإطفائه ، وقاتلوه على ذلك بعد قيام الحجـة ، واعترف كثير من علمائهم بأنه الحق وأنه دين الله ، فلا حرج حينئذ ولا إثم في أخذ تلك الأموال فيئا وغنيمة اقتداء برسول الله  ، وعملا بدينه وشرعه ؛ وإن كان ما عليه من أخذت أموالهم من عبادة الصالحين والشرك بالله والاعـراض عن دينه وقتال أهله ومعاداة من قام به ، هو الإسلام وهو الحق ، وهم مصيبون في ذلك على بينة من الله فالذم لمن حكم على أموالهم بهذا الحكم والعيب له وتجهيله يتجه ولا يعاب .
فالكلام في الأصل الذي تفرع عنه أخـذ الأموال وجعلها فيئا وغنائم ، والمعترض لا يرى أن عبادة الصالحين ودعائهم والتوكل عليهم والذبح لهم وتسويتهم بالله في الحب والخوف والرجاء والتعظيم شرك وضلال يبيح الأموال والدماء بعد قيام الحجة ، فلذلك اعترض بأخذ الأموال وجعلها فيئا ؛ بل ولا يرى ما كانت عليه البوادي من ترك دين الله والاعراض عما جاءت به الرسل ، وإنكار البعث والرجوع في الدماء والأموال إلى ماحكمت به أسلافهم وعشائرهم ، مع الاستهزاء الصريح بدين الله ورسله ، مكفراً مبيحاً للقتال والمال . وشبهة هذا الضال وإخوانه من قبل أنهم يقولون : لا إله الا الله .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:39 AM
والعلماء يكفرون بدون هذا من المكفرات ، ويرون أن أموال هؤلاء المرتدين فيئا ، لا يختلفون في ذلك .
وأما قول المعترض : ( لما رأى في هذه الأمة من الأحداث التي لا تزال موجودة فيها تقل وتكثر ولا تزال علماؤها تجدد لها دينها من الباب الواسع وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتتحاشى عن الدخول عليها من الباب الضيق وهو تكفيرها الذي حذر عنه نبيها .. ) إلى آخر عبارته .
فالجواب أن يقال : قضية هذا الكلام أن الشيخ إنما كفر وقاتل وأخذ الأموال بأحداث لا تزال موجودة في الأمة تقل وتكثر ، وأنها لا يكفر بها أحد ، وأن تكفير الصحابة لمن كفروه من أهل الردة على اختلافهم ، وتكفير علي للغلاة ، وتكفيرهم للسحرة وقتلهم ، وتكفير من بعدهم للقدرية ونحوهم ، وتكفير من بعد أولئك للجهمية وقتلهم للجعد بن درهم وجهم بن صفوان ومن على رأيهم ؛ وقتلهم للزنادقة ، وهكذا في كل قرن وعصر من أهل العلم والفقه والحديث طائفة قائمة تكفر من كفره الله ورسوله ، وقام الدليل على كفره لا يتحاشون عن ذلك بل يرونه من واجبات الدين وقواعد الإسلام وفي الحديث : ( من بدل دينه فاقتلوه ) وبعض العلماء يرى أن هذا والجهاد عليه ركن لا يتم الإسلام بدونه .
وقد سلك سبيلهم الأئمة الأربعة المُقَلَّدون وأتباعهم في كل عصر ومصر ، وكفروا طوائف من أهل الأحداث ؛ كالقرامطة والباطنية ، وكفروا العبيديين ملوك مصر وقاتلوهم ، وهم يبنون المساجد ، ويصلون ويؤذنون ؛ ويدعون نصرة أهل البيت ؛ وصنف ابن الجوزى كتابا سمـاه : ( النصر على مصر ) ذكر فيه وجوب قتالهم وردتهم . وقد عقد الفقهاء في كل كتاب من كتب الفقه المصنفة على مذاهبهم بابا مستقلا في حكم أهل الأحداث التي توجب الردة وسماه أكثرهم ( باب الردة ) وعرفوا المرتد بأنه الذي يكفر

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:40 AM
والعلماء يكفرون بدون هذا من المكفرات ، ويرون أن أموال هؤلاء المرتدين فيئا ، لا يختلفون في ذلك .
وأما قول المعترض : ( لما رأى في هذه الأمة من الأحداث التي لا تزال موجودة فيها تقل وتكثر ولا تزال علماؤها تجدد لها دينها من الباب الواسع وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتتحاشى عن الدخول عليها من الباب الضيق وهو تكفيرها الذي حذر عنه نبيها .. ) إلى آخر عبارته .
فالجواب أن يقال : قضية هذا الكلام أن الشيخ إنما كفر وقاتل وأخذ الأموال بأحداث لا تزال موجودة في الأمة تقل وتكثر ، وأنها لا يكفر بها أحد ، وأن تكفير الصحابة لمن كفروه من أهل الردة على اختلافهم ، وتكفير علي للغلاة ، وتكفيرهم للسحرة وقتلهم ، وتكفير من بعدهم للقدرية ونحوهم ، وتكفير من بعد أولئك للجهمية وقتلهم للجعد بن درهم وجهم بن صفوان ومن على رأيهم ؛ وقتلهم للزنادقة ، وهكذا في كل قرن وعصر من أهل العلم والفقه والحديث طائفة قائمة تكفر من كفره الله ورسوله ، وقام الدليل على كفره لا يتحاشون عن ذلك بل يرونه من واجبات الدين وقواعد الإسلام وفي الحديث : ( من بدل دينه فاقتلوه ) وبعض العلماء يرى أن هذا والجهاد عليه ركن لا يتم الإسلام بدونه .
وقد سلك سبيلهم الأئمة الأربعة المُقَلَّدون وأتباعهم في كل عصر ومصر ، وكفروا طوائف من أهل الأحداث ؛ كالقرامطة والباطنية ، وكفروا العبيديين ملوك مصر وقاتلوهم ، وهم يبنون المساجد ، ويصلون ويؤذنون ؛ ويدعون نصرة أهل البيت ؛ وصنف ابن الجوزى كتابا سمـاه : ( النصر على مصر ) ذكر فيه وجوب قتالهم وردتهم . وقد عقد الفقهاء في كل كتاب من كتب الفقه المصنفة على مذاهبهم بابا مستقلا في حكم أهل الأحداث التي توجب الردة وسماه أكثرهم ( باب الردة ) وعرفوا المرتد بأنه الذي يكفر

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:43 AM
بعد إسلامه ، وذكروا أشياء دون ما نحن فيه من المكفرات حكموا بكفر فاعلها ، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم .
وقال الشيخ عثمان الحنبلي صاحب حاشية المنتهى في عقيدته :
تتمة : الإسلام الاتيان بالشهادتين مع اعتقادهما والتزام الأركان الخمسة إذا تعينت وتصديق الرسول  فيما جاء به ومن جحد ما لا يتم الإسلام بدونه أو جحد حكما ظاهراً أو أجمع على تحريمه أو حله إجماعا قطعيا أو ثبت جزما كتحريم لحم الخنزير أو حل خمر ونحوهما كفر ، أو فعل كبيرة وهي ما فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو دوام على صغيرة ، وهي ما عدا ذلك فسق . انتهى .
وهذا يعرفه صغار الطلبة فضلاً عن العلماء الممارسين .
وهذا الأحمق يعد هذا بابا ضيقاً ويسفه رأي الأئمة وعلماء الأمة ويجهلهم ، وهو يزعم أنه ينصرهم . وما أحسن ما قيل : لأن يعادي المرء عاقلاً خير له من أن يكون له صديق أحمق .
والباب الذي يسع كل أحد هو الباب الشرعي الذي عليه الداعي النبوي .
وأما إهمال الجهاد وعدم تكفير المرتدين ومن عدل بربه واتخذ معه الأنداد والآلهة ، فهذا إنما يسلكه من لم يؤمن بالله ورسوله ، ولم يعظم أمـره ، ولم يسلك صراطه ولم يقدر الله ولا رسوله حق قدره ، بل ولا قدر علماء الأمة وأئمتها حق قدرهم . وهذا هو الحرج والضيق ، قال تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } والجهاد للمارقين والمرتدين وتكفيرهم داخل في مسمى الإسلام ، بل هو من أركانه العشرة كما نص عليه بعض المحققين . وفي الحديث : ( وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) فلا ينشرح له ويراه حقاً وواسعاً إلا صدر من أراد الله هدايته وتوفيقه ، ويراه ضيقا حرجا من أراد الله أن يضله ويخزيه بين عباده المؤمنين . هكذا يقرر الكلام هنا والقول في هذا الموضع ، لا ما

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:44 AM
بعد إسلامه ، وذكروا أشياء دون ما نحن فيه من المكفرات حكموا بكفر فاعلها ، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم .
وقال الشيخ عثمان الحنبلي صاحب حاشية المنتهى في عقيدته :
تتمة : الإسلام الاتيان بالشهادتين مع اعتقادهما والتزام الأركان الخمسة إذا تعينت وتصديق الرسول  فيما جاء به ومن جحد ما لا يتم الإسلام بدونه أو جحد حكما ظاهراً أو أجمع على تحريمه أو حله إجماعا قطعيا أو ثبت جزما كتحريم لحم الخنزير أو حل خمر ونحوهما كفر ، أو فعل كبيرة وهي ما فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو دوام على صغيرة ، وهي ما عدا ذلك فسق . انتهى .
وهذا يعرفه صغار الطلبة فضلاً عن العلماء الممارسين .
وهذا الأحمق يعد هذا بابا ضيقاً ويسفه رأي الأئمة وعلماء الأمة ويجهلهم ، وهو يزعم أنه ينصرهم . وما أحسن ما قيل : لأن يعادي المرء عاقلاً خير له من أن يكون له صديق أحمق .
والباب الذي يسع كل أحد هو الباب الشرعي الذي عليه الداعي النبوي .
وأما إهمال الجهاد وعدم تكفير المرتدين ومن عدل بربه واتخذ معه الأنداد والآلهة ، فهذا إنما يسلكه من لم يؤمن بالله ورسوله ، ولم يعظم أمـره ، ولم يسلك صراطه ولم يقدر الله ولا رسوله حق قدره ، بل ولا قدر علماء الأمة وأئمتها حق قدرهم . وهذا هو الحرج والضيق ، قال تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } والجهاد للمارقين والمرتدين وتكفيرهم داخل في مسمى الإسلام ، بل هو من أركانه العشرة كما نص عليه بعض المحققين . وفي الحديث : ( وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) فلا ينشرح له ويراه حقاً وواسعاً إلا صدر من أراد الله هدايته وتوفيقه ، ويراه ضيقا حرجا من أراد الله أن يضله ويخزيه بين عباده المؤمنين . هكذا يقرر الكلام هنا والقول في هذا الموضع ، لا ما

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:45 AM
زعمه من خسف الله قلبه فعكس القضية وراغم الأدلة الشرعية والقوانين المحمدية ؛ فبعداً لقوم لا يؤمنون .
وأما قوله : ( أن تكفيرها حذر منه نبيها  غاية التحذير ) .
فيقال : إن زعمت أن النبي  حذر عن تكفير من أتى ما يوجب الكفر ويقتضيه ممن بدل دينه ، فهذا مكابرة وجحد للضروريات والحسيات ، وقائله إلى أن يعالج عقله أحوج منه إلى تلاوة الآيات والأحاديث وحكاية الاجماع وفعل الأمة طبقة طبقة وقرنا قرنا . وإن أراد النهي عن تكفير عموم الأمة وجميعها فهذا لم يقله أحد ولم نسمع به عن مارق ولا مبتدع . وهل يقول هذا من له عقل يدرك به ويعرف ما في الأمة من العلم والإيمان والدين ؟! وأما بعض الأمة فلا مانع من تكفير من قام الدليل على كفره كبني حنيفة وسائر أهل الردة في زمن أبي بكر ، وغلاة القدرية والمارقين الذين مرقوا في زمن علي رضي الله عنه وغلوا فيه . وهكذا الحال في كل وقت وزمان ، ولولا ذلك لبطل الجهاد وترك الكلام في أهل الردة وأحكامهم . وفي ضمن هذا القول ما تقدم من تسفيه جميع الأمة ، وتجهيل علمائها الذين كفروا بكثير من الأحداث والمكفرات . وفيه أنهم لم يسلكوا الطريق الواسع ، ولم يفهموا الحديث عن نبيهم .
وبالجملة فهذا المعترض ممـوه بلفظ الأمـة ملبس ، قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس : { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه ؛ والأمة تطلق ويراد بها عموم أهل الدعوة ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله . وتطلق أيضا ويراد بها أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل ، ومن لم يفصل ويضع النصوص مواضعها فهو مـن الجاهلين الملبسين بل هـو ممن صد عن سبيل الله وصدف عن آياته ، قال تعالى : { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:46 AM
زعمه من خسف الله قلبه فعكس القضية وراغم الأدلة الشرعية والقوانين المحمدية ؛ فبعداً لقوم لا يؤمنون .
وأما قوله : ( أن تكفيرها حذر منه نبيها  غاية التحذير ) .
فيقال : إن زعمت أن النبي  حذر عن تكفير من أتى ما يوجب الكفر ويقتضيه ممن بدل دينه ، فهذا مكابرة وجحد للضروريات والحسيات ، وقائله إلى أن يعالج عقله أحوج منه إلى تلاوة الآيات والأحاديث وحكاية الاجماع وفعل الأمة طبقة طبقة وقرنا قرنا . وإن أراد النهي عن تكفير عموم الأمة وجميعها فهذا لم يقله أحد ولم نسمع به عن مارق ولا مبتدع . وهل يقول هذا من له عقل يدرك به ويعرف ما في الأمة من العلم والإيمان والدين ؟! وأما بعض الأمة فلا مانع من تكفير من قام الدليل على كفره كبني حنيفة وسائر أهل الردة في زمن أبي بكر ، وغلاة القدرية والمارقين الذين مرقوا في زمن علي رضي الله عنه وغلوا فيه . وهكذا الحال في كل وقت وزمان ، ولولا ذلك لبطل الجهاد وترك الكلام في أهل الردة وأحكامهم . وفي ضمن هذا القول ما تقدم من تسفيه جميع الأمة ، وتجهيل علمائها الذين كفروا بكثير من الأحداث والمكفرات . وفيه أنهم لم يسلكوا الطريق الواسع ، ولم يفهموا الحديث عن نبيهم .
وبالجملة فهذا المعترض ممـوه بلفظ الأمـة ملبس ، قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس : { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه ؛ والأمة تطلق ويراد بها عموم أهل الدعوة ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله . وتطلق أيضا ويراد بها أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل ، ومن لم يفصل ويضع النصوص مواضعها فهو مـن الجاهلين الملبسين بل هـو ممن صد عن سبيل الله وصدف عن آياته ، قال تعالى : { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:46 AM
لو لم تكن لي في القلوب مهابة * لم تكثر الأعـداء فيّ وتقـدح
كالليث لما هيب خط له الزبى * وعوت لهيبته الكـلاب النبح
يرمـوننـي شزر العيون لأنني * غلّست في طلب العلا وتصبحوا
وقال أبو الطيب :
وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل
وقال حسان رضي الله عنه :
أتهجوه ولست له بكفء ؟! * فشرُّكما لخيركما الفداء
وأحسن من هذا كله قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } والآية بعدها . فكيف يفتخر هذا الجاهل بالرد على شيخ الإسلام ؟! .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:47 AM
لو لم تكن لي في القلوب مهابة * لم تكثر الأعـداء فيّ وتقـدح
كالليث لما هيب خط له الزبى * وعوت لهيبته الكـلاب النبح
يرمـوننـي شزر العيون لأنني * غلّست في طلب العلا وتصبحوا
وقال أبو الطيب :
وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل
وقال حسان رضي الله عنه :
أتهجوه ولست له بكفء ؟! * فشرُّكما لخيركما الفداء
وأحسن من هذا كله قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } والآية بعدها . فكيف يفتخر هذا الجاهل بالرد على شيخ الإسلام ؟! .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:48 AM
فصل

قال المعترض : ( والمقصود هنا ذكر عبارات لهذا المكفر بعينها ؛ مما نقلناه من خطه بيده وجدناه عند أكابر دعاته ممن أدركناه ؛ وذلك أبعد عن دعوى الافتراء عليه ممن ينتمي إليه ، وجعلت على نفسي عهداً وميثاقا محققا أني لا أذكر عنه إلا ما تحقق كتحقيق الشمس عن الفيء ، إذ المقصود من ذلك طلب الحق ودفع الباطل ، حيث بقي على هذا التكفير أتباعه ونصروه ، توضيحاً منا للحق ، لأن الدين النصيحه ) .
فالجواب أن يقال : قد صنع في أكثر العبارات التي نقلها ما صنعت اليهود من التحريف لألفاظها ، وإسقاط بعضها وتغييره ، فسرى هذا الداء اليه ، كما ستقف إن شـاء الله عليه . وإذا اجتمع الجهل والهوى ، فقد استحكمت أسباب الهلاك والردى ، وأحاطت بصاحبهما موجبات الضلال والشقاء .
وهذا العهد الذي جعله على نفسه ، نقضه وغدر في أول عبارة وما بعدها ، ولكل غادر لواء يوم القيامة ، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المعادين لأوليائه ، الطالبين العنت للبراء .
قال المعترض نقلا عن الشيخ : ( قال في المواضع التي تكلم بها على السيرة بعد كلام له سبق : ـ فإذا عرفت هذا عرفت أن الانسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله تعالى وترك الشرك إلا بعداوة المشركين ؛ والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء ، كما قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } قال : فإذا فهمت ذلك فهماً جيداً عرفت أن كثيراً ممن يدعون الدين لا يعرفونها ، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة إلى آخر كلامه ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:49 AM
فصل

قال المعترض : ( والمقصود هنا ذكر عبارات لهذا المكفر بعينها ؛ مما نقلناه من خطه بيده وجدناه عند أكابر دعاته ممن أدركناه ؛ وذلك أبعد عن دعوى الافتراء عليه ممن ينتمي إليه ، وجعلت على نفسي عهداً وميثاقا محققا أني لا أذكر عنه إلا ما تحقق كتحقيق الشمس عن الفيء ، إذ المقصود من ذلك طلب الحق ودفع الباطل ، حيث بقي على هذا التكفير أتباعه ونصروه ، توضيحاً منا للحق ، لأن الدين النصيحه ) .
فالجواب أن يقال : قد صنع في أكثر العبارات التي نقلها ما صنعت اليهود من التحريف لألفاظها ، وإسقاط بعضها وتغييره ، فسرى هذا الداء اليه ، كما ستقف إن شـاء الله عليه . وإذا اجتمع الجهل والهوى ، فقد استحكمت أسباب الهلاك والردى ، وأحاطت بصاحبهما موجبات الضلال والشقاء .
وهذا العهد الذي جعله على نفسه ، نقضه وغدر في أول عبارة وما بعدها ، ولكل غادر لواء يوم القيامة ، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المعادين لأوليائه ، الطالبين العنت للبراء .
قال المعترض نقلا عن الشيخ : ( قال في المواضع التي تكلم بها على السيرة بعد كلام له سبق : ـ فإذا عرفت هذا عرفت أن الانسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله تعالى وترك الشرك إلا بعداوة المشركين ؛ والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء ، كما قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } قال : فإذا فهمت ذلك فهماً جيداً عرفت أن كثيراً ممن يدعون الدين لا يعرفونها ، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة إلى آخر كلامه ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:50 AM
قال المعترض : ( فنقول أولا : ينظر في هذا الكلام وتأصيله فيقال : من هم هؤلاء الكفار أهل الشرك الذين هم ككفار قريش والحبشة الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة وأشباههم كأهل الكتاب وعبدة الأوثان الذين نهيت عن موادتهم وكفرت بها ، وأنزلت عليهم الآية الكريمة لديك : أتراهم أمة محمد  المتقدم ذكرهم الذين قد عمروا المدارس في أقطارهم وأمصارهم ، ونصبوا القضاة وشيدوا المنائر على مساجدهم لداعي الفلاح آناء الليل وأطراف النهار ظاهرين مظهرين لذلك ، قد بذلوا عليه الأمـوال والأنفس ، يجاهدون عليه من أنكره من أهل الكتاب وغيرهم حتى بنجد قد شيدوا منارها بعلمائها ، ولا والله نعلم إلا ما شاء الله على مساجدها وأئمتها ومدارسها وقرائها ومساقيها وسرجها أوقافا إلا من هؤلاء الذين كفرهم هذا الرجل ، ويسميهم بالكفار أهل الجاهلية .
والجواب أن يقال : لابد من ذكر كلام الشيخ ليتبين مراده ، ويعرف ما في كلام هذا المعترض من التحريف والحذف لما يبين مراد الشيخ وموضوع كلامه .
قال الشيخ : الموضع الثاني : أنه  لما قام ينذرهم عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد ؛ لم يكرهوا ذلك واستحسنوه وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه ؛ إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم ؛ فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة وقالوا سفه أحلامنا ، وعاب ديننا ، وشتم آلهتنا ؛ ومعلوم أنه  لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة ولا الصالحين ؛ لكن لما ذكر أنهم لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون ؛ جعلوا ذلك شتما فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء كما قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر } فإذا فهمت هذا فهما جيداً عرفت أن كثيراً من الذين يدعون الدين لا يعرفونها ولا يفهمونها ، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة مع أنه  أرحم الناس ولو يجد لهم رخصة لأرخص لهم ، كيف وقد أنزل الله عليه : { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي فكيف بغير ذلك ؟! .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:51 AM
قال المعترض : ( فنقول أولا : ينظر في هذا الكلام وتأصيله فيقال : من هم هؤلاء الكفار أهل الشرك الذين هم ككفار قريش والحبشة الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة وأشباههم كأهل الكتاب وعبدة الأوثان الذين نهيت عن موادتهم وكفرت بها ، وأنزلت عليهم الآية الكريمة لديك : أتراهم أمة محمد  المتقدم ذكرهم الذين قد عمروا المدارس في أقطارهم وأمصارهم ، ونصبوا القضاة وشيدوا المنائر على مساجدهم لداعي الفلاح آناء الليل وأطراف النهار ظاهرين مظهرين لذلك ، قد بذلوا عليه الأمـوال والأنفس ، يجاهدون عليه من أنكره من أهل الكتاب وغيرهم حتى بنجد قد شيدوا منارها بعلمائها ، ولا والله نعلم إلا ما شاء الله على مساجدها وأئمتها ومدارسها وقرائها ومساقيها وسرجها أوقافا إلا من هؤلاء الذين كفرهم هذا الرجل ، ويسميهم بالكفار أهل الجاهلية .
والجواب أن يقال : لابد من ذكر كلام الشيخ ليتبين مراده ، ويعرف ما في كلام هذا المعترض من التحريف والحذف لما يبين مراد الشيخ وموضوع كلامه .
قال الشيخ : الموضع الثاني : أنه  لما قام ينذرهم عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد ؛ لم يكرهوا ذلك واستحسنوه وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه ؛ إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم ؛ فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة وقالوا سفه أحلامنا ، وعاب ديننا ، وشتم آلهتنا ؛ ومعلوم أنه  لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة ولا الصالحين ؛ لكن لما ذكر أنهم لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون ؛ جعلوا ذلك شتما فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء كما قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر } فإذا فهمت هذا فهما جيداً عرفت أن كثيراً من الذين يدعون الدين لا يعرفونها ولا يفهمونها ، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة مع أنه  أرحم الناس ولو يجد لهم رخصة لأرخص لهم ، كيف وقد أنزل الله عليه : { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي فكيف بغير ذلك ؟! .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:51 AM
انتهى كلام الشيخ رحمه الله وقد حذف منه المعترض أوله لأن فيه التصريح بأن العداوة المطلوبة ذكر آلهتهم بأنهم لا يسمعون ، ولا ينفعون ولا يضرون ، وأن من لم يصرح بذلك ويعاديهم ويتبرأ منهم ويبغضهم ويعتقده ويدين به لا يستقيم له إسلام وهذا هو الحق بل هو من مدلول كلمة الإخلاص ؛ وهو حقيقة التوحيد ، فلو وحـد الله بعبادته ولم يشرك به ، لكنه لم يأت بهذا ولم يعتقده ، لم ينتفع بتوحيده وعدم شركه . وهذا حق لا شك فيه ، والآيات تدل عليه ، وتشهد له ، وهذا المعنى دلت عليه كلمة الإخلاص تضمنا ؛ وهو ظاهر بحمد الله . والمعترض حذفه عمداً وأخذ وسط العبارة وقصده الترويج والتمويه ، وقد ورد حديث مرفوع : ( لا يستقيم إيمان عبد حتى تستقيم جوارحه ) وكذلك قول الشيخ في آخر كلامه : ( فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه إذا أوذي فكيف بغير ذلك ) وأن هذا يدل على أن الكلام فيمن لم يصرح بعيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم والتصريح لهم بذلك ، وهـو غاية العداوة والبغضاء ، فحذف هذا المعترض أول الكلام وآخـره ليروج ويلبس ، وهذا من نوع التحريف والإلحاد وليَّ الألسن ، وهـو حرفة يهودية ورثها ، وقد قال تعالى : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } والإكراه له صور خاصة قولية لا فعلية وما عداها فلا رخصة فيه والآية عامة يدخل فيها دخولا أوليا من لم يعب دين المشركين وأن آلهتهم لا تنفع ولا تضر ، لأنه إذا لم يصرح بذلك فهو كاتم لما تضمنته كلمة الإخلاص من النفي ، ولا رخصة في الكتمان إلا بشرطه المتقدم ؛ وهذا لا خلاف فيه بين الأمة . والمعترض من الغافلين عن هذه المباحث الدينية ، أو ممن أضله الله على علم ، وقد غدر

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:52 AM
بميثاقه الذي جعله على نفسه بحذف أول العبارة وآخرها ، لأنه تبديل وتغيير لكلام الشيخ . وسيأتيك من أخواتها ما هو من أعجب العجاب ، فالحمد لله على معرفة الحق والصواب .
واعلم أن هذا المعترض لم يتصور حقيقة الإسلام والتوحيد بل ظن أنه مجرد قول بلا معرفة ولا اعتقاد ، وإلا فالتصريح بالشهادتين والاتيان بهما ظاهراً هو نفس التصريح بالعداوة والبغضاء .
وما أحسن ما قيل :
وكم من عائب قولا صحيحاً * وآفته من الفهم السقيم
ولأجل عدم تصوره أنكر هذا وردّ إلحاق المشركين في هذه الأزمان بالمشركين الأولين ، ومنع إعطاء النظير حكم نظيره ، وإجراء الحكم مع علته ، واعتقد أن من عبد الصالحين ودعاهم وتوكل عليهم وقرب لهم القرابين مسلم من هذه الأمة ، لأنه يشهد أن لا إله إلا الله ويبني المساجد ويصلي ، وأن ذلك يكفي في الحكم بالإسلام ولو فعل ما فعل من الشركيات ـ وحينئذ فالكلام مع هذا وأمثاله في بيان الشرك الذي حرمه الله ورسوله وحكم بأنه لا يغفر وأن الجنة حرام على أهله ، وفي بيان الإيمان والتوحيد الذي جـاءت به الرسل ونزلت به الكتب وحرم أهله على النار . فإذا عـرف هذا وتصـوره تبين له أن الحكم يدور مـع علته . وبطل اعتراضه من أصله ، وانهدم بناؤه ، قال تعالى : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار } وقال تعالى : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } وقال تعالى : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه } وقال تعالى حاكيا عن أهل النار أنهم يقولون

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:53 AM
لآلهتهم التي عبدت مع الله : { تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين } .
ومعلوم أنهم ما سووهم بالله في الخلق والرزق والتدبير وإنما هو في المحبة والخضوع والتعظيم والخـوف والرجاء ونحو ذلك من العبادات ، وقال تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله } وهذا حب عبادة وتأله وتعظيم . ولهذا ونحوه كفرهم الله تعالى وأباح دماءهم وأموالهم ونساءهم لعباده المؤمنين حتى يسلموا ويكون الدين كله لله . فالنزاع في هذا .
فمن عرف هذا الشرك وحقيقته ، وعرف مسمى الدعاء لغة وشرعاً وعرف أن تعليق الحكم في هذه الآيات على الشرك والدعاء يؤذن بالعلة ، تبين له الأمر ، وزال عنه الأشكال . ومن يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
فمن عبد غير الله ، وعدل بربه ، وسوّى بينه وبين غيره في خالص حقه ، صدق عليه أنه مشرك ضال غير مسلم ، وإن عمر المدارس ، ونصب القضاة ، وشيد المنار ودعا بداعي الفلاح ، لأنه لا يلتزمه ، وبذل الأموال ، والمنافسة على صورة العمل ، مـع ترك حقيقته لا تقتضي الإسلام . ولأهل الكتاب في عمارة البيع والكنائس والصوامع اجتهاد عظيم ، ومحبة شديدة ، وقد قال تعالى : { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل } وقد قال تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر } .
وقد أجمع العلماء أن الإيمان الذي دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله شرط في كل عمل . فالاحتجاج بهذه الأفعال ـ أعني بناء المساجد والمدارس ونصب القضاة ـ لا

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:54 AM
لآلهتهم التي عبدت مع الله : { تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين } .
ومعلوم أنهم ما سووهم بالله في الخلق والرزق والتدبير وإنما هو في المحبة والخضوع والتعظيم والخـوف والرجاء ونحو ذلك من العبادات ، وقال تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله } وهذا حب عبادة وتأله وتعظيم . ولهذا ونحوه كفرهم الله تعالى وأباح دماءهم وأموالهم ونساءهم لعباده المؤمنين حتى يسلموا ويكون الدين كله لله . فالنزاع في هذا .
فمن عرف هذا الشرك وحقيقته ، وعرف مسمى الدعاء لغة وشرعاً وعرف أن تعليق الحكم في هذه الآيات على الشرك والدعاء يؤذن بالعلة ، تبين له الأمر ، وزال عنه الأشكال . ومن يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
فمن عبد غير الله ، وعدل بربه ، وسوّى بينه وبين غيره في خالص حقه ، صدق عليه أنه مشرك ضال غير مسلم ، وإن عمر المدارس ، ونصب القضاة ، وشيد المنار ودعا بداعي الفلاح ، لأنه لا يلتزمه ، وبذل الأموال ، والمنافسة على صورة العمل ، مـع ترك حقيقته لا تقتضي الإسلام . ولأهل الكتاب في عمارة البيع والكنائس والصوامع اجتهاد عظيم ، ومحبة شديدة ، وقد قال تعالى : { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل } وقد قال تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر } .
وقد أجمع العلماء أن الإيمان الذي دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله شرط في كل عمل . فالاحتجاج بهذه الأفعال ـ أعني بناء المساجد والمدارس ونصب القضاة ـ لا

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:55 AM
يصـدر إلا عن جاهل أو ملبس . قال تعالى : { والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } .
وأما يمينه الفاجرة على أنه لا يعلم على المساجد والمدارس والمساقي والسرج أوقافا بنجد إلا من هؤلاء الذين كفرهم هذا الرجل يعني الشيخ .
فيقال له : أنت جعلت على نفسك عهداً وميثاقا أنك لا تحكي إلا ما ثبت عن هذا الرجل وتحقق كتحقق الشمس عن الفيء فأين تكفيره واحداً من أهل الأوقاف فضلا عن سائرهم ؟! وإذا انتزع الحياء والدين فلا تعجب مما صدر عن عادمهما من الكذب ونقض العهود وموت القلوب .
ثم كيف يتصور أن عاقلا يكّفر جميع أهل الأوقاف بنجد ، وأعصارهم وأزمانهم متطاولة متعاقبة ؟! فمنهم من وقفه متقدم على الشيخ بخمسة قرون أو ستة ، كالوقف الذي ببلد أُشيقر ، وهكذا بعده في كل عصر تحدث الأوقاف وتتجدد ، فهل يقول إن الشيخ كفّر أولئك وجزم بكفرهم من في قلبه أدنى خشية ، أو له أدنى عقل ومعرفة ؟ وقد صان الله الشيخ عن مثل هذه الجهالات والخرافات ، ومن عرف الرجال بالعلم عرف حـال الشيخ ورسوخه ومتانة علمه ودينه ، وأنه يلحق بأكابر السلف وعلمائهم وإن تأخر عصره . ومثل هذا الاعتراض حكايته تكفي عن رده .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:55 AM
يصـدر إلا عن جاهل أو ملبس . قال تعالى : { والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } .
وأما يمينه الفاجرة على أنه لا يعلم على المساجد والمدارس والمساقي والسرج أوقافا بنجد إلا من هؤلاء الذين كفرهم هذا الرجل يعني الشيخ .
فيقال له : أنت جعلت على نفسك عهداً وميثاقا أنك لا تحكي إلا ما ثبت عن هذا الرجل وتحقق كتحقق الشمس عن الفيء فأين تكفيره واحداً من أهل الأوقاف فضلا عن سائرهم ؟! وإذا انتزع الحياء والدين فلا تعجب مما صدر عن عادمهما من الكذب ونقض العهود وموت القلوب .
ثم كيف يتصور أن عاقلا يكّفر جميع أهل الأوقاف بنجد ، وأعصارهم وأزمانهم متطاولة متعاقبة ؟! فمنهم من وقفه متقدم على الشيخ بخمسة قرون أو ستة ، كالوقف الذي ببلد أُشيقر ، وهكذا بعده في كل عصر تحدث الأوقاف وتتجدد ، فهل يقول إن الشيخ كفّر أولئك وجزم بكفرهم من في قلبه أدنى خشية ، أو له أدنى عقل ومعرفة ؟ وقد صان الله الشيخ عن مثل هذه الجهالات والخرافات ، ومن عرف الرجال بالعلم عرف حـال الشيخ ورسوخه ومتانة علمه ودينه ، وأنه يلحق بأكابر السلف وعلمائهم وإن تأخر عصره . ومثل هذا الاعتراض حكايته تكفي عن رده .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:56 AM
فصل

قال المعترض : ( بل لما جاء أتباعه أكلت الأوقاف رؤساؤهم ولم يحترموا أوقاف البر وهدموا المنار ولم يروها شيئا وخربت المساجد فلم تجد من يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه وعطلوا المدارس . والويل ثم الويل لمن استغفر من أتباعه لوالديه أو ضحى لهم ) .
والجواب أن يقال : لما فرغ من سب الشيخ وبهته ، أخذ في سب أتباعه وبهتهم ؛ وبهذا تعلم أنه ذو غيظ عظيم ، وحقد وخيم ، وفي المثل : ( لكل نعمة حاسد ؛ ولكل حق جاحد ) ثم لو تكلم غير هذا الرجل بمثل هذا لكان أخف ، وأما هذا الرجل فمعاشه وملبسه ومنكحه ومدخله ومخرجه من الأموال التي بأيدي رؤسائهم ، وله في المزاحمة على ما بأيديهم نهمة وشح ليس لغيره . وقد مكث بالجبيل مدة سنين يأكل مما بأيديهم . وكذلك الحال مدة عمره في سدير ، وله منافسة ومعاداة في تحصيل هذا لا تعرف لغيره . وأتباع الشيخ من أعظم الناس احتراما للأوقاف ، ومن أكثر الناس تحبيساً وتوقيفا على المساجـد والأضاحى والأقارب ووجوه البر . لكن الهوى يعمي ويصم .
وأما قوله : ( وهدموا المنار ) .
فهذا أيضاً من البهت ، فإن المنار موجود مشيد بنجد إلى الآن ، وليس وجود المنار شرطا في الإسلام ولا واجباً . وفي استحبابه نزاع ، لعدم وجوده في عهده  . وكان المؤذن يتحرى أعلا المسجد وسطحه ليحصل الاسماع . وهذا الرجل تمكنت عداوته ، واشتدت جهالته ، فصرنا منه في عناء وتعب . ولولا غربة الدين وندرة من يعرف الحقائق من المدعين لما صرفت أوقاتا فاضلة وساعات مباركة ، في رد أباطيله ، وكشف تساجيله . والله أسأل أن يكـون كلامنا في هذه المواضع من الجهاد في سبيله ، والدعوة إلى صراطه بدليله .
وقوله : ( فلم نجد من يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:57 AM
فصل

قال المعترض : ( بل لما جاء أتباعه أكلت الأوقاف رؤساؤهم ولم يحترموا أوقاف البر وهدموا المنار ولم يروها شيئا وخربت المساجد فلم تجد من يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه وعطلوا المدارس . والويل ثم الويل لمن استغفر من أتباعه لوالديه أو ضحى لهم ) .
والجواب أن يقال : لما فرغ من سب الشيخ وبهته ، أخذ في سب أتباعه وبهتهم ؛ وبهذا تعلم أنه ذو غيظ عظيم ، وحقد وخيم ، وفي المثل : ( لكل نعمة حاسد ؛ ولكل حق جاحد ) ثم لو تكلم غير هذا الرجل بمثل هذا لكان أخف ، وأما هذا الرجل فمعاشه وملبسه ومنكحه ومدخله ومخرجه من الأموال التي بأيدي رؤسائهم ، وله في المزاحمة على ما بأيديهم نهمة وشح ليس لغيره . وقد مكث بالجبيل مدة سنين يأكل مما بأيديهم . وكذلك الحال مدة عمره في سدير ، وله منافسة ومعاداة في تحصيل هذا لا تعرف لغيره . وأتباع الشيخ من أعظم الناس احتراما للأوقاف ، ومن أكثر الناس تحبيساً وتوقيفا على المساجـد والأضاحى والأقارب ووجوه البر . لكن الهوى يعمي ويصم .
وأما قوله : ( وهدموا المنار ) .
فهذا أيضاً من البهت ، فإن المنار موجود مشيد بنجد إلى الآن ، وليس وجود المنار شرطا في الإسلام ولا واجباً . وفي استحبابه نزاع ، لعدم وجوده في عهده  . وكان المؤذن يتحرى أعلا المسجد وسطحه ليحصل الاسماع . وهذا الرجل تمكنت عداوته ، واشتدت جهالته ، فصرنا منه في عناء وتعب . ولولا غربة الدين وندرة من يعرف الحقائق من المدعين لما صرفت أوقاتا فاضلة وساعات مباركة ، في رد أباطيله ، وكشف تساجيله . والله أسأل أن يكـون كلامنا في هذه المواضع من الجهاد في سبيله ، والدعوة إلى صراطه بدليله .
وقوله : ( فلم نجد من يعمرها إلا من لم يدخل ريبه في قلبه ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 01:58 AM
يتبع راح أكمل غداً الكتاب

غريبة_48
05-20-2010, 01:47 PM
ينقل للقسم المناسب بارك الله فيك أخي الفاضل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 02:59 PM
فيقال : شهادة الحال والحس كافية في بيان كذبه ، وإبطال قوله ، لأنه جحد للحسيات ، ومكابرة في الضروريات . فأهل التوحيد هم أهل المساجد وعمارها ، قال تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } وفي حديث وفد عبد القيس ( أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ شهادة أن لا إله إلا الله ) الحديث . فأهل كلمة الإخلاص الداعون إليها هم أهل الإيمان عمار المساجد . وكل من يرتاب في هذا أو يشك فيه لا يألف المساجد ولا يعمرها ، وسل خبيرا بحال هذا الرجل ينبيك عنه وعن قلة عمارته للمساجد .
وأما قوله : ( والويل ثم الويل لمن استغفر من أتباعه لوالديه أو ضحى لهم ) .
فهذه القولة الضالة كأخواتها السابقة ، فيها من نقض عهده الذي جعله على نفسه وفيها من البهت والكذب وطلب العنت للبراء ما يقضي بفسوق القائل . فنعوذ بالله من استحكام الهوى ، والضلال بعد الهـدى : ( فمن قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ) ولا نعلم أن أحداً من أهل العلم والدين نهى عن الاستغفار والتضحية إلا إذا استبان أن الشخص الذي يستغفر له من أصحاب الجحيم بأن مات يدعو لله ندا ، وهذا نص القرآن قال تعالى : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } هذا مذهب الشيخ وأهل العلم من أتباعه . وأما التخليط والحكم بالظن والهذيان فذاك من طوائف الشيطان يصدهم به عن سبيل العلم والايمان .
وفي قول المعترض : ( الذين لم يدركوا دعوته ) .
أن من تقادم عهده وتطاول عصره داخل في عموم كلامه ، وأن الشيخ ينهى عن الاستغفار له وإطلاق هذا يتناول القرون المفضلة ومن بعدهم . وليس هذا ببدع من كذبه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 02:59 PM
وبهته وحسابه على الله وأمره اليه . قال تعالى : { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون }.
لي حيلة فيمن ينــم * وليس في الكذاب حيلة
ومن كان يخلق ما يقو * ل فحيلـتي فيه قليلة
أين ميثاقه وعهده ؟ قال تعالى : { وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين }.
حلفت لنا أن لا تخون عهودها * فكأنها حلفت لنا أن لا تفي
وأما قوله : ( حتى ما نجد من الأوقاف على الحرمين صرفوها لجهادهم ومساجدهم ) .
يقال : قـد تقدم أنه قال : ( وخربت المساجد فلم نجـد من يعمرها ) اهـ . فما هذا التناقض ؟! تارة يزعم أنهم يأكلون أوقاف المساجد ويخربونها ثم يقول : أنهم صرفوا أوقاف الحرمين لمساجدهم . ثم انظر : ما نكتة إضافة المساجد إليهم أتظنه لا يرى صرف الأوقاف لها ولا يرى لها من الحرمة ما لسائر المساجد فأضافها إليهم استهانة بها لا تشريفا . فما أشد تعصبه ، وما أبعد عن الحق مذهبه .
ثم يقال : أي وقف أخذه الشيخ من أوقاف الحرمين في أي بلد وأي مكان ؟! هذه الدعوى من أكذب الدعاوى وأضلها . قد استولوا على الإحساء وفيه وقف للحرمين لم يتعرض له أحد بل هو يصرف إلى الآن في مصرفه . ثم في المسألة بحث في صرف أوقاف المساجد ـ ولو مسجدي الحرمين ـ على غيرها إذا اقتضاه مقتض أو أوجبه مصلحة شرعية ، والبحث معروف عند أهل العلم من الحنابلة وغيرهم . فلو فرضنا وقوعه فليس فيه مطعن بوجه من الوجوه ومن ترك صناعة العلم وتكلم بمجرد الرأي والهوى فليس بمستنكر عليه هذا الخلط والضلال .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:00 PM
فصل

قال المعترض : ( وذلك لجعله بلاد الحرمين من بلاد الكفار ، يوضح ما قلنا عمن سمعنا ورأينا وأدركنا أن من جاءهم من الحرمين سموه مهاجراً جاء رجل من مكة يقال له عبد الرزاق فسموه مهاجراً ، ومن المدينة جعفر سموه مهاجراً ، ومن العراق كذلك . ومن كل ناحية من بلاد الإسلام . فهذا الكلام على تأصيل كلامه على الكفار والمشركين الذي أسند حكمه إليهم بالتكفير بموادتهم حتى تعلم أنه كما قيل ( أحصد هوى وغمر ماش ) هذا لفظه .
والجواب أن يقال : هذه كتب الشيخ وهذه تصانيفه ورسائله : أي كتاب وأي فتوى وأي ناقل يعتد به نقل عنه أن بلاد الحرمـين بلاد كفر ؟! .
قال الشيخ رحمه الله تعالى في رسالته إلى السويدي البغدادي : وما ذكرت أنى أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ، فيا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل ؟! هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون ؟! ... إلى أن قال : وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسل ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله . فهذا هو الذي أكفره . وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك .
وقال رحمه الله في رسالته للشريف : وأما الكذب والبهتان مثل قولهم : أنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل ، ومثل هذا وأضعاف أضعافه ، وكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله .
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:00 PM
فإذا كان هذا كلام الشيخ رحمه الله فيمن عبد الصنم الذي على القبور إذا لم يتيسر له من يعلمه ويبلغه الحجة ، فكيف يطلق على الحرمين أنها بلاد كفر ؛ والشيخ على منهاج نبوي وصراط مستقيم ، يعطي كل مقام ما يناسبه من الإجمال والتفصيل .
وأما تسمية عبد الرزاق وجعفر مهاجرين فقدوم هذين الرجلين بعد الشيخ بعدة سنوات فلا يجوز نسبة هذا إليه ؛ بل هو كذب ونقض لعهده الذي جعل على نفسه ، ويل أمه ، ما أكثر غدره ، وما أقل وفاءه .
على أن هذا لا يعاب به الشيخ وهو جـار على قانون العلم وأصوله . فمن ترك بلداً يظهر فيها الشرك أو البدع أو الفسوق وهجرها لذلك فهو مهاجر ، شاء الشيطان أم أبى ، وقد خرج من المدينة خلق لما حصر عثمان ووقعت الفتنة ، والفقهاء ذكروا وجوب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه أو خاف الفتنة . وقد سئل بعض الصحابة فقيل له أين أنت أيام الفتنة ؛ يعني فتنة مقتل عثمان وما بعده ، فأنشد :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى * وصوَّت إنسان فكدت أطير
وأما قوله كما قيل : أحصد هوى وغمر ماش . فهذا الأحمق قد بحث عن حتفه بظلفه ؛ وفتح على نفسه باب المناقشة ، وصاحب الهوى هو الذي يرتكب ما يهواه ولا يرده عن القبائح راد ؛ ولا يمنعه عن شهواته مانع من عقل أو دين ، فحينا ينتسب إلى المسلمين ؛ ويدعي أنه على الملة موافق لهم في العقيدة ويتزين بشرح بعض مصنفات الشيخ ، وتارة يرجع عن هذا كله ، وينقلب على وجهه ؛ ويأخذ في سب الشيخ وأتباعه ، ويجمع من الخرافات والخزعبلات ما لا يصدر عن عاقل . ولو كان عدوا ، وهذا هو الهوى المعمي ؛ والداء العضال القاتل . وقد رأيت له رسالة أرسلها إلى بعض الأعيان من أولاد الشيخ يتمدح فيها بذكر الشيخ ومحبته ومـوالاته ، ويستشهد على متابعة المخاطب بقوله تعالى عـن بلقيس : { رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } فلما أعرض عنه المخاطب بهذه الرسالة رجع إلى ثلبه وعيبه ، وكتب رسالة إلى بعض أمراء

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:01 PM
الوقت يعيب من أسلم معه لله رب العالمين بزعمه ، وكم لها من نظائر ، ومتابعة هذا المعترض لهواه يشهد لها ما عليه من الظلمة وعلى أقواله وتأليفه ومدخله ومخرجه . ومن اجتمع فيه ظلمة الجهل وظلمة الهوى وظلمة الشك والريب فقد أحاطت به الظلمات وحلت بداره الهلكات .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:02 PM
فصل

قال المعترض : ( فإذا تنزلنا معه على مذهبه من تكفير الأمة حتى يظهر لك جهله حيث قال في كلام له يأتي : من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس اهـ ) .
فيقال لهذا المعترض وإخوانه : قد تقدم أن الشيخ برئ مما نسب إليه من تكفير الأمة ، ولا يلزم من قوله ( أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس ) أنه يعتقد كفر الأمة ، أو أن الأمة جميعها لا تعرف التوحيد . هذا لا يتحمله كلامه ، ولا يدل عليه ولا يلزمه ، وإظهاره التوحيد للناس حق وصدق ، فلم يظهر في وقته وقبله بأزمنة ظهوراً جلياً لأهل تلك البلاد إلا بعد دعوته إلى الله ، وبيانه للناس ما جاء به نبيهم من الهدى ودين الحق ، ولا يمنع أن يكون من الأمة من يعرفه ويدين به ؛ لكن له في الدعوة والبيان والإظهار منزلة ومرتبة ليست لغيره من أهل وقته ، ولذلك كثر أعداؤه وخصماؤه واشتغل الجاهلون بالصد عما جاء به ، وعظم ذلك في نفوسهم ، وخصوه بالعداوة ، وسالموا كل كافر ومشرك وجهمي ورافضي ومبتدع ، وهل ذلك إلا لحنق في صدورهم وغيظ في نفوسهم ؛ واستكباراً عن إجابته ؟ ولو سلموا من ذلك لوجدوا من أعداء دين الله ورسوله المكـذبين لرسله من يردون عليه ، ويصنفون في عيبه وثلبه ، والعالم يظهر للناس ما خفى من أصول الدين وفروعه ، ولا يقتضي حصر العلم فيه وإن اشتهر بالدعوة والبيان .
وقد خفى التوحيد على طوائف من هذه الأمة في القرن السادس وقبله كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره ، وذكروا من غلط في مسماه من المتكلمين وأتباعهم ومن جهال الصوفيه كذلك أهل الاتحاد والحلولية إذ يرون مذاهبهم هي التوحيد ؛ وتوحيد المعتزلة هو الاتيان بأصولهم الخمسة واعتقادها ، وقد خاطب شيخ الإسلام بعض الشيوخ في مسألة التوحيد ، وبيّن له توحيد المرسلين وأصل الإسلام ، وأن ما يحصل من التأله

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:02 PM
والاستغاثة بالشيوخ والصالحين يخالف ما جاءت به الرسل من التوحيد وإسلام الوجوه لله ، فعظّم أمـر هذه المسألة ، وقال لشيخ الإسلام : هذا أعظم ما بينته لنا ـ أو كما قال ـ . فكيف والحالة هذه يعترض على شيخنا في قوله : إن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس . أيظن هذا المعترض أنه على تطاول الأعصار ، وممر الدهور ، يزداد الدين ظهوراً ، وقد أخبر نبينا  أنه يعود غريبا كما بدأ ، فلا بد من غربته وغربة من يعرفه ويدين به ، وهذا من أعلام النبوة كما يشهد له الحس والواقع .
قال ابن القيم رحمه الله في الكلام على قوله تعالى : { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض } الآية : الغرباء في هذا العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في هذه الآية ، وهم الذين أشار إليهم النبي  في قوله : ( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء ) قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : ( الذين يصلحون إذا فسد الناس ) وفي حديث عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله  ذات يوم ونحن عنده : ( طوبى للغرباء ) قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : ( ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير ، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ) فأهل الإسلام بين أكثر الناس غرباء ؛ وأهل الإيمان بين أهل الإسلام غرباء ، وأهل العلم في المؤمنين غرباء ، وأهل السنة الذين تميزوا بها عن أهل الأهواء والبدع فيهم غرباء ، والداعون إليها ، الصابرون على أذى المخالفين لهم أشد غربة ، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا فلا غربة عليهم ، وإنمـا غربتهم بين الأكثرين ، قال الله تعالى فيهم : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } فأولئك هم الغرباء عن الله ورسوله ودينه ، وغربتهم هي الغربة الموحشة ، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:03 PM
فالغربة ثلاثـة أنواع : غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق ، وهي الغربة التي مدح رسول الله  ، وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه : ( بدأ غريباً وأنه سيعود غريباً ) وأن أهله يصيرون غرباء .
وقال الحسن : ( المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها للناس حال وله حال ) .
ومن صفات هؤلاء الغرباء الذي غبطهم النبي  ، التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم ؛ وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس ، وترك الإنتساب إلى أحد غير الله ورسوله ، لا طريق ولا مذهب ولا طائفة ، بل هؤلاء الغرباء ينتسبون إلى الله بالعبودية له وحده ، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده ، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا ، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم ، وقال النبي  : ( إنهم النزّاع من القبائل ) . انتهى .
وأما قول المعترض : ( ونحن لا نقول بذلك من تكفير الأمة ، ولا أنه الذي أظهر دين الله ورسوله ، بل هو قبله ظاهر قاهر لا يضره من خذله إلى يوم القيامة ، كما صح عن النبي  في الصحيحين وغيرهما .
فيقال : تكفير الشيخ للأمة قد تقدم البيان في أنه من أوضاعكم وأكاذيبكم وتقدم نصه بنقل العدول في البراءة منه .
وأما عدم قولك بأنه الذي أظهر دين الله ورسوله فنعم ، أنت لا تقول به ولا يقول به من أعمى الله بصيرته وتحير في ظلمة الجهل والطبع والهوى ، فشك في واضحات العلم وضروريات الهدى ، وهذا الضرب من الناس لا يلتفت إليهم ، ولا يعدون إذا عُدّ أهلُ العلم والإيمان ، بل هم همج رِعاع لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا الى رُكن وثيق ، أقرب شبهاً بهم الأنعام السارحـة ، وإنمـا يعرف الحـق والفضل ذووه من أهل العلم

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:04 PM
بالله ودينه ، الذين ينظرون بنور الله ، ويعرفون الرجال بالعلم ، فلهم بصيرة بالحق ومعرفة له أينما كان ، ومع من كان ، قال الله تعالى : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين } وفي الحديث : ( ما جعل الله من نبوة إلا كانت بعدها فترة ) .
وقال الإمام أحمد في خطبته : ( الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب الله الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، ومن ضال تائه قد هدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس ، وما أقبح أثر الناس عليهم ) إلى آخر كلامه رحمه الله .
وقد شهد أهل الفضل والعلم من أهل عصره أنه أظهر توحيد الله وجدد دينه ، ودعا إليه . قال العلامة حسين بن غنام رحمه الله :
لقد رفع المولى به رتبة الهدى * بوقت به يعلو الضلال ويرفع
وذكر ابن غنام في تاريخه عن أكابر أهل عصره أنهم شهدوا له بالعلم والدين ، وأنه من جملة المجددين لما جاء به سيد المرسلين . وكذلك أهل مصر والشام والعراق والحرمين تواتر عن فضلائهم وأذكيائهم مدحه والثناء عليه والشهادة له أنه جدد هذا الدين ، كما قال شيخنا محمد بن محمود الجزائري رحمه الله تعالى . وأما استدلال هذا المعترض بحديث : ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ) .
فلم يفقه معناه فإن الظهور يراد به هنا ظهور القهر والغلبة للأعداء والمخالفين ، وعلو الشأن لأن الحق والإسلام يزداد بياناً ووضوحا إلى يوم القيامة . فإن هذا الفهم يرد بحديث : ( بدأ الاسلام غريباً ، وسيعود غريباً كما بدأ ) وبحديث : ( لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ) وأحاديث رفع العلم وقبضه وظهور الجهل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:04 PM
والفتن وكثرة الهرج كلها ترد فهم هذا المعترض وتبطله ، ولا يقبل ريبه وتفسيره إلا جهال جلسائه وأصحابه الذي لا يفرقون بين الدر والبعر ؛ والخبيث والطيب ، والميتة والمذكاة { فبعداً للقوم الظالمين } فقول المعترض هو المارج الخارج لا قول شيخ الإسلام .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:05 PM
فصل

قال المعترض : ( فظاهر كلامه أن النجاشي ملك الحبشة الذي صلى عليه النبي  بأصحابه رضي الله عنهم حين أخبره جبريل عليه السلام بموته أنه بكلامه هذا كافر ليس بمسلم ، حيث لم يصرح بعداوة قومه الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة ، وكذلك إمـرأة فرعون التي قالت : { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين } ومؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه فهو والنجاشي والصحابة جعفر وأصحابه الذي هاجروا إلى الحبشة رضي الله عنهم كفار بهذه العبارة ، كما ترى عند هذا الرجل ، إذ لم يصح إسلامهم على قوله ، حيث لم يصرح بعداوة الحبشة .
فيقال : الله أكبر ، ما أكثر ما في هذه الكلمات اليسيرة من الكذب والظلم والتحريف والجهل .
وجوابها من وجوه :
الأول أن يقال : ليس ظاهر كلامه أن النجاشي ومن ذكر بعده لم يصح إسلامهم . هذا كذب بحت ، وافتراء ظاهر ؛ لأنه قد ثبت أن النجاشي قد صرح بعداوتهم والبراءة من مذهبهم وراغمهم ، زيادة على التصريح بالعداوة . وقد قال : ( وإن نخرتم ) لما صرح بعبودية عيسى عليه السلام حين قرأ جعفر صدر سورة مريم وما فيها من ذكر عيسى ، فقال النجاشي : ( والله ما زاد عيسى على هذا ) . فنخـرت بطارقته ، فقال : ( وإن نخرتم ) فأي جهاد وتصريح وعداوة أبلغ من هذا ؟! ومع ذلك نصر المهاجرين ومكنهم مـن بلاده ؛ وقال : ( أنتم سيوم بأرضي ) ـ أي آمنون ـ ( من سبكم ندم ، ومن ظلمكم غرم ) فقد صرح بأنه يعاقب من سب دينهم وسفه رأيهم فيه ، وهذا قدر زائد على التصريح بعداوتهم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:06 PM
ولا يقول إن جعفراً وأصحابه يكتمون دينهم ببلاد الحبشة ولا يصرحون بعداوة الكفار والمشركين إلا أجهل الورى ، وأعظم كذبا وافتراء ، وهل ترك جعفر وأصحابه بلادهم وأرض قومهم واختاروا بلاد الحبشة ومجاورة الأباعد والأجانب وغير الشكل في المذهب والنسب واللسان ، إلا لأجل التصريح بعداوة المشركين والبراءة منهم جهارا في المذهب والدين ؟ ولولا ذلك لما احتاجوا إلى هجرة ، ولا اختاروا الغربة ، ولكن ذلك في ذات الإله ، والمعاداة لأجله ، وهذا ظاهر لا يحتاج لتقرير لولا غلبة الجهل .
وامرأة فرعون قصتها وما جرى عليها من المحنة مشهورة في كتب التفسير لا يجهله من له أدنى ممارسة . وقد حكى الله في سورة التحريم قولها المشتمل على التصريح والبراءة من فرعون وعمله ومن القوم الظالمين . والظلم هنا هو الكفر الجلي .
ومؤمن آل فرعون قام خطيبا في قومه ، عائبا لدينهم ، مفنّداً لقيلهم ماقتاً لهم ؛ داعياً إلى الحق وإلى صراط مستقيم . كما ذكر الله قصته وقررها في سورة ( حم المؤمن ) .
ومن طبع الله على قلبه وحقت عليه كلمة العذاب لم تفد فيه الواضحات ، ولم ينتفع بالآيات البينات .
الوجه الثاني : أنه قد تقدم عن الشيخ أنه قرر في أول كلامه وآخره أن هذه العداوة التي لا يستقيم الإسلام بدونها : هي التصريح بأن آلهتهم لا تضر ولا تنفع ، وأن عبادتها من أبطل الباطل وأضل الضلال . وهذا هو سب آلهتهم الذي أنكروه وعابوا الرسول به .
فالكلام في نوع خاص ، قد حصل من النجاشي وامرأة فرعون ومؤمن آل فرعون ما هو أبلغ منه وأصرح .
الوجه الثالث : أنه لو فرض العموم في كـلام الشيخ فأصل العداوة : البغضاء والكراهة . وأصل الموالاة : المحبة والمودة . ومعلوم أن الذين ذكرهم هذا الرجل قد

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:06 PM
صرحوا بمحبة الحق وكراهة الباطل ، كيف وقد امتحن عليه من امتحن ، وهاجر فيه من هاجر ؟! .
الوجه الرابع : أن الشيخ قال : إذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحّد الله إلا بعداوة المشركين .
فإن أريد أصلُ العداوة فقد تقدم جوابه ، وإن أريد عموم العداوة من كل وجه فالكلام في استقامته ، لا في حصول أصله . فالذي يفهم تكفير من لم يصرح بالعداوة من كلام الشيخ فهمه باطل ، ورأيه ضال ، لأنه محتمل . وقد دلت الآيات والأحاديث على أنه لا استقامة للدين ، بل ولا يطلق الإيمان إلا على من عـادى المشركين في الله وتبرأ منهم ، ومقتهم لأجله قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } وقال تعالى : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } وقال تعالى : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون . ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون . ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون } .
قرر شيخ الإسلام في هذه الآيات أنها دالة على انتفاء الإيمان بموادة من حاد الله وأن معاداتهم من واجبات الدين ، والإيمان والإسلام لا يستقيم إلا بها . ذكره في كتاب الإيمان وقرره في مواضع منه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:08 PM
وليس مراد الشيخ بقوله : ( لا يستقيم له إسلام ) أنه يكفر كما فهمه هذا الضال وكما فهمته الخوارج من نفي الإيمان عمن ترك واجبا . وهذا بين بحمد الله .

الوجه الخامس : أنا لو تنزلنا مع هذا الضال وجاريناه في فهمه الفاسد لما لزم دخول مؤمن آل فرعون وامـرأة فرعـون ـ قال تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } ولا يلزم أن يكون شرعنا شرعـا لمن قبلنا .
الوجه السادس : أن مهاجرة الحبشة والنجاشي وقصته مع جعفر كانت في أول الإسلام قبل إكمال الواجبات والآية التي استدل بها الشيخ مدنية ، وكل عالم يعرف أن القرآن نزل منجما والأحكامُ لا تلزم إلا بعد البلوغ . هذا لو تنزلنا مع المعترض .
الوجه السابع : أن عموم الآية مخصوص بما أبيح للمفتون في نفسه أن يتوقى بإظهار الموافقة وقلبه مطمئن بالإيمان فلا يلزم عمومها لمثل امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون لو سلمنا عدم التصريح .
الوجه الثامن : أن ( الإنسان ) يطلق ويراد به خاص ومعين ؛ كما في قوله تعالى : { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه } وقوله : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه } وقوله : { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } فهذا ونحوه عام أريد به الخصوص . وهذا معروف في اللغة والاصطلاح الشرعي ، مشهور عند أهل العلم مقرر في كتب أصول الفقه ، فما الذي أخرج كلام الشيخ عن هذا وأوجب إدخال من ذكر في كلامه لو فرض عـدم تصريحهم ؟ فالله المستعان .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:08 PM
فصل

قال المعترض : ( فيالله العجب ، ما أعمى عين الهوى عن الهدى ، فإن جعفراً وأصحابه لو سلموا من أذى المشركين ومنعهم إياهم عن عبادة ربهم لم يهاجروا للحبشة الذين يجعلون الله ثالث ثلاثة ، فلم تضر إقامتهم عندهم ؛ بل نفعتهم وصارت هجرة ثانية ، وذلك كما قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه بين أظهر المشركين في جوار ابن الدغنة حين أمن من أذاهم ؛ ولم تضره إقامته بين أظهرهم ، ولم يكلفه النبي  ما كلف هذا المتكلم ، لو كان كلامه وتأصيله صحيحا ، فكيف بما ذكرنا ؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، كيف يتكلم الرجلُ بما لا يدري ما تحت كلامه على الله وعلى رسوله وعلى كتاب الله المجيد ؟! إذ أي بلد من بلاد الإسلام من أهل القبلة المحمدية الذي جعلهم هذا الرجل بكلامه كفاراً ، يمنعون الإنسان من شهادتي الإخلاص ؛ وأداء الفرائض وتلاوة القرآن وذكر الله وتوحيده ؟! بل من فعل ذلك عندهم يكون له الإكرام والإحترام ؛ إذ هذا خلاصة كلمة التقوى ، وهم أحق بها وأهلها ) .
فيقال لهذا المفتري : عماية عين الهوى عن معرفة مواقع الخطاب والهدى هي التي أوقعتك في مهالك العطب والردى ، وأوجبت لك مسبة أهل العلم من سادات الورى وسدت عليك أبواب الرشد والفلاح في الآخرة والأولى .
لو علقت كلام الشيخ وعرفت مواقع الخطاب ، وسلمت من الأشر والبطر والاعجاب ، لعرفت أن كلامه ليس في المخالطة والمقام بين ظهرانيهم ، بل هذه المسألة ليس في كلام تعرُّض لها أصلا ، والهجرة إلى الحبشة ، ومُقام أبي بكر الصديق يتلو القرآن بمكة ويظهر دينه ، كل هذا يؤيد كلام الشيخ وينصره في وجوب التصريح بالعداوة ، وأنه لا رخصة مع الإستطاعة ، ولولا ذلك لما احتاجوا إلى الهجرة ، ولو تركوهما في بلد النجاشي لم يحتاجوا إلى نصرته ، وأن يقول : ( أنتم سيوم بأرضي ) ولكان كل مؤمن يخفي

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:09 PM
إيمانه ولا يبادي المشركين بشيء من العداوة فلا يحتاج حينئذ إلى هجرة ، بل تمشي الحال على أي حال ، كما هي طريقة كثير ممن لم يعرف ما أوجب الله من عداوة المشركين وإظهار دين المرسلين ، ولولا التصريح بالعداوة من المهاجرين الأولين ، ومباداة قومهم بإظهار الإسلام وعيب ما هم عليه من الشرك وتكذيب الرسول ، وجحد ما جاء به من البينات والهدى لما حصل من قومهم من الأذية والابتلاء والامتحان ما يوجب الهجرة واختيار بلد النجاشي وأمثالها من البلاد التي تؤمن فيها الفتنة والأذية .
فالسبب والمقتضي لهذا كله ما أوجبه الله من إظهار الإسلام ومباداة الشرك بالعداوة والبراءة ؛ بل هذا مقتضى كلمة الإخلاص ، فإن نفي الإلهية عما سوى الله صريح في البراء منه والكفر بالطاغوت ، وعيب عبّاده وعداوتهم ومقتهم ، ولو سكت المسلم ولم ينكر ، كما يظنه هذا الرجل ، لألقت الحرب عصاها ، ولم تدُرْ بينهم رحاها ، كما هو الواقع ممن يدعي الإسلام وهو مصاحب ومعاشر لعباد الصالحين والأوثان والأصنام . فسحقا للقوم الظالمين .
وفي قصة أبي بكر حين منع من قراءة القرآن في مسجده ، الذي اتخذه على حافة الطريق يتلو فيه القرآن ظاهراً ، وكان رجلا بكاء عند تلاوة القرآن ، والناس يستمعون إلى قراءته ، وفيها ما فيها من تكفيرهم وعيبهم ووعيدهم وسب آلهتهم والبراءة منهم ، ومن عبادة ما عبدوه ، فنهوه عن ذلك فلم ينتهِ ، وثبت على إظهار دينه ؛ فأمروه بالخروج فلقيه ابن الدغنة فقال : ( ارجع ؛ فمثلك لا يخرج أنت في جواري ) فمضى على ما كان يصنع من الجهر بالقراءة وإظهار دينه ، وهذا هو مـراد الشيخ ، وهو الدليل على وجوب التصريح بعداوتهم ، فترك المعترض هذا كله ، وظن أن إجارة ابن الدغنة تقتضي عدم العداوة من أبي بكر وأنه يوالي ابن الدغنة ، فما أضل هذا الفهم ، وقد دخل النبي  في جوار المطعم بن عدي أترى هذا يقتضي موالاة النبي  له ، وعدم التصريح بعداوته ؟

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:10 PM
فكأن الرجل المعترض نبطي لا يفهم موضوع الكلام ولا يحسن الاستدلال ، فيستدل بالشيء على ضد ما يدل عليه .
ولقد أنسانا بجهله ما سمعناه عن إخوانه الجاهلين ، وما أحسن ما قال مجاهد رضي الله عنه في قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } قال : ( حتى يتركه لا يعقل ) .
وأما قوله : ( أي بلد من بلاد المسلمين من أهل القبلة المحمدية الذي جعلهم هذا الرجل كفاراً يمنعون الانسان من شهادتي الإخلاص وأداء الفرائض وتلاوة القرآن وذكر الله وتوحيده ؟ ) .
فالجواب أن يقال : في عبارته هنا تحريف ظاهر فإنه أوقع الموصول المفرد على الجمع ، ولم يفرق على عادته في اللحن الفاحش .
ويقال أيضا لهذا الظالم : إن الخوارج وغلاة القدرية والجهمية والقرامطة وغلاة الرافضة من الاسماعيلية والنصيرية وغلاة عباد القبور الذين يرون أن مشايخهم يتصرفون في الكون . كل هؤلاء لا يمنعون من لفظ الشهادتين ؛ وأداء الفرائض وتلاوة القرآن ، بل اليهود والنصارى لا يمنعون من ذلك من دخل بلادهم من المسلمين ؛ وبنو حنيفة لا يمنعون من ذلك ، وعلى زعم هذا الرجل لا مانع من الاقامة بين أظهرهم ، ولا هجرة من ديارهم وأماكنهم ؛ وهذا القول لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويعرف مراد الله ورسوله في الهجرة ويدري سر ذلك .
وهذا الرجل كما ترى في الجهل والسفاهة ، ومع ذلك يترشح للرد ويرى نفسه بهذا من طلبة العلم ومن علماء المسلمين ، وهو معدود عند العارفين من الأغبياء الجاهلين .
والأعاجم والفرس الذين يعبدون عليا والحسن والحسين يكتبون المصاحف ويطبعونها ويشترونها بغالي الأثمان ، ويبنون المساجد ، ويؤذنون . وأما توحيد الله بالعقيدة والعمل فأكثرهم لا يراه . وينكره أشد الانكار ، ويمنع منه . وإنما حدث الشرك بأمرهم ورأيهم

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:10 PM
وسلطانهم في هذه الأمة ، وهم أول من بنى المساجد على القبور وعظموها حتى صارت أوثاناً تعبد ، وبيوتاً تحج وتقصد ، بل جعلوا لأهلها التصريف والتدبير والنفع والضر ، زعماً منهم أن هذا كرامة . وهذا مشهور عنهم سرى في أكثر الأمصار ، وعمت به البلوى ، حتى رأينا وسمعنا بمصر وغيرها من ذلك ما لا يبقى معه للإسلام أصل يرجع إليه ، وصنفوا في ذلك مصنفات يعرفها من له نهمة في طلب العلم وأخبار الناس .
أفيقال : هؤلاء لا يمنعون من توحيد الله وذكره ؟ ولولا حجاب الجهل والهوى لما خفى حالهم على هذا المتكلم ، ولما قال : هذا خلاصة كلمة التقوى ، وهم أحق بها وأهلها والله سائله عن ذلك ومجازيه عليه ؛ لئن كان أهل الشرك بالله ومعاداة أولياءه ومعصية رسوله من المعطلة وعباد القبور هم أهل كلمة التقوى وهم أحق بها وأهلها فلقد ضل حينئذ من أنكر ذلك ومنعه ، وكفر أهله من السابقين الأولين إلى أن تقوم الساعة . وهذا لازم لقوله لا محيص عنه .
وبه تعرف أنه هو الذي لا يدري ما تحت كلامه وما خرج من بين شفتيه ، قال تعالى : { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } هذا هو الحكم العدل والقول الفصل والحق المبين ، لا من جعل أهل الشرك بالله ومعاداة أوليائه أهل كلمة التقوى والأحقين بها . وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون .
ثم ساق المعترض حديث أبي موسى في قصة أسماء بنت عميس مع عمر ، وقول النبي  : ( لعمر وأصحابه هجرة ولكم هجرتان ) .
ثم قال المعترض : ( إذا علمت هذا تبين لك خطاّ هذا الرجل بأتم بيان وأوضح برهان ، كيف وقد قال تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وذكر قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وحديث : ( ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ) الحديث . وذكر حديث ابن عمر : ( إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم وكانوا هكذا ـ وشبك بين أنامله ـ فالزم بيتك ، واملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بخاصة أمـر نفسك ، ودع عنك أمر العامة ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:11 PM
ثم قال : ( فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو واجب مع القدرة على الكفاية حسب مراتبه ودرجاته ) .
فيقال في جواب هذا : هذه الأحاديث والآيات الكريمات تؤيد ما قاله الشيخ وتنصره ، فإن فضل الهجرة الأولى وما جاء فيها يدل على وجوب التصريح بعداوة المشركين وإن لم يكن للمسلمين دولة وشوكة ، كحالهم في بدء الاسلام ، ولذلك احتاجوا إلى الهجرة ، ولو تركوا التصريح بالعداوة وعيب دين المشركين لما احتاجوا إلى ترك أوطانهم ، ولكنهم فعلوا ذلك لحاجة المؤمن إلى إظهار دينه ، وخوفه من الفتنة .
وبهذا تبين صواب كلام الشيخ وخطأ المعترض ، وأنه قد عكس القضية في تخطئة الشيخ . والقلب إذا خسف به تصور الحقائق على غير ما هي عليه . وقد تقدم هذا الجواب .
وليس في كلام الشيخ أن المؤمن يؤاخذ بوزر غيره ، حتى يرد عليه بقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } بل في كلام الشيخ أن عداوة المشركين وبغضهم من واجبات الدين ، وتاركه ما استقام إسلامه ، فأين هذه من هذه ؟! لقد أبعدت المرمى واستحكم عليك الجهل والعمى .
وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } فسرها حديث أبي ثعلبة وحديث أبي بكر ، وفيهما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإذا فعل ذلك المؤمن فلا يضره ضلال من ضل إذا اهتدى ، وقام هو بالواجب .
وقوله  : ( حتى إذا رأيتم شحا مطاعا ) غاية للأمر والنهي ، ولا أنه لا يجب ابتداء . فافهمه يستبن لك جهل المعترض .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:11 PM
وكذلك حديث عبد الله بن عمر هو من هذا الباب ، ليس فيه أنه لا يأمر ولا ينهى ، ولا يظهر دينه . ومن فهم هذا من الأحاديث فهو من الأغبياء الضالين .
وأما قوله : ( فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كفر به هذا الرجل الأمة ... إلخ ) في عبارته خلل ، وهي خطه بيده وكان الصواب أن يقول : الذي كفر بتركه ، لا به . فتأمل .
ويقال في جوابه : خرجت عن محل النزاع ، فالنزاع في التصريح بالعداوة ، وأما الأمر والنهي فهو أمر آخر ، وطور ثان . وليس في كلام الشيخ تعرض له ، فنسبة التكفير إليه به مع أنه خروج عن موضوع الكلام وحيدة عن تحرير محل النزاع فهو أيضا كذب ظاهر وبهت جلي . من قال : إن الشيخ كفّر بهـذا ؟ ومن نقله وفي أي كتاب ؟ وفي أي رسالة ؟ وقد خاب من افترى .
فمن أين أو أنى وكيف ضلالهم * هدى ، والهوى شتى بهم متشعب
وإنما أدرج مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسألة وجوب المعاداة والتصريح بها ليلبس على الجهال ، ويتكثر بما ساقه من كلام العلماء ، وهو عليه لا له كما ذكر هو عن القاضي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا لم يخف ، وهو كذلك لكن هذا يؤيد كلام الشيخ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع عن التصريح بالدين .
وأيضا فتارك الفرض لا يستقيم له إسلام . والشيخ رحمه الله لم يقل إنه يكفر بترك التصريح بالعداوة ، بل قال : لا يستقيم له إسلام . فيصدق بحصول الإسلام مع عدم استقامته ، وهذا يجري في كل من ترك واجبا أو فعل محرما ، كما قرره تقي الدين ابن تيمية في كتاب الايمان .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:12 PM
فجميع نقوله عن الفقهاء تؤيد كلام الشيخ ، و ترد دعـوى المعترض ، لكنه جاهل لا يفهم مراد الله ورسوله ، ولم يعان ويمارس صناعة العلم والبحث مع المحصلين بل وجد أشياخا ضالين ، وكتبا شتتت فكره ، وضيعت فهمه حتى صار من الخاسرين .
ثم أطال النقل عن ابن عقيل وابن مفلح وذكر ما يروى عن حذيفه رضي الله عنه مرفوعا : ( لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ) قيل : كيف يذل نفسه ؟ قال  : ( يتعرض من البلاء ما لا يطيق ) .
ومراد هذا الغبي : أن الخوف يسقط إظهار الإسلام والتصريح بعداوة المشركين والبراءة منهم ، حتى التصريح بشهادة الإخلاص .
فجعل كلام ابن عقيل وابن مفلح وما أتيح له من كلام الفقهاء في عدم وجوب الأمر والنهي على الخائف والعاجز حجة على كتمان الإسلام ومداهنة المشركين ، وإظهار موادتهم وصحبتهم ، هذا مفهوم كلام المعترض ، فبعداً بعدا وسحقا سحقا .
وأعجب من هذا أنه جعل الحديث حجة له على موادة المشركين ، فجعل معاداتهم ذلا وموادتهم عزا : فلا أدري على أي شيء أحسده ؟ على هذا الفهم الذكي أو على ما جمعه من الأكاذيب المفتراة ، وما كنت أظن غباوته تبلغ إلى هذا الحد . فالحمد لله على ظهور الحق والتوفيق للصدق .
ثم استدل المعترض بكـلام شيخ الإسـلام على حديث أبي سعيد : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ) إلى آخره . وأن الشيخ ذكر في معناه : أن الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان ، وليس المراد أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل .
يريد الرجل المعترض أن كلام الشيخ يدل على أنه يكفي في الإيمان المطلق ، إنكار القلب ولا يحتاج للتصريح بشيء من واجباته . وهذا رجوع إلى مذهب الجهمية القائلين بأن الإيمان هو التصديق ولم يدخل التلفظ والعمل في مسماه . وبعضهم قال : هي شرائط وليس من المسمى . وكلام أهل السنة في تبديعهم وتضليلهم وتفسيقهم معروف مشهور .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:12 PM
فقول المعترض : فالانكار بالقلب فقط واقف على أضعف الإيمان في حق القادر قول باطل . فإن الحديث يدل على أنه في حق العاجز يكون أدنى الإيمان الخاص . وأما القادر فليس في الحديث نص على حكمه . وإنما يفهم من أدلة أخرى .
وكلام الشيخ على الحديث إنمـا يدل على انتهاء مراتب هذا الإيمان ، وليس مراده أن تاركه يكفر ، وهذا المعترض لم يفهم مراد الشيخ ولا حام حول قصده .
ومراد الشيخ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيمان ، وأنه ينقسم بحسب الاستطاعة ، وأدناه الإنكار بالقلب ، وأعلاه الإنكار باليد . وقوله : ( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) أي هذا الإيمان الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغيير ، هذا مراده .
وحينئذ فهو من أدلة الشيخ على وجوب التصريح بالعداوة ، وأنه لا يستقيم للانسان إسلام وإيمان إلا بالاتيان بالواجبات ، فلو اقتصر على أدنى رتب الإيمان مع القدرة على سواها فليس إيمانه بمستقيم ، وإن كان مع عدم الاستطاعة والعجز حصل على أضعف الايمان . فقد فاتته الاستقامة الكاملة ، لأن الأدنى فيه نقص وضعف ، والمؤاخذة وعدمها بحثها الاستطاعة وعدمها .
فانظر وتأمل هذا التقرير يطلعك على جهالة المعترض ، وأنه بمعزل عن العلم والفهم أولئك ينادون من مكان بعيد .
وكلام شيخنا رحمه الله محله فيمن استطاع وقدر ، وأما مع عدم القدرة ومع الاكراه فيباح للرجل أن يتوقى عن نفسه ، كما قال تعالى : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } على أن الصابر مع الاكراه الباذل نفسه لله أفضل ممن فعل ما يباح وتوقى عن نفسه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:13 PM
إذا عرفت مراد الشيخ رحمه الله فهو يطلق الكلام حيث أطلقه الكتاب والسنة ويقيده حيث قيداه . فالمعترض لم يفهم كلام الشيخ ، ولا عرف معاني النصوص ومن وقف على كلامـه من أهل العلم عرف ما قلناه ، وأنه حيران لا يدري السبيل ، قال تعالى : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون } .
واستدل المعترض بقول الإمـام أحمد لمن سأله عن السنة تذكـر في المجلس لا يعرفها غـيره أيتكلم بهـا ؟ فقال : ( أخبر بالسنة ولا تخاصم عليها ) إلى آخـره . وبقول مالك : ( أخبر بالسنة ، فإن لم تقبل منك فاسكت ) .
ومراده : أن السكوت سائغ في أصول الإيمان وفروعه ، حتى ما دلت عليه كلمة الإخلاص ، ولم يفرق بين ما يسوغ السكوت فيه وما لا يسوغ السكوت فيه .
وقول أحمد ومالك صريح في أنه لا يسوغ السكوت وإنما يترك الخصام بعد التعريف والبيان . وهذا يشهد لكلام الشيخ ويؤيده ، فإن الشيخ رحمه الله يأمر بالتصريح والبيان ؛ وينهى عن الخصام والمراء والهذيان .
والرسل عليهم الصلاة والسلام لم يسكتوا عن الدعوة والابلاغ لما أرسلوا به حيث لم يقبل منهم ، بل استمروا على ذلك حتى أتاهم أمر الله ، قال تعالى : { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين . وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين } .
وأصل الاسلام ومبانيه : لها حال وشأن ليس لغيرها من السنن ؛ ولذلك يكفر جاحدها ، ويقاتل عليها ، بل يكفر تاركها عند جمهور السلف بمجرد الترك ، أفيسوغ السكوت للعالم عن إبلاغ الجهال وتعليمهم ؟ قال الله تعالى : {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } وقال : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } وقال تعالى : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة } وقال تعالى: { وجاهدهم به جهاداً كبيراً } وفي الحديث : ( أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهـم على الله ) سبحان الله ! ما أقبح ما تلاعب الشيطان بابن آدم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:14 PM
ألا هـل عـم في رأيـه متأمـل ؟ * وهل مدبر بعد الاساءة مقبل ؟
وهـل أمـة مستيقظون لرشدهـم * فيكشف عنه النعمة المتزمـل
فقد طال هذا الغي واستخرج الكرى * مساويهموا لو أن ذا الميل يعدل





فصل

قال المعترض : ( وهذا الرجل خرج في بلد قد غلب عليها أحكام الإسلام ، وشيدوا منارهم لداعي الفلاح ، وعمروا مساجدهم ومدارسهم بالأوقاف ، مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم ، فكفرهم وحكموا على من لم يصرح بعداوتهم بالكفر ، كما تراه من كلامه صريحاً ، فلو قدّر أنهم فعلوا منكراً من الشرك فما دونه كيف يكفر من لم يصرح بعداوتهم ؟ إذ لا يكون التصريح إلا باليد واللسان ، ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه رضي الله عنه مع الذين جعلوا الله ثالث ثلاثة ، وكذلك النجاشي ، وهذا ظاهر بحمد الله من الكتاب والسنة ظهوراً لا خفاء به ، ضد ما كفّر به هذا الرجل الأمة لو كان تأصيله صحيحاً ، كيف وهو أفسد الفاسد وأبطل الباطل ؟ .
والجواب أن يقال : تقدم مضمون هذا الكلام مكرراً ، فما وجه إيراده وتكريره ؟ وقد مر جوابه بحمد الله مفصلاً . ومن أفلس من الحجج والبينات ، أكثر من الترداد والهذيان ، ولم يذكر هنا من أدلة إسلامهم إلا تشييد المنار وعمارة المساجد والمدارس بالأوقاف . وقد تقدم الجواب عن هذا ، وأن بني حنيفة وبني عبيد القداح والمختار بن أبي عبيد ، بل والتتار عندهم مساجـد ومدارس ، ولهم صدقات وأوقاف ، والإيمان بالله ورسوله ، والكفر بالطاغوت ، أمر وراء ذلك كله ، لا يدركه إلا من سبقت له السعادة وعقل عن الله خطابه ومراده ، مع أن هذا الشيخ لم يكفر من أهل نجد إلا من قام وجدّ في إطفاء نور الله ، وإنكاره توحيده ، ومن جحد البعث من بواديهم وأعرابهم ، ولم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل على الإيمان بالله ورسله ، ووجـوب الكفر بما عبد من دونه ، فالخصومة في الأصل الأصيل ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:16 PM
وأما قوله : مظهرين لشعائر الإسلام بعلمائهم .
فهي عبارة الجاهل فإن العلماء لا يلزم من وجودهم وجود الإسلام في الناس ، ولا يلزم من عدمهم عدمه ، والأنبياء وجدوا في الأمم السابقة الذين لم يستجيبوا لهم ولم يؤمنوا ووجد من العلماء المؤمنين كثير بين أظهر المشركين وهم معدودون من المستضعفين المعذورين .
وإن أراد أن الباء سببية وان المراد أظهروه بسبب العلماء فأي مزية في هذا لو فرضت صحته ؟ مع أن الخصم يمنعه ؟ وأحكام الإسلام إنما تؤخذ عن العلماء .
وأما قوله : وحكم على من لم يصرح بعداوتهم بالكفر .
فهو كذب لم يقل هذا في أهل نجد كافة ولا في أهل بلد خاصة بل هو مستمسك بأصل عظيم وسلطان مبين وكلامه وتقريره في وجوب عداوة المشركين الذين يحادون الله ورسوله وليس فى كلامه تعرض لأهل البلد التي ظهر فيها لا تصريحا ولا إشارة بل كلامه عام كما أن دليله الذي استدل به عام فهو يحمد الله من الراسخين لا من المتهوكين الجاهلين .
وقوله : ( فلو قدر أنهم فعلوا منكرا من الشرك فما دونه كيف يكفر من لم يصرح بعداوتهم ؟ ) .
يقال : قد تقدم مرارا أن الشيخ رحمه الله لم يكفر وإنما قال : " لا يستقيم إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين " فأين في هذا تكفيرهم لولا حجاب الجهل والهوى الذي أورد المعترض موارد الخسار والردى .
وقوله : ولم يفعل ذلك جعفر وأصحابه .
تقدم ما فيه ، وأنه كذب على المهاجرين الأولين ، ونسبهم إلى مداهنة المشركين : { وَسَيَعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:17 PM
وقوله : ( لو كان تأصيله صحيحاً كيف وهو أفسد الفاسد وأبطل الباطل ؟ ) .
جوابه أن يقال : إن معرفة الفاسد وإدراك بطلان الباطل يتوقف على أمرين أحدهما : حياة القلب . والثاني : معرفته وعلمه بالحـق والباطل ، والصحيح والفاسد ، والصواب والخطأ .
ومن نظر في كلام هذا الرجل من أهل العلم والإيمان تيقن موت قلبه ، وأنه لا يدرك الحسيات والضروريات من أمـر دينه ، قال تعالى : { وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور } وقال تعالى : { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب } والآيات في المعنى كثيرة . وإذا عدم العلم والنور ، وأضيفت إلى ذلك العداوة والبهت ونحوهما من الشرور ، فمن أي باب يأتي العلم والتوفيق والتمييز بين الطيب والخبيث ، والصالح والفاسد والباطل والحـق ، والخطأ والصـواب ؟ قال تعالى : { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون } .
ثم ساق المعترض كلاما لشيخ الإسلام فيمن بلغته دعوة الرسول  في دار الكفر ، فآمن به واتقى الله مـا استطاع ، وأنه مؤمن من أهل الجنة ، وكلام تقي الدين أبي العباس يؤيد ما ذكره شيخنا رحمه الله ، فإنه قال : إذا اتقى الله ما استطاع ، كما فعل النجاشي وغيره ممن لم يهاجر ولم تبلغه جميع شرائع الإسلام . وهذا حق ، والشيخ يقول به ، ولا يكلف العبد فوق طاقته ، ولا بما لم يبلغه من الشرائع . فهذا إذا لم يكن عنده من يعلمه .
وفي كلام الشيخ : أن يوسف عليه السلام دعاهم فلم يجيبوه . وكذلك النجاشي لم يطيعوه في الدخول في الإسلام ، وهذا كله يؤيد كلام شيخنا ويشهد بكذب المعترض على النجاشي وعلى مؤمن آل فرعون وامرأة فرعون وعلى المهاجرين إلى الحبشة .
وشيخنا لم يقل إنه لا يستقيم إسلام النجاشي وأمثاله ، وليس لهم ذكر في كلامه والكلام في قاعدة أصلية كلية وهي استقامة الإسلام بالتزام الواجبات وعدمها بعدم بعضها . هذا كلامه رحمه الله .
وقول الشيخ تقي الدين في النجاشي إنه لم يهاجر ولم يجاهد ولا حج بل قد روى ولم يكن يصلي الصلوات الخمس إلى آخر كلام الشيخ رحمه الله ، فسياقه في أن الإنسان لا يكلف إلا ما يستطيع لا بما لا يعلم أو بما يعجز عنه ، قال تعالى : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } والوسع دون الطاقـة ، هذا مراد الشيخ .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:17 PM
فأين فيه أن عداوة المشركين لا يجب التصريح بها أو أن الإسلام يستقيم بدون ذلك ؟ غايته أن يعذر بالعجز عن التصريح . وشيخنا رحمه الله كلامه في حال القدرة والاستطاعة لا في حال العجز وعدم العلم .
وقد مـر البيان أن شيخنا يطلق حيث أطلق القرآن ، قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } وقوله : { قوماً } نكرة في سياق النفي فتعم ، وهذا من فقه الشيخ رحمه الله ، حيث يطلق ما أطلقه القرآن ويقيد ما يقيده ، والعاجز له حال غير حال القادر ، وحكم سوى حكمه .
فإن كان يلزم من الآية ونصها الذي هو أشد وأبلغ من كلام الشيخ وقوله لا يستقيم إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين فإن كانت الآية تدل على كفر النجاشي ومهاجرته الحبشة ومن ذكر هذا المعترض فكلام الشيخ يدل على ذلك ، وإن لم تدل على نفي الإيمان عمن وادّ المحادين لله ورسوله فكلام الشيخ أولى لأن الآية فيها نفي وكلام الشيخ غاية ما فيه عدم استقامة الإسلام ، وما أجيب به عن الآية يجاب به عن كلام الشيخ . فتأمله فإنه مفيد جداً.

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:20 PM
ومثل هذا قول الشيخ : وكثيراً ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً ، بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ، بل هناك ما يمنعه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها . فإن هذا الكلام غايته أن يدل على أن التكاليف بحسب الوسع ، وليس في كلام شيخنا ما يخالف هذا .
وأيضاً فكلام تقي الدين فرضه ومحله في الواجبات التي هي دون أصل الدين ، ودون عيب الشرك والتنديد . وليس في كلامه أن الرجل يخفي إسلامه ويتولى قاضياً ، وبأي شيء حينئذ يحكم ؟ فالمحتج به على كتمان أصل الإسلام ملبوس عليه لا يفرق بين الأحكام ولا يدري معنى الكلام .
وأما قول المعترض : ( وكفر بترك الهجرة إليه ) .
فقد تقدم كلام الشيخ بنقل العدول الثقات أنه بريئ من هذا وأن نسبته إليه من البهت .
والشيخ لا يرى أن الهجرة شرط في الإسلام ، وإن قال به بعض الأعلام ، فالشيخ لا يخرج عن قول جمهور الأمة وأئمتها ، والمعترض يخترع أقوالا كاذبة وآراء فاسدة وينسبها إلى الشيخ ، ثم يأخذ في التفريع عليها وأن القول بها قول الخوارج . وقد صنف رسالة في أن أتباع الشيخ خوارج كما صرح به هنا .
وهكذا حال كل مبتدع ومبطل يخوض بغير علم ولا عدل ، ومن أمعن النظر في كلامه وجده كسراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً .
وقد ذكر ابن القيم وغيره أن عباد القبور والمشائخ نسبوا أهل التوحيد والسنة إلى بدعة الخوارج وطريقهم . فالداء قديم ورثه هذا وأمثاله عن الغلاة في عبادة الصالحين وعبادة الشياطين { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}والخوارج كفّرت بأمور ظنتها ذنوباً وليست كذلك ، وبذنوب محققة دون الشرك والتنديد .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:21 PM
وأما الرسل وأتباع الرسل فكفروا من لم يؤمن بالله ، أي بربوبيته وإلهيته وتوحيده وإفراده بالعبادة . ومن جعل له ندا يدعـوه ويعبده ، ويستغيث به ويتوكل عليه ويعظمه ، كما فعلت الجاهلية من العرب ومشركي أهل الكتاب ، فتكفير هؤلاء ومن ضاهاهم وشابههم ممن أتى بقول أو فعل يتضمن العدل بالله وعدم الإيمان بتوحيده وربوبيته وإلهيته وصفات كماله والإيمان برسله وملائكته وكتبه ، والإيمان بالبعث بعد الموت وكل ما شابه هذا من الذنوب المكفرة كما نص عليه علماء الأمة وبسطوا القول فيه ، حتى كفروا من أنكر فرعاً مجمعا عليه إجماعاً قطعياً ، كما مرت حكايته عن الحنابلة .
وأما الخوارج فلم يفصلوا ولم يفقهوا مراد الله ورسوله ، فكفروا بكل ذنب ارتكبه المسلم . فمن جعل التكفير بالشرك الأكبر من هذا الباب فقد طعن على الرسل وعلى الأمة ولم يميز بين دينهم ومذهب الخوارج ، وقد نبذ نصوص التنزيل واتبع غير سبيل المؤمنين .
وأما استدلاله بقول لقمان على أن التصريح بالعداوة لا يجب .
فهذا من غرائب جهله ونوادر حمقه ، أين في قوله : { إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير } أين فيه أن الإيمان يكمل ويستقيم بغير تصريح بعداوة المشركين ؟ فنص الآية : أن جميع الأعمال يأت بها الله لا يغادر شيئاً منها حسنها وسيئها ، ثم إذا أتى بها اللطيف الخبير أي المدرك لدقائق الأشياء وخفياتها الخبير بما فيها وما لها وعليها فيقبل عمل من اتقاه وأراد وجهه ولم يجعل له عدلاً يدعوه ويحبه كما يدعو الله ويحبه ، ويرد عمل المشرك بربه المسوي بينه وبين خلقه ، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ، قال تعالى : { ومن يكفر بالإيمان فقط حبط عمله } وقال تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } الآية وقال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً }

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:22 PM
فصل

قال المعترض : ( ومن خطئه الواضح الفاضح أنه استدل للآية الكريمة ، وإنما فيها المودة لمن حاد الله ورسوله . فهو بهذه العبارة أنزل نفسه بمنزلة فوق منزلة الرسول  ، بحيث من وادّ من حادّه من الأمة فهو كافر بذلك ، والصحابة رضي الله عنهم يجعلون من واد من حاد الله ورسوله منافقاً معصوم الدم والمال ، كما نهى الله تبارك وتعالى المؤمنين عن موادتهم في السورة بعدها . لأن ذلك من خلق المنافقين الذين دخلوا في الإسلام بشهادتي الإخلاص ) .
فيقال في جوابه : قف يا من له نور يمشي به في الناس على ما في هذا الكلام من الكذب والبهت وقـول الزور . وقد تقدم نص كلام الشيخ ، وأنه قال : ( لا يستقيم للإنسان إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين ) ولم يقل بعداوة من عاداني أو عادى أتباعي ، أو لم يطعني ، حتى يقال : إنه أنزل نفسه بمنزلة فوق الرسول . وسائر علماء الأمة من عهد أبي بكر إلى وقتنا هذا يلزمون الناس بما في كتاب الله تعالى وما في سنة رسوله  ، من أصول الدين وفروعه ، ويثبتون من الأحكام ما أثبت الكتاب والسنة ، وينفون ما نفاه الكتاب والسنة ، لا يختلفون في ذلك ، وحكمهم وإلزامهم إنما هو طاعة الله ورسوله ، وليس إلزاماً بطاعتهم ورأيهم واجتهادهم . ومن نسب أحداً منهم إلى أنه يدعو بذلك إلى نفسه وينزل نفسه منزلة الرسول فقد خاب وافترى ، وبهت أهل العلم وخلاصة الورى .
ومن المعلوم أن طاعة العلماء فيما أمروا به من دين الله وشرعه طاعة لله ورسوله ، لأنها المقصودة بالاصالة ، وطاعة أولي العلم تقع تبعاً وضمناً لا استقلالاً . فلا يترك الحق والدين والتزام ذلك لما فيه من طاعة الآمر والناهي ، ومن تركه لذلك فقد استكبر على الله ورد الحق استصغاراً واحتقاراً لقائله والداعي إليه . وهذه العلة هي التي أوجبت لكثير

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:24 PM
من الناس تكذيب الرسل ورد مـا جاءوا به ، قال تعالى عن آل فرعـون : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا } وقال تعالى عمن كذب عبده ورسوله محمد  من أشراف قومه ورؤسائهم : { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } والآيات في هذا المعنى كثيرة . وليس قولهم : أن من حاد الرسول من الأمة يكون منافقاً ، بل قد يكون بذلك كافرا او منافقا أو فاسقاً . فالكلام والحكم فيه تفصيل يطلب من محله .
وبهذا يستبين كذب المعترض على الصحابة وعدم معرفته لأقوالهم وجهله بأحوالهم ، والثابت المحفوظ عنهم ـ بنقل العدول الثقات ـ يوافق كلام الشيخ ، ولا يجعلونه منافقاً معصوم الدم والمال ، بل يفصلون كما تقدم ، والنفاق إذا ظهر يجـري على صاحبه ما اقتضاه الدليل من كفر وقتل ، ولا عصمة للمال والدم مع الظهور .
هذا الرجل جاهل بالأحكام والأقوال ، وقد سلك وادياً مهلكاً ، وطريقاً ضالة عن طرق أهل الهدى ، فاضطره الحال إلى ما ترى . وقد قاتل أبو بكر مانعي الزكاة ، واستباح دماءهم وأموالهم لما عصوا ما رآه ، وثبت عنده من أدلة الشرع وأحكامه . أفتراه داعياً إلى نفسه ، مقاتلاً على طاعته من دون الله ورسوله ؟ .
والشيخ لم يتعد أمر الله ورسوله فيما دعا إليه ، فلأي شيء خص بهذا البهت ؟ وأنه يدعو إلى نفسه ، وأنه أنزلها بمنزلة فوق الرسول ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم . وتكفير المسلم كقتله بنص الحديث . وهذا القول الذي نسبه إلى الشيخ كفر لا شك فيه . فإن من أنزل نفسه منزلة الرسول وكفّر المسلمين بموادة أعدائه يكفر بذلك . وهذا الرجل لا يتحاشى من نسبة الشيخ إلى الكفر والضلال والفساد .
فالحمدلله على ما منَّ به من خزي أعداء دينه ورد كيدهم ، وظهور عباده المؤمنين عليهم ، قال تعالى : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } وفي

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:24 PM
الحديث : ( من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامـة من غير أن ينقص ذلك من أجـورهم شيئاً ) .
والمعترض لضلاله وخبث طويته يلمز الداعي إلى الهدى بأنه يدعو إلى نفسه قال تعالى : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم } فإذا كان هذا فيمن سخر بالمتصدقين ، فكيف بمن يلمز ويسخر بأئمة الدين ، الدعاة إلى توحيد رب العالمين ؟ وقال تعالى لنبيه : { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين } .
وقول المعترض : ( إن ذلك من خلق المنافقين الذين دخلوا في الإسلام بشهادتي الإخلاص ـ يطلعك على جهله ، وعدم ممارسته لصناعة العلم .
ويقال له : إن جنس الموادة للمشركين قد يقع من مسلم قد برئ من النفاق الأكبر ، وآية سورة الممتحنة نزلت في حال حاطب بن أبي بلتعة وهو بريء من النفاق بشهادة رسول الله  ، فإنه لما اعتـذر إليه وقال : أني لم أفعل هذا رغبة عن الإسلام ولا شكاً فيه وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد تحمي أقاربي ومن لي بمكة . أو نحو هذا الكلام . فقال النبي  : ( صدق ) فكيف يجعله هذا المعترض منافقاً وقد شهد بدراً .
وقال النبي  لعمر : ( ما يدريك أن الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم ) . قال الشاعر :
فليصنع الركب ما شاؤا لأنفسهم * هم أهل بدر فلا يخشون من حرج
وأول السورة يدل على إيمانه ، وأن المشركين من أعدائه ، قال تعالى : { ياأيها الذين آمنو لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة } فهذا المعترض يسب أصحاب رسول الله  ويرميهم بالنفاق لكثافة جهله ، وعدم فهمه . وقد قال في هذه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:25 PM
الآية بما لا يعلم ، وفي الحديث : ( من قال في القرآن بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار ) وفي رواية : ( برأيه ) .
ثم احتج المعترض بحديث عتبان وما قيل في مالك بن الدخشم ، وقول النبي  : ( ألا تراه قال : لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) وقول الرجل : أما نحن والله لا نرى ودّه ولا حديثه إلا إلى المنافقين . الحديث وقد ساقه المعترض مستدلاً به على أن موادة المنافقين لا تضر ، وأن التصريح بعداوتهم لا يجب .
وهذا القول في الحقيقة وهذا الفهم الضال فيه الرد والاعتراض على قوله تعالى : { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } وشيخنا رحمه الله تعالى لم يأت بشيء من كيسه ، إنما هو القرآن والسنة ، قال تعالى : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها } وهذا الحديث لا يدل على ما قاله المعترض أصلاً ، ولا يفهم منه أن المودة غير محرمـة إلا أضل وأبلد الحيوان ، فإن الرسول  ما أقر القائل : أنه منافق لا يحب الله ورسوله . وما أقره على قوله : أما نحن والله لا نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين . بل أنكر ذلك ورده  منبهاً على أن قوله : ( لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) براءة له مما نسب إليه ، ومانع يمنعه مما قيل فيه .
ومن عرف الإخلاص واليقين ومنزلتهما من الإيمان ، عرف أن من أعطيهما ووفق لهما لا يقع منه موادة للمنافقين والمشركين ، ومن ذاق طعم الإيمان فالله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وإنما تقع الموادة لأعداء الله من خلل في الإخلاص واليقين ، ونقص في التوحيد ، والتزام التوحيد الواجب يمنع من ترك واجب أو فعل محرم ، وإنما يقع الخلط من عدم العلم بحدود ما أنزل الله على رسوله .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:26 PM
فمن عرف الإيمان والتوحيد ، وعرف حدودها الجامعة المانعة انفتح له باب عظيم في الفهم عن الله ورسوله لا يفهمه إلا خواص العارفين ، فتأمله يطلعك على أسرار غفل عنها الأكثرون .
ولما حُجب هذا المعترض عن معرفة حدود ما أنزل الله، وصار معه من الهوى والإعجاب ما أقتضى جهله بنفسه ، وخوضه في أمر يقصر عنه فهمه وإدراكه ، فلا جرم حيل بينه وبين رشده ، وخُلي بينه وبين نفسه . فنعوذ بالله من جهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وشماتة الأعداء .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:27 PM
فصل

قال المعترض : ( وقد قال العلماء كلاماً معناه قاله ابن القيم في الأعلام : لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب والسنة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد من جميع العلوم . قال : ولو اجتمعت شروط الإجتهاد في رجل لم يجب الأخذ بقوله دون نظرائه ) .
والجواب أن يقال : هذا لسان جاهل ، وتركيب نبطي ، لا يدري شيئاً من صناعة العلم . وابن القيم ينزه عن هذا اللفظ ، وهذا التركيب ، ولا يقول : ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد من جميع العلوم . فإن البحث ما هكذا إيراده ولا تقريره ، والعلوم فيها ما لا دخل له هنا ولا اعتبار ، كعلم الطب والهندسة والإنشاء ، وقريض الشعر وميزانه ، والعلم بالرسم وإتقانه ، ومعرفة التاريخ .
وأما بالنظر للمعنى فابن القيم رحمه الله قد شن الغارة على من قال : لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب والسنة مـا لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد ، وأوسع قائله تجهيلاً وتخطئه ، وقال : هذا سد لباب أخذ العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله . وذكر في هذا المبحث من النصوص والآثار والمناظرة بين المجتهد والمقلد ما لا تتسع له هذه الرسالة ، وذكر هذه العبارة راداً لها مجهلاً لقائلها .
والقصد : أن المعترض كذب على ابن القيم كما كـذب على شيخنا ، وحكى عكس ما قاله ابن القيم . فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب .
ومراد المعترض : القدح في شيخنا ، حيث استدل بآية سورة ( قد سمع ) على تحريم موادة المشركين ، ووجوب التصريح بعداوتهم .
وحاصل قوله : أن الكتاب والسنة لا يأخذ منهما أحد إلا من اجتمعت فيه شروط قلّ أن توجد ولو في آحاد الأئمة المقلدين ، فكيف بغيرهم ؟ وهل هناك نبذ للكتاب وراء الظهر فوق هذا الصنيع لو كانوا يعلمون ؟ .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:27 PM
والاستدلال بالنصوص القرآنية والظواهر الجلية من الكتاب والسنة ليس من مسائل الاجتهاد التي تكلم ابن القيم مع خصومه فيها وجهلهم بقولهم : لا يجتهد إلا من اجتمعت فيه الشروط . فإن المسائل الاجتهادية ما كان للاجتهاد والنظر مساغ فيها وأما النصوص والظواهر فلا تسوغ مخالفتها اجتهاداً ، وذلك كمعرفة الله وإثبات توحيده وصفات كماله ، ووجوب الصلوات ، والأركان الإسلامية ، والأصول الإيمانية ونحو ذلك من النصوص التي لا تسوغ مخالفتها والعدول عنها . والمعترض جاهل لا يفرق بين مسائل الاجتهاد وغيرها .
وقد رأيت لخدنه داود بن جرجيس كلاماً في هذا المبحث يزعم أن المجتهد إذا اجتهد في عبادة غير الله وأداه اجتهاده إليها يكون مأجوراً ، فأوردنا عليه إجتهاد النصارى المثلثة ، والصابئة المتفلسفة ، والمجوس المشركة ونحوهم ، ومن اجتهد وقال بحل ما قتله الله من الميتة وقاسه على المذكاة قياس الأولى . ومن رأى باجتهاده من غلاة الرافضة والشيعة والنصيرية جواز إسناد التدبير والتصريف في العالم إلى الأولياء وأئمة الشيعة ورأى باجتهاده أن هذا من الكرامة التي تجوز للأولياء ، وهكذا يقال في دفع شبه أهل البغي والضلال .
ثم استدل المعترض بحديث : ( إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) الحديث . على أن ما صدر من الشيخ من الكلام في المباحث العلمية والأصول الدينية من تكفير مشرك أو أخذ ماله ، والكلام في قبيح أفعاله يدخل في النهي عن الأعراض والدماء والأموال .
ولا أدري هل هذا المعترض يرى كلام جميع العلماء في أهل الشرك وعبادة غير الله من هذا الباب أو هو يخص الشيخ رحمه الله بهذا العظيم من عداوته وغليظ غباوته ؟ .
وكأنه فهم من هذا الحديث أنه عام تدخل فيه وفيما دل عليه من التحريم دماء المشركين والمرتدين وأموالهم وأعراضهم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:28 PM
ولو سلمنا له هذا الفهم الفاسد لكان نسخاً لجميع ما في الكتاب والسنة من الأمر بقتال المشركين وسبي نسائهم ، وغنيمة أموالهم ، واستباحة أعراضهم ، فينسخ مـن القرآن والسنة ما يعز استقصاؤه وحصره ، وتضع الحرب أوزارها بين الناس إلى يوم القيامة ، وما أظن جهال أهل الكتاب ينتهون إلى هذه الغاية .
فإن زعم أنه لم يرد هذا ، وأن استحلال دماء المشركين وأموالهم باق إلى يوم القيامة . قيل له : ما وجه استدلالك على الشيخ بالحديث الخاص بالمؤمنين وعباد الله الموحدين ؟ والشيخ لم يقاتل إلا على رأس الأمر وهو شهادة أن لا إله إلا الله ، لم يقاتل على غيرها وعلى غير التزامها .
والرجل المعترض آفته وعلته ما تقدم تصريحه به من عباد القبور ومن يدعو الأولياء والصالحين ليسوا بمشركين ، بل هم من عباد الله المؤمنين الذين تحرم دماؤهم وأموالهم . والله المستعان .
وقوله : قال حجة الإسلام الغزالي : لترك ألف كافر ولا قتل مسلم واحد .
فيقال : قتل المسلم عظيم وأي مسلم قتله الشيخ ؟ وقد سبق أن النزاع مع هذا في أصل الإسلام والتوحيد .
ثم قوله : ( قال حجة الإسلام ) إن كان المعترض يعتقد هذا وأنه حجة للإسلام وقوله يُرجع إليه بين الأنام ، فقد رد هذا المعترض على جمهور الأمة ، ولا سيما الحنابلة وقد شنّعوا عليه في كتابه الإحياء وأمثاله من تآليفه ، وجزموا بأنه مخالف لأهل السنة والجماعة في كثير من السمعيات والعقليات ، وقوله لا يحتج به عند أهل مذهبه في مسائل الذيول والتفريعات ، فكيف بأصول الإسلام ؟ قال تلميذه أبو بكر ابن العربي المالكي : شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة ثم أراد أن يخرج فلم يحسن اهـ .
وأما قول شيخ الإسلام فيمن أوجب تقليد إمام بعينه فهو كلام ظاهر وجيه ، لكن المعترض وضعه في غير موضعه وأزال بهجته لأنه استدل به على رد ما يورده العلماء من

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:28 PM
نصوص الكتاب والسنة ولم يفرق بين مسائل التقليد والاجتهاد ، وبين النصوص الظاهرة وما يعلم من الدين بالضرورة ، وما أجمع عليه بين الأمة فخلط البحثين ، ولم يفرق بين المقامـين . ولو قال هذا أحد على الوجه الذي أراده المعترض لوجب رد قوله كائناً من كان .
ثم قال المعترض : ( فهذا الرجل بقوله وفعله قد أوجب متابعته في كل ما يقول وكفر مخالفيه في ذلك ، وهو لم يوافقه على ذلك أحد من علماء الأمة من جميع أقطارها بل أنكروا عليه فبإنكارهم عليه جعلهم بذلك كفاراً حلالي الدم والمال . وضمن لم تبعه على ذلك من قوله : الجنة بتكفير الأمة وقتالها ، ونهب أموالها وأطال الكلام بما حاصله : أن شاعرهم سبَّ علماء نجد ـ ابن فيروز وأبا الخيل ـ وأن هذا الرجل يذكر في درسه مسبتهم وما قيل فيهم . وأكثر من هذا الهذيان ) .
والجواب أن يقال : ليس بعجيب صدور هذا البهت والسب عن هذا المعترض . وفي المثل : إذا ظهر السبب بطل العجب. كيف وقد تعددت أسباب عداوته وبهته وزوره ؟ ويكفي في هذه الدعوى ردها ومنعها واطراحها .
ومعاذ الله أن يوجب الشيخ على أحد متابعته أو متابعة غيره إلا رسول الله  وهذه رسائل الشيخ ومصنفاته ينهى عن ذلك ويشدد فيه ، ويأمر بتجريد المتابعة لرسول الله  وينكر ما اعتاده الناس من الغلو في رأي العلماء واجتهادهم ، وتنزيل ذلك منزلة النصوص النبوية ، وقد عقد بابا في كتاب التوحيد لهذه المسألة .
قال رحمه الله : باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله .
واستدل بقولـه تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } وذكر حديث عدي بن حاتم . وذكر من الآثار عن أهل العلم ما يقضي ببراءته ويشهد بعلمه ، وأن هذا المعترض لا يتحاشى عن قول الزور وشهادته ،

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:29 PM
وقد قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شاهد الزور أن يسود وجهه ويطاف به ، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:30 PM
وقوله : ( ولم يوافقه على ذلك أحد من علماء الأمة ) .
إن أراد أنهم لم يوافقوه في وجوب طاعته في كل ما يقوله فهو لم يدع هذا ولا قاله ، ونبرأ إلى الله من قائله ، وقد قال مالك بن أنس وبقوله نقول ويقول شيخنا : كل أحـد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر . يعني رسول الله  .
وأما قوله : ( بل أنكروا عليه ، وبإنكارهم جعلهم كفاراً حلالى الدم والمال ) فقد كذب وافترى ولم يكفر أحداً خالفه في رأيه وهواه وجميع ما يقوله ، وإنما كفر بالشرك بالله وعبادة غيره ، واتخذ الوسائط والأنداد في المسألة والتوكيل والإنابة ، والتكفير بهذا لا يضاف إليه ، بل هو حكم يضاف إلى كتاب الله وسنة رسوله  ، وما جاءت به الرسل عن الله .
وأما قوله : ( وضمن لمن تبعه على ذلك الجنة بتكفير الأمة وقتالها ونهب أموالها ) .
فقد تكرر الجواب عن مسألة التكفير للأمة وقتالها .
وأما ضمان الجنة فهذه الكلمة العوراء لا تصدر إلا عن غبي قد تمادى في الوقاحة والسفاهة ، والله ورسوله قد وعد المؤمنين الجنة والمغفرة والرضوان ، ورتب على أصول الإيمان وشعبه من الثواب والجزاء والمغفرة ما لا يخفى على من آمن بالله ورسوله وأجاب المرسلين .
وأما الشهادة لمعين من أهل القبلة بجنة أو نار فلا يشهد أحد بذلك إلا من شهد له رسول الله  ، وهذا ذكره العلماء في كتب العقائد . والمعترض قد التحق بأكذب الخلق الذين يكذبون على الله ورسوله ، وعلى علماء أمته ، وقد كنا في غنية عن رد أكاذيبه لسقوطها وظهور هجنتها ، لولا ما قيل : لكل ساقطة لاقطة . وخوفاً أن تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:30 PM
وأما قوله : ( ويقول شاعره في أشعار كثيرة ) .
فنسبة هذا الشاعر إلى الشيخ معدودة من زور هذا المعترض ، والكلام نبطي لا يعتبر وزناً .
ثم لو فرض صحة هذا وأن الشيخ قرره واستحسنه لم يكن في ذلك ما يعاب به الشيخ ويذم به ، وقد شاع عن ابن فيروز وأبي الخيل ما لا يخفى على من عرف دعوة الشيخ ، وما جرى من أهل عصره وقد هجا شعراء الإسلام كثيراً ممن صد عن سبيل الله وصدف عن آياته .
ويذكر عن ابن فيروز أنه قال : لو دعاني ابن عبدالوهاب إلى شهادة أن لا إله إلا الله ما تبعته ، والواقع يشهد بذلك .
وقوله عن الشيخ : ( أنه يحلف في رسالة من رسائله أن كفر الشيخ محمد بن فيروز أعظم من كفر فرعون إذ هو قد أنزل نفسه منزلة الكليم موسى عليه الصلاة والسلام ، والشيخ ابن فيروز منزلة فرعون فابن فيروز مكث علمه بالأرض ونفع الله به العباد والبلاد ، وهو كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به الأموال حتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام ) .
فيقال لهذا المعترض : أنت مطالب أولاً بتصحيح نقلك عن الشيخ وأنه صدر منه هذا الكلام ، والناقل يطالب بالصحة ، والمدعي يطالب بالدليل . فلا تعطى بمجرد دعواك ، ولا يسلم لك ما دون هذا ، ولو في حق آحاد العوام . وقد تقدم البرهان على جهلك وكثرة كذبك ، وشهادتك الزور ، وثبتت عداوتك للشيخ في أول أمرك وآخره ، فأي عاقل وأي حاكم يقبل منك هذا النقل وهذا الكلام الذي لا سند له ، بل هو من جنس أوضاع اليهود والنصارى فيما ينسبونه إلى رسول الله  من الأكاذيب والأباطيل التي يصدون بها الناس عما جاء به من الهدى ودين الحق ، ويقولون هو يسفك الدماء ، ويأخذ الأموال ويسبي الذراري وفي الإنجيل : ( من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ) ونحو هذا الكلام ، فما أكثر وراثة هذا الرجل لأولئك الأقوام ، وما أسرع ما نسى أصل الملة والإسلام ؟ .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:31 PM
فالحمد لله الذي أخزى هذا الرجل ونشر له في الناس ما يليق بأمثاله مما اقتضته الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية ، ولقد تفوه بعض أقاربه بذمه وتكفيره بمجرد الاطلاع على كلامه .
ولو فرضنا أن الشيخ صدر منه هذا الكلام ، نظراً إلى أن ابن فيروز عرف ثم أنكر ، وأقبل ثم أدبر ، وصد عن سبيل الله بشبهات ينسبها إلى شرعه المطهر ، وإلى ما جاء به محمد  صاحب الناموس الأكبر ، ويظهر للناس في ثياب العلماء ورسم الفقهاء ووظيفة المعلمين ، وهو في الحقيقة يصد عن دين الله ويدعو إلى عبادة الصالحين ودعائهم مع الله ، وصرف الوجوه إلى غير باريها وفاطرها . فبهذه الاعتبارات هو أغلط ممن أتى الأمر وصد عن السبيل من غير نسبة لذلك إلى دين الله وما جاءت به رسله . وفي القرآن العزيز من الكشف عن حال هذا الضرب من الناس ، وأنهم من أبعد الخلق عن الله ، وأغلظهم حجاباً وأشدهم كفراً ما يعرفه من فقه عن الله ، قال تعالى : { كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين } والآيات في هذا المعنى كثيرة .
وقول المعترض : ( ابن فيروز مكث علمه في الأرض ونفع الله به العباد والبلاد ) .
فيقال : هذه الدعوى لا تحتاج لدليل يبطلها ، وبرهان يردها غير شهادة الحس والواقع ، وما يعرفه سائر الناس من الخاصة والعامة ، بل آثار ابن فيروز في الصد عن سبيل الله ومسبة أئمة الإسلام وجعل شيخ الإسلام طاغوتاً يجب الكفر به معروف مشهور عند أهل الاحساء وغيرهم كما قال في منظومته التي أولها :
أنامل خط السعد قد أثبتت خط * بأقلام أشياخ لنا حررت ضبطاً

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:32 PM
فإنه أقذع فيها وأتى من نصرة عبادة القبور وأهل الغلو في الأنبياء والصالحين وتسمية من أنكر هذا طاغوتاً بما يدل على آثاره ونفعه في البلاد والعباد ، فإن كان هذا عند المعترض هو العلم ونفع العباد والبلاد فنعم هذا صار منه ومدحه به وأثنى عليه كل مشرك بالله رب العالمين ، يسوي بين الله وبين خلقه في خالص حقه ، وقد اتخذ أعداء الدين منظومته نزهة لمجالسهم وتحفة لأشياعهم .
وقد رد عليه الشيخ حسين بن غنام الاحسائي رحمه الله تعالى بمنظومة أجاد فيها وأفاد ، وأولها :

على وجهها الموسوم بالشؤم قد خطا عروس هوى ممقوتة زارت الشطا
تخطت ، فأخطت في المساعي مرامها ومرسلها عن نيل مقصوده أخطا
وثارت لنار الشرك تذكى ضـرامها وسارت فبارت والإله لهـا قطا
لقد شـوهت مـا زخرفته بزورها كما أنها بالمين قد أحكمت ربطا
وقـد جـاء منشيها بزور ومنكـر وفحش وبهتـان يعط بـه عطا
وحـان بـه داعـي العناد لمهيع تنكب عن سبل الهداية واشتطا
وضل عن الارشـاد والحق واعتدى وغـط أناسـاً في طريقته غطاً
وجـاوز منهاج الهـدايـة راضياً عن الدين بالدنيا فما نالها بسطا
يحـاول تشييدا ورفعاً لمـا وهـت قواعده فوق البسيطـة وانحطا

في أبيات له رحمه الله تعالى .
ولابن فيروز رسائل ومصنفات في الصد عن سبيل الله ورد ما جاء به شيخنا من الدعوة إلى الله ، وتجريد المتابعة لرسوله ، وهي باقية يتداولها كل زائغ مرتاب ، كهذا المعترض ، ولو كلف أن يأتي عن ابن فيروز بمسألة واحدة انتفع بها الناس في بيان التوحيد

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:32 PM
وأصل دين المرسلين وإبطال ما عليه أكثر الناس من عبادة الصالحين لما وجد إلى ذلك سبيلاً .
وقول المعترض في شيخنا : ( وهو كما ترى تسفك به الدماء وتنهب به الأمـوال ، حـتى قاد على أهل نجد الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام ) .
فهذا الكلام لا يعترض بـه إلا جاهل بأيام الله وأخبار الناس ، ومـا قصّ الله على رسله وأكابر أوليائه ، والناس مذ كانت الدنيا فريقان قال تعالى : { ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون } وقال تعالى : { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير } وقال تعالى : { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } وقال تعالى : { ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } وقال تعالى : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءتهم البينة } وقال تعالى : { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } وفي الحديث : ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده ) وفي السيرة من أخباره ومغازيه وما جرى بسبب مبعثه  من القتال بين العرب وقبائلها وبين الفرس والعرب والروم والقبط وأهل الكتاب وما جرى بين مؤمن هؤلاء الناس والأمم وبين كافرهم من النزاع والاختلاف والقتال على تعاقب الدهور والأعصار ، ما تستبين به سنة الله التي قد خلت في عباده . وفي الحديث : ( إن من كان قبلكم كان يوضع المنشار على رأس الرجل منهم حتى يخلص إلى قدمه ، ما يصده ذلك عن دينه ) .
وهذا الغبي ارتاع مما لا نسبة بينه وبين ذلك من الامتحان ، ولم ينظر إلى ما حصل من اللطف لأهل الإيمان عند نزول المحن والافتتان ، وما أعطوا بذلك من حسن العاقبة والعز والظهور ، وأنهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم . ولم يدر ما في ذلك من

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:34 PM
الحكم والمصالح التي لا يحيط بها إلا الله الذي قدرها ودبرها ولو لم يكن في ذلك إلا قيام حجج الله وآياته ، وتمييز الخبيث من الطيب لكان كافياً . فالمؤمن يراه من أدلة الإيمان وبرهان صدق الرسول ، والمنافق والمرتاب يراه من الدواهي العظام التي لا تطاق ولا ترام . كما أخبر الله تعالى عن قوم فرعون أنهم إذا أصابتهم سيئة اطيروا بموسى ومن معه ، قال الله تعالى : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تُصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون } فانظر إلى هذه الوراثة القبطية تطلعك على حكمته ، تعالى في إبقاء ورثة لأعداء الرسل .
فسبحان من بهرت حكمته العقول ، وصدقت أقضيته ما جاءت به رسله من النصوص والنقول ، ليس كمثله شيء في أفعاله كما أنه لا مثيل له في ذاته وصفاته ، وهب بعض عباده من الفهم عنه والإيمان به ما دلهم على معرفته عند كل حادث وحركة وسكون ، وخذل من شاء عن ذلك فباء عند المحن والاختبار بصفقة المغبون ، وتشاءم بما جاء به أئمة الهدى وما قاله الصالحون .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:35 PM
فصل

قال المعترض : ولما قيل له لم لا تسبون إذا كانوا كفاراً كما تسبي الصحابة رضي الله عنهم ؟ قال لهم أن السبي حق كما أن قتلهم حق وجعل أموالهم فيئاً وغنائم ، ولكن الناس لا يحتملون ذلك في نسائهم وأولادهم ، فقيل له كيف يترك الحق ؟ قال يترك الشيء لشيء أكبر منه والنبي  ترك نقض الكعبة وجعلها على قواعد إبراهيم عليه السلام ، لأن قريشا حدثاء عهد بكفر .
فالجواب أن يقال : قد تقدم أن هذا الرجل لا يُقبل له قول ، ولا يحتج بخبره بل يجب اطراحه وتركه .
ولو فرضنا أن الشيخ قال هذا فكلام السلف وخلافهم في سبي نساء المرتدين معروف عند أهل العلم ، وقد أفتى به أبو بكر وعمل به مدة خلافته ، والناس تبع له في ذلك ، ثم إن عمر رأى خلاف هذا وأن المرتدات لا تسبى ، ووافقه جمهور الناس ، والبحث معروف في محله ، وكلام أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة معروف مشهور .
فلو قاله الشيخ في المرتدات اللاتي يعبدن طواغيت الحسين وعبدالقادر والبدوي وأمثالها ممن قامت عليهم الحجة فأبوا وأصروا على عبادة غير الله واتخاذ الآلهة والأنداد كما فعلت قريش وغيرها من مشركي العرب وكما يفعله كثير من مشركي الأمم وأهل الكتاب ، فأي عار على الشيخ في هذا ؟ وأي دليل يمنع منه ؟ وقد قال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } وما أظن هذا الغبي يحسن الاحتجاج على منع سبى المرتدات بل ولا يعرف .
وقوله : يترك الشيء لشيء أكبر منه . هذا ممـا يدل على علم الشيخ وفقهه . ومن القواعد المشهورة : أنه يرتكب أخف الضررين لدفع أعلاهما ، وتترك إحدى المصلحتين لتحصيل أولاهما. والحديث حجة على ذلك فإن كان صدر من الشيخ هذا فلا ضير فيه ولا عيب به .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:35 PM
وعيرها الواشون أني أحبها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

وأما قوله : ( وهو يعطي الشعراء على سب علماء المسلمين وأعيانهم ) . فهذا كذب وزور ، ليس من عادة الشيخ أن يعطي الشعراء ولم يعط شاعراً قط فيما نعلم . ولا سب مسلماً قط ولا عالماً من علماء المسلمين بل هو أعظم الناس رعاية لحق الإسلام وحفظاً لعهده وحماية لأهله ونصره لهم وهذا مشهور من أخلاقه الإسلامية وشيمته العربية ، خلاف ما عليه كثير ممن يدعي الدين وهو مشغول بأعـراض المسلمين وهتك حرماتهم .
وأما قوله : ( وهل هذا إلا مكفراً للأمة مضللاً لعلمائها ، والسالم من علماء نجد من القتل جلا عن كل بلد تحت أيديهم ، فراراً منهم عن القتل ، لأنه لم يوافقه أحد من العلماء على ذلك ، وأتلفوا كتب العلم التي فيها حتى لا يرى في نجد إلا رسائله ، والويل لمن يستعمل غيرها وقت قوتهم .
فيقال لهذا المعترض : قد تقدم القدح في تأصيلك وبيان كذب دليلك ، وأن جميع ما ذكرته لا تجوز نسبته إلى الشيخ ، وأنت في ذلك أكذب من سَجَاح وإذا انهدم الأصل بطل التفريع ، وما جلا عن نجد إلا من عرف بعداوة دين الرسول والصد عنه ، والاشتهار بمسبته ، والأكثر استجاب لداعي الحق واعترف به وأمن في سربه وعُوفي في نفسه وماله وأهله ، وهم الأكثر .
وأما إتلاف كتب العلم التي في نجد ، فهذه القولة وأمثالها يستبين بها تهور هذا الرجل في الكذب والزور، ومكابرة الحس والضروريات ، ومعرفة حال الشيخ وأهل نجد وما عندهم من الكتب في أصول الدين وفروعه ودواوين الإسلام وتفاسير الأئمة وكتب

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:36 PM
العقائد والسير والتواريخ والعربية لا يجهله الموافق والمخالف ، وهذا الرجل لا يحسن سبك الكذب والزور ، بل يأتي بها طامة شوهاء لم تنتقب ولم تختضب .

فهلا عكست الأمر إن كنت حازماً ولكن أضعت الحزم لو كنت تعقل

وآحاد الطلبة من أهل نجد لا يقولون : وهل صاحب هذا إلا مكفراً للأمة مضللاً لعلمائها ، لمعرفتهم بأن ( هل ) تهمل ولا تعمل ، وقد أعملها في خطه بيده فنصب بها وأعملها إعمال ( ما ) الحجازية .
وكذلك قوله : ( والسالم من علماء نجد جلا عن كل بلد تحت أيديهم ) . وهذا تركيب نبطي يقتضي أن السالم من القتل استوعب بلاد نجد في السكنى والجلاء .
وسيأتيك عنه ذم الشيخ وأتباعه بأنهم لا يعرفون العلوم العربية ، وإذا تأملت تراكيبه في هذا الكتاب وعباراته عرفت أنه من أبعد خلق الله عن العلم وممارسته والشعور بشيء من الفنون ، وإنما هو وقح ، صال وقال وأمن السيف فاستطال .
قال المعترض : ( وقال أيضاً لما سئل عما يقاتل الناس عليه وعما يكفر به فقال عن خطه بيده : لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو الشهادتان ) انتهى نقل المعترض .
ثم قال بعده : ( فهذا شأنه يحكي الاجماع من نفسه لنفسه ، ومن هو الذي أنكر الشهادتين شهادتي الإخلاص من هذه الأمة حتى يقاتل عليهما ، فإذا كانت الأمة من حيث الجملة حين يعرب مولودها أول ما تلقنه شهادتي الإخلاص قبل أن يلقنوه بأمه وأبيه . وإذا احتضر ميتهم أجلسوا عنده أعقل أهله وأبرهم به يلقنه بذلك بسهالة لأنهم قد علموا من علم نبيهم  أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وأيضاً يلقنوه في قبره حتى جاءهم فنهاهم ، وعد ذلك من الشرك . وقال : فكيف يدعى الميت وينادى في قبره وهو

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:37 PM
لا يسمع ولا يبصر ؟ ويقول الله : { إنك لا تسمع الموتى } حتى منعوا الناس عن ذلك وعن الدعاء بعد الصلاة بالأدب المبرح ، وعن القراءة على القبر . ولسنا بصدد هذا في هذا الموضع . وقد أوفينا عليه في التبصرة وغسل الدرن بما فيه كفاية من الأحاديث والآيات وأقوال العلماء الأعلام ، وإنما صددنا هنا لتكفيراته ، فإذا كان أمر الأمة جميعها كذلك فماذا يقاتل عليه من إنكار شهادتي الإخلاص ؟ وأطال بما حاصله : أنهم لا ينكرون شهادتي الاخلاص .
فالجواب أن يقال : هذا الرجل من أبعد الخلق عن الفقه عن الله ورسوله ومعرفة مراده ، وحقائق أحكامه ، ومن أجهل خلق الله بأقوال أهل العلم ومدارك الأحكام ، وكل من عقل عن الله يعلم علماً ضرورياً أن المقصود من الشهادتين ما دلتا عليه من الحقيقة والمعنى ، وما اشتملتا عليه من العلم والعمل . وأما مجرد اللفظ من غير علم بمعناهما ولا اعتقاد لحقيقتهما فهذا لا يفيد العبد شيئاً ، ولا يخلصه من شعب الشرك وفروعه ، قال تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } وقال : { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } فالإيمان بمعناها والانقياد له لا يتصور ولا يتحقق إلا بعد العلم ، والحكم على الشيء فرع عن تصوره ، فإذا لم يعلم ولم يتصور فهو كالهاذي وكالنائم وأمثالهما ممن لا يعقل ما يقول ، بل لو حصل له العلم وفاته الصدق لم يكن شاهداً بل هو كاذب ، وإن أتى بهما صورة ، قال الله تعالى : { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } فكذبهم في قيلهم ، ورد شهادتهم وشهد على كذبهم ، وأكد الحكم بإن المؤكدة ولام التعليق ، فهل يقول عاقل أنهم يشهدون بكلمتي الإخلاص ، ويعترفون بها ؟ وهل هذا القول إلا رد لكتاب الله وخروج عن سبيل المؤمنين ؟ فإنهم مجمعون على اعتبار ما دلت عليه الشهادتان من المعنى المراد ، وأنه هو المقصود ، ولم يقل أحد أن الإيمان مجرد اللفظ من غير عقيدة القلب وعلمه وتصديقه ، ومن غير عمل بمدلول

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:38 PM
الشهادتين ، وما سمعت أن أحداً قاله إلا طائفة من المتكلمين من الكرامية نازعوا الجهمية في قولهم إن الإيمان هو التصديق فقط ، وقابلوا قولهم بأنه مجرد الإقرار فقط . والقولان مردودان عند الأمة ولكنهما أحسن وأقرب إلى قول أهل العلم مما أتى به هذا المفتري : من عدم اعتبار العلم والمعنى . ومن قرأ القرآن أو سمعه وهو عربي اللسان فإنه يعلم أن قتل المشركين معلل بنفس الشرك معلق عليه ، قال تعالى : { وقاتلوا المشركين كافة } وقال تعالى : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار } وقال تعالى : { براءة من الله ورسوله ... فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } ونحو ذلك من الآيات الدالة على تعليق الحكم على نفس الشرك ، وفي الحديث : ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه ) وفي الحديث الآخر : ( من بدل دينه فاقتلوه ) وكلام الفقهاء في باب حكم المرتد وقولهم : فمن أشرك بالله إلى آخر كلامهم .
وحكى شيخ الإسلام ابن تيمية الاجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويعبدهم ويتوكل عليهم وقد مر ذلك ، فكل ما ذكر من الإتيان بلفظ الشهادة والتلقين لا يفيد شيئاً مع عدم العلم .
ويقال أما قوله : ( فهذا شأنه يحكي الاجماع من نفسه لنفسه ) فجميع أهل العلم والأئمة الراسخين يحكون الإجماع ويحتجون به لأنفسهم وينصرون به أقوالهم . وقد جمع ابن هبيرة وابن حزم مسائل الإجماع مرتبة على أبواب الفقه وحكوها من أنفسهم لأنفسهم . وفي كتب الفقه كالإقناع والمغنى والفروع والمقنع من ذكر الإجماع والاحتجاج به ما لا يخفى على صغار الطلبة . والطرق التي يعرف بها الإجماع القطعي معروفة عند أهل العلم ، مقررة في محلها لا تخفى على مثل شيخنا . فإذا احتج بالإجماع قبل منه وأخذ عنه . فإن القول ما قالت حذام .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 03:38 PM
باقي 267 صفحة

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:05 PM
ومن الطرق التي يعرف بها الاجماع : كون الحكم معلوماً بالضرورة من دين الإسلام ، فمن تصور الإسلام وعرف حقيقته ومعناه علم علماً ضرورياً أن القتال على التزام الشهادتين مع القدرة فرض كفاية ، وفرض عين في بعض المواضع . هذا لا يخفى على عوام المسلمين .
وهذا الرجل خفى عليه ذلك لاستحكام الشقاء وغلبة العداوة والهوى ، قال تعالى : { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } .
وقد استفاض الإجماع على وجوب قتال من جحد ركنا من الأركان الخمسة وما لا يتم الإسلام إلا به . وما أجمع على تحريمه أو حله إجماعاً قطعياً أو ثبت جزماً كتحريم لحم الخنزير ، وقد نص على ذلك من يحكي الإجماع كابن هبيرة وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد ذكره ابن رجب وابن عبد البر وابن المنذر وأمثالهم من أهل العلم .
قال شيخ الإسلام لما سئل عن قتال التتار : كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه ، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه ، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة . وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما . فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام ، عملاً بالكتاب والسنة . وكذلك ثبت عن النبي  من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج ، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة مع قوله : ( تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم ) نعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال ، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله ، وحتى لاتكون فتنة . فمتى كان الدين لغير الله ، فالقتال واجب ، فأيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات أو ا

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:06 PM
الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال أو الخمر أو الزنا أو الميسر أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار ، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها ، وإن كانت مقرة بها . وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء . وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة عند من لا يقول بوجوبهما ، ونحو ذلك من الشعائر ، هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أو لا ؟ .
فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها ، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام والخارجين عن طاعته كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لإزالة ولايته . وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولهذا افترقت سيرة علي رضي الله عنه في قتاله لأهل البصرة وأهل الشام وفي قتاله لأهل النهروان ، فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه ، ومع الخوارج بخلاف ذلك . انتهى المقصود منه .
وأما مسألة التلقين في القبر فلمن منعه سلف صالح يقتدي بهم من أصحاب رسول الله  والتابعين لهم بإحسان وأئمة الهدى من أهل المذاهب وغيرهم ، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم الجوزية وأمثالهما لا يرون ذلك ، وإن قال به جمع كثير وهذه مسألة فرعية خلافية فالتشنيع بها خروج عن محل النزاع .
وأما قوله : ( وعدّ ذلك من الشرك ) فهذا بهت ظاهر ، أين التلقين من الشرك ؟ فالتلقين تذكير وتعليم ، والشرك إعطاء المخلوق ما يستحقه الخالق وحده من دعاء وتوكل ومحبة ونحو ذلك من العبادات والطاعات . هذا هو الشرك . والشيخ أجل وأعلم من أن

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:07 PM
يجعل التلقين من الشرك ، وتآليفه وبحثه يدل على أنه من الراسخين ، وتهور هذا ومجازفته فيما يدعيه دليل على أنه من المفترين الظالمين . ويكفي المنع والرد في الجواب عما يدعيه والدعوى إذا تجردت عن دليل اكتفى بردها والدفع في صدها .
وقول المعترض : ( انه يقول كيف يدعى الميت وينادى في قبره ؟ وهو لا يسمع ولا يبصر . ويقول الله : { إنك لا تسمع الموتى } حتى منعوا الناس عن ذلك وعن الدعاء بعد الصلاة بالأدب المبرح وعن القراءة على القبر ) هذا لفظه .
والرجل أدخل الآية في جملة ما حكى ، ولم يتعقب حكايته بتفصيل ، بل أطلق المنع والتشنيع والرد فلا أدري مـاذا يرى في الآية ؟ وبماذا يتخلص ، أهو على صراط مستقيم في السمع المنفي في مثل هذه الآية والمثبت فيما صح عن السنة ، أو هو كما هو ظاهر عبارته غبي مرتبك مرتاب لا يدري ما نفى مما أثبت ؟ وشيخنا رحمه الله لم يصدر منه هذا ولا قاله ، ولا جعل هذا من الدعاء الممنوع منه ، لكنه يدري ما يراد بالنفي في مثل هذه الآية ، وما يراد بالإثبات في مثل قوله  في أهل قليب بدر : ( مـا أنتم بأسمع لما أقول منهم ) وقوله : ( إن الميت ليسمع قرع نعال أهله ) ونحو ذلك من الأحاديث الواردة في السماع . فمن عرف هذا تبين له ما في عبارة المعترض من الكذب والجهل والخلل .
وكذلك قوله : ( إنهم منعوا الناس عن الدعاء بعد الصلاة بالأدب المبرح ) كذب بحت من جنس ما قبله ، غاية ما قيل : إن الدعاء لم يشرع من حين التسليم وإنما شرع التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد ، ومحل الدعاء قبل السلام وبعد الفراغ من الأذكار المشروعة بعد السلام . وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وقرره أحسن تقرير وأما الأدب على الدعاء فليس بصحيح ، بل هو جـرى على العادة في أكاذيبه وأوضاعه .
ثم قال المعترض : ( ولسنا بصدد هذا ، وإنما صددنا هنا لتكفيراته ، فإذا كان أمر الأمة كذلك فماذا يقاتل عليه من إنكار شهادتي الإخلاص اللتين يدخل بهما الإسلام ، ويعصم بهما دمه وماله ، وأنت لو قلت لأفجر الأمة : أريد منك إنكار شهادتي الإخلاص

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:07 PM
أو إحداهما وإلا قتلتك لاختار القتل ولا إنكارهما أو إحداهما إلا أن يعمل برخصة الله وقلبه مطمئن بالإيمان ) .
والجواب أن يقال : يُسال هذا الجاهل عمن أتى بالشهادتين ثم صدر منه ما يوجب الردة من عبادة صنم أو وثن أو إنكار ركن من الأركان ، أو أصل من أصول الإيمان الستة ، أو أنكر حرفاً من القرآن أو أنكر تحريم الخنزير أو تحريم امرأة من محارمه المذكورة في سورة النساء أو فرعا مجمعاً عليه أو سحر أو شك في البعث ، أو في كذب مسيلمة ونحو ذلك . فإن قال شهادتي الاخلاص عصمت دمه وماله وإن فعل ذلك فقد جهّل الأمة وفسق الصحابة والأئمة وأضحك العقلاء من جهله ، وخرق الإجماع وشاقّ الله ورسوله ، واتبع غير سبيل المؤمنين . وإن اعترف بإباحة الدم والمال لصدور شيء من ذلك بطل كلامه ، وفسد تأصيله ، واستبان أنه من أكابر الضالين ورؤساء الملحدين مذ جرى قلمه وتفوه فمه بالخوض في هذه المسائل التي لا يعرفها إلا رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين .
فنعوذ بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء ، وأكثر سعي العالمين ضلال .
أين هذا من قول الله تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا } وقوله تعالى : { ولا تدعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } وأين هذا من قوله تعالى : { ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان لهُ به } وقوله تعالى : { ولقد أُوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكوننَّ من الخاسرين } ونحو ذلك من الآيات . وفي السنة من ذلك مالا يمكن حصره .
ويكفي المؤمن قوله  : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:08 PM
وقد استدل الصديق بهذا الحديث على قتال مانعي الزكاة ، فكيف لا يستدل به على مناقضة ( لا إله إلا الله ) وقتال من نقضها وهدمها ، وأبطلها بعبادة الأنبياء والصالحين ، والجن ، والشياطين ، واتخذ آلهة مع الله يحبهم ويدعوهم ، ويسألهم ويتوكل عليهم ، ويزعم أنهم باب حاجته إلى الله والواسطة بينه وبين ربه في قضاء حاجته ، وتفريج مهماته ، ومغفرة ذنبه ، وتكفير سيئاته ، وقد اتسع الخرق بذلك حتى وصلوا إلى دعوى الربوبية في آلهتهم ، وأنهم يدبرون ويتصرفون ، ويعطون ويمنعون ، وأن ذلك على سبيل الكرامة ، فألّهوهم وعبدوهم عبادة ما صدرت من كفار قريش ، ولا ادعاها أحد منهم لوثنه ومعبوده . هذا ، وهم يقولون ( لا إله إلا الله ) وفيهم من يصلي ويزكـي ويأتي بشيء من العبادات البدنية والمالية ، ومع ذلك هم من أكابر المشركين ورؤساء الضالين . وقد قيد الله سبحانه الانتفاع بالشهادة بقيد ليس عندهم منه خبر ، ولم يقفوا منه على عين ولا أثر ، قال تعالى : { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } وقال تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } وفي حديث أبي هريرة : ( أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:09 PM
فصل

قال المعترض : ( ولكن هذا الرجل جعل طاعته ركناً سادساً للأركان الخمسة ، كما قال ذلك أخوه لأمه وأبيه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب ، حين خطّاه ، فلم يقبل منه ، ونهاه عن سفك الدماء ، ونهب الأموال ، فلم يفعل ، وكان يقول في رسائله ولدعاته : إن علماء نجد كعقداء البدو في أخذهم العقبات على أهل الغارات ، فوصى له رجل عاقل من أهل نجد أن قولوا له : إن أهل نجد قبلك يأخذون على الخط لأجل أنه لا يحصل لهم كفاية على القضاء ، وقد نص العلماء على الرخصة في ذلك على هذا الحال وعقداء البدو في الغارات يأخذون فيما بينهم أبيض الظهر وليسوا يأخذونه قهراً عليهم . وإنما هو عن تراض منهم على ذلك ، لا ينكره منهم منكر ، وأنت تأخذ الكسب كله ، أبيض الظهر وأسوده بغير رضى ولا حق ولا مستحق عليهم ، بل اجترأت على الله ، وعلى كتابه ورسوله وعباده المؤمنين فكفرتهم وسفكت دماءهم ، وأخذت أموالهم واستبحت بلدانهم ، وجعلتها بأجمعها لعيالك وأتباعك ، وأخذت فريضة الله التي فرض من فوق سبع سموات ولم تعطها أهلها ، بل استعنت بها على سفك دماء المسلمين واستباحة حرمتهم ، وتأخذ زكاة الثمار ، ولو أن ثمرة الإنسان ما تكفي عشير ما عليه من الدين إذ هو بحالة يستحق لدفع الزكاة إليه ، بل قد تدينها لهم . فخالفت العلماء وخالفت الرسول  جهاراً حيث بعث معاذاً إلى اليمن في وصيته بأن تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ، وأنت عكست ذلك كما هو المشاهد . فلم يرعو . وجعل ذلك بعده سنة سيئة متبعة ، عليه غرمها ووزرها ، رآها بذلك حقاً واجباً وديناً لازماً . والمنكر لذلك يكون كافراً فاجراً ، والويل ثم الويل له إن لم يكن تائباً عن ذلك راجعاً . ويكون له على ذلك تابعاً داعياً . ويستدل بفعل الصديق رضي الله عنه . وهيهات هيهات ما بعد ما بينهما ، وإنه لكما قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي يعرّض برجل وامرأة :
أيها المنكـح الثريا سهيلا * عمرك الله ، كيف يجتمعان ؟
هي شامية إذا ما استقلت * وسهيل إذا استـقل يمـاني

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:10 PM
فصل

قال المعترض : ( ولكن هذا الرجل جعل طاعته ركناً سادساً للأركان الخمسة ، كما قال ذلك أخوه لأمه وأبيه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب ، حين خطّاه ، فلم يقبل منه ، ونهاه عن سفك الدماء ، ونهب الأموال ، فلم يفعل ، وكان يقول في رسائله ولدعاته : إن علماء نجد كعقداء البدو في أخذهم العقبات على أهل الغارات ، فوصى له رجل عاقل من أهل نجد أن قولوا له : إن أهل نجد قبلك يأخذون على الخط لأجل أنه لا يحصل لهم كفاية على القضاء ، وقد نص العلماء على الرخصة في ذلك على هذا الحال وعقداء البدو في الغارات يأخذون فيما بينهم أبيض الظهر وليسوا يأخذونه قهراً عليهم . وإنما هو عن تراض منهم على ذلك ، لا ينكره منهم منكر ، وأنت تأخذ الكسب كله ، أبيض الظهر وأسوده بغير رضى ولا حق ولا مستحق عليهم ، بل اجترأت على الله ، وعلى كتابه ورسوله وعباده المؤمنين فكفرتهم وسفكت دماءهم ، وأخذت أموالهم واستبحت بلدانهم ، وجعلتها بأجمعها لعيالك وأتباعك ، وأخذت فريضة الله التي فرض من فوق سبع سموات ولم تعطها أهلها ، بل استعنت بها على سفك دماء المسلمين واستباحة حرمتهم ، وتأخذ زكاة الثمار ، ولو أن ثمرة الإنسان ما تكفي عشير ما عليه من الدين إذ هو بحالة يستحق لدفع الزكاة إليه ، بل قد تدينها لهم . فخالفت العلماء وخالفت الرسول  جهاراً حيث بعث معاذاً إلى اليمن في وصيته بأن تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ، وأنت عكست ذلك كما هو المشاهد . فلم يرعو . وجعل ذلك بعده سنة سيئة متبعة ، عليه غرمها ووزرها ، رآها بذلك حقاً واجباً وديناً لازماً . والمنكر لذلك يكون كافراً فاجراً ، والويل ثم الويل له إن لم يكن تائباً عن ذلك راجعاً . ويكون له على ذلك تابعاً داعياً . ويستدل بفعل الصديق رضي الله عنه . وهيهات هيهات ما بعد ما بينهما ، وإنه لكما قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي يعرّض برجل وامرأة :
أيها المنكـح الثريا سهيلا * عمرك الله ، كيف يجتمعان ؟
هي شامية إذا ما استقلت * وسهيل إذا استـقل يمـاني

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:10 PM
والجواب أن يقال : قد علم أهل العلم والإيمان براءة الشيخ من هذا ، وأن دعوته إلى طاعة الله ورسوله ، يأمر بتوحيده وينهى عن الشرك به وعن معصيته ومعصية رسوله . ويصرح بأن من عرف الإسلام ودان به فهو المسلم في أي زمان وأي مكان ، ويشهد الله كثيراً في رسائله ، ويشهد أولي العلم من خلقه أن أعداءه إن جاؤه عن الله أو عن رسوله بدليل يرد شيئاً من قوله ، ويحكم بخطئه فيه ليقبلنه على الرأس والعين ، ويترك ما خالفه أو عارضه . وهذا معروف بحمد الله .
وإنما يرميه بمثل هذا البهت وينسبه إليه من جعل زوره وقدحه في أهل العلم والإيمان جسراً يتوصل منه ، ويعبر إلى ما انطوى عليه ، وزينه له الشيطان من عبادة الصالحين والتوسل بهم ، وعدم الدخول تحت أمر أولي العلم ، وترك القبول منهم ، والاستغناء بما نشأ عليه أهل الضلال واعتادوه ، من العقائد الضالة ، والمذاهب الجائرة . قال تعالى حاكياً عن فرعون وقومه فيما رموا به كليمه موسى ونبيه هارون عليهما السلام من قصد العلو والدعوة إلى أنفسهما : { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين } وقال : { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين . إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوماً عالين . فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون . فكذبوهما فكانوا من المهلكين } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:11 PM
فانظر ما أفادته اللام إن كنت من ذوي الألباب والأفهام . وقال تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا لنبيهم : { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } .
فانظر يا من نور الله قلبه ، ما زعم هذا المعترض ونزِّله على هذه الآيات الكريمات تعرف أن آل فرعون وقوم نوح لهم ورثة وأتباع وعصابة وأشياع يصدون عن سبيل الله ، ويبغونها عوجاً ، ويستكبرون على ورثة الرسل وأعلام الهدى ، تعظماً وحرجاً ولا بد من الحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين . وقد رأيت رسالة لشيخنا رحمه الله تعالى تشهد لما قررناه . ونصها :
من محمد بن عبدالوهاب إلى الأخ حمد التويجري ، ألهمه الله رشده . وبعد . وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه ، وأشرفنا على الرسالة المذكورة وصاحبها ينتسب إلى مذهب الأمام أحمد رحمه الله ، وما تضمنته الرسالة من الكلام في الصفات مخالف لعقيدة الأمام أحمد . وما تضمنته من الشبه الباطلة في تهوين أمر الشرك بل في إباحته ، فمن أبين الأمور بطلاناً لمن سلم من الهوى والتعصب ، وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبدالوهاب يقول : الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر . ونقول : سبحانك هذا بهتان عظيم . بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله ، فهو المسلم في أي زمان وأي مكان ، وإنمـا نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما تبين له الحجة على بطلان الشرك . وكذلك نكفر مـن حسّنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته . وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها والله المستعان اهـ المقصود منه .
وأما نسبة ذلك إلى أخيه سليمان فلا مانع من ذلك لولا وجوب رد خبر هذا الفاسق وعدم قبوله إلا بعد التبين .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:12 PM
ثم لو فرضت صحته ، فمن سليمان ؟ وما سليمان ؟ هذه دلائل السنة والقرآن تدفع في صدره وتدرأ في نحره . وقد أشتهر ضلاله ومخالفته لأخيه مع جهله وعدم إدراكه لشيء من فنون العلم . وقد رأيت له رسالة يعترض فيها على الشيخ وتأملتها فإذا هي رسالة جاهل بالعلم والصناعة ، مزجى التحصيل والبضاعة ، لا يدري ما طحاها ولا يحسن الاستدلال بذلك على من فطرها وسواها .
هذا وقد من الله وقت تسويد هذا بالوقوف على رسالة لسليمان فيها البشارة برجوعه عن مذهبه الأول ، وأنه قد استبان له التوحيد والايمان ، وندم على ما فرط من الضلال والطغيان . وهذا نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من سليمان بن عبدالوهاب إلى الاخوان : حمد بن محمد التويجري وأحمد ومحمد ابنا عثمان بن شبانة .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ( وبعد ) فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأذكركم ما منَّ الله به علينا وعليكم من معرفة دينه ، ومعرفة ما جاء به رسوله  من عنده ، وبصّرنا به من العمى ، وأنقذنا من الضلالة . وأذكركم بعد أن جيتونا في الدرعية من معرفتكم الحق على وجهه ، وابتهاجكم به ، وثنائكم على الله الذي أنقذكم وهذا دأبكم في سائر مجالسكم عندنا ، وكل من جاءنا بحمد الله يثني عليكم . والحمدلله على ذلك . وكتبت لكم بعد ذلك كتابين غير هذا أذكركم وأحضكم ، ولكن يا اخواني معلومكم ما جرى منا من مخالفة الحق ، واتباعاً سبل الشيطان ، ومجاهدتنا في الصد عن اتباع سبل الهدى .
والآن معلومكم لم يبقى من أعمارنا إلا اليسير والأيام معدودة ، والأنفاس محسوبة والمأمول منا أن نقوم لله ونفعل مع الهدى أكثر مما فعلنا مع الضلال ، وأن يكون ذلك لله وحده لا شريك له ، لا لما سواه ، لعل الله يمحو عنا سيئات ما مضى سيئات ما بقي .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:13 PM
ومعلومكم عظم الجهاد في سبيل الله ، وما يكفر من الذنوب ، وأن الجهاد باليد واللسان والقلب والمال ، وتفهمون أجر من هدى الله به رجلاً واحداً .
والمطلوب منكم أكثر مما تفعلون الآن ، وأن تقوموا لله قيام صدق ، وأن تبينوا للناس الحق على وجهه ، وأن تصرحوا لهم تصريحاً بيناً بما كنتم عليه أولاً من الغي والضلال .
فيا إخواني الله الله . فالأمر أعظم من ذلك فلو خرجنا نجأر إلى الله في الفلوات وعدَّنا الناس من السفهاء والمجانين في ذلك لما كان ذلك بكثير منا .
وأنتم رؤساء الدين والدنيا في مكانكم أعز من الشيوخ . والعوام كلهم تبع لكم . فاحمدوا الله على ذلك ولا تعتلوا بشيء من الموانع .
وتفهمون أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يرى ما يكره ، ولكن أرشدكم في ذلك إلى الصبر ، كما حكي عن العبد الصالح لقمان في وصيته لابنه ، فلا أحق من أن تحبوا لله وتبغضوا لله ، وتوالوا الله وتعادوا لله .
وترى يعرض في هذا أمور شيطانية . وهي أن من الناس من ينتسب لهذا الدين وربما يلقي الشيطان لكم أن هذا ما هو بصادق ، وأن له ملحظ دنيوي ، وهذ أمر ما يطلع عليه إلا الله . فاذا أظهر أحد الخير فاقبلوا منه ووالوه . فإذا ظهر من أحد شر وادبار عن الدين فعادوه واكرهوه ، ولو أحب حبيب .
وجامع الأمر في هذا : أن الله خلقنا لعبادته وحده لا شريك له ، ومن رحمته بعث لنا رسولاً يأمرنا بما خلقنا له ، ويبين لنا طريقه ، وأعظم ما نهانا عنه الشرك بالله وعداوة أهله ، وأمرنا بتبيين الحق وتبيين الباطل . فمن التزم ما جاء به الرسل فهو أخوك ولو أبغض بغيض . ومن نكب عن الصراط المستقيم فهو عدوك ولو هو ولدك أو أخوك .
وهذا شيء أذكركموه مع أني بحمد الله أعلم أنكم تعلمون ما ذكرت لكم ، ومع هذا فلا عذر لكم عن التبيين الكامل الذي لم يبق معه لبس ، وان تذاكروا دائماً في

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:13 PM
مجالسكم ما جرى منا ومنكم أولاً ، وأن تقوموا مع الحق أكثر من قيامكم مع الباطل فلا أحق من ذلك ولا لكم عذر ، لأن اليوم الدين والدنيا ولله الحمد مجتمعة في ذلك فتذاكروا ما كنتم فيه أولاً في أمور الدنيا من الخوف والأذى واعتلاء الظلمة والفسقة عليكم . ثم رفع الله ذلك كله بالدين وجعلكم السادة والقادة ، وذلك من آثار دعوة شيخ الإسلام وعلم الهداة الاعلام .
ثم أيضاً ما منّ الله به عليكم من الدين ، انظروا إلى مسألة واحدة مما نحن فيه من الجهالة قبل انتشار هذه الدعوة الاسلامية كون البدو نجري عليهم أحكام الإسلام مع معرفتنا أن الصحابة قاتلوا أهل الردة وأكثرهم متكلمون بالإسلام ، ومنهم من أتى بأركانه ومع معرفتنا أنه من كذب بحرف من القرآن كفر ولو كان عابداً ، وأن من استهزأ بالدين أو بشيء منه فهو كافر وأن من جحد حكماً مجمعاً عليه فهو كافر ، إلى غير ذلك من الأحكام المكفرات ، وهذا كله مجتمع في البدو وأزيد ونجري عليهم أحكام الإسلام اتباعاً لتقليد من قبلنا بلا برهان .
فيا إخواني تأملوا وتذاكروا في هذا الأصل يدلكم على ما هو أكثر من ذلك . وأنا أكثرت عليكم الكلام ، لوثوقي بكم أنكم ما تشكون في شيء فيما تحاذرون .
ونصيحتي لكم ولنفسي ، والعمدة في هذا أن يصير دأبكم في الليل والنهار أن تجأروا إلى الله تعالى أن يعيذكم من شرور أنفسكم وسيئات أعمالكم ، وأن يهديكم إلى الصراط المستقيم الذي عليه رسله وأنبياؤه وعباده الصالحـين ، وأن يعيذكم من مضلات الفتن ، فالحق وضح وابلولج ، وماذا بعد الحق إلا الضلال .
فالله الله ترى الناس الذين في جهاتكم تبع لكم في الخير والشر ، فإن فعلتم ما ذكرت لكم ما قدر أحد من الناس يرميكم بشرّ ، وصرتم كالأعلام هداية للحيران ، فإن الله سبحانه وتعالى هو المسئول أن يهدينا واياكم سبل السلام .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:14 PM
والشيخ وعياله وعيالنا طيبين ولله الحمد ، ويسلمون عليكم . وسلموا لنا على من يعز عليكم والسلام .
وصلى الله على محمد وآله وصحبه . اللهم اغفر لكاتبها ولوالديه ولذريته ولمن نظر فيه فدعا له بالمغفرة وللمسلمين وللمسلمات أجمعين .


فأجابوه برسالة ينبغي أن تذكر ونصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين .
من كاتبه الفقير حمد التويجري وأحمد بن عثمان وأخيه محمد ، إلى من منّ الله علينا وعليه باتباع دينه واقتفاء هدى محمد نبيه وأمينه  : الأخ سليمان بن عبدالوهاب ، زادنا واياه من التقوى والايمان ، وأعاذنا من نزغات الشيطان .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . بعد إبلاغ الشيخ وعياله وعبدالله وأخوانه السلام .
وبعد فوصل إلينا نصيحتكم جعلكم الله من الأئمة الذين يهدون بأمره ، الداعين إليه وإلى دين نبيه محمد  ، فنحمد الله الذي فتح علينا وهدانا لدينه وعدلنا عن الشرك والضلال ، وأنقذنا من الباطل والبدع المضلة ، وبصّرنا بالإسلام الصرف الخالي من شوائب الشرك . فلقد منّ الله علينا وعليكم وله الفضل والمنة بما نوّر قلوبنا من اتباع كتابه وسنة نبيه ورسوله  ، وعدلنا عن سبيل من ضل وأضل بلا برهان ، ونسأله أن يتوب علينا ويزيدنا من الايمان .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:14 PM
فلقد خصنا فيما مضى بالعدول عن الحق ودحضناه ، وارتكبنا الباطل ونصرناه جهلاً منا وتقليداً لمن قبلنا . فحق علينا أن نقوم مع الحق قيام صدق أكثر مما قمنا مع الباطل على جهلنا وضلالنا .
فالمأمول والمبغى منا ومنكم ومن جميع إخواننا التبيين الكامل الواضح ، لئلا يغتر بأفعالنا الماضية من يقتدي بجهلنا ، وأن نتمسك بما اتضح وابلولج من نور الإسلام ، وما بين الشيخ محمد رحمه الله من شريعة النبي  ، فلقد حاربنا الله ورسوله واتبعنا سبيل الغي والضلال ، ودعونا إلى سبيل الشيطان وتنكبنا كتاب الله وراء ظهورنا ، جهلا منا وعداوة وجاهدنا في الصد عن دين الله ورسوله . واتبعنا كل شيطان تقليداً وجهلاً بالله . فلا حول ولا قوة إلا بالله ، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين .
فالواجب منا لما رزقنا الله معرفة الحق أن نقوم معه أكثر وأكثر من قيامنا مع الباطل ، ونصرح بالتبيين للناس بأننا كنا على باطل فيما فات ، ونقوم له مثنى وفرادى ونتوكل على الله عسى أن يتوب علينا ويعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأن يهدينا سبل السلام ، وأن يجعلنا من الداعين إلى الهدى ، لا من الدعاة إلى النار .
فنحمد الله الذي لا إله إلا هو حيث منّ علينا بهذا الشيخ في آخر هذا الزمان ودعا إلى الله وإلى توحيده في السر والاعلان ، وجعله الله بفضله وإذنه هادياً للتائه الحيران ، نسأل الله العظيم أن يمتع المسلمين به ويعيذه من شر كل حاسد وباغ ويبارك في أيامه وأن يجعل جنة الفردوس مأواه وإيانا ، وأن ينفعنا بما بينه من الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة . فلقد بين دين نبيه  على رغم أنف كل جاحد وصار علماً للحق حين طمس ، ومصباحاً للهدى حين درست أعلامه ونكس ، وأطفأ الله به الشرك بعد ظهوره حين عُبدت الأوثان صرفاً بلا رمس ، ولم يزل من الله عليه برضاه ينادى : أيها الناس ، هلموا إلى دين نبيكم الذي بعث به إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . ثم لم ينقم منه وعليه إلا أنه يقول : أيها

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:15 PM
الناس اعبدوا ربكم وأعطوه حقه الذي خلقكم لأجله ، وخلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن الله تعالى يقول : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وقال : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقال تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا } وقال تعالى : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } وفسر إسلام الوجه بالقصد في العبادة فإن دعا العبد غير الله أو قصد غير الله أو نذر لغير الله أو استغاث بغير الله أو توكل على غير الله أو التجأ إلى غير الله . فهذه عبادة لمن قصد بذلك وهذا والله الشرك الأكبر .
وإنا نشهد بذلك وقمنا مع أهله ثلاثين سنة وعادينا من أمر بتجريد التوحيد العداوة البينة التي ما بعدها عداوة .
فالواجب علينا اليوم نصر الله ودينه وكتابه ورسوله والتبري من الشرك وأهله وعداوتهم ، وجهادهم باليد واللسان . لعل الله أن يتوب علينا ويرحمنا ويستر مخازينا .
وأكبر من هذا البدو ، الذين لا يدينون دين الحق لا يصلون ولا يزكون ولا يورثون ، ولا لهم نكاح صحيح ، ولا حكم عن الله ورسوله يدينون به صريح ولا يحللون ما أحل الله ولا يحرمون ما حرم الله ، نقول هم إخواننا في الإسلام ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ومكابرة لما جاء به رسول رب العالمين .
ونقول أيضاً : لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل . فإن اختل من هذا شيء لم يكن الرجل مسلماً ، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما ، وإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق شر من الكافر . أعاذنا الله وإياكم من الخزي يوم تبلى السرائر .
فالواجب علينا وعلى من نصح نفسه أن يعمل العمل الذي يحصل به فكاك نفسه من النار ، وأن يعبد الله ولا يعبد غيره .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:16 PM
فالعبادة حق الله على العبيد ، ليس لأحد فيها شرك ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل . فضلاً عن السفلة والشياطين .
وحق الله علينا أن نجأر اليه بالليل والنهار والسر والعلانية في الخلوات والفلوات عسى أن يتوب علينا ويعفو عما فات ، ويعيذنا من مضلات الفتن . فالحق بحمد الله وضح وابلولج . وماذا بعد الحق إلا الضلال ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين اهـ .
وأما قول المعترض : ( أن الشيخ كان يقول في رسائله : إن علماء نجد كعقداء البدو في أخذهم العقبات على أهل الغارات ) .
فيقال لهذا الغبي : إن كان الشيخ قال هذا أو نحوه ، فله وجه ظاهر ، يعرفه من عرف حال رؤسائهم في أكل الرشا ووضع الجعل على الفتاوى والأحكام .
وقد صنف الشيخ رحمه الله تعالى رسالة في إبطال هذا ، وأنه من السحت . وناظر على ذلك من ناظر ، وأقام الحجج والرسالة عندي لولا خشية التطويل لسقتها .
وإذا كان الحال هكذا فما المانع من تشبيههم بعقداء البدو ؟ إذا أكلو السحت وارتشوا في الحكم والقضاء ، بل ربما كانت العقداء أخف منهم ضرراً لوجوه : منها أن العقداء يعترفون بالتحريم وهؤلاء يعتقدون الحل . ومنها أن عقداء البدو لا ينسبون ذلك ويضيفونه إلى دين الله . وهؤلاء يجعلونه من المباحات الشرعية التي دل الكتاب على إباحتها .
إذا عرفت هذا فهذه العبارات لا تصدر من مثل الشيخ ، ومن مارس كلامه عرف أن هذه القولة ليست منه ، فإن قوله ( علماء نجد ) يدخل تحته كل عالم ، والشيخ لا يقول هذا في جميعهم . لأن منهم من يتورع .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:17 PM
وأيضا فاطلاق اسم العلم عليهم لا يحسن في مقام الذم . والشيخ أفقه من أن يطلق هذا الاسم هنا .
وقول هذا الرجل : أن رجلاً عاقلاً وصى للشيخ بأن أهل نجد يأخذون على الخط ، وقد نص العلماء على الرخصة فقائل هذا سفيه لا عاقل .
كيف يأخذ ثلاثة حمران أو أربعة أو عشرة على خط ما يساوي فلساً ، ولا يجيز هذا إلا سفيه لا يدري أحكام الله ، وأسفه منه من يحتج بقوله ، ويسود به القرطاس ، فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا . وليت هذا كان حظه السبهلل ، كيف وقد صار على نصيب وافر من معاداة دين الله وأوليائه والصد عن سبيله ، ومدح من عبد غيره وتعلق على سواه من الآلهة . نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .
وقول المعترض فيما نقل عن هذا السفيه : أن البدو يأخذون أبيض الظهر ، والشيخ يأخذه كله ، أبيضه وأسوده بغير رضى ولا حق ، وعقداء البدو يأخذونه عن تراض لا ينكره منكر .
فيقال لهذ المعترض وأمثاله من الجاهلين : أن أبيض الظهر وأسوده وأحمره وأصفره يؤخذ قهراً من الحربيين ، مذ أحل الله الغنائم لعبده ورسوله محمد  ، والحكم باقي إلى يوم القيامة في جميع الغنائم والفيء والجزية والعشور المأخوذة من أعداء الله فإن كان ذلك عندك لا يباح منه الا أبيض الظهر برضى أهل الكسب ، فهو اللائق بعقلك وعلمك ودينك ، وكل إناء بالذي فيه ينضح . لو شعرت أن مقتضى هذا الكلام تفضيل عقداء البدو على أئمة الهدى لعرفت أنك من أضل من أقلته الغبراء وأظلته الخضراء ولكن لا تشعر بما تحت هذا الكلام .
وأمـا قوله : ( واستبحت بلدانهـم وجعلتها بأجمعها لعيالك وأتباعك ) .
فيقال : لو فرض أن عياله صاروا من جند التوحيد ، ومن المجاهدين في سبيل الله ، ومن الدعاة إلى توحيده كما هو الواقع من حالهم وسيرتهم وجهادهم أعداء الله وأعداء

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:18 PM
رسوله بالحجة واللسان والسيف والسنان ، فما المانع من أكلهم أموال من صد عن سبيل الله وأشرك به ، وقاتل ليعبد غيره ، ويدعي سواه ، ويعظم ويرجى من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ؟ وأما أكل أموال المسلمين فيبرأ إلى الله من ذلك ومن فاعله . وقد تقدم أن الشيخ من أعظم الناس قياماً بحق الإسلام ورعاية له .
وجميع ما تقدم من الاعتراضات بناء على معتقد باطل ، وهو أن من تفوّه بالشهادتين لا يضره ذنب ، ولا يخل بإيمانه ولا ينقض إسلامه شرك ، ولا تجهّم ولا القول بالاتحاد والحلول . ولا غير ذلك من المكفرات ، حتى المباني لا تعتبر عند هؤلاء الضلال في الحقيقة كما هو نص قولهم . ومعرفة هذا القول وتصوره يكفي في بطلانه عند من عرف الإسلام .
وأما وضع الفريضة والزكاة في موضعها ، وإعطاؤها أهلها ، فلا يعرفه ويعرف مستحقها وحكم الله فيها ، إلا من عرف دينه وما جاءت به رسله ، وأما من لم يعرف الإسلام والتوحيد ، ولا يعرف إلا الشرك والتنديد، ولم يتصور حق الله على العبيد فماله والكلام فيما لا يعنيه وما لا يعرفه ولا يدريه ؟ .

تمنيت أن تمسى فقيها مناظراً * بغير عناء ، والجنون فنون

وقد ظهر جهلك في قولك ( وتأخذ زكاة الثمار ولو أن ثمرة الانسان ما تكفي عشير ما عليه من الدين ) ولم تعلم أن جمهور العلماء قالوا بأخذها من المدين في الأموال الظاهرة كما هو إحدى الروايتين عن الامام أحمد وهو قول مالك والشافعي .
وروى عن الامام أحمد أنه قال : قد اختلف ابن عمر وابن عباس ، وقال ابن عمر : يخرج ما أنفق واستدان على ثمرته وأهله ، ويزكي مـا بقي ، وقال ابن عباس : يخرج ما استدان على ثمرته ويزكي ما بقي ، وإليه أذهب ، لأن المصدق إذا جاء فوجد إبلاً أو غنماً لم يسأل : أي شيء على صاحبها من الدين ؟ .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:18 PM
وظاهر هذا : أن هذه رواية ثالثة تخص ما أنفق على الزرع والثمـرة . وسبب اختلافهم : هل الزكاة عبادة أو حق مرتب في المال للمساكين . فمن رأى أنها حق لهم قال : لا زكاة على الذي عليه الدين ، لأن حق صاحب الدين مقدم على حق المساكين بالزمان ، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين . ومن قال : أنها عبادة ، قال تجب على من بيده مال ، لأن ذلك هو شرط التكليف وعلامته المقتضية للوجوب على المكلف ، سواء كان عليه دين أم لم يكن . وأيضاً فقد تعارض حق الله وحق آدمي ، فحق الله أحق أن يقضى .
وأما الفرق بين الثمار وغيرها فحجته ترك عماله  وعمال خلفائه البحث والاستفصال ، وعدم النص المقتضي لذلك .
وسلك أبو عبيد القاسم بن سلام مسلكاً آخر فقال : إن كان لا يعلم دينه إلا بقوله لم يصدق ، وإن علمه من غـيره لم تؤخذ منه . كذا قال .
إذا عرفت هذا فمخالفة رسول الله  إنما تصدق وتتحقق فيمن خالفه في الحكم على من عبد الأولياء والصالحين بأنه مسلم ، وأن ماله ودمه معصوم ، مع الشرك بالله وعبادة الأوثان ، ومسبة ورثة دينه وأهل الدعوة إلى سبيله ، ونسبتهم وتسميتهم خوارج ضلال ، وأن من عبد القباب ، وأشرك برب الأرباب ، هم أمة محمد  الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم . وخالفت رسول الله  فيما سودت به الأوراق من المسبه والشقاق . والله لم يتعبدنا بالسب ، ولم يجعله شرعاً وديناً ينسب إليه وإلى رسله ، وإنما هو حرفة الجاهلين المفلسين من العلم والإيمان ، كالنساء والصبيان . وأما أنت فهو حاصل ردك ، وغاية قدح زندك .
وأما قوله : ( والمنكر لذلك يكون كافراً فاجراً ) .
هذه الجملة كأخواتها السابقة واللاحقة من الكذب وشهادة الزور .
وأما قوله : ( أن الشيخ يستدل بفعل الصديق ) . فنعم ونعم الإمام هو .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:19 PM
وأما قوله : ( وهيهات هيهات ما بُعد ما بينهما ، وأنه لكما قال عمر ابن أبي ربيعة :
أيها المنكح الثريا سهيلاً – الخ .
فجوابه أن يقال : قرب المشابهـة وبُعدها يعرفها أولوا العلم الذين زكاهم وعدّلهم رسول الله  بقوله : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عُدوله ) وقـد قام الدليل والبرهان على جهلك بأصل الدين والايمان ، وأنك لا تفرق بين الكفر والإسلام ، والشرك والتوحيد ، والعدل والجـور ، فمن يقبل حكمك القاسط ، ومن يلتفت إلى قولك الساقط ؟ .

ما أنت بالحكم الترضى حكومته * ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

وقد شهد أهل العلم والدين لهذا الشيخ بأنه من المتبعين لآثار رسول الله  وآثار أئمة الدين في أصل دعوته وأحكامه في الأموال وغيرها .
وأما قوله : فطالع كلام العلماء في الاقناع وغيره من كتب الأصحاب ، فمن طالعها وعرف سيرة الشيخ وصنيعه في جبايتها وإخراجها علم أنه من أحـق الناس أن ينسب إليه العدل وموافقة أهل العلم ، وأنه أولى الناس بهم ، وأقربهم إلى دين الله ورسوله ، ولكن لا حيلة في المتكبر عن قبول الحـق والاعتراف به ، ولولا حجاب الكبر ودائه القاتل لما اختلف على الرسل اثنان ، ولما عبدت الأصنام والأوثان ، والله المستعان .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:19 PM
فصل

قال المعترض : ( ثم قال في الجواب المذكور : ونكفره بعد التعريف إذا عرفناه وأنكر . فنقول ( أولاً ) هذا الذي عرفه به من تأويلاته يطالب أولاً بصحتها ، وهل وافقه عليه علماء الأمة الذين لا يصلح هو أن يكون من نظرائهم كما مر ، فإن أنكروا عليه ولم يوافقوه كما هو الواقع فلا كلام ، إذ لا قبول لقول على هذه الحالة بنص علماء الأمـة رضي الله عنهم . وقد قال تعالى فيمن لم يتبع سبيل المؤمنين ما قال . فإن وافقوه على ذلك وقد علم عدم موافقتهم له ، فعلى تقدير موافقتهم له لو فرضنا ذلك فلا يقوم بتعريفه حجة حتى يتبين للجاهل ويعلم أن ما يقوله حق كما نص على ذلك العلماء ، إذ هو بهذه العبارة جعل تعريفه له حجة بمجردها بمنزلة تعريف الرسول  الذي قامت به الحجة بالآيات الباهرات التي تعجز قوى البشر عنها : من انشقاق القمر وتسليم الحجر وانقياد الشجر ، ونزول العذق ، وكلام الظبي والضب ، وتظليل الغمام ، ونبوع الماء بين أصابعه ريا ، وتسبيح الطعام وحنين الجذع ، وسجود الجمل ، والإسراء وتكثير الطعام ، وأعظم من ذلك القرآن المجيد ، وما لا يحصى من المعجزات بالاستقصاء والتعديد ، وأما هذا فليس تعريفه بحجة حتى يعلم المعرف أن ما عرف به هو الحق ثم يعاند ) اهـ .
والجواب أن يقال : عن هذا الكلام من الظلمة والوحشة ، واضطراب التركيب ما يقضي بسقوطه وجهل قائله ، وعدم معرفته لمواقع الخطاب . وقول شيخنا رحمه الله في جوابه للشريف : ( ونكفره بعد التعريف إذا عرفناه وأنكر ) قول صحيح ، فإن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن المرتد يستتاب ويعرف ، فإن أصر وأنكر يكفر بذلك ، ولو كان المستتيب له من آحاد أمراء المسلمين أو عامتهم ، فكيف بقضاتهم وعلمائهم ؟ .
وأما قول المعترض : ( فنقول : أولاً. هذا الذي عرفه به من تأويلاته يطالب أولاً بصحتها ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:20 PM
فيقال لهذا الملحد : إن الذي يشير إليه الشيخ ويعرف به هو نصوص القرآن والسنة ، وإجماع علماء الأمة ، وما ذكره الفقهاء في كتبهم في تكفير من أشرك بالله، وجعل له نداً يعبده ويدعوه ويستجير بحماه . وأدلة هذا في كتاب الله وفي سنة رسوله  أكثر من أن تحصر . قال تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } وقال : { يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل } وقـال تعالى : { فإن تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون } وقال : { قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً } وقـال : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً } وقال : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } وقال : { ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً } وقال : { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } والآية بعدها . وقال تعالى : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } وقال : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به } وقال : { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضُر عنكم ولا تحويلا } وقال : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً } .
وكقوله  : ( بعثت بالسيف بين يدي الساعـة حتى يعبد الله وحده ) وفي حديث عمرو بن عبسة لما قدم على رسول الله  أول المبعث قال : فقلت له بأي شيء أرسلك ؟ قال : ( بأن يوحد الله ولا يشرك به شيء ، وتكسر الأوثان وتصل الرحم ) وقوله : ( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) .
ومعلوم أن المراد هنا قولها على وجه يحصل به إفراد الله بالعبادة وترك ما يعبد معه ، والبراءة منه . وأما مجرد اللفظ مع المخالفة للحقيقة فليس مراداً بإجماع أهل العلم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:21 PM
ولذلك جاء في حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن : ( فليكن أول ما تدعوهم إليه : شهادة أن لا إله إلا الله ) وفي روايـة : ( إلى أن يوحدوا الله ، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ) .
والمقصود منه : أنه جعل الغاية توحيد الله بالعبادة والاستجابة لذلك والتزامه هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله ، وأما مجرد القول والتلفظ فليس هو عين المراد .
وأما العلماء فقد وافقوا على ذلك وقرروه وذكروا الاجماع عليه ، وأن الايمان لابد فيه من اعتقاد الجنان وإقرار اللسان وعمل الأركان . وجهلوا من اقتصر في تعريف مسماه على أحد هذه الثلاثة .
وأما كون الشيخ لا يصلح أن يكون من نظرائهم ، فالذي يصلح أن يكون من نظرائهم عند هذا الملحد هو ابن سلوم وابن فيروز وأمثالهما ممن صرح بعداوة الدين ومسبة شيخ المسلمين ، وكل أحد يميل إلى جنسه ويصبوا إلى ما يشاكله ، والأرواح جنود مجندة ، فلأرواح أهل الايمان واليقين من الألفة والمشاكلة ما يوجب المودة والألفة ولو تباعدت الديار وتناءت الأشباح ، بخلاف أهل الشرك والفجور . فإن بينهم وبين الأرواح الطيبة من الوحشة والنفور والبغضاء مـا يزداد بقرب الديار ورؤية الأبصار . وبين أرواح بعضهم من بعض من ذلك ما هو مشاهد محسوس .
وقوله : فإن أنكروا عليه ولم يوافقوه كما هو الواقع فلا كلام .
يقال في جوابه : وافقه على وجوب توحيد الله والبراءة مما عبد معه جميع الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة ، ووافقوه على تكفير من أبى ذلك ورده إذا قامت عليه الحجة ، ودليلنا قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كُل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله : { وما أرسلنا قبلك من رسول إلا نُوحي إليه أنهُ لا إله إلا أنا فاعُبُدُونِ } وقال تعالى : { واسأل من أرسلنا من قبلك من رُسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يُعبدون } وأما أعداء شيخنا المحادون لله ورسوله من ضلال

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:21 PM
المنتسبين إلى الملة فليسوا من أهل العلم بل ولا من أهل الايمان ، فلا يغتر بقولهم ولا يلتفت اليهم لأنهم الأئمة في عبادة القبور وجعلها أوثاناً تعبد ، كما لا يلتفت إلى خلان القدرية والجلبرة والجهمية الذين جحدوا صفات الله ، وأنكروا علوه واستواءه على عرشه وأنه يتكلم بحرف وصوت ، وجعلوا نفيهم وتعطيلهم أصولاً دينية يجب على الناس اعتقادها . فهؤلاء وأمثالهم لا يعتبر إنكارهم ، ولا يستشهد بوفاقهم .
وأما قوله : وقد قال تعالى فيمن لم يتبع سبيل المؤمنين ما قال .
فكأن الرجل لا يعرف التلاوة ولا يحفظ الآية ، ونقول قال تعالى : { ومن يُشاقق الرسول من بعد ما تبين لهُ الهُدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولّى ونُصله جهنم وساءت مصيراً } وسبيل المؤمنين هو الصراط المستقيم ، وهو ما كان عليه  من الإسلام والتوحيد فسره بهذا أهل العلم .
وأنت عكست الأمر وجعلت من شاق الله ورسوله بمدح الشرك وأهله والدعوة إليه ، وخرج عن سبيل المؤمنين ، واتبع غيره هم العلماء الأمجاد النقاد الذين يعتد بوفاقهم وخلافهم . وهذا عين المشاقّة والمحادة لله ورسوله . وقد ولاك ما توليت ، وأتاح لك ما اخترت وتمنيت ، وصار أعداء دين الله هم أولياؤك وأشياخك وحزبك وأشياعك الذين تدين بأقوالهم ، وترجع إلى آرائهم ، وتحتج بها في موارد النزاع ، فتحقق هذا الوصف فيك ، وأما إصلاء جهنم فأمره إلى الله الذي بيده الملك وإليه يرجع الأمر كله فيقضي بين عباده بعلمه ، وهو أسرع الحاسبين .
وأما قوله : فعلى تقدير موافقتهم لا يقوم بتعريفه حجة حتى يتبين للجاهل ويعلم أن ما يقوله حق .
أقول في جوابه : هذا الرجل من المحن على الدين ، ومن أكابر المحرفين للكلم عن مواضعه ، أي عالم وأي فقيه اشترط في قيام الحجة والبيان معرفة علم المخاطب بالحق ؟ ،

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:22 PM
قال تعالى : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً } وقال تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً } وقال تعالى : { قُل هل نُنبئُكم بالأخسرين أعمالاً . الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً } وقال تعالى : { قُل هو للذين آمنوا هُدى وشفاء والذين لا يُؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمىً } وأمثال هذه الآيات التي تدل على عمايتهم وعدم معرفتهم للحق كثير ، ولم يقل هذا أحد قبل هذا الغبي ، وإنما يشترط فهم المراد للمتكلم والمقصود من الخطاب ، لا أنه حق . فذاك طور ثان . هذ هو المستفاد من نص الكتاب والسنة . وكلام أهل العلم لا ما قاله هذا المخلط الملبس .
وفي كتاب السنة لعبدالله بن الامام أحمد : حدثني أبو سعيد ابن يعقوب الطالقاني أنبأنا المؤمل بن اسماعيل سمعت عمارة بن زازان قال : بلغني أن القدرية يحشرون يوم القيامة مع المشركين ، فيقولون : والله ما كنا مشركين ، فيقال لهم : إنكم أشركتم من حيث لا تعلمون . قال وبلغني أنه يقال لهم يوم القيامة : أنتم خصماء الله . انتهى . فهولاء ما عرفوا الحق ولا عقلوه .
وأما قوله : إذ هو قد جعل تعريفه حجة بمجردها بمنزلة تعريف الرسول  الذي قامت به الحجة بالآيات الباهرات . إلى آخر عبارته .
فيقال لهذا المخلط : تعريف أهل العلم للجهال بمباني الإسلام ، وأصول الإيمان والنصوص القطعية والمسائل الإجماعية حجـة عند أهل العلم ، تقوم بها الحجة ، وتترتب عليها الأحكام ، أحكام الردة وغيرها . والرسول  أمر بالتبليغ عنه ، وحث على ذلك ، وقال الله في الاحتجاج والنذارة في كتابه : { لانُذركم بهِ ومن بلغ } ومن الذي يبلغ وينقل نصوص الكتاب والسنة غير أهل العلم وورثة الرسل ؟ فإن كانت الحجة لا تقوم بهـم وببيانهم أن هذا من عند الله ، وهذا كلام رسوله . فلا حجة بالوحيين ، إذ النقل والتعريف يتوقف على أهل العلم ، كما أن بيان المعاني المقصودة والتأويلات المرادة يتوقف على أهل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:22 PM
العلم ، وتقوم الحجة بهم ، وهم نواب الرسول  في الإبلاغ عنه وقيام الحجة بهم كما قال علي بن أبي طالب في حديث كميل بن زياد : بلى ، لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه ، كي لا تبطل حجج الله وبيناته . إلى آخر كلامه ، وفي الحديث : ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) وبالجملة فالحجة في كل زمان إنما تقوم بأهل العلم ورثة الأنبياء .
وما ذكر هذا المعترض من الآيات التي تعجز قوى البشر عنها هي آيات ومعجزات دالة على رسالته ونبوته  . وليست دالة على أنه لا يقبل من علماء أمته بيان ودعـوة إلى الله إلا إذا حصل لهم مثل ما حصل له ، كما يشير إليه كلام هذا الضال . وهي أيضاً براهين لأتباعه وعلماء أمته لأنهم يبلغون عنه .
وفي عبارة المعترض : أن الجمل سجد له . وهذا مما لا أصل له ، بل جاء الجمل يشتكي كثرة العمل ، وحن إليه . وأما السجود فلا سجود . لأن حديث سجود الجمل رواه الدارمي من حديث اسماعيل بن عبدالملك ابن أبي الصغير الأسدي المكي . قال يحيى القطان ليس بالقوى . وكذلك قال النسائي ، وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم : ليس بقوي في الحديث ، وليس حده الترك . قلت يكون مثل أشعث بن سواد في الضعف ؟ قال نعم . وقال عمرو بن علي الفلاس : كان يحيى وعبدالرحمن لا يحدثان عنه ، وقال في موضع آخر : رأيت عبدالرحمن بن مهدي ، وذكر اسماعيل بن عبدالمللك وكان قد حمل عن سفيان عنه ، وكان عبدالرحمن يحدث عنه ، ثم أمسك عنه . فما حدث عنه . وقال البخاري : يكتب حديثه . وقال ابن حيان : يقلب ما يروي . انتهى .
وقوله : ونبوع الماء بين أصابعه ريا . عبارة نبطية ، فيها من اللحن موضعان تعرف بهما أنه أجنبي عن سائر العلوم ، الأولى : في قوله ( نبوع ) فإن المصدر ( نبع ) من باب ضرب يضرب ضرباً ، ولا يجوز ضرب يضرب ضروبا ، وجواز هذا الوزن في جمع فعل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:23 PM
قليل جداً . والذي ذكره المعترض يريد به المصدر لا الجمع بخلاف فعل ساكن العين ، فإنه يجمع على فعول ككرم وكروم ، وصقر وصقور .
واللحنة الأخرى قوله ( ريّا ) فالحال لا تصلح هنا . إذ صاحبها لا يصلح أن يكون المصدر ولا الجمع على نُدرته ، فالكلام نبطي ساقط .
وأما قوله : أما هذا فليس تعريفه بحجة حتى يعلم المعرف أن ما عرف به هو الحق ثم يعاند . فقد تقدم ما فيه ، وهذا محض تكرير وإسهاب مفلس ، لا يدري ما يقول .
فدع عنك الكتابة لست منها * ولو سودت وجهك بالمداد

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:24 PM
فصل

قال المعترض : ثم قال في جوابه المذكور ، فنقول : أعداؤنا معنا على أنواع .
النوع الأول : من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله  الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضاً أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر الذي هو دين غالب الناس أنه الشرك بالله الذي بعث الله ورسوله ينهى عنه ، ويقاتل أهله ليكون الدين كله لله . ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه . فهذا كافر نقاتله بكفره ، لأنه عرف التوحيد فلم يتبعه ، مع أنه لا يبغض دين الرسول ولا من دخل فيه ، ولا يمدح الشرك ولا يزينه للناس .
ثم قال المعترض : فنقول : يا غوثاه إلى الله تعالى ، كيف يقول : إنه عرف التوحيد والشرك ومع ذلك انه لا يبغض دين الرسول  ولا من دخل فيه ، ولا يمدح الشرك ولا يزينه للناس ، ثم يقول : ولا تعلمه ولا دخل فيه ، ما هذا التناقض الباهر ، الذي يعرفه البليد دون الماهر ؟ .
والجواب أن يقال : آفتك الفهم السقيم ، والمعتقد الذميم ، الخارج عن الصراط المستقيم ، قال تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } لو عرفت حدود ما أنزل الله على رسوله ، وعرفت الإيمان بحده الشرعي ، والتوحيد بحده ، لظهر لك أن المعرفة لا تقتضي الايمان والتوحيد ، وأكثر أعداء الرسل عرفوا الحق والصدق ، ولكنهم لم يلتفتوا إليه ولم يعبأوا به ولا تعلموه ، كحال هذا الذي ذكره الشيخ ، قال تعالى : { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } وقال تعالى : { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } وقال تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:24 PM
قال شيخ الإسلام في كتاب الايمان في بيان غلط المرجئة : الثاني : ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار ، فإنما ذلك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق ، وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار . فإن الانسان قد يعرف أن الحق مع غيره ، ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه أو لطلب علوه عليه أو لهوى النفوس، ويحمله ذلك الهوى على أن يتعدى عليه ويرد ما يقول بكل طريق ، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه ، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم ، وأنهم صادقون لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرياسة وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض ، كالأموال والرياسة وصداقة أقوام وغير ذلك فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة اليهم ، وحصول أمور مكروهة إليهم فيكذبونهم ويعادونهم ، فيكونون من أكفر الناس ، كإبليس وفرعون مع علمهم بأنهم على الباطل ، والرسل على الحق ، ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل وإنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم ، كقولهم لنوح : { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } ومعلوم أن اتباع الأرذلين لا يقدح في صدقه . انتهى المقصود .
وفي قصة أبي طالب وأمره لابنه على بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يلزم ما دعاهم إليه رسول الله  ، مع محبته للرسول  وعدم بغض دينه ومن دخل فيه ونصرته ومدحه ، ومع ذلك لم يرغب عن ملة عبدالمطلب ، وحكم الله بكفره ونهى رسوله عن الاستغفار له ، وهذا في أول السيرة يفهمه صغار الطلبة ، وقد خفى على ضخم العمامة واسع الأردان . قال أبو طالب في منظومته المشهورة :
لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا، ولا يعني بقول الأباطل
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامـل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:25 PM
وقال :
ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * فلقد صدقت وكنت قبل أمينـاً
وعرضت ديناً قد عرفت بأنـه * من خـير أديان البرية دينــاً
ولقـد علمت بأن دين محـمد * مـن خـير أديان البرية دينـاً
لولا الملامة أو حذار مسبـة * لوجدتنـي سمحـاً بذاك مبينـاً

ومع ذلك كله لا تعلم الدين ولا دخل فيه ، فهو من النوع الذي مثل به الشيخ .
وأصل الإشكال على هذا المعترض الجاهل : أنه لم يفرق بين المعرفة وبين التعلم والدخول في الدين ، فلذلك استغرب وصاح وناح ، وبجهله أعلن وباح ، وزعم أن العبارة فيها تناقض باهر ظاهر ، يعرفه البليد دون الماهر ، وأهل العلم عرفوا التوحيد والإيمان بأنه قبول ما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق باطناً وظاهراً ، وإيثاره على غيره . وهذا يدخل فيه علم اللب وعمله ، وقول اللسان وعمل الأركان ، فأين هذا من مجرد المعرفة وعدم البغض ؟ وقد قيل فيمن لم يأخذ بالحق ويلتزمـه مع معرفته له :
فإن كنت لا تدري ، فتلك مصيبة * وإن كنت تدري، فالمصيبة أعظم

وقد تقدم عن هذا أنه قال فيمن قال ( لا إله إلا الله ) إنه من أهل التوحيد والإيمان ومن أمة محمد  ولا يضره عنده عبادة الصالحين والأوثان . ولا يحول بينه وبين ذلك . وهنا زعم أن المعرفة هي الإيمان والدخول فيه . هذا هو التناقض والتدافع والاضطراب الذي لا يرتضيه أولو الأحلام والألباب .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:26 PM
وفي قول هذا من المؤاخذة اللفظية : أن ( البليد ) لا يختص بمعرفة دون الماهر . فكيف يقول : يعرف البليد دون الماهر ؟ وأظنه يريد : فكيف الماهر ، ولكنه ارتبك على عادته في العجمة ، ولسنا بصدد هذا ! وإنما المقصود بيان كذب هذا في دعوى التناقض ، وأن هذا وصفه . وقد شنع سلف الأمة وأئمتها على من قال : إن الإيمان هو التصديق وبدّعوه وضللوه وذكروا لقوله من اللوازم المكفرة مالا يتسع له هذا الجواب .
فسبحان من صد عن معرفة الهدى والرشاد كل من صدف عن دينه وتوحيده ، وسعى في الأرض بالفساد .
تنبيه : حرف المعترض كلام الشيخ ، فحذف منه ما يبين مراد الشيخ .
وأول كلامه رحمه الله : سألني الشريف عما نقاتل عليه وعما نكفر الرجل به ؟ فأخبرته بالصدق ، وبينت له أيضاً الكذب الذي بهتنا به الأعداء ، فسألني أن أكتب له فأقول :
أركان الإسلام الخمسة أولها الشهادتان . ثم الأركان الأربعة . فالأربعة إذا أقر بها وتركها تهاوناً فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره بتركها . والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود . ولا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم وهو الشهادتان . انتهى .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:26 PM
فصل

قال المعترض : ثم كيف يكفر هذا ويقتل ويؤخذ ماله وييتم أولاده بهذا الهذيان البارد ؟ ويجعل هذا الصنيع المارج دين الله ورسوله المرتب للمجاهدين فيه جنة المأوى والرضوان من الرحمن ، وأنه الذي أرسل به رسوله وأنزل به كتابه ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ، وافتراء على الله في عباده وبلاده ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ثم قال : والاعتقاد في الشجر والحجر ليس هو دين غالب الناس .
وزعم أن هذا افتراء واجتراء وأن الغالب قول الرسول  في أمته التي هي خير أمـة أخرجت للناس : ( لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ) وحديث : ( لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) .
ثم قال : وأهل البدع طريقهم الجهل والافتراء . فإن وجد في الأمة من يريد التبرك بشجر أو حجر فلا أوسع من طريقة خاتم الرسل  مع أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم يوم حُنين . وكذا طريقة كليم الرحمن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام مع أصحابه . فيقال لمن أراد ذلك ما قالوا ، ويقف حيث وقف رسل الله تعالى ، وهذا الرجل يطلب طريقاً غير طريقهم ، ولازم قوله هذا تكذيب الرسول  ، حيث لم يجعل دينه قائماً مستقيماً ظاهراً ، وأنه الذي أظهره للناس ، فأي ذلك يصدق : هذا الرجل ، أم الرسول  ؟ والعيان بالبيان ما أغوى صاحب الهوى . انتهى.
والجواب أن يقال : هذا القول الذي قاله شيخنا وقرره في تكفير من عرف أن التوحيد دين الله ، وأن الاعتقاد في الشجر والحجر هو الشرك الذي قاتل عليه رسول الله  . ومع هذه المعرفة أعرض عنه ولم يقبله تعلماً وعملاً : هو الذي دل عليه الكتاب العزيز والسنة النبوية . قال تعالى : { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } ولم يقل فإن لم يعرفوا . بل رتب ذلك على نفس الإعراض ، وقال تعالى : { قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدُو فإما يأتينكم مني هُدى فمن اتبع هُداي فلا يضل ولا يشقى . ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً } وقال تعالى : { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا } وقال تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلموا تسليماً } وقال تعالى : { ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة } وقال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:27 PM
فدلت هذه الآية على أن المعرض عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق يكفر إن عرف ولم ينكر ، وأن الإيمان بالله ورسوله لا بد فيه من الانقياد والاعتقاد والعمل باطناً وظاهراً ، وذكر السلف في ردهم على المرجئة والجهمية أن الإيمان قول وعمل ونية ، ودلت سنة رسول الله  على ذلك في غير ما حديث ، كحديث : ( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) وحديث : ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله ) وحديث عمرو بن عبسة وقد تقدم قريباً ، وغير ذلك مما لو أفرد لاحتمل مجلدات .
فمن قال فيمن ذهب إلى مدلول هذا وقرر : أنه هذيان بارد فهو كفور جاحد ، ومكابر معاند ، ولئيم حاسد ، والجهاد لم يشرع إلا لالزام المكلفين بما جاء من توحيد الله والتزام دين المرسلين لا لمجرد المعرفة فقط ، وقد جاهد  هذا الضرب من الناس ، واستباح دماءهم وأموالهم ، واليهود يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم ، وقد قال تعالى في شأنهم : { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } فمن جعل مجرد المعرفة هي الإيمان والقتال لأهلها الذين لم يلتزموا مـا جاءت به الرسل ، بل أعرضوا عنه قتال مفتر ظالم وصنيع مارج فهو من أعظم الخلق صداً عن سبيل الله ، وهدماً لقواعد دينه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:32 PM
، وكذباً على شريعته وتلبيساً على عباده ، ورداً لما جاءت به رسله ؟ وجهلاً بالإيمان وحقائقه .
ولازم قوله هذا : الطعن على رسول الله  بقتاله من عرف أنه على الحق ، وأنه رسول الله ، وكذلك فيه طعن على من قاتل على الشهادتين أو على ركن من أركان الإسلام ، كقتال الصديق على الزكاة ، وجهاد من منعها ، وفيه طعن على جميع أهل العلم الذين أباحوا القتال على الامتناع عن فعل بعض شرائع الإسلام الظاهرة .
وكذلك من نفى وردَّ ما قاله الشيخ وقرره من أن الاعتقاد في الحجر والشجر هو دين غالب الناس في هذه الأوقات . فمن أنكر هذا وجادل فيه فهو مكابر معاند ، لأن هذا قد اشتهر ، وعرفه جمهور البشر . فليس في أرض فارس ومـا وراء النهر إلا عبادة الأئمة وأهل البيت وغيرهم ، والاعتقاد فيهم النفع والضر والعطاء والمنع والنصر والقهر . وغير ذلك من أفعال الربوبية . وكذلك العراق باديته وحاضرته ، إلا أفراداً قليلا . والأكثر لهم فيمن يعتقدونه من الأولياء وغيرهم كعبد القادر والكاظم وغيرهما ما لا يجهله أبلد الناس وأشدهم تغفيلاً . وهكذا كل بلد وكل مصر وكل بادية ، لهم من الولائج والمعبودات والاعتقادات في القبور والأشجار التي يرجون منها البركة ما لا يخفى على أحد .
فمن جحد هذا كله وزعم أن الأكثر هم خير أمة أُخرجت للناس وأن دين الإسلام لا يزال قائما بهم ، وأن أمر أكثر الناس لا يزال مستقيماً حتى تقوم الساعة ، فهو من أكذب الناس وأظلهم ، وأجهلهم بالنصوص ومعانيها .
وقد صح عنه  أنه قال : ( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء ) . قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : ( النزاع من القبائل ) وقد تقدم ذلك . وتقدم حديث : ( لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه ) وفي الحديث : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقُذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) وعن ابن مسعود : ( يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من النقد ) وقال  : ( لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دَوس حول ذي الخلصة )

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:32 PM
وفي الحديث ثوبان : ( ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ، وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان ) وهذا لا يخالف قوله في حديث معاوية : ( لا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة ) لأن المراد بالأمة أهل الاستقامة والمتابعة والإجابة لا جميع أمة الدعوة ، فإن ( الأمة ) تطلق ويدخل فيها من بلغته الدعوة كما في حديث : ( ما من رجل من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلا كان من أهل النار ) وغربة الدين قررها أهل العلم وأفردوها بالتأليف وهي أكثر وأشهر من حديث معاوية وحديث جابر رضي الله عنهما .
وما زعم المعترض من أن حديث معاوية متواتر ، قول لا أصل له ، لأن المتواتر ما رواه عدد كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب .
وأما قوله : وأهل البدع طريقتهم الجهل والافتراء . فنعم والله ، وهو الذي سودت به أوراقك واعتراضاتك من أولها إلى آخرها . ولأهل العلم من النقد والتمييز ما يكفي عن بيان جهلك والإطناب في ذلك .
وأما قوله : فان وجد في الأمة من يريد التبرك بشجر أو حجر فلا أوسع من طريقة خاتم الرسل . إلى آخر عبارته .
فشيخنا رحمه الله ما خرج عن طريقتهم ، ولا فارق منهاجهم ، وقد قام أحسن قيام على من أراد ذلك ونصح وبلّغ ، وقرر واستدل . فمن قبل وأطاع الله ورسوله سار فيه بسيرة المؤمن مع أخيه ، وأكرمه وأحبه لله وفيه . كما فعل رسول الله  بأبي واقد الليثي وأصحابه . وكما فعل موسى بن عمران عليه السلام مع بني إسرائيل .
والنزاع فيمن رد على الأنبياء ، ولم يقبل منهم وتبرك بالشجر والحجر وعاند وقاتل على هذا . وهذا المعترض خلط المسألتين ، وجعل من عبد الأشجار وعاند وأصر بمنزلة من استفتى ثم تاب واستغفر . وزعم أن طريقة رسول الله ترك المصر المعاند ، وعدم تكفيره ،

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:33 PM
كما هي سيرتهم في المنيب التائب . فكذب على رسول الله ، ولبس على خلق الله ، واستباح لحوم العلماء وبهرج على الجهال . وقد صار إلى الله وقدم عليه ، وهو أحكم الحاكمين وإله العالمين .
وكل مسلم وعاقل يعلم أن رسول الله  قاتل من تأله بالأشجار والأحجار ، واستكبر عن توحيد الملك الغفار . قال تعالى : { أفرأيتم اللاَّت والعُزى . ومناة الثالثة الأُخرى . ألكم الذَّكرُ ولهُ الأُنثى } فهل هذه المذكورات في الآية الكريمة إلا أحجار وأشجار ؟ وهل قاتل رسول الله  من عظمها وتأله بها وتبرك ؟ وهل استباح دماءهم وأموالهم ونساءهم ؟ أو كيف الحال يا معشر الضلال ؟ وهل قال موسى لبني إسرائيل لما : { قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قومٌ تجهلون . إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون . قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين } .
فصح أن هذا المعترض الملحد إنما صاح وأنكر ما ثبت من طريقة رسل الله وأوليائه فيمن عبد الشجر والحجر ، وأن طريقة رسل الله ضاقت بهذا الرجل ، وخرج عن رق العبودية إلى أودية الجهالة والضلالة يزعم أنها أوسع ، وينسبها إلى الرسـل فبعداً للقوم الظالمين وبؤساً للملحدين والمحرفين .
والشيخ رحمه الله وقف حيث وقف الرسل ، وأنكر ما أنكروا ، وقاتل على ما عليه قاتلوا . وأنت وأمثالك من الضالين وقفتم في طريقهم . فمن أنكر ما أنكروه وقاتل ما قاتلوه ، تصديتم للرد عليه والذب عنهم ودفعتم في صدر نصوص الكتاب والسنة بشبهات ساقطة وأقوال ضالة لا تروج على من عرف الإسلام وحقيقته . فأنتم جند محضرون لمن عبد الشجر والحجر .
وأما قوله : ولازم قوله هذا تكذيب الرسول ، حيث لم يجعل دينه قائماً مستقيماً ظاهراً ، وأنه الذي أظهره للناس .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:34 PM
فيقال لهذا المعترض : إن كان إظهار العلماء والأئمة لدين الإسلام وبيانه للناس ، وذكر حدوده يلزم منه تكذيب الرسول ، فأي عالم وأي صحابي وأي خليفة هدى لم يقع منه بيان وإظهار وكشف لحقيقة الإسلام وحدود الإيمان ؟ بل آحاد المؤمنين لابد أن يقع منه هذا ولو لأهل بيته وأولاده . ومعلموا الصبيان أظهروا لهم من كتاب الله وعلموهم ما لم يكونوا يعلمونه . فإن كان الدين لا يحتاج لإظهار وتبيين ، أو كان الإظهار يستلزم تكذيب الرسول ، فليس على وجه الأرض مؤمن إلا من سكت عن ذكر دين الإسلام وتعليمه للناس والدعوة إليه ، ولم يسلك سبيل الرسول وسبيل من اتبعه في الدعوة إلى الله على بصيرة ، ومن دعا وأظهر للناس شيئاً من الدين فلازم قوله تكذيب الرسول ! .
فلا إله إلا الله !! ما أشد ما تلاعب الشيطان بهذا المغرور وأمثاله حتى جعلوا متابعة الرسول وسلوك سبيله تكذيباً له أو لازمه التكذيب ؟ . وهذا الضرب من الناس هم من شر الدواب المذكورين في قوله تعالى : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون . ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } .
وأول الناس بيّن حقيقة الإسلام وما يدخل فيه بعد رسول الله  أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فإن عمر قال له : أتقاتل الناس وقد قال رسول الله  : ( أمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) ؟ فقال الصديق رضي الله عنهما : ألم يقل إلا بحقها ؟ فإن الزكاة من حقها . والله لو منعوني عناقاُ كانوا يؤدونها إلى رسول الله  لقاتلتهم على منعها . قال عمر رضي الله عنه : فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق .
وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر وقتال من منعها ، أفيلزم من بيان أبي بكر لعمر تكذيب الرسل ؟ سبحانك ، نبرأ إليك مما أتى به هذا المفتري .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:35 PM
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إن للإسلام شرائع وفرائض وحدوداً وسنناً . فإن أعش فسأبينها لكم ، وإن أمت فلست على صحبتكم بحريص .
فيلزم من هذا عند المعترض خطأ عمر وتجهيله . وهذا الرجل يسب أئمة الإسلام وهو لا يشعر .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:35 PM
فصل

قال المعترض : ثم قال في جوابه : النوع الثاني من عرف ذلك ولكنه تبين في سب دين الرسول مع ادعائه أنه عامل به ، وتبين في مدح دين أهل الكويت وفضلهم على من وحد الله . فهذا أعظم من الأول كفراً . وفيه قوله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } وهو ممن قال الله فيهم : { وإن نَّكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر } .
قال المعترض : انتهى كلامه بحروفه . فاستيقظ أرشدك الله لسبيله المستقيم ، وانظر إلى هذا الكلام السقيم ، بقلب واع فهيم . كيف هذا الذي وصف بما يذكر يسب ديناً قد عرفه وهو عامل به ، ثم ينزل عليه هذا الرجل هذه الآيـة التي نزلت في أهل الكتاب من بعثة النبي  وصفته ، فأنزل هذا الرجل نفسه بمنزلته ، وكابر بذلك على الغوغاء وسفك الدماء ، فنهب بذلك الأموال على ذلك . والآية الأخرى نزلت في صناديد قريش على الصحيح من قول المفسرين كابن عباس رضي الله عنهما ، وهم الذين هموا بإخراج الرسول  باجتماعهم على ذلك في دار الندوة ، ثم قال تعالى : { وهم بدءوكم أول مرة } بقتالهم يوم بدر ، وقيل قضية خزاعة فهؤلاء هموا بإخراج الرسول بنطق القرآن المجيد ، والذين وصفهم هذا الرجل وعظم كفرهم لو رأوا الرسول  لوقوه بأنفسهم ، ولم يرفعوا أبصارهم إليه تعظيماً له بأبي هو وأمي ونفسي ، ولبذلوا له ما بأيديهم . ثم إن هذا الرجل جعل أهل الكويت الذين شيدوا المساجد والمنار لداعي الفلاح ، وأظهروا شعائر الإسلام ، وبذلوا أموالهـم على ذلك ، واجتهدوا في المحافظة على أعمال الخير ، طلباً لما عند الله تعالى ، كالذين نزلت فيهم هذه الآيات بل كفّر من ودهم وأثنى عليهم ، فضلاً عن تكفيرهم . فأي تكفير للأمة المحمدية أبلغ من هذا ؟ إذ أهل الكويت من عرض هذه الأمة أهل القبلة المحمدية الإبراهيمية ، ويا سبحان الله ، فأين الأمة التي هي خير أمة أخرجت

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:36 PM
للناس ؟ أيراها هذا الرجل هو وأتباعه الذين حجروا الواسع ، وأين دين الله الظاهر المستقيم قبل هذا الرجل الذي يزعم أنه أظهره للناس ؟ أفلا يستحي القابل لهذا الكلام دون القائل ؟ . انتهى كلام المعترض بحروفه .
والجواب أن يقال : هذا النقل اعتراه من التحريف والكذب ما اعترى غيره ، والمحفوظ عن الشيخ رحمه الله أنه قال : وتبين في مدح من عبد يوسف والأشقر ، ومن عبد أبا علي والخضر من أهل الكويت ، وفضلهم على من وحـد الله تعالى ، وترك الشرك . والمعترض غير هذا وقال : " وتبين في مدح دين أهل الكويت " وفرق بين العبارتين فإن من عبد يوسف ، ومن عبد أبا علي والخضر من أهل الكويت أو غيرهم مع معرفته لدين الرسول ومسبته له لا يستريب مسلم في كفره وردته ، بخلاف ما لو قال ما زعمه المعترض .
وهذا الحذف والتحريف موروث عن اليهود ، كما فعل ابن صوريا لما أخفى آية الرجم وكتمها وقد ذكر الله تعالى أنه جعلهم كذلك محرفين ولعنهم وجعل قلوبهم قاسية بنقضهم الميثاق والعهد الذي أخذ عليهم على أيدي رسله وأنبيائه ، قال تعالى : { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم } .
إذا عرفت ذلك فكلام شيخنا في غاية الوضوح والظهور ، ودليله دال على هذا ، فإن قوله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } نص على تكفير هذا النوع الذي ذكره الشيخ ، وهو من عرف ثم تبين في السبب والعداوة وتفضيل أهل الشرك فهذا بعينه هو الذي دلت عليه الآيتان .
وأما قول المعترض : كيف هذا الذي وصف يسب ديناً قد عرفه وهو عامل به .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:37 PM
فيقال له : أما معرفته له مع مسبته فلا يستغرب ذلك ، ولا يمتنع وجوده . وهو نص الآية في اليهود ونحوهم ، ممن عرف ولم يلتزم ، بل أصر وعاند . وقد قال  : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم ) فلا يستغرب ذلك ويرده على الشيخ إلا من هو أجهل الناس بكتاب الله ودينه وشرعه ، ومن أجهلهم بحال أعدائه في كل زمان ومكان ، ولكن هذا الرجل حرف وزاد قوله : " وهو عامل به " ومعلوم أن العامل به لا يسبه ولا يعاديه إذا عمل به حقيقة العمل ، ولكن هذه من كيسه زادها لسبك التلبيس . و الشيخ رحمه الله مثل بمن عرف ثم سب ، ومدح دين المشركين ولم يقل : وهو عامل به .
وأما قوله : ثم ينزل عليه هذا الرجل هذه الآية التي نزلت في أهل الكتاب من بعثة النبي  وصفته .
فيقال لهذا المغرور : إن من منع تنزيل القرآن وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي ، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم ، قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل . ومن أعظم الناس تعطيلا للقرآن وهجراً له ، وعزلا عن الاستدلال به في مورد النزاع ، وقد قال تعالى : { فإن تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول } والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه ، وإلى الرسول الرد إلى سنته . وقـد قال تعالى : { وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله } وقال تعالى : { لأنذركم به ومن بلغ } فنصوصه وأحكامه عامة ، لا خاصة بخصوص السبب .
وما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود من الصد عن سبيل الله والكفر به ، مع معرفته ؟ .
وهذا الرجل لا يبدي قوله في اعتراضه وتلبيسه إلا هي أكبر من أختها في الجهالة والضلالة . ولو كنت تعرف الكتاب العزيز وما دل عليه من الحدود والأحكام والاعتبار لأحجمت عن هذه العبارات التي لا يقولها إلا أفلس الخلق من العلم والإيمان .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:39 PM
يا خاسـراً هـانت عليه نفسـه * إذ باعها بالغبن مـن أعدائـه
لو كنت تعلم قـدر مـا قد بعته * لفسخت هذا البيع قبل وفائـه
أو كنت كفؤا للرشـاد وللهدى * أبصرت لكن لست من أكفائه

وأما قوله : فأنزل هذا الرجل نفسه بمنزلته وكابر بذلك على الغوغاء وسفك الدماء . الخ .
فيقال : إن كلام الشيخ رحمه الله فيمن كفر بدين الرسول ، وسبه مع معرفته له : كائنا من كان : عرف الشيخ أو لم يعرفه . وليس في الكلام تصريح على ذكر الشيخ وطاعته ، بل هو حكم شرعي عام ، فنسبة من قاله ورميه بأنه نزل نفسه منزلة الرسول من أعظم البهت والفرية على أهل العلم والدين . والعلماء في قديم الزمان وحديثه هم الموقعون عن الله ورسوله ، المترجمون لوحيه وتنزيله ، فمن رد عليهم ولم يقبل منهم ـ زعماً منه أنهم يدعون الى أنفسهم ـ ففيه مشابهة بمن رمي الرسل بذلك من قوم نوح وقوم فرعون ، وقد تقدم ما قالوه لأنبيائهم .
وقال تعالى فيمن استكبر عن متابعة الرسل ولم يرضهم في التبليغ عن الله واتهمهم في ذلك : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً } فوصفهم بالكبر والعتو الكبير لما اقترحوا هذه الاقتراحات ، ولم يسلموا لما جاءت به الرسل من الوحي والآيات ، وهكذا كل مستكبر وعات عما جاءت به الرسل ، وما قرره أهل العلم : يرده ولا يقبله قدحا فيهم وزعماً منه أنهـم يدعون إلي أنفسهم ، وأنه لا يصلح أن يكون تابعاً ، فما أقرب المشابهة بين هؤلاء الضلال وإخوانهم الأولين : أتواصوا به ؟ بل هم قوم طاغون .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:39 PM
وأما قوله : والآية الأخرى نزلت في صناديد قريش على الصحيح من قول المفسرين كإبن عباس ، وهم الذين هموا بإخراج الرسول بإجتماعهم على ذلك في دار الندوة .
فالجواب أن يقال : اللسان لسان جاهل ، والقول غير مستقيم ولا عادل ، والآية نزلت فيمن عاهد الرسول على مدة معينة من المشركين يوم صلح الحديبية . وقد شهده وعاهده على الصلح كثير ممن لم يحضر دار الندوة ، ولم يشهد رأيهم فيها . والآية عامة الحكم عند أهل العلم ، وإن كان سببها خاصا . ولهذا استدل بها من قال : لا تقبل توبة من سب الرسول  أو من طعن في دين الإسلام ، أو ذكره بتنقص كما ذكره ابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من أهل العلم . وهو الذي قاله شيخنا رحمه الله واستدل بالآية عليه .
وأي مانع يمنع من تكفير هذا النوع وإن كان سبب نزول الآية قوما مضوا وانقرضوا ؟ فالحكم بحمد الله باق ، والدليل واضح ، والمنار يلوح وقد أنزل الله القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . ولم يخص به قوما دون قوم ، وان مضى أمس بأهل عرفانه فنحن مـن أبناء هذا اليوم . وقوله تعالى في وصف هؤلاء في الآية التي بعدها يراد به التحريض والإغراء بهم . وكل وصف على حدته مبيح لقتالهم ودمائهم . ولذلك قاتلهم رسول الله كافة ، ولم يخص أهل دار الندوة كما ظنه هذا الغبي ، فعلى عقله العفاء ، والسلام على عباد الله الذين اصطفى .
وأعجب شيء أنه استدل على إيمان من سب دين الرسول ومدح الشرك بأنه لو رأى الرسول  لوقاه بنفسه ولم يرفع إليه بصـره تعظيما له .
فيقال لهذا المفتري : ومـا يشعرك أنه لو رآه لكفر به كما كفر بدينه ، قال تعالى : { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون . ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } ثم لو وقى الرسول بنفسه ولم يرفع إليه بصره ، وبذل له ماله كما فعل أبو طالب

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:40 PM
أي شيء يغني عنه ذلك مع مسبة التوحيد وعدم التزامه ، ومدح الشرك والثناء على أهله ؟ والإسلام والإيمان وراء ذلك كله ، لا بد فيه من معرفة الحق وإرادته والانقياد له وإيثاره على ما عداه ، والجهل بحدود ما أنزل الله أوجب لهؤلاء الفجار أن تلاعبوا بدين الله وقاموا في نصر الكفر والكفار ، فالحمد لله على ردع هؤلاء وكبتهم ، وإظهار خزيهم وكشف جهلهم .
وأما قوله : ثم إن هذا الرجل جعل أهل الكويت الذين شيدوا المساجد والمنار لداعي الفلاح ، وأظهروا شعائر الإسلام وبذلوا أموالهم على ذلك واجتهدوا في المحافظة على أعمال الخير طلباً لما عند الله كالذين نزلت فيهم هذه الآيات ـ الخ قوله فيهم .
فقد تقدم أن الشيخ لم يذكر أهل الكويت ولا مثل بهم ، وإنما هو تحريف من هذا المعترض ، وتنفير وصد عن سبيل الله .
ثم لو فرض أنهم كما ذكر في بناء المساجد والمنار ، وبذل الأموال في ذلك : فما الفرق بينهم وبين أهل خرا سان وطبرستان والري وغيرها من بلاد فارس ؟ وقد نص العلماء على أن الشخص لا يدخل في الإسلام إلا بعبادة الله وحده لا شريك له ، والبراءة مما عبد من دونه والكفر بالطواغيت ، مع التزام بقية الأركان والعمل بها .
وهذا الغبي لم يحسن ولم يعرف ما يمدح به أهل الكويت إلا بأمر شاركهم فيه من عبد عليا والحسين والعباس ، وشاركهم فيه الجهمية والباطنية والزنادقة ، وهذا هو اللائق بحال هذا الرجل وعلمه ، وهو غاية ما عنده .
وكذلك قوله : إنهم من أهل القبلة المحمدية الإبراهيمية . هو من هذا القبيل ، وفيه إشعار بأنه لم يعرف مراد العلماء بقولهم " أهل القبلة لا يكفرون بالذنوب " ولم يعرف مراد العلماء ولا أصل هذه الكلمة وما تساق له .
فكلامه ظلمات بعضها فوق بعض ، وقد أنكر الإمام أحمد قول الناس : لا نكفر أهل القبلة بذنب . مع أن مراد من قاله : مراد صحيح ، لا يمنعه أحمد . لكن الشأن في

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:41 PM
الألفاظ والعمومات ، وما يسلم منها وما يمنع . وأما قوله : فأين الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس ؟ .
فيقال له ؟ قد ضيقت واسعا إن كانت الأمة عندك خصوص أهل الكويت ، فهذا الكلام بهذيان المجانين أقرب منه إلى لسان المتشرعين . ثم قال ما المانع أن يكون الشيخ وأتباعه من خير أمة أخرجت للناس ؟ { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما } وقال تعالى : { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } وقد روى الطبراني في الكبير بسنده الى ابن عباس { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال : هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:41 PM
فصل

قال المعترض : ثم قال : النوع الثالث من عرف التوحيد وأحبه واتبعه ، وعرف الشرك وتركه ، ولكنه يكره من دخل في التوحيد . فهذا كافر فيه قوله تعالى : { ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم } اهـ .
ثم قال المعترض : فنقول حينئذ فيالله العجب ! كيف يقول : من عرف التوحيد وأحبه واتبعه ، وعرف دين المشركين وتركه ، ثم يقول : ولكنه يكره من دخل في التوحيد . فهل هذا توحيد من غير دين الله ورسوله  حتى يكره هذا ؟ .
فهذا من كلامه من الهذيان ، وهو من الجمع بين الأضداد الممتنع عقلا وشرعا : أفلا يستحي قابل هذا الكلام دون القائل له ، وهو يري تناقضه وهذيانه ؟ ولكن لو قال : إن هذا النوع الذي يحب التوحيد ويعمل به ، ويكره الشرك وينكره ، قد كره قول هذا الرجل بتكفيره الأمة المحمدية ؛ لصدق ، إذ هذا هو الحقيقة ، وهو الواقع لأن هذا الرجل جعل طاعته ركنا سادسا لأركان الإسلام .
والجواب أن يقال : في هذا من التحريف والبهت قسطه ، فإن الذي في النسخ المتداولة المحفوظة " ويحب من بقي على الشرك " .
ومعلوم أن معرفة التوحيد ومحبته واتباعه قد يعتريه ناقض ينقضه ومبطل يبطله ، أو محبط يحبطه . وذلك يحصل بأمور :
منها : كراهة من يدخل في التوحيد ويلتزمه ، ومحبة من يبقى على الشرك ولا يدخل في التوحيد لغرض له في ذلك رياسه وتحصيل مال ، ونحو ذلك من الأغراض الفاسدة .
وقد ذكر الفقهاء كثيرا من هذا النوع في باب حكم المرتد ـ تجري ممن يظهر محبة التوحيد ، وجهل المعترض أوجب له الحيرة والشك ، وقد قال تعالى : { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا . أولئك هم الكافرون حقا }

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:42 PM
فهؤلاء آمنوا ببعض وأحبوه وتابعوه ، ولم يلتزموا الإيمان بجميع الرسل وما جاء به الرسل ولم يحبوه كله ، بل فرقوا بين شعب الإيمان وأصوله ، وأرادوا أن يتخذوا سبيلا بين الإيمان بالكل ورد الكل .
فهذا عين ما قرره شيخنا . فإن كراهة إيمان بعض الخلق كراهة لما أنزل الله فافهمه .
قال في الإقناع في باب حكم المرتد : أو كان مبغضا لما جاء به الرسول . يعني فيكفر وإذا أبغض دخول الناس في دين الله والتزامه . فهو مبغض لما جاء به الرسول بلا ريب . ويكفي المؤمن في تكفير من كره بعض ما أنزل الله هذه الآية التي ذكرها المصنف .
ومعلوم أن المتابعة لم تحصل من هذا الصنف على وجه الكمال ، وكذا الحب ، لكن معه من الحب والمتابعة ما لا يحصل به نجاته وإسلامه .
يوضح هذا : أن من أحب الإسلام والتزمه واتبعه ، ولكن جوز نبوة مسيلمة أو غيره ممن يدعي النبوة ، يكفر بذلك ، ولا ينجيه ما معه من الإسلام والمتابعة . وهكذا غلاة القدرية ونحوهم ، ممن له تعبد ومتابعة في كثير من الأركان والشعب .
فإن قيل : إنما كفر من جوز نبوة مسيلمة أو غيره لرده الكتاب والسنة والإجماع .
قيل : وكذلك من كره دخول الناس في التوحيد وأحب بقاءهم على الشرك فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع .
وبهذا تعلم أن المحبة ذات مراتب ، لا يلزم من وجود بعضها وجود غيره ، وكذلك المتابعة ، ومن لم يستكمل الإيمان الواجب في الحب والمتابعة قد يقع منه ما ينافيهما فيجتمع الضدان ، ولا يستحيل ذلك لا عقلا ولا شرعا أما العقل فقد جوز اجتماع الأضداد كافة النظار والمتكلمين ، ومثلوا لذلك .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:42 PM
وأما الشرع فإجماع السلف والأئمة على أن الشخص يجتمع فيه مادتان متضادتان : كفر وإسلام ، توحيد وشرك ، طاعة وفسق ، إيمان ونفاق . وهو لأيهما غلب ولو عقل المعترض لعرف المراد ، لكنه جهل فاعترض ، وجعل جهله وعقله الضال ميزانا يزن به ، فلا أحكم ممن قضي له بالخذلان وعدم العلم بحقائق الإسلام والإيمان .
ثم لا يمكن أن يقع تصويره الذي صور ، ورأيه الذي ارتضى وقرر ، من أن الذي يحب التوحيد ويكره الشرك قد كره قول الشيخ . وما قرره وأبداه من معرفة دين الله وتوحيده وتكفير من رده وصد عنه وأباه . وتكفير الأمة لم يقع من الشيخ محمد بحمد الله .
وتقدم الجواب عنه ، وتقدم أن الأمة في رأي هذا الرجل ودعواه هم عباد القبور ومن عبد عليا والحسين وأمثالهما ، أو جعل لهم تدبيراً وتصريفاً مع الله هؤلاء هم الأمة عند هذا الضال . وشبهته أنهم يقولون لا إله إلا الله ، ولم يدر أيضا نصوص الفقهاء على أن من أتى بمكفر من فعل أو قول أو اعتقاد لا يدخل في الإسلام إلا بتركه والتوبة منه . وإن قال لا إله إلا الله .
والحمد لله حمدا كثيراً لا نحصي ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما أثنى به عباده الذين اصطفى .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:43 PM
فصل

قال المعترض : ثم قال في جوابه : النوع الرابع : من سلم من هذا كله ، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد واتباع الشرك وساعين في قتالهم ، ويعتذر أن ترك وطنه يشق عليه ، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ، ويجاهد بماله ونفسه طوعاً واختياراً . فهذا أيضاً كافر . فإنهم لو يأمرونه بترك الصوم ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل . ولو يأمـرونه بتزوج امـرأة أبيه ولا يمكنه ذلك إلا بمخالفتهم فعل . فهذا أيضاً كافر ، وهو ممن قال الله فيه : { ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم } قال المعترض : انتهى كلامه . فتأمل رحمك الله هذا الكلام فقد كفّر فيه وفيما قبله بالطاعة بأن من لم يطعه فيما قال ، ويهاجر إليه فهو كافر بذلك حلال الدم والمال وليس له عنده غفران . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  أنه قال : ( من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها ) فصح بهذا الحديث الصحيح أن ترك الهجرة إذا وجبت ليس بكفر كما يقوله هذا الرجل . ونحن نستيقن أن هذا الرجل الذي هو وصفه بالكفر أن أهل بلده لو يأمرونه بألا يقول شهادتي الإخـلاص ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم لفعل . فأين الكفر الذي حكم عليه هذا الرجل به ؟ ثم ماذا لو ترك الهجرة الواجبة لو فرضنا صحة قوله ؟ إنما هي تكون معصية وقد يعذر كما عذر النجاشي وامرأة فرعون ، وكذا جعفر وأصحابه بعد أن استقر النبي  بدار الهجرة . فجعل هذا الرجل الهجرة على فرض صحة قوله شرطاً لصحة الإيمان ، وأنت ترى قول الله تعالى ورسول  .
والجواب أن يقال : من زعم أن هذا الكلام الذي ساقه الشيخ وقرره يدل على تكفير من ترك طاعته ولم يهاجر إليه : فهو من أضل الخلق وأعظمهم جرأة على البهت

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:44 PM
والكذب ، وأشدهم مكابرة على شهادة الزور. وفي الحديث : ( عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ) قالها ثلاثاً .
وصريح كلام الشيخ رحمه الله في رجل تبع أهل بلده في قتال أهل التوحيد إيثاراً لبلده ووطنه ، فبذل نفسه وماله في قتال أهل التوحيد .
هذا نص الشيخ وصريح كلامه ، فمن أين أخذ هذا الثور الأعجم أنه يكفر بترك طاعته ؟ .
واستدل الشيخ على هذا بقوله تعالى : { ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم } والآية ظاهرة الدلالة على هذه المسألة ، فإن من تكلم بالإسلام ولم يعتزل أهل الكفر بل صار معهم ، وقاتل أهل التوحيد لغرض من أغراضه الدنيوية تناولته الآية ، وشمله نصها الصريح ، وقد جعل الله لحقن دمه حداً وفعلاً يتميز به إسلامه ، وهو اعتزال قتال المسلمين ، وإلقاء السلم إليهم بالانقياد ، وكف اليد عن قتالهم ، ومتى لم يحصل ذلك منهم ولم ينقادوا له فقتالهم واجب أينما ثقفهم المؤمنون . وقد جعل الله عليهم حجة ظاهرة . هذا صريح الآية ونصها .
فأتى هذا المعترض المخلط ببهت لا يدل عليه كلام الشيخ لا تصريحاً ولا تلويحاً ، واستدل بحديث أبي هريرة على إيمان من قاتل المسلمين مع المشركين وآثر وطنه على التزام الإسلام ، وترك القتال : والحديث إنما هو في شأن الهجرة . وقد حمله كثير من أهل العلم على من أظهر دينه ، فلم تجب عليه الهجرة . وبعضهم حمله على الأعراب الذين أسلموا ولم يهاجروا إلى رسول الله  ويجاهدوا معه كما يدل عليه آخر الحديث .
فلم يعرف هذا المعترض معنى الحديث ولا موضوعه ، واستدل به على مسألة أجنبية عنه ، ليس لها دخل فيه . فإن الكلام هنا فيمن قاتل المسلمين تحت راية المشركين ، وسعى في الصد عن سبيل الله ، لا فيمن ترك الهجرة فقط .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:50 PM
وأما عذره عن هذا الرجل الذي مثَّل به الشيخ بأن أهل بلده لو يأمرونه بألا يقول شهادتي الإخلاص ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم لفعل فهذه مبنية على أن مجرد القول يكفي في الإيمان ، مع التلبيس بالمنافى والمعارض . وهذا ليس من أقوال علماء الأمة وأئمتها ، بل هو من أقوال أهل الجهل والضلال ، المخالفين للكتاب والسنة ـ وذكر النجاشي ـ وهذا شأن الجاهل إذا أورده أهل العلم المضائق تكثر بما ليس له ، وحاد عن جواب المسألة ، وفي المثل ( الأقرع يفتخر بجمة ابن عمه ، والأحمق يذكر خالته إذا عيب بأمه ) .
ومن العجب تكراره أن الشيخ يكفر بالعموم ، وقوله : أي تكفير بالعموم وإيجاب للهجرة أبلغ من هذا .
وهو كما ترى في نوع خاص من الأمة ، وقسم من أقسام لا يحصيها إلا الله .
ثم أخذ المعترض في تجهيل الشيخ ونسبته في الهوى ، وأنه لم يأخذ ما ذهب إليه عن العلماء ، ولم يجلس عند عالم يتعلم منه بعد تعليم أبيه ، وأن أباه نهاه عما بدر منه من ترهاته . وقال : ويل للناس منك . وأن أهل البصرة أخرجوه ، ثم نهاه أخوه وأن أتباعه لو طلبت منهم طريقاً يتصل إلى النبي  لم تجدها ، وأنهم لا يعرفون ذلك ، وأنهم يأخذون عن حدثني قلبي عن ربي ، وأنه لا يحسن الفرائض فضلاً عن العول والحساب والمناسخات . وأطال بخرافات كقوله : سموا الإقناع المقلاع ، والدليل الميتة ، وجعل له مختصراً من الشرح الكبير والمغنى والإنصاف ، حل فيه قيوده وكـدر وروده . وقصر أتباعه عليه ، وقال : اجتهدوا ، وحاشا أني سمعت عندهم لأصول الفقه ذكراً أو النحو والعربية ، بل يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها .
وأطال بهذيان بهذا الضرب يتنزه العاقل عن ذكره .
وجوابه أن يقال : أما ما صدر من مسبته الشيخ وتجهيله ونسبته إلى الهوى فالحكم بينك وبينه إلى الله الذي إليه تصير الأمور ، ويحكم بعدله بين المؤمن والكافر والبر والفاجر ، وشهادة الحال والمصنفات والدعوة الإسلامية ، وما أورده من الأدلة والبراهين هي

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:50 PM
الشاهد المصدق ، والبرهان المحقق . ولا عبره بقدح أمثالك وإنكار فضائله ، كما أنه لا عبرة بقدح جميع من كذب الرسل وسفههم ، ونسبهم إلى الجهل والافتراء والجنون والسحر وغير ذلك مما هو مذكور في كتاب الله ، وفي الأخبار والسير ، ومشابهة حالك وأقوالك بأقوال أسلافك وأشباهك تكفي المؤمن في رد أباطيلك ، وعَدها من الزور البين .
وقد اشتهرت رحلة الشيخ للعلم وطلبه وسماعه ، كما ذكره صاحب التاريخ حسين بن غنام وغيره . وقد تقدم ذلك .
وأما كون أبيه نهاه ، فهذا لم يثبت . ومثل هذا المعترض أخباره تلحق بأخبار الوضاعين المفترين ، الذين أجمع أهل العلم على رد أخبارهم وعدها من الزور البين .
ثم لو سلمنا هذا النقل فأي حجة وأي دليل فيه على أن الحق مع أبيه في ذلك ؟ ومتابعة الآباء لا تحمد مطلقاً . وقد ذم الله تعالى من تمسك بدين آبائه ، ولم يقبل ما جاء به الرسل من الهدى ودين الحق الذي يخالف عادة الآباء وما نشأوا عليه ، قال تعالى : { وكذلك ما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أَمة وإنا على آثارهم مَقتدون } وقال محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله :
كذلك أهل للكـتاب تتابـعوا * على ملة الآباء فـرداً على فـرد
وهيهات كـل في الديانـة تابع * أباه ، كأن الحـق في الأب والجد
وقد قال هذا قبلهم كل مشرك * فهل قدحوا هذي العقيدة عن زند

وأما كون أهل البصرة أخرجوه ، فهذا من جنس ما قبله ، لم ينقله أحد يعتد به .
ولو قدر وقوعه لكان من أدلة فضل الشيخ وعلمه ، وأنه على طريقة مستقيمة ودعوة نبوية ، قال تعالى عن قوم شعيب : { قال الملأَ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا }

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:51 PM
وقال تعالى عن قوم لوط : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } وقد أخرج نبينا  ، وقال له ورقة بن نوفل لما ذكر له ما يرى في مبدأ النبوة وما ينزل عليه : هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى ، يا ليتني فيها جذعاً . يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال النبي  : ( أو مخرجيّ هم ؟ ) . قال : نعم ، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدر كني يومك أنصرك نصراً مؤزراً .
وقد عرف عن حال أهل الكويت وأهل البصرة في ذلك الوقت أنهم يدعون الأشقر وأبا علي وأمثالهم ممن يعتقدون صلاحه ، فلا عجب من رد الحق وإخراج أهله :
والحق منصور وممتحن فلا * تعجب ، فهذى سنة الرحمن


وأما قوله : إن أتباعه لو طلبت منهم طريقاً يتصل إلى النبي  وسلم لم تجدها من جهته ، ولا يعرفون ذلك ، وإنما هـو حدثني قلبي عن ربي .
فيقال لهذا الملحد : جميع ما بأيديهم من كتب العلوم إنما أخذوها عن أشياخ ثقات ، يؤخذ عنهم حفظاً وأمانة ، وطرق الأخذ متعددة ولو إجازة عامة وإن بعدت الديار وتناءت الأقطار ، كما يعرفه أهل فن المصطلح . وقد وسعوا في ذلك لما دُونت الدواوين وجمعت العلوم ، وميز الصحيح والحسن والضعيف والمرفوع، والموقوف والمتصل والمنقطع والغريب المشتهر ، واشتهرت رحلة شيخنا رحمه الله وسماعه للعلوم واجتماعه بأعيان وقته .
وقد أخذ الفقه عن أبيه عن جده سليمان بن علي مفتي الديار النجدية في وقته وسنده المتصل بأئمة المذهب إلى الإمام أحمد معروف مقرر عندهم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:52 PM
وسمع الحديث عن أشياخ الحرمين في وقته وأجازه الكثير منهم ومن أعلامهم محدث الحرمين الشيخ محمد حياة السندي وكان له أكبر الأثر في توجيهه إلى إخلاص توحيد عبادة الله ، والتخلص من رق التقليد الأعمى ، والاشتغال بالكتاب والسنة .
ورحل إلى البصرة وسمع من أشياخها ورحل إلى الاحساء وهي إذ ذاك آهلة بالعلماء ، فسمع منهم وأخذ عنهم ، وعرف قدره أهل العلم والنهى ، وإنما أنكر هذا المفتري ما منّ الله به عليه من الفهم في كتاب الله وسنة رسول الله، ومعرفة الحدود الشرعية ، وما دلت عليه النصوص ، وأهل العلم تفاوتوا في هذا تفاوتاً عظيماً .
ولم يقل أحد من أهل العلم : إن الاستدلال بكتاب الله وسنة رسوله وأخذ الأحكام منها واستنباطها موقوف على سماع ذلك عن أحد ، وإنما هو فهم يمن به تعالى على من يشاء من عباده ، كما في حديث علي رضي الله عنه : ( ما خصنا رسول الله  بشيء إلا ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتيه الله من شاء من عباده ) وفي حديث : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى ودين الحق كمثل غيث أصاب أرضاً ، فكان منها طائفة قبلت الماء وأنبتت العشب والمرعى ، وكان منها طائفة إنما هي قيعان لا تنبت الكلأ ولا تمسك الماء ) .
فقد مثل  هذا الوحي بالغيث وقلوب الناس بالأرض ، وقسمها هذا التقسيم البديع المطابق للحال والواقع .
ومثل هذا المعترض ينكر على أهل العلم ما يبدونه من الأحكام والأسرار ، والحدود المأخوذة من كتاب الله وإن كان المستند نصاً ظاهراً زعماً منه أن هذا يتلقى عن الأشياخ .
وينبغي أن يسأل هذا وأمثاله عما استنبطه الأئمة ودونوه من المسائل الأصولية والفروعية ، أسمعوها وأخذوها عن أشياخهم ، مسألة مسألة وحكما حكما وفرعا فرعا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله  ، ويقال قال رسول الله  : المياه ثلاثة . إلى آخر كتاب الإقرار ؟ .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:52 PM
فإن زعم ذلك أضحك من جهله كافة العقلاء ، وإن سلم أن أكثره وغالبه فهوم واستنباطات أخذت من نصوص الكتاب والسنة وكلام الأئمة في المسائل الاجتهادية غيرها . فما الموجب لهذا الصياح والإنكار على فرد من أفراد الأمة دون سائرهم ، لولا الشك في أصل الإيمان ، وعد معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله ؟ .
وهذا كله تنزل مع هذا المعترض ، وإلا فما جاء به الشيخ من الدعوة إلى توحيد الله وإخـلاص الدين له يعرف بالضرورة من دين الإسلام ، ولا يحتاج لنظر ولا استدلال :
وليس يصح في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل

ولا يقال لمن مستنده الكتاب والسنة : إنه يأخذ عن قلبه عن ربه ، وإنما يأخذ عن كلام الله وسنة نبيه .
وهذه الكلمة قالها بعض مشايخ القوم فيمن أحدث طريقة أو عبادة وخلوة أو رياضة لم يدل عليها كتاب ولا سنة . وقد صرح بهذا زنادقة الصوفية . كما نقل عن بعضهم : كيف يأخذ عن عبد الرزاق من يأخذ عن الملك الخلاق ؟ ويسمون أهل العلم والأثر : أهل القشور ، ويقولون : نحن نأخذ عن الله بلا واسطة ؟ .
وهؤلاء هم المعنيون بهذا وقد وضعه هذا الملحد فيمن تمسك بالكتاب والسنة ودعا الى ما دعت إليه الرسل ، وأخرج الكلام عن موضوعه ومحله . وهذا من جنس التحريف ولي الألسن الذي وصف الله به اليهود .
وأما قوله : لا يحسن الفرائض ، فضلا عن العول والمناسخات والحساب .
فهذا من القحة والبهت . ومن طالع كتاب التوحيد وغيره من مصنفاته عرف فضل الشيخ وعلمه وأنه من أدق الناس فهما . وأغزرهم علما ، وإنما يرجع أهل نجد في وقته

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:53 PM
إليه في سائر العلوم الشرعية ، والفرائض وغيرها . وهذه كتبه وفتاويه ومصنفاته تشهد بذلك .
ثم لو قدر أن غيره أفرض منه وأحسب هل يقتضي ذلك التفضيل مطلقا ، ويوجب أن يرد ما جاء به من الحق والهدى ؟ وقد ورد عن النبي  : ( أفرضكم زيد ) ومع ذلك فالسابقون الأولون أفضل منه وأعلم وأفقه عن الله ورسوله . وقد يحسن الحساب بعض أهل الذمة من أهل الكتاب .
وهذا شيخك ابن سلوم له مصنف في الحساب وهو من أضل الناس في معرفة دين الله وشرعه في غالب الأبواب .
وقد كان في سكوت هذا الرجل ستر لجهله ، وعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها قال الشاعر :
فكان كعنز السوء قامت بظلفها * إلى مدية تحت التراب تثيرها

وأما قوله : سموا الإقناع المقلاع .
فيقال : نسبة هذا الى الشيخ من أوضح الكذب وأظهره ، وان أخطأ بعض أتباعه فخطأ التابع فيما يختص به لا يقدح في متبوعه ، وكم أخطأ مخطئ من هذه الأمة وغيرها من أتباع المشايخ والأئمة ، بل وأتباع الرسل .
وقد قال  : ( اللهم إني أبرأ اليك مما صنع خالد ) لما بلغه ما فعل مع بني جذيمة .
وأما قوله : وجعل له مختصرا من الشرح الكبير والمغنى والانصاف .
فيقال : هذا يكذب ما قبله ، إذا كان الرجل له عناية بكلام الفقهاء وأهل العلم وتآليفهم ، كيف ينسب اليه ما تقدم ؟ .
وأما قوله : حل فيه قيوده وكدر وروده .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:54 PM
فهي جملة كاذبة خاطئة . بل هذب أحكامـه وقرب مقاصده ومرامه ، وأحسن في تهذيبه ، وأجاد في اختصاره وتقريبه ، و هذا مما يدل على كثافة حجاب هذا المعترض وأنه لا يدري شيئا من العلوم .
وأما قوله : انه لم يسمع عندهم لأصول الفقه والنحو والعربية ذكراً بل يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها .
فيقال : أنت وأمثالك من أشد الناس نفورا عنهم وبعدا ، ومرباك ومأواك ساحل العراق ، وما يلي مشهد علي والحسين من تلك البلاد ، فما يدريك عنهم ؟وقد اعترفت أن بعض الناس نصحك عن الأخذ عنهم ففعلت ، ولم تقدم الدرعية ولم تر من فيها من الجهابذة الذين شاع فضلهم واشتهر علمهم ، ونقله العدول وشهدت به الآثار والمؤلفات ، ورجع إليهم أهل اليمن وأهل صنعاء في كثير من المسائل والمشكلات ، فوجدوا عندهم من العلوم ما يثلج الصدر ، ويكشف العمى ، وقد كثر الاقراء في الدراعية في علوم العربية حتى حضر درس الشيخ حسين بن غنام الجم الغفير ، والخلق الكثير .
ثم أنت أيها الرجل قد كشف الله عن سوأتك وأبدا خزيك . فقل جملة تمر بنا من كلامك إلا وفيها من اللحن أو بشاعة التركيب أو تعقيد العبارة أو هجنتها ما يشهد وينادي بأنك من أبلد الخلق وأضلهم عن حسن التعبير ومعرفة العربية .
وهذه الجملة بعينها التي الكلام بصددها قـد لحنت فيها لحنا فاحشا وذلك في قولك " يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها " وهي من أفحش اللحن لأن تلا بابه يتلو قال تعالى : { إن الذين يتلون كتاب الله } ولم يقل ( يتلي ) وقال تعالى : { أتل ما أوحى إليك من الكتاب } ولم يقل ( اتلي ) وأمثال هذا كثير ، ولو تتبعت ما في كتابه من هذا لطال الكلام .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:54 PM
فصل

قال المعترض : فصل : وقال في مسائله على توحيده في حديث طارق ابن أشيم رضي الله عنه الذي في صحيح مسلم : ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل ) فقال عليه : وهذا من أعظم ما يبين لك معنى " لا إله إلا الله " فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال ، بل ولا معرفة معناها مع لفظها ، بل ولا الإقرار بذلك ، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له ، بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله . هذا كلامه .
ثم قال : فيالها من مسألة ما أجلها . وياله من بيان ما أوضحه ، وحجة ما أقطعها للمنازع . انتهى كلامه .
ثم قال المعترض : فتفكر بعقلك هذا الكلام ، وتفهم لقول رسول الله  في قوله : ( من قال لا إله إلا الله ) ثم اعرض عليه كلام هذا الرجل وما حكم عليه به ، حتى ترى مخالفته له أوضح من الشمس حيث حمله مالا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة سواء جعلناه من عطف الخاص على العام . كقوله تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وقوله : { قل من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال } أو جعلنا الواو واو الحال ، أو جعلنا الواو شرطا . فيكون تأكيدا وتحقيقا لم يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص ، لأنها المطلوبة بما تضمنته في جميع الأحاديث . وهي المنجية من الخلود في النار . وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري قال : قال رسول لله  : ( أن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة ، لها عند الله مكان ، وهي كلمة من قالها صادقا أدخله الله الجنة ، ومن قالها كاذبا حقنت دمه ، وهو إلى الله تعالى غدا فمحاسبه ) وعند البيهقي وصححه البزار والطبراني في معجميه وأبى نعيم في الحلية عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله  : ( من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من دهر ، يصيبه قبل ذلك ما أصابه ) وعند أبي داود بسند حسن من حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله  : ( ثلاث من أصل الإيمان : الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ، ولا نخرجه من الإسلام بعمل . والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال . لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل . والإيمان بالأقدار ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:55 PM
فهذا قول رسول الله  . وهذا الرجل يقول : لا ينفعه التلفظ بها ، بل ولا معرفة معناها . إلى آخر كلامه . فإذا كان التلفظ بها مع معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له لا يعصم دمه وماله بذلك فما العاصم له حينئذ من هذا الرجل على كلامه على هذا ؟ فلا أكبر حينئذ من ذلك لله تعالى ورسوله  محادة ومحاربة ومكابرة ومضادة . فإن هذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر بالطاغوت داخلا في كلمة الإخلاص ، كما تراه واضحا فاضحا من قوله ، ولو كان فقيها لعلم أن هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق إذا جعلنا الواو شرطا . وهو بكلامه هذا جعلها شرطا زائدا عليها . فما فائدة إذا تسميتها بكلمة الإخلاص ؟ فأين المسلم حينئذ عنده ؟ وهذا من جملة خزعبلاته ، وجهلة بلغة العرب وتحكيمه لعقله على دقله وجهله . فأبو جهل حيئنذ وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله فإنها تنفي جميع ما عبد من دون الله تعالى ، حين دعاهم  إليها فصفقوا بأيديهم وقالوا : { أجعل الآلهة إلها واحدا } أفيقول قول هذا الرجل عاقل ؟ فهذا الرجل ينطق لسانه بمـا لا يحكم جنانه ، أو ما علم في حديث طارق بعينه أنه متضمن شهادة أن محمداً رسول الله ؟ ومن لوازمها ، كما نص عليه العلماء الأمناء والعجب ممن يعظم هذا الكلام كما عظمه صاحبه ، ولا يري ظهور غائلته . فهلا قال  لأسامة بن زيد حين قتل الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله : اكفر بما يعبد من دون الله ، بعد أن شهد أن لا إله إلا الله ؟ بل قال له رسول الله  : ( كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) حين قال أسامة : إنما قالها تعوذا من القتل . فجعل  يردد عليه : ( كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ) وهو يقول : يا رسـول الله استغفر لي ، حتى تمنى أسامة رضي الله عنه أن لم يكن أسلم يومئذ . والحديث جمعية في

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:55 PM
الصحيين وكذلك حديث أبي هريرة في الشفاعة وقصة النعلين . وحديث عبادة بن الصامت . و حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه والكل في الصحيحين . لا نطيل بذكرها وقد ذكرناها في غسل الدرن مستوفاة .
والجواب أن يقال : في نسبة التوحيد إليه أعني إلى شيخنا : ما يشعر ببراء هذا الرجل منه ، والكتاب الذي يشير إليه ليس فيه إلا كلام الله وكلام رسوله ، أورده المصنف رحمه الله مستدلا به على ما وضع من الأبواب والتراجم . فالبراءة منه براءة من كتاب الله وسنة نبيه ولا شك في كفر من قصد ذلك ، ولا أرى لقول المعترض في عبارته : أن الشيخ ذكره في مسائله على توحيده إلا ما يشعر بهذا والله أعلم بقصده ومراده .
وتقرير الشيخ على هذا الحديث من أحسن التقارير وأدلها وأبينها . فإنه استدل بالجملة المعطوفة الثانية على ظان الكفر بالطاغوت وما عبد من دون الله شرط في تحريم الدم والمال ، وأن لا عصمة بمجرد القول والمعرفة ولا الله بمجرد ترك عبادة ما عبد من دون الله ، بل لا بد من الكفر بما عبد من دون الله ، والكفر به وبغضه وتركه ورده والبراءة منه ومعرفة بطلانه ، وهذا لا بد منه في الإسلام . قال تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي } فجمع بين الإيمان بالله والكفر بالطاغوت في هذه الآية ولها نظائر في كتاب الله ، كقوله تعالي عن إبراهيم : { وإذ قال إبراهيم لأبية وقومه إنني براء مما تعبدون . إلا الذي فطرني فإنه سيهدين } فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل الإسلام بدونه ، وهكذا هذا الحديث مثل هذه الآيات . فإن الإيمان بالله هو شهادة أن لا إله إلا الله . ومع ذلك ذكر الكفر بالطاغوت معه في حصول الاستمساك بالعروة الوثقى .
وقد يفرد الإيمان ويخص بالذكر ، فيدخل فيه الكفر بالطاغوت ، كشهادة أن لا إلا الله ، فإنها دالة على الإيمان بالله المتضمن للكفر بالطاغوت وعبادة الله وحده لا شريك له .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:56 PM
وقد يجمع بينهما كما في حديث طارق . فيستفاد معني زائد وحكم آخر ، سواء كانت الجملة الثانية مؤكدة أو مؤسسة وأيضا فإن دلالة الألفاظ والأسماء تختلف في حال اقترانها وانفرادها ، ومعلوم أن الجملة المعطوفة أفادت فائدة أخري وحصل بها حكم لم يحصل بالجملة الأولى ، عل القول بأنها مؤسسة ، وكذا القول بأنها مؤكدة . فإن النفي في الجملة الأولي يتضمن الكفر بما عبد من دون الله على وجه العموم المستفاد من النفي ، وفي الجملة الأخرى خصت أحـد المعاني المستفادة من الجملة الأولى ، تنبيها على أنه أجل معانيها وأهمها وهذا مشهور في كلام الله وكلام رسوله وكلام العرب .
وقول الشيخ : إنه لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله ، هو نص الحديث ومنطوقه وصريحه .
وهذا المفتري يقول : حمله ما لم يحتمل ، وخالفه خلافا أوضح من الشمس . فأي جهل وكذب ومكابرة ورد للنصوص أعظم من هذا ؟ فنعوذ بالله من الجهل والعمي ، والضلال بعد الهوى ، وإنكار ما قاله شيخنا مما دل عليه النص هو الباطل شرعا وعقلا ولغة .
ولو جعلناه من عطف المرادف أو عطف الخاص على العام فهو دال على كل تقدير بمنطوقه على أن الكفر بالطاغوت وما عبد من دون الله لابد منه في الإيمان والإسلام ، ولا عصمة للدم والمال إلا بذلك ، وإنكار هذا مكابرة ظاهرة .
فإن الكفر بما عبد من دون الله إن كان من مدلول الجملة الأولى والثانية مؤكدة فالحكم الذي قرره الشيخ ثابت بالأولى مؤكد بالثانية ، وهذا أقوى في الدلالة على ما قاله وما قرره ، وليس فيه ما يستريح به هذا المعترض . لكنه لا يأتي على قواعد العربية ، لأن الحال وصف فضلة مفهم للحالية ، ويشترط في كون الجملة حالا شروط لا تتأتى هنا .
فقوله : أو جعلنا الواو شرطا أ والحال . كلام جاهل بقواعد العربية لا يدريها فالواو لا تقع شرطا وإنما تقع للعطف والتشريك . والجملة بعدها لا تصح أن تكون للحال

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:57 PM
. فإنها جملة فعليه ماضوية لا تفهم حالا. ولغير ذلك من موانع الحالية كما يعلم من باب الحال في الخلاصة وغيرها من كتب العربية .
وهذا الغمر يرمي أتباع الشيخ بعدم العلم بالعربية وهو فيها أشد لحنا وأفسد تركيبا من البربر والديلم . وأين أنت ومعرفة معاني الحروف والتراكيب ؟ ليس ذا عشك أدرجي .
وقوله : لما يلزم باللفظ بشهادة الإخلاص . فيه جهل عظيم . لأن شهادة أن لا إله إلا الله دلت على الكفر بما عبد من دون الله تضمناً لا التزاما ، ولم يقل أحدا من المسلمين والعرب : إنها دلت على ذلك التزاما إلا علة قول طائفة ضالة من المتكلمين ، يزعمون أن معناها : لا قادر على الاختراع إلا الله ، وأما كون شهادة الإخلاص هي المنجية من الخلود في النار فنعم ، ولكن لابد من العم واليقين ، وحصوله ما دلت عليه من النفي والإثبات ، وهذا لنا لا علينا ، وهو يشهد لهذا الحديث الذي فيه زيادة : ( وكفر بما يعبد من دون الله ) .
وقد قدمنا أن شهادة الإخلاص دالة على الكفر بالطاغوت في حال في حال إفرادها ن وكذلك في حال اقترانها بغيرها .
فهذه الأحاديث التي ساق المعترض كلها لنا بحمد الله ، دالة على ما قرره شيخنا ونص عليه في حديث طارق شاهدة له مقررة لمعناه ، كحديث عياض ، وحديث أبي هريرة ، وكذلك حديث أنس . كل هذا يدل على أن الكفر بالطاغوت لابد منه في عصمة المال والدم .
والمعترض أوردها محتاجا بها على دعواه أن اشتراط الكفر بما يعبد من دون الله من زيادات شيخنا ، وأنه مخالف للأحاديث ، وأنها لا تحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة وإنما المراد مجرد لفظها والوعد بالجنة والانتفاع بها وعدم تكفير قائلها وإخراجه من الإسلام . كل هذا عند المعترض لا يشترط فيه الكفر بما يعبد من دون الله المذكور في حديث طارق ، وجعل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:57 PM
نص الحديث ومنطوقه مما لا يدل عليه حديث طارق ولا هذه الأحاديث فلا يشترط الكفر بالطاغوت عنده ، بل هو من زيادات شيخنا ومن الخزعبلات عند هذا المعترض وعلى زعمه ، والحديث مشهور عند أهل العلم فجعله من الخزعبلات مع العلم بأن الرسول قد قاله ردة صريحة عند كافة أهل الفقه والفتوى . فسبحان من طبع على قلبه بحكمته ، وجعل ثيران المدار أهدى منه لمعرفة ما يدل على توحيد العزيز الغفار .
وأما قوله في حديث أنس : ( ثلاث من أصل الإيمان ـ إلى قوله ـ ولا نخرجه من الإسلام بعمل ) فالصحيح وقفه ، وليس من المرفوع والجملة الأخيرة وهي قوله : ( والجهاد ماض منذ بعثنى الله ) فهي تروى .
وأما قوله : " وهذا الرجل يقول لا ينفعه التلفظ بها ولا معرفة معناها " .
فهذا كذب لم يقل : لا ينفعه . وإنما قال شيخنا : فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال ، بل ولا معرفة معناها ـ فحرف هذا المفتري وبهت الشيخ بقول لم يصدر منه أنه حكي قوله بنفسه . فنعوذ بالله من جهد البلاء .
وأما قوله : " فإذا كان التلفظ بها مع معرفة معناها والإقرار بها وكونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له لا يعصم ماله ودمه بذلك فما العاصم له حيئنذ من هذا الرجل على كلامه " .
فنقول : الكلام كلام رسول  هو الذي جاء بهذا من عند الله تعالى وتقدس واشترط الكفر بما عبد من دون الله في عصمة المال والدم مع المعرفة والتلفظ ، وكونه لا يدعو إلا الله ، فمن رد ذلك فقد رد على عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم النبي العربي الأمي الذي بشرت به الأنبياء وقامت الأدلة القطعة والبراهين الساطعة على رسالته وصدق مقالته . فمن رد ذلك فهو المحاد لله ورسوله ، المحارب له ، المكابر لنصوصه . لا من آمن به وأخذ بقوله ودعا إليه الناس وبلغه الأمة .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:58 PM
إذا عرفت هذا فقول المعترض : " فهذا الرجل بهذا الكلام لم يجعل الكفر بالطاغوت داخلا فى كلمة الإخلاص " فيه رجوع عن قوله الأول وهدم لساه وقاعدته ، وقد تقدم حكاية قوله الصريح في رد اشتراط هذا في عصمة المال والدم . ثم رجع القهقري وانحط الى وراء ، وزعم أن الشيخ لم يدخل الكفر بالطاغوت في كلمة الإخلاص . فأين هذا من تقريره الأول ؟ والشيخ لم ينف دخوله ، وإنما اشترطه في عصمة المال والدم . وذكر أنه نص الحديث ، وأن حديث طارق أفاد أن هذه الجملة بخصوصها لا بد منها ، ولم يتعرض لنفي دلالة كلمة الإخلاص عليها ، ولا في كلامه ما يفهم منه ذلك . بل فيه ما يؤيده .
ويقال لهذا : إن رجعت عن دعواك الأولى وأقررت أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه في العصمة ، فما هذا الاعتراض والطعن والذم لمن اشترطه وقال به ؟ .
وما أحسن قوله تعالى : { والسماء ذات الحبك . إنكم لفي قول مختلف . يؤفك عنه من أفك . قتل الخراصون . الذين هم غمرة ساهون } فنزل هذه الآيات وأمثالها على هذا المعترض وأشباهه تجد فيها من وصفهم وعيبهم وذمهم بالاختلاف وتدافع الأقوال ونفي العلم واليقين . وأنه لم يحصل لهم إلا مجرد خرص وحدس ، ليس من العلم في شئ وأنهم في غمرة السهو والجهل ، وعدم الإيمان ، فمتي تتفق أقوالهم ؟ وتسلم عقولهم وتعلم قلوبهم ؟ وتنشرح صدورهم لآيات الحق وداعية ؟ .
فيالك من آيات حـق لو اهتدي * بهن مـريد الحـق كـن هواديا
ولكن على تلك القلوب أكنـه * فليست وإن أصغت تجيب المناديا

ومن تناقضه وتدافع أقواله ، قوله : " ولو كان فقيها لعلم أن هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق " .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:58 PM
فإن هذا يهدم ما قبله إن كانت كلمة الإخلاص تقتضي هذا وتدل على أن الكفر بما يعبد من دون الله لا بد منه ، فما هذه الخصومة ؟ وكيف تقول فيما قبل : إن مخالفته للحديث أوضح من الشمس ، وأنه حمله مالا يحتمله عقلا ولا شرعا ولا لغة ؟ فما هذا التناقص ؟ تذكر المخالفة وتزعم أنها واضحة ، وأن الحديث ما دل على ما قاله الخصم ثم ترجع وتقول : هذا كما لو شرط في عقد ما يقتضيه العقد زيادة تحقيق ؟ .
فتبا لك آخر الدهر . أين الفقه الذي تدعيه ؟ لو صحت العقول لعدك السامع لهذا من صنف المعتوهين ، ومن أهل الهذيان لا من أهل الفقه والبيان .
وإذا دلت عليها الجملة الأولى فالمعني حيئنذ واحد ، والشيخ ما نفى دلالة الأولي على المعنى المراد . وإنما قرر أن الجملة الثانية فيها مزيد بيان وتوضيح يستفيده الذكي والبليد ، والضعيف والشديد . وهـذا محض الفقه ، ومن أنكره فهو الجاهل بلغة العرب واصطلاح الشرع ، المحرف للكلم عن مواضعه المصادم للأحاديث النبوية بالحرفة اليهودية .
وكلامه ومسبته للشيخ عنوان على علم الشيخ وفضلة ومخالفة عقلة لعقلة ولو أثنى عليه هذا الملحد شك بعض الناس في فضل الشيخ وقال : أي جامعة بينهما ؟ كما أن سفهاء الجاهلية وسقطهم بينهم وبين الرسل والصديقين أشد منافرة وأعظم مباينة وبين المؤمنين والمنافقين كذلك . قال تعالى : { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } ووصفهم بالاستهزاء بأوليائه وعبادة ، ثم قال : { الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } وكذلك هذا الرجل صرح بالاستهزاء بتوحيد الله وبمن قاله . ووصفه بدقل العقل والجهل .
فسبحان من اقتضت حكمته وجود ورثة وأتباع لأعدائه وأعداء رسله كما اقتضت وجود أوليائه وأتباع رسله ، ومضت إرادته تعالى ومشيئته بوجود الضدين واجتماع

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 05:59 PM
الجنسين إلى أن يأتي أمر الله وهم في خصومة يختصمون في ربهم ، وسيحكم بينهم بعدله ويزيد أولياءه من رحمته وفضله .
وأما قوله : " فأبو جهل حينئذ ونادية أعلم منه بلا إله إلا الله " .
أقول جوابه : أن من تفكر في قوله تعالى : { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين . إنا كفيناك المستهزئين . الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون . ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون . فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين . واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } لم يبق في صدره حرج ولا ضيق من سفاهة الجاهلين واستهزاء المستهزئين ، وإلحاد الضالين .
والله سبحانه يعلم من الذي أبو جهل وناديه أعلم منه بلا إله إلا الله أهو من يدعو الناس إلى عبادة الله وإسلام الوجوه له ، وترك التعلق على الأنداد والشفعاء والشركاء ، أو هو من قام يدعو إلى عبادة الصالحين ، والجن والشياطين ، ويجهل من أنكر عليهم ويعاديه ، ويرميه بأنه كفر الأمة أهل لا إله إلا الله ، وأن من عبد عليا والحسين والعباس وعبد القادر وأمثالهم هم خير أمه أخرجت للناس ، وهم الذين عمروا المساجد ، وهم وهم وهم ؟ .
وسيعلم هذا إذا انكشف الغطاء وآن الرحيل واللقاء ماذا جنى على نفسه ؟ وفي أي الموارد أوردها ؟ وأي المهالك ساقها إليه وأنزلها ؟ .
وفي الحديث ( يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) .
ومن قف على ما قالته الرافضة في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وأكبارهم وسادتهم كأبي بكر وعمر وعثمان لم يستغرب ما يجري من أهل المعاندة والفجور المعروفين بالقحة وشهادة الزور .
اللهم إنا فارقناهم في مرضاتك ، وعاديناهم لجلال ذاتك فحل بيننا وبين من أشرك بك وصد عن سبيلك وجحد توحيدك وعادي أولياءك .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:00 PM
اللهم إنا نتوسل إليك بتوحيد الذي أنكره المشركون ألا تجمع بيننا وبينهم في دار الهوان والشقاء اللهم إن عبدك ورسولك الصادق المصدوق قال فيما صح عنه : المرء من أحب ) .
اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وأولي العلم من خلقك على محبتك ومحبة رسلك وأوليائك وعبادك الصالحين .
اللهم فاجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
اللهم رحمتك نرجو ومغفرتك نأمل . فلا تخيب رجاءنا وحقق فيك آمالنا .
وما أحسن ما قال الشافعي رضي الله عنه : ما رأى الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله  بذلك ثوابا عند انقطاع أعمالهم .
وأما قول المعترض : إن حديث طارق بعينه متضمن شهادة أن محمدا رسول الله  . ومن لوازمها .
فيقال : ومن نفى ذلك ومن الذي رده ؟ وإذا تضمن الشهادة بالرسالة فتضمنه للكفر بما عبد من دون الله أولى . فما هذا الإنكار والجهل الجهار ؟ .
وأما حديث أسامة ففيه وفي أمثاله من الأحاديث التي دلت على الكف عمن قال لا إله إلا الله دلالة على أن الكفر بما يعبد من دون الله لابد منه وإنما اختلفت دلالة الألفاظ ، ومعانيها في حالة الإفراد والاقتران كما تقدم . وأيضا يقال لهذا : إن أنكرت دلالة " لا إله إلا الله " على الكفر بما يعبد من دون الله أبطلت كلامك الذي قبل هذا بأسطر ورجعت إلى بنائك بالهدم . وإن أثبتها وجعلت كلمة الإخلاص دالة عليه بطل اعتراضك على الشيخ . لأن حاصل تقريره وكلامه : أن هذا لابد منه في عصمة المال والدم . فلا ندري ما هذا الروغان ؟ ! .
جهـد المغفل في الزمـان مضيع * وإن ارتضى أستاذه وزمانـه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:01 PM
كالثور في الدولاب يسعي وهو لا * يدري الطريق فلا يزال مكانه

وأما حديث أبي هريرة في الشفاعة وحديث عبادة وحديث عثمان فكلها دالة على وجوب الكفر بما عبد من دون الله إما تضمنا أو مطابقة . وهذا المعترض لا يعقلها وإن أوردها ، وكيف يعقلها من عادي أهلها وعابهم ، ونصر من خالفها ، ونقضها وردها ؟ قال تعالى : { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا } وقال تعالى : { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:02 PM
فصل

وقال المعترض : ومن ذلك قوله في شبهة قال فيها : وأما الجواب المفصل فإن أعداء الله لهم اعتراضات وشبه كثيرة على دين الرسل ، يصدون بها الناس عنه ، منها قولهم : نحن لا نشرك بالله شيئا . بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له ، فضلا عن عبد القادر وغيره . ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عن الله وأطلب من الله تعالى بهم فجاوبه بما تقدم واقرأ عليهم ما ذكـر الله في كتابه ، إلى أن ذكر قوله تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب } إلى أن قال : فإن قال الكفار يريدون منهم وإن شهد أن الله هو النافع الضار المدبر ، لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ، ولكن أقصدهم أرجو الله بشفاعتهم .
فالجواب : إن هذا قول المشركين سواء بسواء ، فاقرأ عليه قوله تعالي : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار } انتهي كلامه .
ثم قال المعترض : فجعل بكلامه هذا كما ترى التوسل بذات الصالحين والرسل عليهم الصلاة والسلام وطلبه جل وعلا بأوليائه من دين المشركين الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وكفر به كما ترى صريحا من قوله ، فصار حينئذ كلامه عن الرد عليه مريحا . فإذا علمت أن أهل الغار الذين حديثهم في الصحيحين كنطق القرآن لأنه  لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وقد توسلوا الى الله تعالي بصالح أعمالهم فأنجهم الله تعالى بذلك ، وأزاح عنهم الصخرة بقدرته الكاملة التي خلق الصخرة بها وأوجدها وجبلها التي هي منه ، حتى خرجوا وقوله  في حديث السنن في الدعاء للقاصد للصلاة : ( أسألك بحق السائلين علبك وبحق ممشاي هذا ) وقد قال تعالى : { والله خلقكم وما تعملون } وقد

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:02 PM
قرن ذلك بلفظ واحد جل ذكره ، وتقرر عندك ، وتقرر عندك ، فهل ترى أعمال بني آدم أفضل عند الله تعالى من ذات سيد البشر  ؟ مع أن في حديث الأعمى الذي في السنن وصححه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه ورواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن عثمان بن حنيف أنه علمه رجلا له عند عثمان بن عفان حاجة فتعسر قضاؤها في خلافته رضي الله عنه فقال الرجل : فتيسرت حين توسل إلى الله تعالي بنبيه  فهل ترى الصحابة رضي الله عنهم يعلمون الناس الشرك الأصغر ، فضلا عن الأكبر كما يقوله هذا الرجل صريحا ؟ أو ترى سلف الأمة الصالح وعلماءها يروون وينقلون لأمته أفعال الشرك وأقواله ليعلموا به أو يجيزون ذلك أو روايته ؟ سبحان الله ما أعمى عين الهوى عن الهدى .
والجواب أن يقال : أما تسميته مصنف شيخنا في رد ما احتج به المشركون " شبها " مع أنه استدل بالكتاب والسنة وتمسك بها فهذا من أعظم الجراءة على ما يوجب ردة قائله وكفره ، فإن من قال في القرآن ما دون هذا مما يشعر برده أو نقصه ، فهو مجمع على كفره وردته ، ولا خلاف بين أهل العلم والحق في ذلك .
وما ذكره الشيخ من أن أعداء الله لهم اعتراضات وشبه كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس فهو حـق ، ومصداقه في كتاب الله قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون . ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } وقال تعالى : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } وقـول الشيخ منها قوله : نحن لا نشرك بالله شيئا بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له ، فضلا عن عبد القادر وغيره ، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله تعالى بهم فجاوبه بما تقدم . وأقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه . فهذا الكلام

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:03 PM
الذي حكاه الشيخ عنهم قد حكاه شيخ الإسلام عن كثير ممن يدعي الإسـلام ، ومن الصوفية . وذكر أنهم ظنوا أن الفناء في هذا التوحيد الذي هو توحيد الربوبية ، وهو الغاية التي ينتهي إليها السالكون . وقرر أن هذا لا يدخل به العبد في الإسـلام ، بل لابد أن يكـون الله وحـده محبوبة الذي يألهـه ويخضع له ، وينيب إليه ، ويسلم له وجهه ، ويتوكل عليه ، ويستغيث به ، ويفزع إليه فى حاجاته ومهماته ولا يكون له في عباداته شريك . وقرر أن هذا هو حقيقة الإسلام وهو مدلول ( لا إله ألا الله ) وهو الذي دعت إليه الرسل ، وصار النزاع والخصومة فيه . كما قال تعالى : { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } فنفي سبحانه جعل آلهة يعبدهم الناس ، ويفزعون إليهم ، وأن الرسل كلهم نافون مبطلون لما ادعته المشركون من شرع اتخاذ الآلهة ، وجعلها أندادا . والمقصود بالنفي هو الجعل الديني الشرعي ، لا القضائي القدري الكوني . وأما الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المدبر ، فهذا قد أقر به المشركون كما ذكر الله ذلك عنهم في غير آيـة ، كما في سـورة يونس ( 10: 18-31-36) والمؤمنون ( 23 : 78– 92) وسورة النمل (37 : 59 –66 ) والزمر (39 : 36-46 ) والزخرف (43 : 9- 16) وغيرها من سور القرآن : وقول من يدعو الصالحين : أنا مذنب ، والصالحون لهم جاه ، هو بعينه قول المشركين . كما ذكره غير واحد ، أنهم عللوا إباحة شركهم واستحسانه : بأن العبد المذنب لا يصلح لمخاطبة الرب والدخول عليه إلا بواسطة من العبد الصالح المقرب ، وأنه إذا علق أمله بالصالحين أو الملائكة فاض عليه من الإفاضات التي تحصل لهم ، ومثلوا ذلك بانعكاس الشعاع من الأجسام الصقيلة ، كما ذكره الفارابي وغيرهم دعاة المشركين .
ومثل هذا يجاب عليه بما ذكره شيخنا رحمه الله من أن هذا بعينه هو قصد المشركين ومرادهم ، وهو الذي دعاهم إلى عبادة الأنبياء والصالحين والتعلق عليهم لأجل الجاه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:03 PM
والشفاعة . قال تعالى : { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون } وأخبر تعالى عن قصدهم ومقالتهم ، وأنكرها عليهم ، وأخبر أنه لا يعلم وجود شفيع يشفع عنده لا في السماوات ولا في الأرض ، وما لا يعلمه فهو مستحيل الوجود ، فنزه نفسه عن هذا الشرك المنافي للعبودية التي هي الحكمة في إيجاد البرية ، وقال تعالى : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } وقال تعالى : { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } .
إذا ظهر هذا وعرفت أن كلام الشيخ متجه ، لا غبار عليه .
فاعلم أن قول هذا الملحد : فجعل بكلامه هذا كما ترى التوسل بذات الصالحين والرسل عليهم الصلاة والسلام وطلبه جل وعلا بأوليائه من دين المشركين الشرك الأكبر المخرج من الملة وكفر به كما ترى صريحا من قوله : هو تمويه وتلبيس ، أدخل فيه طلبه جل وعلا بأوليائه ليوهم الجهال ومن لا يعلم عندهم وبحقيقة الحال .
وموضوع الكلام إن مراد الشيخ مسألة التوسل في دعاء الله بجاه الصالحين .وهذه مسألة أخرى ، فخلطها ليروج باطله . فقبحا قبحا ، وسحقا سحقا لمن ورث اليهود وحرف الكلم عن مواضعه .
وكلام الشيخ صريـح فيمن دعا مع الله إلها آخر في حاجاته وملماته ، وقصده بعبادته فيما لا يقدر عليه إلا الله ، كحال من عبد عبدالقادر وأحمد البدوي أو العيدروس أو عليا والحسين ، وقول هذا المشرك : وأطلب من الله بهم ، أي بواسطتهم : بمعنى أن هذا المشرك يدعوهم ويتوجه إليهم بالعبادات ، وهم يدعون الله له . كما أخبر الله عن المشركين بقوله : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } .
فظن المعترض أن الشيخ أراد مسألة الله بجاه الصالحين ، فاعترض على ذلك وآفته الفهم السقيم ، والمعتقد الذميم . فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
ومع هذا الصنيع الفظيع والشرك الجلي يقول : أنا لا أشرك بالله شيئا . وأشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله ، ظنا منه أن ذلك هو الإسلام فقط وأنه ينجو من الشرك ، وما رتب عليه .
فكشف الشيخ شبهته وأدحض حجته بما تقدم من الآيات { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } .
وأما مسألة الله تعالى بحق أنبيائه وأوليائه أو بجاههم ، بأن يقول السائل : اللهم إني أسألك بحق أنبيائك ، أو بجاه أوليائك ، أو نحو هذا فليس الكلام فيه . ولم يقل الشيخ أنه شرك ، ولا له ذكر في كلامه وحكمه عند أهل العلم معروف وقد نص على المنع منه جمهور أهل العلم ، بل ذكر الشيخ في رده على ابن البكري أنه لا يعلم قائلاً بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي  ولم يجزم بذلك ، بل علق القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته ، وفيه من لا يحتج به عند أهل الحديث . وعلى تسليم صحته فليس الكلام فيه . وفي المثل : أريها السهى وتريني القمر .
وأما استدلاله بحديث أهل الغار على مسألته التي لبس بها فهو من نوادر جهله التي يضحك منها العقلاء ، أين التوسل بالأعمال الصالحة ، من البر والعفة والأمانة ، من التوسل بذوات المخلوقين ؟ .
نزلوا بمكة في قبائل هاشم * ونزلت بالبيداء أبعد منزل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:04 PM
قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } والوسيلة : ما شرعه الله ورضيه من الأعمال والأقوال الصالحة . وأين في شرعه أن يسأل العبد ربه بعبد من عبيده ، مخلوق من خلقه ؟ .
ومن قاس هذا على ما صح من التوسل بالأعمال الصالحة فقد أبعد المرمى ، ولم يعرف مناط الأحكام .
والتوسل صار مشتركاً في عرف كثير . فبعض الناس يطلقه على قصد الصالحين ودعائهم وعبادتهم مع الله ، وهذا هو المراد بالتوسل في عرف عباد القبور وأنصارهم ، وهو عند الله ورسوله وعند أولي العلم من خلقه : الشرك الأكبر والكفر البواح . والأسماء لا تغير الحقائق .
ويطلق أيضاً على مسألة الله بجاه الصالحين والأنبياء ، وحقهم على الله .
ويطلق أيضاً في عرف السنة والقرآن وعرف أهل العلم بالله ودينه ، على التوسل والتقرب إلى الله بما شرعه : من الإيمان به وتوحيده وتصديق رسله ، وفعل ما شرعه من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها . كما توسل أهل الغار الثلاثة بالبر والعفة وأداء الأمانة .
فإذا أطلق التوسل في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل العلم من خلقه فهذا هو المراد ، لا ما اصطلح عليه المشركون الجاهلون بحدود ما أنزل الله على رسوله . فلبس هذا المعترض بكلمة مشتركة ، ترويجـاً لباطله .
وأما ما ورد في السنن : ( بحق السائلين عليك وبحق ممشى الذاهب إلى المسجد) ونحو ذلك . فالله سبحانه وتعالى جعل على نفسه حقاً تفضلاً منه وإحسانا إلى عباده ، فهو توسل إليه بوعده وإحسانه ، وما جعله لعباده المؤمنين على نفسه . فليس من هذا الباب ، أعني باب مسألة الله بخلقه ، وقد منع ذلك فقهاء الحنفية كما حدثني به محمد بن محمود الجزائري الحنفي رحمه الله تعالى بداره بالإسكندرية وذكر أنهم قالوا : لا حق لمخلوق على الخالق .
ويشهد لهذا ما يروى أن داود قال : ( اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك ، فأوحى الله إليه : أي حق لآبائك علي ؟ ) أو نحو هذا . والحق المشار إليه بالنفي هنا غير ما تقدم إثباته ، فإن المثبت بمعنى الوعـد الصادق ، وما جعله الله للماشي إلى الصلاة ، وللسائلين من الإجابة والإثابة ، فضلاً منه وإحساناً . والمنفي هنا هو الحق الثابت بالمعاوضة والمقابلة على الإيمان والأعمال الصالحة . فالأول يعود ويرجع إلى التوسل بصفاته الفعلية والذاتية . والثاني يرجع إلى التوسل بذوات المخلوقين ، فتأمله فإنه نفيس جداً .
وأما استدلاله بقوله تعالى : { والله خلقكم وما تعملون } واستدلال هذا الغبي بعطف الأعمال على ما قبله فهو يريد أن الأعمال والمخلوق مستويان في التوسل بهما ، بدليل العطف فإن كان العطف يفيد ذلك فقد عطف تعالى ذكـره الملائكة والنبيين وأولي العلم من خلقه على اسمه المقدس .
فإن قلت : يدعون كما يدعى ، لأنه قرن ذلك بلفظ واحد ، فقد أتيت بكفر لم تسبق إليه ويستحي من إبدائه كفار قريش وأمثالهم .
فنعوذ بالله من هذا الفهم الضال ، والإلحاد في كتاب الله ، والكذب على الله .
وفي الحديث : ( من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ) وهذا الفهم الضال يستحي العاقل من حكايته ، لولا الحاجة إلى رده . وفي قوله " وقد قرن ذلك " من سوء التعبير ما يطلعك على جهل هـذا المتكلم .
والعطف إنما يقتضي التشريك في الفاعلية ، أو المفعولية والمجاورة ونحو ذلك . وأما اشتراك المتعاطفين في جميع الأحكام الخارجة عما سيق له الكلام فهذا إنما يقوله من هو أضل من الأنعام ، ولو طردناه لاتسع الخرق في المكفرات ، وخرجنا عن الموضوعات والمعقولات . إلى جهالات وعمليات لا يمكن حصرها .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:05 PM
وأما قوله : فهل ترى أعمال بني آدم أفضل عند الله من ذات سيد البشر .
فهذا الكلام كلام جاهل ، فإن ذات سيد البشر  داخلة في عموم بني آدم وفضلها لما خصة به من الرسالة والإيمان الكامل الذي لا أكمل منه وغير ذلك من المواهب والتوفيق للأعمال الصالحة .
ثم التوسل بذاتـه يتوقف على المشروع ، كالإيمان به ونصرته ومتابعته . فهذا هو الوسيلة العظمى . قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } .
وأما سؤال الله به وترك متابعته ، والخروج عن شريعته . فهذا حال المعرضين عن الإيمان به وبما جاء به ، والعبادات مبناها على الاتباع . ولذلك صار عمدة من أجازه حديث الأعمى ، ولم يتجاوزه إلى غيره من الأقيسة والخوض بلا علم . وحديث الأعمى قد تكلم فيه أهل الحديث ولم يصححوه كما تقدم . لأن فيه من لا يحتج به . ولذلك توقف ابن عبدالسلام في صحته وقال : إن صح الحديث فيجوز ذلك بالنبي خاصة . وغيره يقول : إن صح الحديث فليس فيه ما ذهب إليه من أجاز سؤال الله بجاه خلقه وبحقهم لأن نص الحديث يفيد أن النبي  دعا له وسأله الله أن يرد بصره ، فهذا توسل بدعائه كما في حديث عمر : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا . وإنا نتوسل إليك بعم نبيك .
فدعاء الأنبياء وأقاربهم المؤمنين وأهل الفضل والصلاح من أعظم الوسائل إلى الله ، وما المانع أن يكون هذا هو المراد .
وعلى كل تقدير فالنزاع ليس في هذا وكلام شيخنا ليس فيه . وإنما أورده المعترض لبساً ومغالطة .
والمعترض ظن أن قول شيخنا فيما حكـاه من شبه المشرك وأنه يقول : وأطلب من الله بهم ، أي بجاههم وحقهم . وليس كذلك ، لأن سياق الكلام وموضوعه فيمن يدعوهم مع الله ويجعلهم وسائط بينه وبين ربه في شأنه وأمره وحاجاته وملماته . فالمعنى حينئذ أطلب من الله بواسطتهم ، بمعنى أنه يدعوهم لتحصيل مراده ومطلوبة من الله . فالغبي لم يفهم أو لبس وموّه كما تقدم .
وأما ما فعله عثمان بن حنيف من تعليم هذا الحديث فليس فيه حجة لهذا المبطل ، والشيخ لم يقل : إن هذا النوع شـرك لا أصغر ولا أكبر ، حتى يعترض بأن الصحابة علموه الناس .
وأما احتجاجه بما عزاه للطبراني في الكبير من أنه  : ( دخل قبر فاطمة بنت أسد ودعا لها فقال : بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي ) إلى آخر الحديث فيقال في لهذا : كم في الطبراني من حديث يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسماء الله وصفاته ، وإنابة الوجوه إليه ؟ فما أعمى عينك عنها ؟ هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى ؟ .
وقد تكلم في هذا الحديث غير واحد .
وقال شيخ الإسلام : قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحداً قال بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام .
أترى هذا الحديث خفي على علماء الأمة ولم يعلموا ما دل عليه ؟ ثم لو سلمنا صحته أو حسنه ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد : بدعاء نبيك إلى آخره ، لا بذوات أنبيائك ، فأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم وخرج عما جاءوا به من التوحيد والشرع .
وفي الحديث : ( يا صفية عمة رسول الله ، ويا فاطمة بنت محمد اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً ) وقال تعالى : { وضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:05 PM
قال شيخ الإسلام : فإذا قال الداعي : أسألك بحق فلان وفلان ، لم يدع له ، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ، أو محبته وطاعته ، بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة : لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب .
وأما استدلاله على جواز ذلك بما ذكر أبو الفرج في كتاب ( الوفا ) من قول عائشة رضي الله عنها : انظروا قبر النبي  واجعلوا منه كوة إلى السماء ، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف . ففعلوا فمطروا . إلى آخره .
فالاستدلال بهذا من نوادر جهل المعترض .
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا لم يثبت .
وقال الحافظ المزى في الكلام على أوس بن عبد الله الربعي أبو الجوزاء البصري : قال البخاري : في إسناده نظر ويختلفون فيه . قال الحافظ المزى : وقول البخاري في إسناده نظر ويختلفون فيه إنما قاله عقب حديث رواه له في التاريخ من رواية عمرو بن مالك النكري ، والنكري ضعيف عنده . وقال ابن عدي : حدث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة ، وأبو الجوزاء روى عن الصحابة ، وأرجو أنه لا بأس به ولا يصح روايته عنهم أنه سمع منهم وقول البخاري في إسناده نظـر ، يريد أنه لم يسمع منهم .
قلت : فعمرو بن مالك النكري قد ضعفه البخاري ولم يذكر الحافظ المزى أحداً وثقه . وقد انفرد برواية هذا الحديث ، فلذلك توقف فيه البخاري ونظر فيه وجـزم بضعفه . ولو سلم هذا الحديث فيه حجة للمبطل ، لما تقدم من أنه أثبت أن دانيال النبي عليه السلام وجد على سرير في بيت مال الهرمزان ، وأخبر الفرس أنهم يستسقون به فيسقون ، مع أنهم عباد نيران ليسوا بأهل كتاب ، وبركة نبينا  أعظم مما ذكر ، وأجل مما وصف . لكن لا دليل فيه على أنه يدعى ويقصد للاستسقاء ولا لغيره بعد وفاته  ، وقد كان جسد دانيال النبي عليه السلام عند أهل تستر على سرير في بيت مال الهرمزان وكان عنده مصحفه ، وكان إذا قحطوا أخرجوه فأمطروا ، فكتب عامل عمر إليه يخبره بذلك فأمره أن يحفر بضعة عشر قبراً ويدفن ليلاً في إحداها ليعفى أثره ويخفى خبره . والقصة مشهورة ذكرها ابن اسحق في مغازيه .
وقد خاف عمر من أن يشرك به ويجعل ندا لله ، كما جعل عيسى وأمه ، فاجتهدوا في إخفاء قبره وعدم إظهاره .
فهذا هو فعل المهاجرين والأنصار الذين هم من أعلم الناس بحقه وأعظمهم توقيراً له ، وليس في إنزال المطر إذا كشفت أجساد الأنبياء أو قبورهم ما يستدل به على جواز التوسل الشركي بهم . فإن الأمر الشرعي والعبادات الدينية توقيفية لا يجوز إحداثها نظراً إلى الأسباب القدرية الكونية فإن أسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله أعياناً وأنواعاً ، وليس كل سبب منها دينياً شرعياً محمدياً عليه رسم المدينة .
هذا وما يحصل ببركته  أضعاف ما ذكر ، ولكن الشأن كل الشأن في السير على منهاجه ، والأخذ بأمره ، والانتهاء عن زجره ونهيه . وقد حمى حِمى التوحيد وسدّ طرائق الشرك ووسائله ، حتى قال للوفد الذين قالوا له : أنت سيدنا وابن سيدنا خيرنا وابن خيرنا . ( السيد الله تعالى . قولوا بقولكم ، أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان . إنما أنا عبد الله ورسوله ) هذا وقد قال في مقام الأخبار والأعلام : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) .
وأما قوله : وهل هذا إلا توسل منهم بالمصطفى  ؟ إلى آخر عباراته .
فيقال : أما التوسل بذاته الشريفة  فليس من محل النزاع ، ولا يدل على مشروعية سؤال الله بحقه أو بحق غيره من الأنبياء ، وقد يحصل بدعائهم  أو بذاته ما لا يحصل بالدعاء به ، والقياس هنا لا يسوغ ، وأما كون الدال على ذلك أم المؤمنين ففيه نظر ظاهر ، والقبة التي فيها الكوة إنما بنيت في ولاية السلطان قلاوون من سلاطين مصر في القرن السادس ، ولعل المعترض أراد ذكر ما وضع في سقف بيته الشريف  وقد مر

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:06 PM
ما فيه .
قال المعترض : وليس المراد في هذا تقرير جوازه أو عدمه ، وإنما الغرض بيان خطأ هذا الرجل بتكفيره الأمة القائمة الظاهرة القاهرة لعدوهم بما لا حاصل تحته ، غايته أن يكون جائزاً أو مستحباً . قد فعله السلف والخلف ، ليس بكفر كما يزعم هذا . بل ولا محذور فيه ، ولو لم يكن مندوباً لما أرشد عثمان بن حنيف رضي الله عنه إليه بعد موت النبي  .
فيقال في جوابه : الله أكبر ، ما أعظم ما تجارى بهذا الهوى إلى أن بلغ غايته القصوى في الكذب والتمويه ، ويحه أين تكفير الأمة القائمة الظاهرة في كلام شيخنا رحمه الله ؟ وأين التكفير بسؤال الله بحق أوليائه ؟ هل هو إلا شيء اختلقه وزوّره ولفقه . ثم أخذ يرده وينسبه إلى الشيخ ويبهته بأكاذيبه وزوره ليصد عن سبيل الله ، ويلبس على الجهال . قال تعالى عن اليهود : { وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون . لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } .
وقد جرى للرافضة والجهمية والمعطلة من هذا النوع شيء كثير ، يبهتون به أهل السنة والجماعة المثبتين لصفات الله ونعوت جلاله ، وقد أخزاهم الله وكبتهم ، وكشف لعباده المؤمنين زورهم وبهتهم : { يريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } .
وقد عرف كل أحد حتى العذارى في خدورهن أن شيخنا رحمه الله إنما يريد عباد القبور الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى ، ويسألونهم قضاء حاجاتهم ، وتفريج كرباتهم ويفزعون إليهم في الشدائد والمهمات ، وهذا المفتري يجعلهم الأمة الظاهرة القائمة .
فويل لمن نصر هذا الشرك وأثني على أهله ، وضلل من أنكر عليهم أو كفرهم كما فعل هذا الضال والله سبحانه هو الموعد ، وإليه المنتهى .
وأما قوله : غايته أن يكون جائزا أو مستحبا قد فعله السلف والخلف .
فيقال لهذا الملحد : أين عن السلف والخلف فعل عبادة القبور ودعائها والاستغاثه بها وندائها بالحوائج ، وكتب الرقاع بذلك ودسها في القبور ؟ أوجدنا حرفا عن أحـد من السلف والخلف ( خواصهم وعوامهم ) يحقق ما زعمت ، ويدل عليه . فإن لم تفعل ـ ولن تفعل ـ فهذى نصوصهم ظاهرة مشتهرة في المنع من ذلك والتغليظ فيه ، وتكفير فاعله .
وقد مر من النصوص ما يثلج الصدور ويدرأ في نحور أهل الكذب والزور .
وقد نص ابن القيم في إغاثته على أن أصل شرك العالم هو دعاء الموتى والاستغاثة بهم ، وسيأتي لهذا مزيد بسط .
وأما قوله : وليس بكفر ولا محذور فيه ، ولو لم يكن مندوباً لما أرشد عثمان بن حنيف إليه بعد موت النبي  .
فصريح هذا الكلام من المعترض أن ما ذكره الشيخ من دعاء الموتى والغائبين وجعلهم وسائط بين الله وبين خلقة لا محذور فيه ، وليس بشرك ، وأنه مندوب . فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، والكفر بعد الإيمان . إن لم يكن هذا هو الشرك الأكبر فليس في الأرض شرك ، بل هذا دين الصابئة والمشركين ، فمن أعرض عن الرسل ولم يؤمن بآيات ربه وأقوالهم وأوضاعهم واصطلاحاتهم في عبادة هذه الوسائط ودعائها وجعل البيوت والسدنه والهياكل لها معروف مشهور لا يخفى . قال تعالى عن خليله إبراهيم : { ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين . إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون . قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين . قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين . قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين . قال

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:06 PM
بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين . وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين . فجعلهم جذاذا إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون . قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين . قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم . قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون . قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم . قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون . فرجعوا الى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون . ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون . قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ولا يضركم . أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن النزاع والخصومة بين الرسل وقومهم إنما هي في عبادة الله ، وترك عبادة ما سواه .
وأما توحيد الربوبية فأكثر الأمم قد أقرت به لله وحده .
قال المعترض : وأكثر من هذا وأدهى وأمر ، تنزيله هذه الآيات السابقة على غير مواضعها . فبكلامه هذا يكون أهل الغار عنده من أعداء الله كفارا بذلك . وكذلك من قال : بحق السائلين عليك ، وما الفرق بين العمل الصالح والذات الصالحة وقد قرنهما الله تعالى في لفظ واحد ؟ حيث يقول { والله خلقكم وما تعملون } هذا كلامه بحروفه .
فيقال له : إنما الداهية الدهياء والمصيبة الصماء والجهالة العمياء ما أنت بصدده من الصد عن سبيل الله ومعارضة أهل العلم ورد ما استدلوا به من الآيات المحكمات فيما نزلت فيه من الشرك الظاهر والكفر البواح ، وأنت فعارضتهم بجهالة وضلالة وعمى عن معرفة السبيل وما يراد من المقالة ، وتعرضت لأمر لست من أكفائه { كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } هذا حاصله على أي حالة ، ما أنت ومعرفة الآيات ، وما أنت والخوض في تلك المقاصد والغايات ؟ وأنت أجهل من خط بالقلم وأفسد ، ويكفي العاقل من جهلك وضلاك قولك : وقد قرنهما في لفظ واحـد ، حيث يقول { والله خلقكم وما تعملون } وقد تقدم أن قولك الضال ، وجهلك الواضح صريح في أن العطف يقتضي المشاركة في الخصائص والأحكام ، وقد تقدم أن إطلاق هذا والقول به كفر . لا يبقي من الإيمـان شيئا ولا يذر . وجهل لم يقله أحـد ممن سبق من أهل اللسان وغيرهم . أترى قوله تعالى : { إن الله وملائكته يصلون على النبي } وقوله : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم } وقوله : { ولكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون } وأمثال هذه الآيات تقتضي المشاركة في خصائص الإلهية والربوبية والذات والصفات .
وهل أفادت غير حصول ما سيقت له من الصلاة والشهادة ؟ وقولك " وقد تقدم هذا " لو عرف هذا قدر نفسه ، لعلم أن الأنعام أهدى منه في العقل وحدسه .
قال المعترض : هب أن بعض العلماء رحمهم الله تعالى منعه أو كرهه كأبي العباس وقد يكون له قصدا في ذلك حسنا ومع ذلك لم يكفر به ولم يفسق به كما يقوله هذا الرجل ، بل لم يكفر من سأل النبي  في قبرة واستشفع به ، كما سنذكر قوله في ذلك بحروفه ، حتى إنه رحمه الله حاول الفرق بين ما جمعهما الله في لفظ واحد : الذات الصالحة والعمل الصالح . فلم يستطع على اخراج ذلك ببرهان بين ، بل لآثار والنظر والقياس الصحيح يعطي رفعة الذات على العمل ، والاعتبار بما عند الله من الكرامة والإكرام ومع ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا كما ذكرناه ونذكره عنه .
والجواب أن يقال : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ، أين أنت ومعرفة الآثار والنظر والقياس ، وقد التبس عليك الإيمان بالشرك وخفي عليك أشد خفاء والتباس ، ولفظك من الأدلة على جهلك ، وقد أبقيناه برمته وما فيه من اللحن في اسم كان وتثنية ضمير الموصول المفرد وتعدية الاستطاعة بعلى وغير ذلك مما يدل على جهلك وإفلاسك :
لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها
والشيخ لم يكفر به ولم يفسق ، وقد خاب من افتري .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:07 PM
وأما قولك : أن الشيخ تقي الدين لم يكفر من سأل النبي  في قبره واستشفع به فسيأتيك جوابه ، وبيان جهلك وخطأك في فهم كلام الشيخ عند ذكر ما نقلته عنه .
وأما كون أبي العباس ابن تيمية حاول الفرق بين ما جمعه الله في لفظ واحد . فهذا كلام خب لئيم ، ما عرف أين الصراط المستقيم ، والشيخ أعقل من أن يفرق بين ما جمعه الله . ثم أين الجمع ؟ إنما هو العطف ، والشيخ أعلم من أن يفهم كفهم الضالين وقد نزهه الله عن ذلك ولم يقل أحد من أهل العلم والإيمان أن الله جمع بينهما ولا قاس الذات على الإيمـان ، والعمل الصالح بل ولا فضل أحد ذاتا مجردة على الإيمان والرسالة ، والعمل الصالح . وهل يتصور وجود ذات رفعت وفضلت على الإيمان والأعمال بلا عمل ولا إيمـان ؟ هذا الكلام من قسم اللغو والهذيان ، تصان عن ذكره أسماع أهل الإيمان .
وقوله : ومع ذلك قوله مع الجماعة أحب إلينا ـ هذا تمويه ـ كأن هناك جماعة قالوا بتفضيل الذات على الأعمال ، والشيخ له قولان هذا ظاهر العبارة ، وكل هذا كذب وبهت وتمويه صرف ، لا قال هذا جماعة ولا جرى نزاع فيه ، وأهل العقول بل والعوام منهم ينزهون عن هذا ، فكيف يقوله جماعة ويكون لأبي العباس قول معهم ؟ وهذا الضال يختار ويحب ويرجح افتراء وكذبا بهواه ، وقول السوء يزرى بأهله لا بورك في لسان أورد صاحبه هذه الموارد .
ثم قال المعترض : وقد رأيت لابن الجوزي في تبصرته في مجلس منها متوسلا بالنبي  وفي كلام يحي الصرصري رحمـه الله من ذلك ما لا يحصي ، وسماه أبو العباس حسان الأمة ، وأثنى عليه ولم ينكر عليه فكيف ينحلون قوله هذا الزائغ لأبي العباس حاشاه عن ذلك . فكيف وهو قد أثبت التوسل بالنبي  في منسكه الكبير .
والجواب أن يقال : ما تقدم ، وهو أن التوسل بهذا المعنى ما صدر من شيخنا فيه في هذا الموضع بحث البتة ولا تعرض ، وإنما هذا الرجل كذب وبهت ، ثم أطال الرد .
إذا عرفت هذا فقد مر فيها كتبناه على هذه المسألة ما يكفي المنصف .
وأما كون الشيخ أبي العباس أثبته في مسكنه فهذا النقل ليس بصحيح وقد عرف حال هذا الرجل في التهور في الكذب والخيانة ، والمبالغة في التحريف ، فكيف ينقل عنه ويؤخذ قوله ؟ وقد قال الشيخ في مسكنة المعروف الذي هو آخر ما صنف في المناسك " قد صنفت منسكا في أول عمري على ما ذكره بعض الفقهاء ثم تبين لي خلافه " وذكر أنه صنف هذا الأخير معتمدا عليه راجعا إليه . فليس بحمد الله هناك للمبطل حجة ولا دليل .
وأما ما ذكره عن ابن الجوزي وعن الصرصري فقد تقدم مرارا أن التوسل على ما ذكر ليس من محل النزاع ، وإنما النزاع في توسل المشركين الذي هو دعاء غير الله والتسوية برب العالمين في خالص حقه وما يجب له على خلقة ، والمعترض جمع بين الجهل بالحقائق والمغالطة عند المحاقة والمنازعة .
نعم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الاستغاثة بالنبي  : وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء لكنه موجود في كلام بعض الناس ، مثل الشيخ يحي الصرصري ومحمد بن النعمان وكتاب المستغيثين بالنبي  باليقظة والمنام ، وهؤلاء لهم صلاح ودين لكن ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام ، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام ومعرفة الحلال والحرام ، وليس لهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مرضي بل جروا على عادة كما جرت عادة كثير من الناس بأن يستغيث بشيخه في الشدائد ، ويدعوه ـ إلى أن قال : ولهذا لما نُبِّه من نبه من فضلائهم تنبهوا وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام بل هو مشابهة لعباد الأصنام ونحن نعلم بالإضطرار من دين الإسلام أن النبي  لم يشرع لأمته أن يدعو أحدا من الأموات ، لا الأنبياء ولا غيرهم ، ولا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها . كما أنه لم شرع لأمته السجود لميت ، ولا الى ميت .
قال المعترض : وقال في رده على ابن البكري في قوله : إن الاستغاثة بالنبي  بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته بأنه عند الله تعالى في قرب دائم لا ينقص جاهه قال أبو العباس

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:07 PM
عند ذلك : وهذا اللفظ صحيح لو كان معنى الاستغاثة الإقسام به والتوسل بذاته  فإن ذاته بعد الموت لم تنقص بل هو في مزيد دائم ، بأبي هو وأمي ونفسي  هذا عين كلامه .
والجواب أن يقال : إن الله تعالي لم يزل ينصر دينه ويعلي كلمته ، ويؤيد عباده المؤمنين ، ولو بإجراء ذلك على ألسن أعدائه ، من غير قصد منهم للحق ولا إدارة له ، وهذه العبارة تهدم ما قبلها . فإن أبا العباس نفى كلام ابن البكري في التسوية بين الإقسام به والتوسل بذاته ، ورد على ابن البكري بأن هذا اللفظ لا يستقيم ولا يصح إلا إذا كان معنى الإقسام هو التوسل بذاته . ففرق الشيخ بين الإقسام والتوسل بالذات ، وأخبر أنهما لا يستويان في الحكم .
والمعترض حرف عبارة الشيخ وأسقط الواو العاطفة للإقسام على ما قبله ، و جعله هو خبر كان ، وزاد واوا بعده تفيد عطف لتوسل بالذات على الإقسام وهذا تحريف غريب غير المعنى ، وجعل الإقسام الذي هو من تتمة الإسم خبرا ومحط فائدة ، وعطف عليه التوسل فنعوذ بالله من تحريف الضالين ، وزيغ الزائغين .
إذا عرفت هذا عرفت أن كلام الشيخ يهدم قول المعترض : أن الشيخ أثبت التوسل .
وقوله : إنهم ينحلون قولهم هذا الزائغ لأبي العباس .
حاشاه من ذلك فقد ردت عبارة الشيخ عليه . وهدمت أصله ، لكن بعد تصحيحها وإزالة تحريفه . فالحمد الله على التوفيق والسداد .
وأعجب من هذا : أنه زعم أن الإمام أحمد رحمه الله كتب ذلك للمروذي في منسكه . وهذه نصوص الإمام أحمد ، وهذا مذهبه المقرر ، وكلام الشيخ في نفي ذلك موجود متواتر ، وقد أفرد هذه المسألة بالتأليف في رده على ابن البكري وغيره . وكلامه متفق لا مختلف وحكى المنع عنها عن كافة الأئمة سوي ابن عبد السلام وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله تعالى .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:08 PM
فصل

قال المعترض : ومن قول هذا الرجل في موضع آخـر من كلامه : قال : إعلم أرشدك الله أن من أنواع الشرك الأكبر ما قد يقع فيه بعض المصنفين الأولين على جهالة منه كقوله في البردة :
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به * سواك عند حلول الحادث العمم
قال : وفي الهمزية من جنس هذا وهذا من الدعاء الذي هو العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده انتهى مع كلام لا يؤبه له .
وله كلام عليها غير هذا أشنع منه تركناه ولأتباعه كذلك ، وسنشير إلى شيء من قوله ، ويكفي في هذا قوله : من الشرك الأكبر ، وعند هذا الكلام محط الرحل ، فغائلته تنقص سيد البشر  والحط من رتبته . وغايته إبطال رحمه الله شفاعته بالكلية . فنقول الأول أن شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري رحمه الله لم يقصد ما قصده هذا الرجل وليس هو بجهول عن عبادة الله ودعاء غيره من دونه الذي يكون شركا قد نهى الله عنه ورسوله  إذ ذاك لا يصلح إلا لله عز وجل ، إذ كل رسول يقول لقومه : { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } وقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا إنا فاعبدون } وقال تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } والآيات على الحض على توحيد الله والنهي عن الشرك لا تعد ولا تحصر ، وحاشا لعالم من علماء الأمة المعتبرين أن يقول الشرك الأكبر أو يقره ، لأنه رحمه الله من العلماء الأمناء ، ولو قاله أحد لأنكر عليه . وإنما هو رحمه الله تعالى يشير إلى يوم القيامة لاستحضار ذلك اليوم العظيم الذي تفزع إليه الخلائق للشفاعة العظمى لفصل القضاء حين تدنى الشمس منهم ، وتزفر النار ، ويغضي الجبار ، ويجاء بالنار تقاد بسبعين الف زمام مع كل زمام سبعون الف ملك ، وتجثو الخلائق على الركب ، وهو الحادث العمم الذي يعم جميع الخلائق ، بحيث لم يبق نبي ولا ملك إلا جثا على ركبته يقول : نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي ، ونبينا  يقول : أمتي أمتي .
والجواب أن يقال : قول الشيخ : إن أشياء من أنواع الشرك الأكبر قد يقع فيها بعض المصنفين الأولين : قول صحيح يدل عليه الكتاب والسنة ووالواقع والاستقراء . وقد خفى على قوم موسى عليه السلام وعلى أبي واقد الليثي وأصحابه ما طلبوه من أنبياء الله . فكيف لا يخفى أو لا يقع ممن لا نسبة بينه وبينهم ؟ قال تعالى عن قوم موسى : { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون } وقال أبو واقد الليثي وأصحابه للنبي  : إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات انواط . فقال  : ( قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) فإذا وقع ذلك من أولئك الأخيار ورسلهم بين ظهرانيهم ، فكيف يستبعد أو ينكر وقوعه ممن هو دونهم في كل فضيلة وكل علم وكل دين ؟ بل يستحي العاقل من طلب المقابلة ، فكيف بالمماثلة والمقاربة ؟ وفي الحديث : ( اتقوا زلة العالم وفتنة العابد ) وعنه  : ( أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث : زلة العالم ، وجدال المنافق ، والأئمة المضلون ) وفيه أيضا : ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ) فإذا خافه  على خيار أمته ، وأمر باتقائه ، فكيف يتسغرب وقوعه ، وينكر من الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون ؟ .
وقد تقدم ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من شعر ابن النعمان وغيرة من هذا الضرب وأنكره أشد الإنكار ، وأخبر أنه من أنواع الشرك ودعاء المخلوق بما لا يصلح إلا لله .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:10 PM
قال رحمه الله في أثناء كلام له : ونحن نعلم بالضرورة أن رسول الله  لم يشرع لأمته أن يدعو أحدا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ، ولا غيرهم ، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها . كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك ، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور ، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول  ، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن لها وقال : هذا أصل دين الإسلام . وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول : هذا أعظم ما بينت لنا ، لعلمه أن هذا أصل دين الإسلام ، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات ، ويسألونهم ويستجيرون بهم ، ويتضرعون إليهم ، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعون دعاء المضطرين ، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه أو الدعاء عند قبره بخلاف عبادتهم لله تعالى فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف ، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر . وقال بعض الشعراء :
يا خائفين من التتر * لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال :
عوذوا بقبر أبي عمر * ينجيكموا من الضرر
فقلت لهم : إن هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد . ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة ، لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله تعالى به ورسوله . فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة بالله وأنهم لا يستغيثون إلا إياه لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل . فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثه بربهم نصرهم على عدوهم نصرا عزيزا لم يتقدم نظيره . انتهى كلامه .
وقول صاحب البردة أبلغ مما أنكره شيخ الإسلام ، فإن صريحه دعاء مضطر محتاج ذي فاقة وفقر إلى رسول الله  وأنه ليس له ملجأ وملاذ ومفزع عند حلول الحادث العام العظيم سوى رسول الله  . وإذا حرم مجرد سؤاله مالا يقدر عليه إلا الله وسؤاله بعد مماته ما دون ذلك من الأسباب العادية فكيف بهذا الدعاء الذي هو من أبلغ الأدعية في إظهار الفقر والفاقة ، واستعطاف المسؤول بتوحيده وإفراده لهـذا المطلوب العظيم ، والخطب الجسيم ؟ . وإذا كان الدعاء حرم لتضمنه التسوية بين الله وبين غيره في القصد والرجاء والذل والمحبة ، فكيف بما دل على ما هو أبلغ من ذلك مما ذكره في البردة والهمزية ونحوها . وفي حديث النعمان ابن بشير رضي الله عنه : ( الدعاء هو العبادة ) وحصر أحد الجزئين في الآخر يفيد ما قاله بعض الشراح من أن الدعاء لب العبادة وخالصها وركنها الأعظم وفي حديث أنس رضي الله عنه : ( الدعاء مخ العبادة )وبه يظهر معنى الحصر في حديث النعمان ، وفي الحديث : ( من لم يسأل الله يغضب عليه ) مفهومه أم من سأله رضى الله عليه ، وهل هذا الرضا وهذا الغضب إلا لحصول عبادة يحبها ويرضاها أو لفقدها الموجب لغضبه وسخطه . فإذا صرف ذلك لغير الله في الأمور العامة الكلية التي مصدرها عن قدرة كاملة ليست في قوى البشر ، وليست من جنس الأسباب العادية . فهذا عين الشرك .
قال أبو العباس ابن تيمية فيمن سأل الأموات ما لا يطلب إلا من الله كمغفرة الذنوب وهداية القلوب وإنزال لمطر : انه يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأن هذا عين الشرك الذي نهت عنه الرسل ، ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله . انتهى .
وقد نفى الله عن غيره مالك الشفاعة ، ونفى فعلها بغير إذنه . وأن تكون فيمن لا يرضى قوله وعمله . وقد ذكر جل ذكره أنه المنفرد والمختص بملك ذلك اليوم ، وتمدح

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:10 PM
بذلك فى غير آية من كتابه ، وثبت من غير وجه أن النبي  قال : ( إن الله يقبض السماوات بيمينه ويقبض الأرض فيقول : أنا الملك ، أنا الديان ، أين ملوك الأرض ) وقال تعالى : { وما أدراك ما يوم الذين . ثم ما أدراك ما يوم الدين . يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يؤمئذ لله } وهذه نكرة في سياق النفي وهي عامة . وكذلك قوله تعالى : { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئاً } في موضعين من سورة البقرة ( آية 48 وآية 128) .
ولا ينافي هذا ما ورد من إثبات شفاعة النبي  وشفاعة غيره لأن المراد بالنفي اختصاصه بالملك ، وعدم مشاركة أحد له تعالى في ملك ذلك اليوم ، وما ورد من حصول الشفاعة فهو عن أمره وأذنه ورضاه تعالى وتقدس . فالشافع عبد مأمور لا ملك له ولا يبتدئ بالشفاعة ، بل هو مدبر مأمور ، فكيف يطلب منه ما لا يملك ، وما لا يحصل إلا بأذن من ربه تبارك وتعالى ؟ وهذا هو المراد بالاستثناء في مثل قوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } فتعليقها على الإذن والرضى يراد به هذا المعنى الذي هو صرف القلوب إلى باريها وفاطرها ، وإسلام الوجوه له عكس ما يفهمه المشرك من أن الاستثناء يفيد طلب ذلك من غير الله ، وسؤال ذلك الغير هذا المطلوب العظيم .
وإذا كان الحال هكذا فمن سأل رسول الله  شيئا مما لا يطلب إلا من الله كمغفرة الذنوب وهداية القلوب ، ودخول الجنة والنجاة من النار وإنزال المطر ، والنصر على الأعداء ودفع السوء والردى ، ونحو ذلك مما يختص به الله تعالى ، ولا يشاركه فيه مشارك فقد أشرك بربه وجعل له ندا وشريكا في خالص حقه .
ولا ريب أن هذا الدعاء الذي دعاه البوصيري واستغاث فيه بالنبي  يقتضي إثبات قدرة عامة وعلم عام ، وسمع محيط لا سيما إن كان من يدعو الصالحين ويسألهم جعل ذلك ديدنه في كل زمان ومكان وإن بعدت الديار وتناءت الأقطار وإن زعم أنه لم يثبت قدرة ولا علما ولا سمعا عاما محيطا لا يليق بالمخلوق . فهو مكابر ملبوس عليه ثم في ذلك من الخضوع والذل والمحبة والانابة ما هو من خالص العبادة ولبها فكيف جاز صرفه لغير الله ؟ .
إذا عرفت هذا فهذه الأبيات التي قالها صاحب البردة فيها من الغلو والإطراء والدعاء والالتجاء ما لا يليق ولا ينبغي صرفه لمخلوق نبي أو ملك ولو كان أفضل الأنبياء وأقربهم إلى الله نبينا محمد  وأين قوله :
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ بـه * سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي * فضـلا وإلا فقل : يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتهـا * ومن علومك علم اللوح والقلم
مما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله  من وجوب إسلام الوجوه له تعالى والإنابة إليه ، ووجوب اتخاذه تعالى وحده ملجأ ومفزعا ومعاذا وملاذا عند الشدائد والمهمات وأن النبي  وإخوانه الأنبياء من قبله ما جاءوا كلهم إلا لتخليص هذا الحق لله وحده ، وابعاد كل شبهة يقيمها الشيطان حوله ، قال تعالى : { قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين } ففي هذه الآية أنهم يلجأون إليه ويفردونه بالدعاء إن أتاهم العذاب أو أتتهم الساعة ، واحتج بذلك على وجوب أفراده بالدعاء في حال الرخاء وفي جميع الحالات . فكيف ترى بمن أعد غير الله لشدته ، ولهول الساعة وكربها ؟ كما في أبيات البوصيري ، واذا اقترن بذلك نفي التعلق والرجاء والتوكل في ذلك عن غير الرسول  وأضاف المتكلم إلى هذا إثبات عموم العلم وإحاطته بالكليات والجزئيات ، وأن الدنيا والآخرة حصلتا وكانتا عن جوده وإحسانه ، بل بعض جوده . كما تدل عليه ( من ) الموضوعة فى اللغة العربية للتبعيض ، ومعلوم أن هذا يدخل فيه كل تدبير وتأثير

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:11 PM
وتقدير وتيسير . فأي فرد يبقى لله ؟ وأي شيء اختص به ؟ فافهم ما في هذه الأبيات من منافاة مقتضى الرسالة وصريح الآيات .
وإذا عرفت ذلك عرفت أن المعترض قصرت رتبته عن درجة العلم بأصل الإيمان ، وعن معرفة الحكمة في حلق الجن والإنس والسماوات والأرض وما فيهما ، فلذلك اعترض ، ورأى أن كلام الشيخ على هذه الأبيات شنع بشع فإنه تعاظم عد ذلك من الشرك الأكبر .
وأبلغ من هذا أنه يفهم من التوحيد وإخلاص الدعاء لله والنهي عن دعاء نبينا  تنقصا له وحطا من رتبته وإبطالا لشفاعته بالكلية ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود .
وهذا بعينه قول من غلا في المسيح وأمه أو غلا فى أحد من الأنبياء والملائكة وقد قال عمرو بن العاص وأصحابه للنجاشي لما قدموا عليه يريدون جعفر بن أبى طالب وأصحابه : إنهم يقولون في المسيح قولا عظيما ـ يعني عبد رسول ، ليس بإله ـ وكذلك قالت قريش للنبي  لما دعاهم إلى توحيد الله قالوا : عبت ديننا وسببت آلهتنا . وكذا قال قوم نوح كما يدل عليه قوله جل ذكره : { وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا } وقال تعالى : { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون . وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون . إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } .
فالأمر بتوحيد الله وإخلاص الدعاء له والنهي عن دعاء الأنبياء والصالحين ليس بتنقص لهم ، بل هو الكمال والعز والسيادة ، وهل نال الأنبياء وغيرهم من الملائكة المقربين ما نالوه من المقامات التي يتقاصر عنها المتطاولون إلا بتجريد التوحيد وتحقيقه ومعرفة الله والعلم به ، والدعوة الى سبيله ، والبراءة مما نسبه إليه أعداؤه المشركون .
وأما صرف حق الله وما يجب له من الدعاء والعبادة إلى غيره فهذا محض التنقص لله ولعباده المخلصين ، ولهذا نزه الله تعالى نفسه عما يشركون في غير موضع من القرآن وكذلك في السنة .
وفيه أيضا تنقص بالأنبياء والصالحين ، إذ يظن من فعل ذلك أنهم يرضون به ، ويقرونه عليه ، وأنهم ما نهو عن هذا الجنس من الشرك وإنما جاءوا بتحريم الشرك في الربوبية ووجوب اعتقاد اختصاصه تعالى بالملك والتدبير كما صرح به كثير من عباد القبور ، وأنكروا توحيد العبادة غاية الإنكار ، وجعلوا معني كلمة الإخلاص يرجع إلى توحيد الربوبية فقط ، ومن نهاهم عن عبادة غير الله قابلوه بأشد الإنكار ، وقالوا : تنقصت المشايخ والكبار ، وهم قد تنقصوا الملك الحق العزيز الغفار .
فما أشد غربة هذا الدين ، وما أقل من يعرفه من المدعين للعلم والمنتسبين إليه .
وأما إبطال الشفاعة : فالشفاعة التي يشير إليها هذا الرجل وإخوانه من المشركين قد نفاها الله تعالى وأبطلها فى كتابه العزيز فى غير موضع وأخبر تعالى أنه لا يعلم وجود شفيع يشفع هذه الشفاعة التي قصدها المشركون لا في السماوات ولا في الأرض ، وما لا يعلمه سبحانه فهو مستحيل الوجود .
والشفاعة المثبتة نوع آخر ، وجنس ثان لا يعقلها المشركون ، وما يعقلها إلا العالمون ، والإشارة إلى سببها ومقتضيها وموجبها جاء صريحا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك ؟ . قال : ( أسعد الناس بشفاعتي : من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ) .
إذا عرفت هذا عرفت أن هذا المعترض أجنبي عن علوم أهل الإسلام لا يعقل منها شيئا . فلا جرم اعترض على شيخنا وصاح لما سمع بتجريد التوحيد . والحمد لله العزيز الحميد .
وأما قوله : أن البوصيري لم يقصد ما قصده شيخنا وأنه ليس بجهول فجوابه : أن

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:12 PM
البحث هنا في الألفاظ وما دلت عليه صريحا . وأما القصد والنية فليس هذا مبحثه . والسرائر إلى الله يحاسب العباد عليها بعمله وصريح اللفظ دال على ما قرره شيخنا .
وأما قوله : وليس بجهول عن عبادة الله تعالي ودعاء غيره من دونه الذي يكون شركا قد نهى الله عنه ورسوله  . إذ ذاك لا يصلح إلا الله .
فالجواب : إن العقلاء نصوا أن من الحمق المتناهي تكذيب العين وتصديق الظن والحدس . فكيف تقبل منك هذه الدعوى ونحن نرى قوله ونسمعه ؟ ويكفي الحس في إبطال دعواك أنه ليس بجهول ، وهل هذا الذي صدر منه إلا غاية الجهل ومنتهى الضلال ؟ .
وأما كون الرسل يقولون لقومهم : اعبدوا الله ، والله يقول : { وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا } فنعم هذا حق وهو دين الرسل ، والنزاع بيننا وبينكم في التزامه والعمل به ، فكيف تحتج علينا بأن الله تعالى قال هذا وقد خالفتم مقتضاه ، وخرجتم عما دل عليه ، وكيف ننهاك عن دعاء غير الله وتحتج علينا بأنك تعلم أنه لا يدعى إلا الله ؟ هذا ولو عقلتم المعنى والمقصود من هذه الآيات وأنصفتم لاستراح الخصم . والآفة كل الآفة في مخالفة هذا ومناقضته ممن يتلوه ويؤمن بألفاظه ويكفر بمعناه .
وأما كونه عالماً من علماء الأمة ، فهذا من الجهل بالعلم والعلماء ، أين العنقاء لتطلب ، وأين السمندل ليجلب ؟ قال تعالى : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين . بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } هؤلاء هم أهل العلم ورثة الجنة ، وسادات الأمة ، لو سلم عقلك لعرفت أن من يدعو العباد إلى الله ويردهم إليه وينهاهم عن الالتفات والتعلق على غيره وصرف الوجوه لسواه هو العالم الآمين . لكن أعماك الهوى عن معرفة الرشاد والهدى .
وما كون الناظم يشير إلى يوم القيامة ؛ فنعم ، ولكن لا يدعى لذلك اليوم إلا الله وحده وكون الخلائق تفزع إليه في ذلك اليوم لا يوجب ذلك ويقتضي دعاءه وقصده من دون الله في دار التكليف والعمل . والملائكة والمؤمنون والأطفال يشفعون فى ذلك اليوم . وهل يقول مسلم بقصدهم ودعائهم والتعلق عليهم من دون الله في هذه الدار لما يرجى في الدار الآخرة ويؤمل فيها ؟ ومن قال بقصدهم ورجائهم ودعائهم لذلك وشرعه فقد فتح باب الشرك وسوغه ، ودخل فيما دخل فيه الصابئة المشركون من التعلق على الأنفس المفارقة وعبادتها ودعائهما مع الله .
وقولك : حين تدنى الشمس . هذا خطك بيدك ، فهو لحن فاحش يدل على أنك أمي لا تحسن شيئا من العلم .
وقول النبي  : ( أمتي أمتي ) ليس فيه أنه يدعى ويقصد لذلك قبل يوم القيامة .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:12 PM
فصل

قال المعترض : فشرف الدين يخاطبه  كما خاطبه حسان بن ثابت رضي الله عنه بكاف الخطاب بعد موته ، وكما خاطبه صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه بعد موته ، وطلب منه كما يأتي ذلك ، وكما خاطبه الأعمى في غيبته ، وكما خاطبه الذي علمه عثمان بن حنيف زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد موته  وغير الصحابة كثير من التابعين وسلف الأمة . إذ مخاطبته  بعد موته أبلغ لأن أعمال أمته تعرض عليه في قبره ، وشرف الدين يقول : يا أكرم الخلق . وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلا ونائلا وعند ربه جل وعلا ثم قال : مالي من ألوذ به من الخلق سواك . واغوثاه من الجهل وطمس القلوب ثم قال : عند حلول الحادث العمم ، وهذا ذاك اليوم ومطلوبه شفاعته  .
والجواب أن يقال : هذا الخطاب الذي خاطبه البوصيري في بردته خطاب سائل داع لائذ مضطر محتاج بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، وخطاب حسان خطاب متوجد متمن أن يقي وجهه رسـول الله  التراب ، وهذا من باب الوجد والأسف على فراقه ، وذاك من باب الدعاء والطلب منه فأين هذا من هذا ؟ هل قال حسان : أعطني وأنا عائذ أو لائذ بك في الحوادث والملمات ؟ وقد جاء في السلام عليه والتشهد في الصلاة ما يفيد الفرق بين خطاب المسلم وخطاب الداعي الراجي ، بل جاء في خطاب الموتى بالسلام ما يستبين به الفرق عند أولي الألباب والأفهام ، وعلمهم النبي  أن يقولوا : ( السلام عليكـم دار قوم مؤمنين ) عند زيارتهم . ولو خاطبهم بغير ذلك من المطالب والدعـاء وقال : جئتكم مستجيراً عائذاً بكم مستغيثا لائذا بحماكم طالباً لبركم ونعماكم ، ومالي عند الحوادث والمهمات سواكم . لكان ذلك من الشرك الأكبر الذي اتفقت الرسـل ونزلت الكتب بتحريمه وتكفير فاعله . أفيقال : هذا خطاب وما قبله خطاب ، ويسوي بينهما للاشتراك في الخطاب ؟ هذا لا يقوله إلا أضل الخلق وأجهلهم . وقد جبل الله الخلق على الفرق بين دعاء الميت والدعاء له ، واتفقت الفطر والشرائع على الفرق بين ذلك ، وأكثر الناس اجتالتهم الشياطين وأحدثوا من الدين ما لم يأذن به الله وحللوا وحرموا بمجرد أهوائهم وآرائهم الضالة .
وأما حديث أبى بكر فسيأتي الكلام عليه ، وأنه غير ثابت وأن الإجماع المستند إلى الكتاب والسنة والاعتبار يخالفه وينافيه . وأين هذا من هدي السلف والصحابة رضوان الله عليهم في المبالغة في صيانة قبره الشريف ، وتثليث جداره كي لا يصل إليه ، ولا يتمكن من دعائـه وسؤاله ، عملا بقوله  : ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ) وقد بالغ السلف في حماية حمى التوحيد ، والتباعد عن الشرك ، وسد ذرائعه ، وقطع وسائله ، حتى منعوا من استقبال القبر عند دعاء الله ، كما هو نص أحمد ومالك وأبى حنيفة رحمهم الله في أشرف القبور على الإطلاق ، فأين هذا من سؤاله  وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله ؟ .
وأما حديث الأعمى فليس فيه ما يدل على غيبته  وهو توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك ويسألون الاستغفار والدعاء . وقد قال تعالى : { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } وقال تعالى حاكيا عن المنافقين : { واذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون } فذم هذا الصنف بالصد عن ذلك .
فهذا كان هديهم وفعلهم في حياته  . وأما بعد موته  فلم يفعله أحد منهم ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم ، بل قد ثبت النهي عن الدعاء عند القبر . فكيف بدعائه وقد تقدم ذلك قريبا : ( وخير الهدي هدي محمد  ، وشر الأمور محدثاتها ) .
وسيأتيك أن أصل الشرك وسبب حدوثه دعاء الموتى وخطابهم بالحوائج .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:13 PM
وأما الذي حدثه عثمان بن حنيف فلم يخاطبه ، ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى ، أعني مخاطبته  والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبته الرسول بل هي ساقطة فى الأصول المحررة . ومسألة السؤال به أو بحقه غير مسألته نفسه ودعائه .
وأما كون أعمال أمته تعرض عليه فليس فيه ما يستدل به على سؤاله ودعائه مع الله وطلب الحوائج منه . ومن زعم ذلك فقد قال بتجهيل أصحاب رسول الله  من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن بعدهم من التابعين وعلماء المدينة كالفقهاء السبعة ومن بعدهم كابن شهاب الزهري وربيعة بن عبد الرحمن ويحي بن سعيد ومالك بن أنس وأهل المذاهب المقلدة كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وسفيان وداود ابن علي وأمثالهم ونظرائهم من أهل العلم الذين منعوا من دعائه والدعاء عنده .
وقد ثبت أن عمل المسلم يعرض على والديه ولا قائل بدعائهما وطلبهما .
وأما قول المعترض : أن أعمال أمته تعرض عليه في قبره فقد روي أن أعمال أمته تعرض على أقاربهم ، ولم يأت ما يدل على أن العرض في القبر بل الجزم بهذا والقول به يحتاج لدليل . وقد ثبت أن نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة . والواجب أن يؤمن المؤمن بما جاء عن رسول الله  على مراد رسول الله  ولا يتعدى ذلك إلا بتوقيف .
وأعجب منه قول المعترض : وهل ينكر أحد أنه ليس بأكرم الخلق بذلا ونائلا اهـ . فهذه العبارة تطلعك على قطرة من بحر جهالته وذرة من قناطير غباوته . كل المسلمين والمؤمنين ينكرون القول أنه ليس بأكرم الخلق ، والذي لا ينكر هو كونه أكرم الخلق ، لا أنه ليس بأكرم الخلق ، فتأمله فإنه نص خطه بيده .
وأما قوله : واغوثاه من الجهل وطمس القلوب .
فأقول : يا لله للمسلمين من ضال جاهل يسمي تجريد التوحيد وإفراد الله بالدعاء جهلا وطمسا للقلوب ، ويستغيث استغاثة محـق مغلوب . وكون المطلوب شفاعته  لا يبيح ذلك دعاءه وإفراده باللياذ والعياذ والقول بأنه يعلم الغيب ، وأن الدنيا والآخرة بعض جوده ، بل هذا يشبه غلو أهل الكتاب في أنبيائهم . وقد قال تعالى : { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } فرحم الله امرأ وقف عند حدود الله ، ولم يتعداها ، ولم يتجاوزها إلى سواها .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:13 PM
فصل

قال المعترض : ثم ماذا ، والمحذور الذي كفر به هذا الرجل وما يضر النداء في هذا ، وهل هذا عباده من دون الله ؟ ما أبعد الجهل وأهله من الفرقان .
ثم ذكر المعترض قول حسان في مرثيته مستدلا به على أن الرسول يدعى ويخاطب .
والجواب أن يقال : لا ريب أن جمهور من دعا معبودا مع الله وانتحل طريقة أو دينا لم يأذن به الله يرى أنه لا محذور ، ولا إنكار . ويحسب أنه مهتد وإن كان من أضل الخلق وأبعدهم عن مناهج الإيمان والهدى ، ويكفي المؤمن ماتقدم من الآيات التي زعم ان الناظم يعرفها ولا يجهلها . كقوله تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا } وهل يحيل هذا الدعـاء عن حقيقته ، ويسوغه لغير الله تسمية الجاهلين له نداء لا دعاء ، وهل العبادة إلا هذا الدعاء ونحوه ؟ فأي جهل في تحريم ما حرم الله من دعاء غيره ومسألة سواه ما لا يقدر عليه إلا الله ؟ .
وهذا المعترض وأمثاله من أجهل الناس بمسمى العبادة ومعرفة أفرادها .
ومعلوم أن قول النصارى : يا والدة المسيح إشفعي لنا إلى الإله نداء إذا جهر به المنادي ، ولا يخرجه ذلك عن كونه دعاء وعبادة بإجماع المسلمين ، ولو كان المطلوب مجرد شفاعتها فإباحة هذا النوع وجعله لا محذور فيه هو عين الجهل ، ونفس الضلال .
وأما رثاء حسان فليس فيه دعاء وإنما هو توجع وتحزن وتألم لفقده  ، وفرق بين الخطاب بهذا والخطاب بالدعاء والمسألة ، وقد تقدم التنبيه على ذلك .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:14 PM
فصل

قال المعترض : وأبلغ من هذا وادحض كلام صديق هذه الأمة أبي بكر رضي الله عنه ، حين وجد النبي  ميتا . فقد قال سيف بن عمر التميمي في فتوحه الذي قال أبو العباس ابن تيمية أنها أصح ما وضع في ذلك ، وهو من تابعي التابعين ، ومن كبار شيوخه : هشام بن عروة بن الزبير رضي الله عنه . فقال حدثنا عمرو بن محمد عن تمام بن العاص عن القعقاع ابن عمرو التميمي رضي الله عنه ـ وكان من خواص أبي بكر الصديق رضي الله عنه ـ قال : جاء الخبر بثقل النبي  إلى أبي بكر وواتر أهل البيت إليه الرسل . فجاء فلقيه آخرهم بعد ما مات النبي  ودخل أبو بكر البيت وهو يسترجع ويصلي على النبي  . فأكب عليه وكشف عن وجهه ، وقبل جبينه وخديه ، ومسح وجهه ، وجعل يبكي ويقول : بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي ، طبت حيا وميتاً ، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد قبلك من الأنبياء : النبوة ، فعظمت عن الصفة ، وجللت عن البكاء وخصصت حتى صرت مسلاة وعممت حتى صرنا فيك سواء ، فلولا موتك كان اختيارا منك لجدنا بالنفوس لحزنك ، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك الشؤون . فأما ما لا نستطيع نتقيه عنا فكمد وادكار متحالفان لا يبرحان . اللهم فأبلغه عنا اذكرنا يا محمد عند ربك ، ولنكن من بالك . فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا .
ثم قال المعترض : وكان القعقاع قد شهد وفاة النبي  وروى عنه سيف أنه قال : شهدت وفاة النبي  . وذكر قصة السقيفة . فهل ترى الصديق عند هذا الرجل كافرا بقوله يخاطب النبي  : اذكرنا يا محمد عند ربك ، ولنكن من بالك ؟ والنثر أوسع من النظم .
والجواب أن يقال : آفة هؤلاء الجهال عدم التمسك بأصول أهل العلم والهدى التي إليها المرجع في الاستدلال والمنتهى . وقد وضع أهل العلم والحديث من القوانين الشرعية ما يميز به الآثار الصحيحة والمكذوبة والموضوعة والضعيفة التي لا تثبت بها أحكام دينية .
فمن ذلك : ردهم ما انفرد به أحد الرواة عن أصحابه الثقاة الأثبات كما رد على معمر ما انفرد به عن أصحاب الزهري ، وكما رد على ابن اسحق ما انفرد به في حديث أبى مسعود البدري فى صفة الصلاة على النبي  وكما رد على ابن عيينة مع جلالته وحفظه ما انفرد به عن أصحاب الزهري : من ذكر دبغ الإهاب في حديث ميمونة .
وقد روي كلام أبي بكر ومقالته حين دخل على النبي  وسلم عدد كثير وجم غفير ، وذكرها أصحاب السير عمن هو اعدل من القعقاع ، وأوثق وأشهر ، فما وجه الأخذ بها لو سلمنا صحتها ؟ وقد خالفت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ، بل والإجماع . كما حكاه شيخ الإسلام وغيره ؟ وهل يدع هذا كله ويرميه وراء ظهره إلا من غلب عليه متابعة الهوى وعدم الوقوف مع الكتاب والسنة والإجماع ؟ وهل ضل أهل الكتاب إلا بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم ، واتباع ما لم يثبت عن أنبيائهم وعلمائهم ، بل هو مما أحدثه خلوفهم وجهالهم .
وهذه الكلمة وهي قوله : اذكرنا عند ربك . لو جاء بسندها المذكور كلمة تخالف الثابت من المرفوع والمأثور في حكم من أحكام الفروع وجزئيات المسائل كآداب التخلي ونحوه لم يسغ الأخذ بها وترك ما هو أصح وأثبت وأدل ، فكيف بالطلب من الموتى ودعاء الأنبياء والتوجه إليهم ، الذي تظاهرت النصوص والآثار على تحريمه والمنع منه .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى : فإن طلب الحوائج من الموتى هو أصل شرك العالم اهـ .
وقد حمى  حمى التوحيد وسـد ذرائع الشرك حـتى نهى عن قول ( ما شاء الله وشاء فلان ) ونهى عن الحلف بغير الله ، ونهى عن الصلاة عند القبور واستقبالها ، ونهى عن عبادة الله بالذبح في مكان يذبح فيه لغير الله ، ونهى عن قول الرجل ( عبدي وأمتي ) وقد

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:15 PM
بالغ أصحابه رضي الله عنهم في صيانة قبره الشريف عن أن يصل إليه أهل الغلو والإطراء ، فجعلوا جداره مثلثا ، وكره مالك رحمه الله للرجل كلما دخل المسجد إتيان القبر للسلام على النبي  وقال : لم يكن أهل العلم من أهل بلدنا يفعلونه اهـ . فكيف ترى بسؤال النبي  والطلب منه ، والتوجه إليه فى الحوائج والملمات فبين هدي الصحابة وأهل العلم ، وفعل هؤلاء الضلال كما بين المشرق والمغرب . شتان بين مشرق ومغرب .
هذا لو فرضنا صحة هذه الكلمة ، فكيف والأمر بخلاف ذلك ، وفي نفس هذا الأثر الذي أورده ، ما يرد عليه من وجوه .
منها قوله : اللهم فأبلغه عنا . فإذا سأل الله أن يبلغ نبيه عنهم فكيف يقول بعدها ( اذكرنا يا محمد عند ربك ) وهل هذا إلا عكس ما قبله ، ومن دون أبي بكر يتحاشى العاقل من نسبته إليه ، فكيف بصديق الأمة ؟ وقد ثبت في الصحيح وغيره أن الشهداء قالوا : ( ألا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا ، فرضي عنا وأرضانا ) ولم يأت أحد من أصحاب رسول الله  إلى شهيد من الشهداء يطلب منه أن يبلغ عنه ربه ، وهم أجل وأفقه من ذلك . فكيف بالصديق رضي الله عنه ؟ فإذا جاءت السنة بأن الله هو الذي يبلغ عمن عنده من الشهداء ، فكيف تعكس القضية ويجعل النبي  هو الذي يبلغ ربه ؟ .
والمشهور والمعروف في اللغة أن الإبلاغ إنمـا يستعمل في من رفع إليه وبلغ ما ليس عنده . قال تعالى : { لأنذركم به ومن بلغ } وفي الحديث : ( ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) .
هذا لو صـح سنده . فكيف وهو عمن لا يحتج به ؟ قال ابن السكن : سيف بن عمر ضعيف . وقال أبو حاتم : قعقاع بن عمرو قال : شهدت وفاة رسول الله  . هذا فيما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عنه . وسيف متروك . فبطل الحديث ، وإنما ذكرناه للمعرفة ، وقال الحافظ أخرجه ابن السكن من طريق إبراهيم بن سعد عن سيف بن عمر عن عمرو عن أبيه عن القعقاع بن عمرو قال : شهدت وفاة رسول الله  فلما صلينا الظهر جاء رجل حتى قام بالمسجد وأخبر بعضهم أن الأنصار اجمعوا أن يولوا سعدا . قال ابن السكن : سيف بن عمر ضعيف ، واختلف في صحبة القعقاع ولم يجزم بذلك ابن عساكر ، بل قال : يقال : إن له صحبه .
قلت : وهذان الطريقان ليس فيهما عمرو بن محمد ، بل هو عمرو ابن تمام عن أبيه تمام ، فلا أدري أذكر عمرو بن محمد المعترض بقصد التدليس أو جاء التدليس من غيره .
إذا عرفت هذا بطل هذا الحديث ، وأبطل منه الاحتجاج به ، والثابت عند أهل العلم ما رواه محمد بن شهاب الزهري إمام الحجازيين عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : لما توفي رسول الله  قام عمر رضي الله عنه فقال : إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله  توفي ، وأن رسول الله  ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة . ثم رجع بعد أن قيل مات . والله ليرجعن رسول الله  فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله  مات . قال : وأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر ، وعمر يكلم الناس ، فلم يلتفت حتى دخل على رسول الله  في بيت عائشة رضي الله عنها ورسول الله  مسجى ببرد حبره ، فأقبل حتى كشف عن وجهه ، ثم أكب عليه وقبله . ثم قال : بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها ، ثم لم تصبك بعدها موتة أبداً ، ثم رد الثوب على وجهه ، وخرج وعمر يكلم الناس ، فقال على رسلك يا عمر ، فأنصت . قال : فأبى إلا أن يتكلم . فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس ، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر ، فحمد الله وأثنى عليه . ثم قال : أيها الناس ، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . ثم تلا هذه الآية : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } قال فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله  حتى تلاها أبو بكر يومئذ . قال فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:15 PM
هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث وهو الذي ذكره الأئمة في كتبهم التي إليها المرجع عند أهل الإسلام في سائر الأبواب والأحكام . وقد علم أن القعقاع لم يدخل على النبي  في تلك الحالة ولا يمكن من هو أفضل منه ، ولم يدع أن أبا بكر أخبره بذلك ، ولا غير أبي بكر . فصار الأثر منقطعاً . وهذه علة رابعة .
وأظن هذا المعترض رأى هذا الأثر في مصنف ابن فيروز أو غيره ممن تعرض لرد هذا الدين والتوحيد الذي منَّ الله بتجديده على يد شيخنا رحمه الله ، والغالب على من تعرض لرد ذلك هو الجهل وعدم العلم ، مع غلبة الهوى وشدة العداوة ، فاجلبوا بذكر ما يظنون أن لهم تعلقاً به ، وأنه من الحجج التي تدفع الخصم . وليست لهم عناية بصناعة العلم ، ومدارك الأحكام ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون .

تعـرض قـوم للغـرام ، فأعرضـوا
بجانبهم عـن صحبـتي فيه واعتلوا
رضـوا بالأمـاني ، وابتلوا بحظـوظهم
وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا مـن مكانهـم
وما ظعنوا في السير عنه وقـد كلوا
وعن مذهبي لما استحبوا الهوى على الهـ
ـدى حسدا من عند أنفسهم ضلوا

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:16 PM
فصل

قال المعترض : فشرف الدين إنما قصد الشفاعة مستحضرا يوم القيامة : { يوم يفر المرء من أخيه . وأمه وأبيه . وصاحبته وبنيه . لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } وهو يقول  : ( أمتي أمتي ) إلى أن قال : ولأنه قد أعطي  الشفاعة بوعـد الله الصـادق له في حياته من المقام المحمود وشفاعته لأمته وهي من ذلك قال تعالى : { عسي أن يبعثك ربك مقاماً محمودا } وقال : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } قال ابن عباس : هو الشفاعة لأمته . وقاله غيره من السلف .
ثم ساق أحاديث في هذا المعنى . ثم قال : فإذا كان هذا قول الله تعالى ، فما ظنك به  وهو أجود بالخير من الريح المرسلة ؟ وقال  في حق المنافقين : ( لو أعلم أني لو زدت على السبعين لغفر لزدت ) كما عند البخاري ، واستغفاره شفاعته لأمته قد أخبر أنه في البرزخ إذا عرضت عليه أعمال أمته يستغفر لمن رأى في عمله شـراً ، وهل استغفاره إلا شفاعته ؟ ثم ذكر حديث أنس وأنه  يخرج من النار حتى لا يبقي إلا من حبسه القرآن .
والجواب أن يقال : قد أجاب شيخنا رحمه الله عن هذه المسألة في كشف الشبهات .
قال رحمه الله : فإن قال ـ يعني المشرك الذي يدعو الصالحين ـ إن الله أعطاه الشفاعة ، وأنا أطلبه مما أعطاه الله ، فقل له : أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن دعائه وساق رحمه الله من الآيات ما يستدل به على تحريم دعاء الأنبياء وغيرهم .
وهذا هو جوابنا عما احتج به المعترض هنا وهو الجواب السديد . وقد وكل الله بما يقضيه ويقدره من الموت والحياة وإنزال المطر وإنبات النبات وحفظ بني آدم وغير ذلك ملائكة يدبرون ذلك . ويباشرونه بحكمته ، ودعائهم مع ذلك مجمع على تحريمه وأنه من الشرك الأكبر فأي فرق بين هذا وهذا لو كانوا يعلمون ؟ .
ثم قد تقدم أن الشفاعة التي ظنها المشركون حاصلة بدعاء الأنبياء والصالحين قد نفاها القرآن ، وأخبر تعالى أنها بيده وملكه كما أن له ملك السماوات والأرض ، وأن الشفاعة المثبتة في مثل هذه الأحاديث لم يفهمها هؤلاء الجهال ، ولم يعرفوا حقيقتها ، فهم في عماية الجهالة ، وأودية الضلالة ، لا تميز عندهم بين النوعين ، ولا فرق بين القسمين . ولو عرف هذا أن جمهور المشركين يحتجون بالشفاعة والجاه على شركهم ، ويقررون ما للملائكة والأنبياء والصالحين من الجاه والمنزلة والشفاعة لعرف أنه إلى الآن في سلكهم وعلى طريقتهم في هذا البحث . وكثير من المباحث التي هي أصل دينهم وقاعدته . وأي مسلم أنكر أن النبي  يشفع غير المعتزلة والخوارج ؟ فإنهم أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر . وهل قال شيخنا رحمه الله حرفا يدل على هذا ؟ والنزاع معكم في التوجه إلى غير الله وسؤال ما لا يطلب الا من الله ولا يقصد له سواه .
وهذا الكلام مغالطة وحيده عن المقصود فهات دليلا شرعيا على أن الشفاعة أو غيرها تطلب من الأموات والغائبين ، كالأنبياء والملائكة والصالحين ؟ ودع عنك الآثار الموضوعة والحكايات المكذوبه ، والنقل عمن لا يحتج به وأبرز لأهل العلم والإيمان إن كنت من أهل التحقيق والعرفان ودع عنك التلبيس والروغان .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:17 PM
وما يجري في ذلك اليوم من الهول والكرب والشدة وفرار المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، كل هذا مما يوجب التوحيد والالتجاء الى الله ، والاعتصام بحبله والتوكل عليه ، والتوسل إليه بالإيمان به وبرسله وبما شرعه من الأعمال الصالحة .
قال بعض السلف : أن ملكا بيده الدنيا والآخرة يكفيك هذا كله إذا عاملته .
وليس فيه ما يدل على الالتجاء إلى رسول الله  وطلب النجدة والآخذ باليد منه .
فتقريرك وكلامك في هذا البحث معاكسة لهذا أي معاكسة ، ومشاقة لله ورسوله واتباع لغير سبيل المؤمنين . فما أنت والاحتجاج والفهم عن الله ورسوله .
فأعط القوس باريها * ودع العيس وحاديها
وأما الاستدلال بجوده  على أنه ينقذ ويجيب من دعاه وقصده من دون الله فهذا من نوادر هؤلاء الجهال الذين لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ، ولم يقم بقلوبهم من وقار الله وعظمته ما يمنع من الإشراك به ومن طلب العباد ما يختص به من المطالب العالية التي لا يملكها سواه .
وأما قوله : قد أخبر أنه في البرزخ إذا عرضت عليه أعمال أمته يتسغفر لمن رأى في عمله شرا . فقد تقدم ما في هذه العبارة من الجهالة .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:17 PM
فصل

ثم ذكر المعترض أحاديث في الشفاعة ولكنه حرفها وساقها سياق أجنبي لا يعرف البضاعة .
وحاصلها إثبات شفاعته ، وأنه  أول شافع ، ثم قال : وقول البوصيري كقول سواد بن قارب :
وإنك أدنى المـرسلـين وسيلة * إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة * سواك بمغن عن سواد بن قارب
وكل هذا ليس فيه حجة لأن النزاع في غيره .
وأما الشفاعة فلم تنكر وقول سواد بن قارب هذا من جنس طلب دعائه واستغفاره  في حياته ، والنزاع ليس في ذلك ، والمطلوب هنا دعاؤه الذي يستطيعه كل أحد ممن ترجى إجابة دعائه ، ويجوز التماس الدعاء منه وقد قال النبي  لعمر : ( لا تنسنا يا أخي من دعائك ) وهذا باب واسع .
وأما عرض الأعمال فقد تقدم أنه لا يبيح الدعاء والطلب ، وعلى أبوي الإنسان يعرض سعيه كما قد روي ولا يجوز له دعاؤهما في حياته وملماته ثم استدل المعترض بقوله تعالى : { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } قال : ونبينا أفضل أهل السماوات والأرض فقد ملك الشفاعة .
والجواب أن يقال : هذا المعترض أورد الآية على غير وجهها بل حرفها وقال : لا يملكون الشفاعة . فهو من أجهل خلق الله بالتلاوة ومثله لا يجوز له أن يورد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية . لأنه لا يحسن النقل ولا يعرف التلاوة ، بل هو في غاية الغباوة والجهالة .
ثم يقال : هذه الآية لأهل العلم والتأويل فيها قولان .
أحدهما : أن المستثنى من تقع عليه الشفاعة ويشفع فيه الشافعون ، فهو استثناء من محذوف دل عليه السياق والتقدير : لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحد الا من شهد بالحق .
والقول الثاني : أن الاستثناء واقع على الشافعين الذين يملكون الشفاعة . فالاستثناء من الموصول الذي هو الفاعل . وعلى كل فليس المراد الملك المتعارف بين أهل الدنيا بل المراد حصول ذلك ووقوعه وتمكينهم منه ، وذلك مقيد بالإذن والرضى عن المشفوع فيه ، فليس من جنس الأملاك الدنيوية . ثم العبد كل العبد لايتصرف في ملكه إلا بما يحب الرب ويرضاه من التصرفات ، فأين محبته تعالى وأذنه ورضاه في الشفاعة لمن يدعو غيره ، ويلوذ بسواه ويعتمد على الشفعاء ويعدهم لشدائده وكرباته ؟ .
واحتج المعترض بما في بعض الأحاديث من قوله  : ( والمفاتيح يومئذ بيدي ) .
وأظن هذا الغبي يظن أن الملك والتدبير والسعادة والشقاوة والعذاب والنعيم ، كل هذا بيده  لقد أبعد المرمى وكذب بقوله تعالى : { وما أدراك ما يوم الدين . ثم ما أدراك ما يوم الدين . يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } وقوله : { الملك يومئذ الحق للرحمن } وقوله تعالى : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } وقوله : { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا . يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا . يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما } فالمعترض لم يعرف معنى هذا كله ، ولم يدر ما سبق له فخبط خبط عشواء ، ورتع في مجهلة ظلماء .
واحتج المعترض بحديث العباس في أبي طالب وقول نـبي الله  : ( وجدته في غمرات من النار ، فأخرجته إلي ضحضاح من النار ) وزعم المعترض أن هذا يفيد أنه ملك الشفاعة ، ويتصرف فيها بملكه لها .كما تتصرف الملاك في أملاكهم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:24 PM
وفي التحقيق يرجع قول هذا المعترض إلى ما ذهب إليه غلاة القبوريين من أن الأولياء قـد أعطوا التصرف والتدبير ، ووكل ذلك إليهم ، والشافع لا ملك له ، لكن ما دل عليه الكتاب والسنة من أنه لا يشفع إلا بإذن الله فيمن رضي الله قوله وعمله ، وأراد الله رحمته ونجاته . فهي مقيدة بالإذن والرضى ، ليست كما فهمه هذا الغبي وأمثاله من أن الشفعاء يتصرفون تصرف الملاك بمشيئتهم وإرادتهم . وكذا كل ما ساقه من أحاديث الشفاعة مستدلا به لا يفيد ما ذهب إليه المعترض .
وأما استدلاله بقوله تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } فهو من الأدلة على جهله بمعنى الآية وما سيقت له . والآية عامة للعالمين ليست خاصة بالمسلمين . وقد قال تعالى فيمن لم يستجب لرسله ، ولم يلتفت إلى مـا جاءوا به من الإيمان والهدى : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } وقال : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } .
ثم قال المعترض : فإذا كان هذا فعله مع أبي طالب ونصرته لقرابته حمية وقد نالته شفاعته ، فكيف بغيره من أمته وأهل بيته التي أزواجه أمهاتهم وهو بمنزلة الوالد لهم ، وهو فرطهم وسلفهم ، وهو  ومن أرسله إليهم أرأف بهم من الوالدة بولدها ، وهو  أحب إليهم من أنفسهم وهم يرجون شفاعته  التي هي فضل الله وكرامته . لأنه تبارك وتعالى أعطاه إياها لهم . فما بالهم لا يسألونه من عطائه لهم ؟ وقد قال  كما صح ذلك عنه : أترونها للمتقين ؟ بل هي للمذنبين المخلطين المتلوثين . إذ ليسوا كالكفار الذين أخبر الله عنهم ، أنها لا تنفعهم شفاعة الشافعين . فما فائدة الكرامة إذا لم يسأل صاحبها منها ويطلب ، وإذا منع من ذلك فلا كرامة ولا شفاعة ولا فضل لصاحبها ولا تفضل ، وهو أعلم بأمته  مثلوا له في حياته كما صح ذلك وتعرض إليه أعمالهم بعد وفاته ، ويعرف المستحق من غيره . انتهى . هذا كلامه بحروفه . وفيه من العبر والأدلة على جهله ما يكفي المؤمن في معرفة ضلاله وخلطه .
وحاصل هذا الكلام : أن النبي  يعلم حال أمته فردا فردا مطيعها وعاصيها مؤمنها وكافرها ، وأنه أعطي الشفاعة كما يعطى أحد الناس ما يملكه ، ويتصرف فيه بمشيئته وإرادته ، والنبي  يدعى لذلك ويسأل كما يسأل سائر الملاك ، وأنه إذ لم يسأل فلا كرامة له ولا شفاعة ولا فضل ولا تفضل . هذا حاصل كلام المعترض ، وهو بكلام الجاهلية الأولى أشبه منه بكلام أهل العلم والهدى .
وقد دل القرآن والسنة وإجماع علماء الأمة على أن الشفاعة بيده سبحانه ، ملكا له خاصة ، لا يتقدم أحد فيها إلا بأذنه ، ولا تنال إلا من رضي قوله وعمله من أهل الايمان والتوحيد ، والأحاديث صريحة في أنه  لا يشفع ابتداء ، وأنه يحد له حد ويعين له من أراد الله رحمته ، وإكرام نبيه بالشفاعة فيه فهو عبد مأمور مدبر لا مالك متصرف .
وقوله تعالى : { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } وقوله : { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً } قد تقدم الجواب عنه . وبعض المفسرين قرر أن الاستثناء منقطع ليس فيه إثبات للملك ، فهو بمعنى الاستدراك من مضمون الجملة ، ويدل على هذا نصوص الكتاب والسنة .
قال شيخ الإسلام : وقوله تعالى : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } فيه قولان ، قيل : هو استثناء متصل ، وأنه يملك من ذلك ما ملكه الله إياه ، وقيل : هو منقطع ، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا بحال . فقوله { إلا ما شاء الله } استثناء منقطع : أي لكن يكون من ذلك ما شاء الله ، كقول الخليل : { ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا } أي لا أخاف أن تفعلوا شيئا ، لكن إن شاء ربي شيئا كان ، وإلا لم يكن ، وإلا فهم لا يفعلون شيئا . وكذلك قوله : { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } ثم قال

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:26 PM
{ إلا من شهد بالحق } فتنفعه الشهادة كقوله : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } وقال تعالى : { قل لله الشفاعة جميعا } وبسط هذا له موضع آخر انتهى .
وقـد ثبت أنه  قال : ( يؤخذ بأناس من أمتي ذات الشمال فأقول . أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) .
وقد تكلم بعض أهل العلم على هذا الحديث بما يخالف ما قاله هذا المفتري ويرده وقرروا أن فيه ما دل عليه حديث أنس في الشفاعة من أنه  لا يشفع الا بعد الإذن فيمن عين له وحدد وخصص .
وفيه أنه لا يعلم ما يحدث بعده وما يجري في أمته إلا ما إخبر به من بعض الجزئيات والحوادث وأن من قام به سبب يمنع الشفاعة ، كالشرك بالله واتخاذ الأنداد معه فلن تنفعه شفاعة الشافعين .
وفي كلام المعترض من المؤاخذة والجهالات قوله " فإذا كان هذا فعله حمية " وقد صانه الله عن أن تقع أفعاله وشفاعته من باب الحمية ، بل هي من باب الإيمان والطاعة والعبد كل العبد من كانت أفعاله وحركاته لله وبالله . قال تعالى : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له } فهذا الرجل من أجهل الناس بمقام سيد ولد آدم وتحقيقه للتوحيد .
وفي قوله " وأهل بيته التي أزواجه أمهاتهم " لحن فاحش . فإن " التي" للأنثى . كما قال ابن مالك : موصول الأسماء الذي الأنثى التي .
وهذا الغبي لا يفرق بين المذكر والمؤنث ، ومع ذلك يزعم أن الشيخ واتباعه لا يعرفون العربية ، والصواب أن يقال : وأهل بيته الذين .
ومنها ظنه أن النبي  فرط وسلف لعباد القبور الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى ، ولم يعرف معنى الحديث ومن خوطب به .
ومنها قوله : كيف وهو ومن أرسله أرأف بهم من الوالدة بولدها .
فظاهر هذا فيه من سوء الأدب مع الله وعدم الثناء عليه بما اختص به من الرأفة والرحمة والاقتصار على ما شاركه فيه عبده ورسوله ، وتقديم ذكر عبده ورسوله على ذكره تعالى وتقدس في هذا المقام . وهذا لا يصدر إلا من أجلاف الناس وأشدهم غباوة . وكذلك التعبير بالموصول والعدول عن الاسم الأقدس يطلعك على مخبآت جهله ومناقشة هذا تطول .
ومنها قوله : فلا كرامة ولا شفاعة لرسول الله  ولا فضل ولا تفضل إذا لم يدع ويسأل ويطلب .
فالشفاعة التي نفاها القرآن على زعم هذا الرجل يلزم من نفيها نفي الكرامة والفضل والتفضل ، ولا كرامة ولا فضل ولا تفضل إلا بدعائه وقصده من دون الله . وهذا هو مفهوم كل مشرك يرى أن نفي الشفاعة التي نفاها القرآن وأن النهي عن دعاء الأنبياء والصالحين ، والقول بأنهم لا يقصدون ولا يدعون للشفاعة ولا لغيرها من المطالب : تنقص لهم وإبطال لفضلهم وكرامتهم ، وذلك لظنهم أن الفضل والكرامة ليس إلا في قصدهم ودعائهم والتعلق عليهم ، وكونهم مفزعا وملجأ عند الشدائد والمهمات ، ولو عقلوا لعرفوا أن الفضل والكرامة كل الكرامة في عبودية الله والخضوع له ، والدعوة إلى سبيله ، وإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة ، وتحقيق التوحيد وإسلام الوجوه لبارئها وفاطرها وإلهها الحق .
وقد ذكر الله في كتابه عن خواص عباده ما يوجب العلم بأن أفضل الرتب وأجل الكرامات تحقيق العبودية ، وإخلاص العبادة ووصف رسوله بذلك في مقام الإسراء وفي مقام التحدي ، وفي مقام الدعوة ، ومن توهم أن فرق العبادة وتحقيقها وإخلاصها رتبة وفضل لأحد من العباد فهو من أضل الخلق وأجهلهم بالله وبحقه وما يجب له ، ومن أجهل الناس بحق الأنبياء والصالحين وما يجب لهم وما يستحيل .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:27 PM
وقد عفت آثار العلم واشتدت غربة الإسلام حتى خاض في هذه المباحث ، وتصدى للرد على علماء الأمة من لا يعرف حقيقة الإسلام ، ولم يميز بين حق الله وحق عباده وأوليائه من الأنام .
ثم ذكر المعترض بعد هذا أنه روى البردة والهمزية واتصل سنده بهما إلى الناظم ، وذكر أنه رواها عن محمد بن سلوم ، ولا يستبعد ذلك على ابن سلوم . وذكر أنه رواها عن أحمد بن رشيد الحنبلي ، وهذا بعيد جداً . ودعوى هذا المعترض لا تسمع ، ولا يلتفت إليها . لأن شهادة الحال وما يعرف من دين الشيخ أحمد بن رشيد يخالف هذا اللهم إلا أن يكون قبل أن يفتح عليه ويدخل فيما دعا إليه شيخنا من التوحيد وإفراد الله بالعبادة .
ثم ساق سند ابن فيروز في روايتها وزعم أن بعض الحنابلة رواها وسمعها . ثم جعل أهل روايتها هم أهل الصراط المستقيم ، وهم القدوة الذين لا تصح صلاة أحد إلا بطلب الهداية لطريقهم ، وهم الذين استشهد الله بهم على وحدانيته بقوله : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم } قال حتى قوله : { إن الدين عند الله الإسلام } على قراءة الفتح من الهمزة وهم الذين قال فيهم نبينا  : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) .
ثم قال : أفهولاء الضالون وهذا الرجل الذي خالفهم المهتدي ؟ وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا تجتمع على ضلالة .
والجواب أن يقال : ليس فيما ذكر المعترض من رواية بعض الناس للبردة ما يدل على استحسانها ، وأنها حق لا باطل فيه . وقد روى الناس من الأحاديث المكذوبة والحكايات الموضوعة ومقالات الجهمية ، وكتب الاتحادية مالا يخفى ضلاله وبعده عما جاءت به الرسل . فإن كانت الروايات والنقل يدل على الصحة والصواب فلتكن هنا وإلا بطل الاحتجاج برواية من ذكر لهذه المنظومة وتلقيهم لها وما المانع أن يخفى على من ذكر ما فيها وقد خفى على من هو أجل منهم وأفضل بإجماع الأمة أن اتخاذ الأشجار

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:28 PM
للتبرك والعكوف من التأله بغير الله ، فقالوا لنبيهم  : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات انواط . وقد تقدم قول شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس في ابن النعمان وأمثاله من الشعراء وقول بعضهم :
يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر
ينجيكموا من الضرر
وهذا قاله أناس ممن يدعي الإسلام ويرى جواز مثل هذا ، وأنه لا ينافي ما جاءت به الرسل من توحيد الله وإخلاص الدين له ، وأبيات البرده أبلغ وأعظم شركا من هذا الذي ذكره الشيخ .
ثم ما الحجة في طائفة محصورة قليلة لو سلمنا لهذا ما ادعاه من علمهم ؟ وما المانع من أن يغلط العالم ويزل ؟ ثم أي أحد قال بأن فعل بعض الناس يكون حجة في مسائل النزاع ؟ ولو قيل بهذا لمدت الاتحادية ، والحلولية والجهمية والمعتزلة أعناقهم وقالوا : من يروي مقالتنا ويحكيها ويقررها أكثر عددا وأشهر سندا ، ولم يسبق هذا الجاهل إلى الاحتجاج بمثل من روى البرده ، وأي رجل من هؤلاء الذين ذكر ، له قول أو وجه يرجع إليه في جزئيات الأحكام ومسائل الفروع ؟ .
فكيف يحتج به في نسبة علم الغيب إلى النبي  وأن الدنيا والآخرة من جوده ، وأنه لا عياذ ولا ملاذ سواه ، وأنه يدعى ويقصد لذلك ؟ .
وأبلغ من هذا كله أن المعترض جعل أهل روايتها هم أهل الصراط المستقيم ، وهم أهل الهداية المشار إليهم في قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم } وأن الصلاة لا تصح إلا بسؤال الهداية إلى سبيلهم ، يعني سبيل أهل البرده ، وهذه هي الطامة الكبرى ، والقولة الضالة العمياء . أين الأنبياء والمرسلون ، أين الصديقون والشهداء والصالحون ؟ أين من جرد التوحيد لله العزيز المجيد ، ولم يتخذ وليا من دونه ، ولم يجعل له مفزعا وموئلا يرجع إليه في مهماته وحاجاته غير فاطر السماوات والأرض ؟ أين من أخذ بقوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ولم يلتفت إلى غير إلهه السميع المجيب ؟ أي من عض بالنواجذ على ما دل عليه حديث ابن عباس : ( إذا سألت فاسأل الله وذا استعنت فاستعن بالله ) أين من بايع رسـول الله  على ألا يسأل الناس شيئا ؟ أين مـن أخذ بقوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } وبقوله : { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } أين من يقول : ما خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة إلا بالحق ، الذي هو معرفة الله واسلام الوجوه له ، ولتجزى كل نفس بما كسبت ؟ .
سبحان الله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! ما أغلظ حجاب هذا المعترض عن معرفة ما جاءت به الرسل : كأنه من جهال الجاهلية الأولى بل هو من صميمهم ، إذ لم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء .
وأما قوله : وهم الذي استشهد الله بهم ـ إلى آخره ـ .
فهذه المقالة الكاذبة فيها من الكذب والفرية على الله وعلى كتابه ما لا يصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر . أين العلم وأين الهدى في أبيات البردة ومعتقدها ومنشدها ؟ وأين هذا المعترض من معرفة العلم والعلماء ، ومناهج الايمان والهدى ، ونهمته وحرفته دعوة الناس إلى دعاء الصالحين ، والاعتقاد المخالف لأصول الملة والدين . ومن ارتاب في الإسلام ومعرفته كيف يعرف العلم والعلماء ، ويدري مناهج الإيمان والهدى ؟ هذه الشهادة شهادة زور فإن من شهد بما لا يعلم فهو شاهد زور ، وأهل العلم هم الرسل والأنبياء واتباعهم على تحقيق التوحيد ، وإخلاص الدين لله رب العالمين ، الذين عرفوا الله بأفعاله وآياته ، وأخلصوا له العمل والدين بأفعالهم ، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة . واستدلوا بجميع ما شاهدوه أو سمعوه من الآيات والمخلوقات وأنواع الكائنات على وحدانية خالقها ومقدرها ومدبرها وعلى حكمته وعموم قدرته وشمول علمه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:28 PM
وقول المعترض : حتى قوله : { إن الدين عند الله الإسلام } على قراءة الفتح من الهمزة . عبارة جاهل لا يدري ما يقول . فإن الفتحه للهمزة لا من الهمزة وفتحها على قراءة الكسائي ، والقراءة على كسرها ، وقوله  : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) والإشارة فيه إلى ما جاء به  من الكتاب والحكمة وأين هو مما دل عليه قـول الناظم في أبياته السابقة ؟ .
فأهل العلم في الحقيقة كل من عقل عن الله مراده ، وعرف ما جاءت به الرسل من تحقيق التوحيد ووجوب إسلام الوجوه للذي فطر السماوات والأرض ، مع الإقبال على الله والإعراض عن عبادة ما سواه ، والبراءة من الشرك وأهله ، والسير إليه تعالى على منهاج أنبيائه ورسله ، وعبادة الصالحين ، ففي هذا العلم والعمل والمتابعة . وأما الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون فهم من أقل الناس حظا ونصيبا من العلم الذي جاءت به الرسل .
وأما قوله : وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع ولا تجتمع على ضلالة . فإجماع الأمة حجة ولا يكون على ضلالة ، ولكن أي الأمة ؟ أيظن هذا أن الأمة من روى البردة سائر الأمة ؟ وأين من قبل صاحب البردة بنحو ستة قرون ؟ .
أليسوا من الأمة ؟ عافانا الله وإخواننا المسلمين من هذا الهذيان الذي يهدم أصل التوحيد والإيمان .



فصل

قال المعترض : والمقصود أن هؤلاء العلماء الأمناء الأمجاد النقاد من جميع نواحي الإسلام تلقوها ونقلوها ورضوها ولم ينتقدها واحد منهم ، ولا من غيرهم من علماء الأمـة فهل تراهم أجمعوا على إقرار الشرك الأكبر ، المخرج من الملة وما يقوله هذا الرجل ، وأنهم جهلوا كما جهل صاحبها بزعمه ، حتى خرج فأخرج لهم التوحيد كما يزعم في الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة حتى أشفق صديق الأمة وأصحاب رسول الله  منه على ذهاب القرآن حتى قال علي رضي الله عنه أنه ذهب منه آيات منها آية الرجم .
والجواب أن يقال : القول بأن العلماء الأمناء من نواحي الأرض قبلوها ورضوها ولم ينتقدها أحد منهم ، قول باطل : وفرية ظاهرة ، وكذب على أهل العلم والإيمان ، وهذا العدد اليسير الذين ذكرهم في سنده لا يُعرف أحد منهم بالعلم والفقه إلا رجل أو رجلان ، ولهم من الأقوال ما انتقدها عليهم فحول الرجال ، والعصمة لا تدعى ولا تثبت لغير الرسل ، فكيف ينسب إلى جميع العلماء من نواحي الأرض أنهم قبلوها ورضوها ، وجل بضاعة هذا الرجل هو الكذب على الله وعلى رسله وعلي علماء الأمة وساداتها . فمن كانت هذه بضاعته فهو أكثر الناس غبناً ، وأعظهم خسراناً ، وهذا العدد الذي ذكره ليس فيهم من ذكر بالعلم إلا نحو ثلاثة أشخاص من المقلدين الذين لا يرجع إليهم في التصحيح والترجيح ، وما المانع أن يخفى عليهم هذا ، وقد خفى على من هو أجل منهم وأفضل بالاتفاق ؟ .
اللهم إلا أن يقول هذا المعترض بعصمة من روى هذا النظم كما قالت ذلك غلاة الرافضة والإسماعيلية في أئمتهم الاثني عشر ، وقد مر أن شيخ الإسلام ابن تيمية انتقد على من هو أجل من صاحب البردة كابن النعمان ما هو دون ما في هذه الأبيات .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:29 PM
ثم ما يدري هذا المغفل أن الأئمة لم ينتقدوها ولم يردوها أيكون الجهل وعدم العلم دليلا في موارد النزاع ؟ وما المانع من أن يكون علماء الأمة أنكروا ما فيها من الغلو والإطراء بل لا مانع من أن يكون رواتها قد أنكر ما فيها حذاقهم ، وأهل البصيرة منهم ، وقد يروي الرجل بعض الأحاديث والأخبار ويتعقبها مع ذلك ويذكر ما فيها ، وينبغي إحسان الظن بأهل العلم وحملهم في ذلك على أحسن المحامل وأكمل الوجوه .
وأما تعريضه بذكر الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة حتى أشفق صديق الأمة على ذهاب القرآن .
فيقال : قد سفكت دماء أناس من أصحاب رسول الله  في كثير من البقاع التي وقع فيها القتال كأحد وحنين وبدر والشام والعراق ، ودمائهم أصيبت في الله ولله وأشرف البقاع ما اشتمل على أجسادهم ودمائهم ولا يؤثر ذلك في الأرض إلا طيباً وتطهيراً ، وقد صح الحديث : ( أن الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يسيل دما اللون لون الدم والريح ريح المسك ) وأما من بعدهم ممن سكن تلك الأرض فالأرض لا تطهر ولا تقدس أحداً ، كما قال سلمان لما كتب إليه أبو الدرداء أن يقدم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه : أن الأرض لا تقدس أحداً . وكذلك الأرض لا تؤثر في الإضلال والشقاوة قد سكن الحرمين والأرض المقدسة من هو أضل خلق الله وأكفرهم وأشدهم عداوة لله ، بل سكن الأرض المقدسة من قتل الأنبياء وعبد العجل ، وفعل ما قص الله عن بني إسرائيل ولم تزل مقدسة مع ذلك تبعث فيها الأنبياء وتسكنها ، ومصر دار الفراعنة والجبارين قد فتحت زمن عمر وبنيت فيها المساجد وسكنها الصحابة والتابعون وجملة من أكابر العلماء كالليث بن سعد ومحمد بن إدريس ، وأكابر أصحابه ، وأشهب صاحب مالك ، وخلق لا يحصيهم إلا الله من أهل العلم والدين ، ولم يقل أحد منهم : هذه دار فرعون الذي قتل بني إسرائيل وكذب الرسل ، وادعى الربوبية ، واتبعه قومه على ذلك ، وما من حرم للمسلمين ولا بلدة من بلادهم ومساكن الأنبياء إلا وقد وقع فيها من الكفر والفسوق والقتال ما هو مشهور .
ولا يعيب المسلمين ويتنقص المؤمنين بمن سكن ديارهم من الفراعنة الجبارين والكفرة الماضين إلا من هو معدود من جملة الحمقى الضالين ، وما أحسن ما قيل :
العلم للرجـل اللبيب زيادة * ونقيصـة للأحمق الطياش
مثل النهار يزيد إبصار الورى * نوراً ، ويعمي أعين الخفاش

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:29 PM
فصل

قال المعترض : وقد امتنع رسول الله  عن الدعاء لها لما دعا للشام ولليمن والمدينة ، لما علم بعلم الله مـا يحـدث فيها ومنها ، وقال فيها : ( أولئك منها الزلازل والفتن ، ومنها يظهر قرن الشيطان ) ثم ذكر مسيلمة وقوله : يا ضفدع بنت ضفدعين . وأطال الكلام السمج الذي يتنزه العاقل عن حكايته .
ثم قال : وقد نصت العرب أن لغة أهل اليمامة أرك اللغات ، فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة ، وقال فيهم الصديق رضي الله عنه : لا يزالون في فتنة من كذابهم . وقد وجد منهم بالكوفة مائة وستون رجلا يقرأون كلام مسيلمة ، فأتي بهم لابن مسعود وقتل إمامهم وفرقهم في القبائل ، وأجلى من أجلى منهم إلى الشام .
ثم قال : ومن أين يظهر لهؤلاء البيان ولم يميزوا بين القرآن وسجع الشيطان ، بل أجملوا على ذلك ، ولم يتنبه منهم اثنان فصار بذلك موضعهم قابلا للبهتان وزخارف الهذيان ، ومن أنكر عليهم من أهل نجد وعلمائهم قتلوه ونهبوه . فصح بهذا أنهم من الذين وصفهم رسول الله  : ( بأنهم سفهاء الأحلام ) الحديث .
والجواب أن يقال : أما اليمن والشام فقد ثبت في الحديث أنه  دعـا بالبركة فيهما ، ولا يلزم من هذا تفضيلهما على سائر البلاد الإسلامية . وقد دعا لأناس من أصحابه  وغيرهم من السابقين الأولين أفضل منهم عند كافة المسلمين . ومكة أخرج منها النبي  وعبدت فيها الأصنام ، وعلق على الكعبة من ذلك ، ووضع عليها ما لم يوضع في بيت المقدس ولا غيره من مساجد المسلمين ، ومكة أفضل البلاد ومسجدها أفضل المساجد علىالاطلاق .
وأما قوله  لما قيل له : وفي نجدنا : ( ههنا موضع الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان ) فالمقصود بها نجد العراق وشرق المدينة . وقد ورد ذلك صريحا في حديث ابن عمر ونص عليه الخطابي وغيره ، وقد ترك الدعاء للعراق جملة بل وذمها .
وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي  قال : ( دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته ، ثم دخل الشام فطردوه ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عليها عبقريه ) ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد فيها وأكابر أهل الحديث وفقهاء الأمة وأهل الجرح والتعديل أكثرهم من أهل العراق وإمام السنة أحمد بن حنبل وشيخ الطريقة الجنيد بن محمد وعلم الزهاد الحسن وابن سيرين ، وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري وأصحابه ، واسحق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد ابن إسماعيل ، ومسلم بن الحجاج ، وأبو داود وأصحاب السنن ، وأصحاب الدواوين الإسلامية . كلهم عراقيو الدار مولدا وسكنى ، والليث بن سعد ، ومحمد بن إدريس وأشهب ، ومن قبل هؤلاء كلهم سكن العراق ومصر جملة من أكابر أصحاب رسول الله  ومن التابعين بعدهم .
ومن عاب الساكن بالسكنى والإقامة في مثل تلك البلاد فقد عاب جمهور الأمة وسبهم وآذاهم بغير ما اكتسبوا وقد داول الله الأيام بين البقاع والبلاد ، كما داولها بين الناس والعباد قال تعالى : { وتلك الأيام نداولها بين الناس } وكم من بلد فتحت وصارت من خير بلاد المسلمين بعد أن كانت في أيدي الفراعنة والمشركين ، والفلاسفة والصابئين ، والكفرة من المجوس والكتابيين ، بل الخربة التي كانت بها قبور المشركين صارت مسجداً هو أفضل مساجد المسلمين بعد المسجد الحرام ، ودفن بها أفضل المرسلين وسادات المؤمنين .
ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين . وطرد هذا القول جراءة على النبيين وأكابر المؤمنين .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:30 PM
وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه ، ولا يدري ، وقد قال لي بعض الأزهريين : مسيلمة الكذاب من خير نجدكم . فقلت : وفرعون اللعين رئيس مصركم فبهت . وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو كانوا يعلمون ؟ .
وأما قوله في كلام مسيلمة " يا ضفدع بنت ضفدعيين " فإن كان هذا ينسبه إلينا ويرى أننا آمنا بكلام مسيلمة فهو لا يفرق بين دين محمد ابن عبد الله الرسول الصادق الأمين ودين مسيلمة الكذاب المهين . وإن كان هذا المعترض يعلم أننا كفرنا بمسيلمة وآمنا بالله ورسوله فما وجه ذكر مسيلمة وكذبه ؟ لولا الحماقة والسفاهة ، والجهالة والوقاحة ؟ .
وقد تقدم أن طرد هذا الكلام يوجب ذم كل من سكن بلدة من بلاد المسلمين التي سكنها قبله أعيان المشركين ، ورؤوس الكافرين . فأي أحد يبقى لو طرد هذا ؟ وقد قال  : ( لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله رجال من فارس ) مع أن بلادهم من شر البلاد ، عبدت فيها الأوثان والنيران ، وكفر فيها بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن .
وكذلك ما ذكر من قصتهم مع ما فيها من الكذب إنما هو مجرد تمويه وهذيان ليس من محل النزاع في شيء .
وأما قوله : وقد نصت العرب وصح عنها بأجمعها أن لغة أهل اليمامة أرك اللغات قال : فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة وقد أثبت فيهم النبي  الجفا . وقال الصديق رضي الله عنه فيهم : لا يزالون في فتنة من كذابهم . وهو رضي الله عنه صادق الفراسة وبعد هذا وجد منهم مائة وستون رجلا بمسجدهم بالكوفة يقرؤون كلام مسيلمة الكذاب فأتى بهم لابن مسعود وهو عليها هو وعمار أمير فقتل إمامهم ابن النواحه وفرقهم في القبائل وأجلى من أجلى منهم إلى الشام .
والجواب أن يقال لهذا الغبي : إن شيخنا رحمه الله تعالى من رؤوس تميم وأعيانهم ، وليس من بني حنيفة ، وتميم قبل الإسلام وبعده هم رؤوس نجد وسادته ، ولغتهم أفصح اللغات وأفضلها بعد لغة قريش ، ولا يذكر مع لغة قريش ، غالبا إلا لغة تميم كما يذكره النحاة وغيرهم . وهم ممن قاتل بني حنيفة مع خالد وأبلوا بلاء حسناً . وأقطع خالد بن الوليد أفخاذاً منهم أودية معروفة بنجد من اليمامة وغيرها . فلو فرضنا أن بني حنيفة فيهم ما ذكر من جهة لغتهم وعدم فصاحتهم . فأين الشيخ منهم ؟ وسكنى الدار لا تؤثر . فإن الصحابة سكنوا مصر وبلاد الفرس ، وفضلهم لا يزال في مزيد ، وإيمانهم قهر أهل الكفر والشرك والتنديد ، وعادت تلك البقاع والأماكن من أفضل مساكن أهل التوحيد .
وأما قوله : إن العرب نصت على أن لغة أهل اليمامة أرك اللغات فأين تأتي لهم الفصاحة ؟ .
فبنو حنيفة من أعيان العرب ورؤوسهم ، ولغتهم من أفصـح اللغات ، ولا أصل لقول هذا المعترض . ما قال أحد بعيب لغتهم وذمها .
وقوله : نصت العرب : دليل على كذبه وجهله بمعاني الكلام . فإن العرب يدخل فيهم من ليس بأعجمي النسب واللسان . فيقع على من سكن الجزيرة بأجمعها إلى حدود مصر والشام ، ومن ساحل اليمن إلى ساحل العراق وأين نص هؤلاء ؟ ومن الذي قاله منهم ؟ وهذا أبلغ من حكاية الإجماع .
وأما قوله : فأين تأتي لهم الفصاحة ؟ .
فهذا تركيب ركيك . فإن ( أتى يأتي ) يتعدى بنفسه فالركيك تركيب المعترض وكلامه .
وقوله : وقد أثبت فيهم النبي  الجفا .
فيقال : عيب بني حنيفة أكبر من الجفاء وأغلظ . وأما الجفاء فلم يرد فيهم لفظة واحـدة . وإنما ورد في أهل الوبر والشعر . كقوله  : ( الغلظة في الفدادين أهل الوبر والشعر ) وقال تعالى : { الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله . والله عليم حكيم } ومع هذا فقد أثنى الله تعالى على من آمن بالله واليوم الآخر منهم واستثناهم من العموم . قال تعالى : { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول } فمن آمن بالله ورسوله وكـذب مسيلمة ولم يؤمن به فهو من المؤمنين . وقد : { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } .
وأما قول الصديق فالمراد به من آمن بمسيلمة وأدركه منهم ، كما وقع من ابن النواحه . وأما من بعدهم من نسلهم وذراريهم المؤمنين فلا يتوجه إليهم ذم ولا عيب . والصديق أجل من أن يعيب من لم يؤمن بمسيلمة ولم يشهد عصره ، وآباء أصحاب رسول الله  وأسلافهم كانوا على جاهلية وشرك وعبادة للأصنام والأحجار ، وغيرها . ولا يتوجه عيب أحد منهم بأسلافه . وقد يخرج الله من أصلاب المشركين والكفار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه . ولما استأذن ملك الجبال رسول الله  أن يطبق عليهم الاخشبين ـ لما رجمه أهل الطائف ـ ودعا بدعائه المشهور وهو قوله : ( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي ، وهواني على الناس . أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أو إلى قريب ملكته أمـري ؟ إن لم يكن بك سخط علي فلا أبالي . غير أن عافيتك هي أوسع لي . لك العتبى حتى ترضى أعوذ بنور وجهك أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ) فاستأذنه الملك عند ذلك أن يطبق عليهم الاخشبين . فقال : ( بل أتأنى بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً ) .
إذا عرفت هذا فشيخنا ليس من بني حنيفة أصلا . والقصد بيان كلام الصديق وما أريد به .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:31 PM
وأما قوله : وقد وجد منهم مائة وستون رجلا بمسجدهم بالكوفة يقرؤون كلام مسيلمة .
فهذا كذب . القصة ليست كذلك ، بل هم بضعة عشر رجلا . لم يقرأوا قرآنه وإنما تكلموا في نبوتة وجوزوها . وهذا الرجل بضاعته الكذب على الله وعلى خلقه فنعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء .
ثم لو فرض أن من بني حنيفة عالماً يدعو إلى الله فما وجه عيبه وذمه بقومه ، وقد خالفهم في الإيمان والدين ؟ وسلمان الفارسي وصهيب الرومي ، وبلال بن رباح رضي الله عنهم من أفضل الناس . وأسلافهم من شر الناس بل والرسل أفضل الخلق وأكرمهم على الله والمكذبون لهم من قومهم أكثر من المستجيبين . وابن نوح على أبيه السلام لم ينتفع بإيمان أبيه ورسالته . ولم ينل بذلك ما يوجب سعادته وفلاحه . وهذا المعترض جاهلي الدين والمعرفة والمذهب .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:32 PM
فصل

قال المعترض : فصار بذلك موضعهم قابلا للبهتان إلى هذا الزمان . ومن أنكر عليهم من أهل نجد قتلوه ونهبوه والباقي أجلوه . فصح بهذا أنهم من الذين وصفهم رسول الله  بأنهم سفهاء الأحلام .
والجواب أن يقال : هذا كذب على رسول الله  لم يصف أهل نجد وأهل اليمامة بهذا ، ولا دخل في وصفه من يؤمن بالله ورسوله منهم ولا من غيرهم ، بل الموصوف بإجماع المسلمين هم الحرورية الخارجون على علي رضي الله عنه الذين قاتلهم علي بالكوفة والبصرة وما يليها ، وفيهم من بني يشكر ومن طي وتميم وغيرهم من قبائل العرب ، ودارهم ومسكنهم بالعراق . ولا يختلف في هذا . فدارهم دار أشياخك ومحل إقامتك الذي نشأت به ، وأثنيت على أهله ، وهي دار سفهاء الأحلام بنص الحديث وبإجماع الأمـة . ودولتهم وشوكتهم كانت هناك دون النهر ، ولذلك نسبوا إليها فقيل : أهل النهروان . وحروراء هناك بلدة نسبوا إليها فقيل : الحرورية . فأين في الحديث أن أهل اليمامة منهم ؟ ما أقبح الكذب ، وما أعظم خزي مبديه وفي هجنة كلام المعترض واستقباح مذهبه ما يقضي بسفاهة رأيه وعظيم عطبه .
ما يبلغ الأعداء من جاهل * ما يبلغ الجاهل من نفسه
ثم في زعمه أن الموضع قابل للبهتان إن قصد به المحل كما هو ظاهر عبارته . فقد سب الأرض ، والموضع المطيع لله الشاهد بوحدانيته بما أودع فيه من الآيات ، وذرأ من البريات . وهو انتقال من مسبة الساكن إلى مسبة المسكن . وأن أراد أهله وسكانه ففيه عيب كل مسلم ووصفه بقبول البهتان والشك من عهد مسيلمة إلى هذا الزمان . فسبحان الله الذي طبع على قلبه ، وحال بينه وبين العلم والفهم .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:32 PM
فصل

قال المعترض : ومع ما ذكرناه جعل هذا الرجل مواضع دعوته  ومنبع النبوات بلاد كفر لا يجوز السفر إليها ومن جاءه منها راغباً لدنياه سماه مهاجراً . قد صح عنه  في الصحيح : ( أن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ) وأنها آخـر بلاد المسلمين خراباً في آخر الزمان . فصح أن الإسلام ملازم لها . وأرشد  إلى الشام أيام الفتن وأنها عقر الإسلام ومعقل الإيمان . ومع ذلك صوب هذا الرجل نفسه على خطأه وخطأ علماء الأمة وكفرهم بخطأه وقد قدمنا استشهاد الله تعالى بهم وما رواه ابن عدي والبيهقي عنه  أنه قال : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) .
والجواب أن يقال : قد تقدم أن هذه الدعوى التي ادعاها المعترض على شيخنا من جعله الحرمين بلاد كفر دعوى كاذبة ضالة . وأن الشيخ رحمه الله تعالى من أعلم الناس وأعدلهم في قوله وفعله ، على منهاج مستقيم . ولا يمكن أحد إثبات هذه الدعوى وتصحيحها بوجه من الوجوه والكلام في هذه المواضع يجب أن يكون بعلم وعدل . ومن فقد ذلك فقد ضل عن سواء السبيل وأضل .
وأما قوله  : ( الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ) فرسول الله  الصادق المصدوق والذي لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى والشأن كل الشأن في الفقه عن الله ورسوله ومعرفة مواقع خطابه .
وأما الكلام في هذه المباحث من الأغمار والجهال الذين لا عناية لهم بمعاني الكتاب والسنة ، ولا دراية لهـم بتقارير علماء الأمة فالمحنة بهم عظيمة ، وطريقتهم غير عادلة ولا مستقيمة . ليس في الحديث ما يفيد أنه لا يتعداها إلي غيرها من البلاد والمواضع ، وليس فيه مما يفيد إيمان جميع من سكنها واستوطنها . وقد وجد في زمانه من أهل النفاق كثير في المدينة ، وسكنها بعده  كثير من أهل البدع والمارقين . وفي هذه الأزمان جمهور أهل العوالي وما يليها رافضة من غلاة الرافضة ، وكلامهم في أصحاب رسول الله  ومسبتهم لأم المؤمنين معروفة مشهورة ، والحكم الكلي الأغلبي لا يلزم اطراده .
ثم يقال لهـذا الغـبي : أخبرنا مـا الفرق بين هذا وبين قوله  : ( الإيمان يمان والحكمة يمانية ) ؟ إن قلت إن الإيمان لا يفارق اليمن في كل وقت وزمان ، ورد عليك الأسود العنسي وأمثاله من المرتدين والمارقين في كل وقت وحين .
وقوله : وأرشدهم  إلى الشام أيام الفتن إلى آخره .
فيقال له : إذا كان الشام عقر الإسلام ومعقل الإيمان فهذا من الأدلة على أن الإسلام والإيمان لا تختص به المدينة ولا غيرها من البلاد الإسلامية ، وأن الله يداول الأيام بين البلاد والعباد ، فحيناً تكون الشوكة والدولة الإسلامية بالحجاز والحرمين ، كما كان في عهد النبوة وفي الخلافة الصديقية التيمية والخلافة الفاروقية العدوية والخلافة الأموية والخلافة العلوية ، وحيناً في الشام كالولاية المروانية ، وحينا في العراق كالدولة العباسية وحينا في غيرها من البلاد ، كما يشهد بذلك الواقع . فإن الإفرنج ملكوا بيت المقدس واستولوا على خير بلاد الشام وأفضلها دهراً طويلاً حتى استنقذها من أيديهم الملك الصالح من السلاطين الأكراد المصرية . واستولى على ساحل الشام طوائف من النصارى بعد ما سبق فيه من القوة والصولة الإسلامية ، ثم استحال جبل النصيرية إلى الإسماعيلية والكفر العظيم والغلو في أئمتهم وترك التزام أحكام الإسلام . وبهذا تعرف أن العموم مخصوص ، والإطلاق مقيد ، والعبرة بالغالب الأكثر . وجاء عنه  أن الإيمان يكون بالشام حين تكون الفتن .
وأما حديث : ( يحمل هذا العلم من كل حلف عدوله ) فقد ثبت وصح عن أحمد وغيره من الأئمة أن المراد به علم الحديث المشتمل على بيان الكتاب وتفسيره وتقرير الأحكام الدينية الأصولية والفروعية . وهذا بحمد الله لنا لا علينا . فإن شيخنا قد شهد له

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:33 PM
الجم الغفير والخلق الكثير بأنه من حملة هذا العلم . ومن أئمته المقتدى بهم فيه ولولا خشية الإطالة لبسطنا القول في ذلك . وفيما كتبناه كفاية .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:34 PM
فصل

قال المعترض : وقد أجمعت الأمة أنها لا تجمع على ضلالة . وهذا يقول : اجتمعت وأجمعت . فهذه البردة لها قدر ستمائة سنة تداولها علماء الأمة وتشرحها هي والهمزية . ويتهادون شرحها بينهم بغالي الأثمان . وأبلغ من هذا كتبها بماء الذهب دائر الحجرة الشريفة . فلما دخل هؤلاء المدينة المنورة أيام توليهم عليها أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك . فلزقوا عليها الورق .
ولست أحكي هذا عن غيري فهل أنكرها عالم من علماء المسلمين ، وما من علماء الأمة إلا من شاء الله من لا دخل المدينة المنورة ورآها وليست خفية ، بل هي أشهر من ( قفا نبك ) وقد علم الله من حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم : أليس هم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت ؟ وقد أخبر الله أنهم : { أحياء عند ربهم يرزقون . فرحين بما آتاهم الله من فضله } .
ألم يعلم هذا الرجل أن النبي  في معراجة مر بكليم الرحمن موسى بن عمران وهو يصلي في قبره ومرة كما في الصحيحين من حديث مالك ابن صعصعة رضي الله عنه في السماء السادسة . ونصحه واستنصحه وسلم عليه وعلىالانبياء في السماوات فردوا عليه ورحبوا به . وقد صلى بهم قبل في بيت المقدس من عند الصخرة عليهم أفضل الصلاة والسلام : أفيظنهم هذا الرجل أمواتا في عالم العدم أم يريد أن يمنع عنهم ما أعطاهم الله من الكرامة ، ويقيسهم على نفسه التي تراكمت عليها ظلمات الزيغ والأهواء بعضها فوق بعض ، حيث يرى الحق في صورة الباطل ؟ أو ليس هو  أفضل أولو العزم من الرسل؟ أليس الله قد أعطى من هو دونه في الفضل عيسي بن مريم عليه الصلاة والسلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ؟ أليس هو يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بأذن الله ؟ أفيظن هذا الرجل أن هذه الأمور من عيسى عليه السلام من دون الله ؟ بل قال تعالى : { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } .
والجواب أن يقال : أما قوله : أن الشيخ يقول اجتمعت الأمة واجمعت على ضلالة .
فهذا من أبلغ الكذب وأعظم الإفك والافتراء . وقد نزه الله الشيخ وأمثاله من أهل العلم عن قول الزور وشهادته . وأظن هذا الغبي يشير إلى أن الأمة من روى البردة واستحسنها واعتقدها ، مع أن الشيخ لم يتكلم فيهم ، ولا بحث في حال من رواها وقررها وإنما الكلام في نفس القول الذي اشتمل على الغلو والإطراء ، ولم يتجاوز شيخنا هذا ولم يبلغا عنه حرف في تضليل من قرأها وقد يقرؤها الإنسان ويتصفحها وهو منكر لما يجب إنكاره فيها . ثم لو فرض أن الشيخ ضلل هؤلاء أيقال : هم الأمة ، أين أهل القرون الستة الأول ؟ أين من بعدهم من الأمة إلى عصر الشيخ ؟ وغاية ما عندكم عد رجال قليلين رووها أفتحصر الأمة في هذا العدد اليسير الذي لا يعرف أحد منهم بعلم سوى رجلين أو ثلاثة ، وهم دون نظرائهم ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم . وهل شرحها من الأمة من يعرف له لسان صدق في المسلمين ؟ ما أقبح الفرية وما أشد جنايتها .
وأما كتبها بماء الذهب فمن كتبها ومن وضعها ؟ أهم أهل العلم وسادات الورى ؟ أم الملوك والسلاطين والوزراء إن كان فعلهم حجة فقد وضعوا القباب والمكوس . وبعضهم وضع مهور البغايا . ليت هذا خرس وستر على نفسه هذه الخزية الشنعاء ، والقولة العمياء ما أقبح الحور بعد الكور .
قال رجل من أهل البيت عند ربيعة بن عبد الرحمن : أرأيت إن غلب الجهال حتى صار الأمـر إليهم ، أهم الحكام على السنة ؟ فقال ربيعة : أشهد أن هذا كلام أولاد الأنبياء .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:35 PM
وأما قوله : فلما دخل هؤلاء المدينة المنورة أرادوا حكها فلم يستطيعوا ذلك فألزقوا عليها الورق .
فيقال له : هذا من مناقبهم وأدلة علمهم ، فإن أهل العلم لا يختلفون أن هذا من البدع المنكرة التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة . بل قد ثبت بالكتاب والسنة النهي عن ذلك أشد النهي وقرر الفقهاء المنع من الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها . ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله  ولا خلفائه الراشدين ، ولا أهل القرون المفضلة يفعل ذلك ، لا في حياته ولا بعد مماته بأبي هو وأمي . والخير في أتباع من سلف ، والشر في ابتداع من خلف وما تركه أهل العلم من القرون المفضلة وأئمة الهدى فلا شك في ذمه وإلحاقه بشر المحدثات ، وطرائق أهل الضلالات ، ولولا خوف الإطالة لذكرت من الأدلة والبراهين ما يقضي أن هذا من المحرمات والمنكرات التي تجب إزالتها . ولو خلت عن الإطراء والغلو . فكيف وقد اشتملت من ذلك على الكفر البواح والتكذيب الصارخ لكتاب الله ورسوله ؟ .
وأما رؤية العلماء لها فليست دليلا على إقرارهم والأمر في هذا كان إلى الملوك لا إليهم . وقد تأخر وضعها إلى القرن الحادي عشر الذي عفت آثار العلم فيه ، وقل من يعرفه ويدريه .
وأما قوله : وقد علم الله من حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم . الخ كلامه .
فحاصل هذه الدعوى أن الأنبياء أحياء وأنهم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت وهذا حق لا ريب فيه ، ولا ينازع فيه مسلم ، والأمر ابلغ من ذلك وأرفع ، ولكن هذا لا يدل على صحة دعوى هذا الرجل : من انهم يقصدون للدعاء والاستعانة والاستغاثة ، فإن فضلهم وحياتهم وكرامتهم ونبوتهم ورسالتهم لا تقتضي صرف حق الله إليهم ، وتنزيلهم منزلته تعالى في القصد والدعاء ، والخوف والرجاء والرغبة والرهبة ولا يوجب ذلك صرف الوجوه إليهم بشيء من المطالب والمقاصد التي بيده تعالى ، ومنه عطاؤها وقسمها ومنعها ، وتدبيرها وتيسيرها ، وقد قال تعالى لأكرم خلقه وأفضل رسله : { ليس لك من الأمر شيء } وقال تعالى : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } قال بعض الأفاضل : نزل استعظام موته منزلة جعله إلها ولذلك قال : { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } وقال تعالى : {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشداً } وقال تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } وقد قال لبنته وبضعته : ( يا فاطمة بنت محمد اعملي ، فلن أغني عنك من الله شيئا ) أفيظن هذا الغبي أن الرسالة والنبوة والكرامة والحياة البرزخية أو الدنيوية توجب صرف القلوب إلى غير الله ، وقصد من سواه ، واتخاذ الأنداد والشفعاء من دونه ؟ وقد ذكر الله هذا عن المشركين وقرر كفر فاعله ، وأخبر أنهم : { لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } وقال تعالى : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } فأخبر تعالى أن قصد أنبيائه ورسله بالعبادات والالتفات إليهم بالتألهات اتخاذ لهم أربابا ، وأنه كفر بعد الإسلام .
وشنشنة هذا المعترض بذكر الحياة ونفي الموت عنهم ، وأن عيسى أعطي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ، وأن نبينا أفضل منه ، كل هذا شنشنة حول دعائهم مع الله وأنهم يقصدون لتلك المطالب ، وقد علم أن النزاع بيننا وبينه في دعائهم للشدائد ، ونسبة علم الغيب إليهم ، وأن الدنيا والآخرة من جوده  ومن فيض كرمه ، هذا محل النزاع ، فأخذ الغبي يستدل على ذلك بما لهم من الكرامة والحياة التي هي فوق حياة الشهداء ، وأن عيسى يحي الموتى ونبينا  أفضل منه ، وقصده أنه يدعى لمثل ذلك ، وما هو أبلغ منه ، والنصارى احتجوا على دعاء عيسى وعبادته وإلهيته بهذه الحجج الداحضة وأمثالها . فنعوذ بالله من الخسران .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:35 PM
صار قصارى أمر هذا الرجل وغاية دينه أن يحتج بالمعجزات والكرامات على دعاء غير الله . اللهم يا مقلب القلوب ومصرفها صرف قلوبنا إلى طاعتك وتوحيدك والايمان بك وبرسلك .
وأما قوله : أفيظنهم هذا الرجل أمواتاً .
فعبارة جاهل لا يفرق بين حياة الأنبياء والشهداء بعد الموت ، وحياتهم في الدنيا فظن الغبي أنها هي الحياة الدنيوية ولذلك نفى الموت . والله تعالى يقول : { إنك ميت وانهم ميتون } والحياة البرزخية تجامع الموت ولا تنافيه كحال الشهداء .
وقد تقدم أن هذا الرجل الصق الناس بالجاهلية الأولى ، ولم يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء ، بل ويحاول بظلماتة أن ينقض ما جاء به الأنبياء . ويريد أن يطفئ نور الله والله متم نوره ولو كره هذا الكافر وشيعته الخاسرون .
وأما ما وصف به الشيخ وحكم عليه به من تراكم الزيغ والأهواء ورؤية الحق في صورة الباطل .
فالحكم بينه وبينه في هذا ونحوه إلى الله تعالى : { إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } وإنما أردنا بيان ما جاء به رسول الله  ، من التوحيد والهدى وكشف ضلال أهل الزيغ والردى ، وأما المقاصة فلسنا بصددها ، وإن كان قد أذن لمن شاء أن ينتصر فيها .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:36 PM
فصل

قال المعترض : وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه ، قيل من سأل عيسى عليه الصلاة والسلام خلق الطير الذي أعطيه يكون كافراً مشركا عند هذا الرجل ؟ أو يقول إن الرسول  غير موجـود أو أنه في عالم العدم ؟ أو يقول : إن جاهه عند ربه انقطع بموته ؟ فما بال صديق هذه الأمة رضي الله عنه يقول لخاتم المرسلين بعد موته يخاطبه : اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك . ولم يقل له ذلك في حياته إلا لعلمه بقربه من ربه بعد موته ، وعظم جاهه عنده أعظم من كونه في الحياة . وهذا الرجل يجعل هذا من الشرك الأكبر . فهو أعظم من الصديق وأقرب الى الله تعالى ورسوله منه ، وهل هذا من عبادة غير الله تعالى جل ذكره في شيء ؟ بل الكل من عند الله : الرسول  وما أعطيه لأمته ، فما لهؤلاء القوم لا يفقهون حديثاً . وإنما الشرك قاتلهم الله أنى يؤفكون : طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، ولم يعط أحـدا من خلقه كهداية القلوب وشفاء المريض ، وانبات النبات وطلب الذرية ونحو ذلك وكذلك قصد غيره بالعبادة من دونه تبارك وتعالى ، كما قال تعالى : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت } .
والجواب أن يقال : قاتل الله من أفك عن دينه وتوحيده ، وصده عن سبيله وما جاءت به الرسل من عنده من الإيمان والإسلام وإفراده بالطاعة والعبادة . ورضي الله عمن دعا الى توحيده وأمر بطاعته ونهى عن الشرك به ، واتخاذ الأنداد له . وأن تصرف الوجوه الى غيره عبادة واستغاثة وتوكلا ورجاء .
وحاصل كلام هذا الرجل تقريره : أن الطلب من الرسول  أو غيره ممن له شفاعة أو قرب وجاه يسوغ ولا يكره ولا يحرم . لأنه ليس بشرك بل هو من جنس سؤال الأحياء من الآدميين ما يستطيعونه من الأسباب العاديـة . وهذا هو المقصود له من رده واعتراضه من أول رسالته ، ولم ينكر على شيخنا سوى تجريد التوحيد ، وأفراد الله بالقصد والعبادة، والخصومة في هذا قديمة ليس هذا أول قائل بدعاء الموتى والاستغاثه بهم ، وطلب الحوائج والمهمات من جهتهم . ومن قال بأن رسول الله  بعد موته أولى بالمسألة والطلب منه في حال حياته الدنيوية ، وأن ما جاز طلبه في الحياة يطلب منه بعد الممات ، فقد فتح باب الشرك والتنديد ، وصدف عن توحيد الله العزيز الحميد ، لأن هذا هو قول الصابئة المشركين ، ومذهب الجاهلية الأميين ، بل صريح كلام هذا المعترض : أن الميت يسأل مما أعطيه ، وأنه بيده يفعل ما يشاء من عطاء ومنع ، وجمهور المشركين لم يقولوا هذا ، وإنما قالوا إن الميت المعظم يقربهم إلى الله زلفى ، ويشفع لهم عنده فهو واسطة على زعمهم . وأما المعترض فجعل ذلك من جنس ما يسأله الميت ويطلب منه في حال حياته ، لا على سبيل الوساطة ، بل كما يسأل الملاك ما بأيديهم .
فالرجل وصل إلى حد أحجم دونه أكثر المشركين ، ولم يقتحموه خوف الشناعة والضلالة .
وحينئذ فيقال : هذه الدعوى ـ وهي الطلب من الأموات ما يطلب منهم في الحياة ـ دعوى كبيرة غليظة . ليست كغيرها من الدعاوى . فيحتاج مدعيها إلى ما يثبتها من الأدلة الشرعية ، والقوانين المرضية ، والسيرة السلفية . وأما المقاييس الفاسدة فلا تفيد هنا ، وقد قال بعض السلف : ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس . وهذا كتاب الله من أوله الى آخره ، وهذه سنة رسول الله  وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين وأهل القرون المفضلة ، أي آية وأية سنة ، وأي عالم من أهل القرون المفضلة قال بهذا أو ذهب إليه ؟ بل الأدلة والنصوص متواترة متظاهرة على أن طلب الحوائج من الموتى والتوجه إليه شرك محرم ، وأن فاعله من أسفه السفهاء ، وأضل الخلق ، وأنه ممن عدل بربه وجعل له أنداداً وشركاء في العبادة التي لا تصلح لسواه ، ولا تنبغي لغيرة ، وأنه أصل شرك العالم . وقد حكى الإجماع على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كلامه ، وكذلك ابن قيم

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:36 PM
الجوزية قرر تحريمه ، وأنه من الشرك الأكبر وأنه أصل شرك العالم في كتابه إغاثة اللهفان وغيره ، وابن عقيل كفر بطلب الحوائج من الموتى ودس الرقاع فيها : يا مولاي ، إفعل بي كذا وكذا . ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم ، واستدلوا بقول الله تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا } و {أحداً } نكره في سياق النهي فتعم الرسل وغيرهم . وقوله : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } وقوله تعالى : { ومن يدع مع الله إلهاُ آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون } وقال تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين } وقال تعالى : { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا . أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } قال طائفة من السلف : نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيرا . وقالت طائفة : نزلت فيمن يعبد رجالا من الجن أسلم المعبودون وبقي من يعبدهم من العرب على شركه ، وقيل نزلت في الملائكة . قال شيخ الإسلام تقي الدين : والآية تعم هذا كله وكل من دعا معبودا من دون الله ومعبوده يبتغي الوسيلة إلى ربه بالإيمان به وطاعته . فإنه داخل في عمومها .
وآية الأنعام صريحة في أن المشركين المخاطبين يخلصون الدعاء عند الشدة ، وأنهم إن أتاهم العذاب ، أو أتتهم الساعـة ـ وهي الحادث العمم ـ لا يدعون غير الله ، ولا يلتفتون لسواه . ولذلك استدل الله تعالى عليهم بذلك في معرض الأمر بتوحيده ، وأفراده بالعبادة على كل حال في الرخاء والشدة ، وأين هذا من الاستغاثه بالأنبياء ودعائهم للحادث العمم أو غيره ؟ والآيات قبلها دالة على تحريم دعـاء الموتى مطلقا . لأنه ليس من جنس الأسباب العادية ، بل من دعاهم فهو يرى ويعتقد أن لأرواحهم قدرة وعلماً بحاله ، وسمعا ليس من جنس قدرة العباد وعلمهم وسمعهم ، والدعاء في هذه الآيات يشمل نوعي الدعاء : دعاء العبادة ودعاء المسألة ، فما تقدم من الآيات دال على تحريم دعاء الأنبياء والصالحين دعاء عبادة أو دعاء مسألة .
قال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي : وليس أحد من البشر ، بل ولا من الخلق ، يسمع أصوات العباد كلهم ، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون : إن المسيح هو الله ، وأنه يعلم ما يفعله العباد ، ويسمع أصواتهم ، ويجيب دعاءهم . قال تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ـ إلى قوله ـ وهو السميع العليم } فلا المسيح ولا غيره من البشر ، ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق ضراً ولا نفعاً بل ولا لنفسه ، وإن كان أفضل الخلق : قال تعالى له : { قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً } وقال تعالى له : { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب } وقال تعالى : { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضراً إلا ما شاء الله } .
وقول المعترض : هل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه ؟ فهل من سأل عيسى عليه الصلاة والسلام خلق الطير الذي أعطيه يكون كافراً مشركاً .
فهذه شبهة واهية ، فإن من سأل عيسى خلق الطير أو غيره ، بعد رفعه إلى السماء كافر مشرك بإجماع المسلمين ، بل ولا يجوز مطلقا قبل رفعه . والرسول  أعطي الشفاعة بمعنى أن الله يشفعه ، ويحد له حدا يدخلهم الجنة ، ويريح الخلق من هول الموقف وكربه . وقد دلت الآيات والأحاديث أن المالك للشفاعة هو الله وحده ، وأنها لا تنال إلا بما ربطها الله به من الأسباب وهي التوحيد والإيمان والإخلاص ، كما دلت عليه الآيات الكريمات ، وكما دل عليه حديث أبي هريرة ، وأنها متوقفة على الإذن والرضى منه تعالى . وليس طلب الرسول سببا لنيلها وتحصيلها . لاسيما بعد موتـه  ، ولم يدل على مشروعية ذلك ولا فعله احد يحتج به ، فهو من أضل البدع وأبعدها عن هديـه  وهدي من قبله من الأنبياء .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:37 PM
وليس قولهم : أنه أعطي الشفاعة بمعنى ملكها وحازها كسائر العطايا والأملاك التي يعطاها البشر .
وأيضا فإن الله يعطي رسله وأولياءه مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، أفيقال أن الله أعطاهم ذلك ، وملكهم إياه فيطلب منهم ، ويرغب إليهم فيه ؟ فإن كان ذلك مشروعا وسائغا فالشفاعة من جنسه ، مع أن الشفاعة قيدت بقيود لم تقيد بها هذه العطايا والمواهب السنية ، وقد قال تعالى : { قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض } وقال : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } وقال تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } وأما غير الشفاعة مما أعطيه أهل الجنة فقد ذكر تعالى أنه حرمه على الكافرين . وكذلك الشفاعة ، لأنهـا وسيلة إليه قال تعالى : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } فمن آتى بمانع يمنع من الشفاعة أو دخول الجنة كالشرك والكفر فلا سبيل للشفعاء إلى الشفاعة فيه .
وأيضا فمحلها ووقتها يوم يقوم الناس لرب العالمين ، ويشتد هول الموقف وكربه هذا هو المراد ، وبه تعرف بطلان هذه الشبهة . وأن الباب مسدود على من طلبها من غير الله .
وأما قول المعترض : أو يقول أن الرسول غير موجود ، أو أن أنه في عالم العدم ، أو يقول إن جاهه عند ربه انقطع بموته .
فيقال : هذا كلام معتوه لا يدري ما يقول . فإن كلام الشيخ ، والقول بأن دعاء غير الله شرك لا يلزم منه القول بأن الرسول  غير موجود ، بمعنى أنه كسائر المعدومات . بل هو حي في قبره يبلغ صلاة أمته وسلامهم عليه  وقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ومع ذلك فهو  في الرفيق الأعلى . وهو أقرب الرسل من ربه . وأرفعهم درجة لديه ، ولروحه اتصال بجسده الشريف ، لا يعلم كنهه وحقيقته ومقداره إلا الذي خلق ووهب وتفضل وأعطى . وهو اللطيف الخبير .
وأما القول : بأن هذه الحياة الدنيوية ، يطلب منه ما كان يطلب منه قبل موته ، ويسأل ويستفتى ، ويرجع إليه .
فهذا قول ضال ، مخالف للكتاب والسنة وحقائق المعقول والمنقول . فافهم هذا المبحث فكم زل فيه من قـدم . وكم ضل بالخرص فيه من أمم .
وأما قوله : أو أنه في عالم العدم ؟ .
فالعدم ليس له عالم . والعوالم إنما تطلق على الموجودات ، لا على المعدومات ولا يقول إن جاهه  عند ربه انقطع بعد موته إلا ضال لا يؤمن بيوم الحساب ، بل هو دائما في مزيد ، وما من مؤمن يؤمن بما جاء به ، ويهتدي بهديه الى يوم القيامة إلا كان ذلك زيادة في أجره وكماله ، والكامل يقبل الكمال .
وأما قول الصديق : اذكرنا يا محمد عند ربك . فقد تقدم البيان بأنه من الموضوعات والمكذوبات ، التي لا يلتفت أليها .
ثم عظم الجاه وإن تناهى فلا ينتفع به إلا أهل الإيمان والمتابعة ومن قام به سبب شرعي يقتضي انتفاعه بدعاء الداعين ، وشفاعة الشافعين .
وأما تشبيهه بأن الكل من عند الله : الرسول ، وما أعطيه الرسول .
فهذا لا نزاع فيه ، وذكره هنا تشبيه على السامعين ، والنزاع إنما هو في مشروعية طلبه وسؤاله والاستعانة به بعد موته  .
وأما القول : بأن الكل من عند الله .
فلا نزاع فيه : وليس فيه دليل على أنه يطلب من الرسل أو غيرهم شيء مما أعطوه في الدار الآخرة ، ولا يحصل لكل من طلب شيئا بمطلوبه وفي الحديث الذي رواه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:38 PM
البخاري وغيره : ( يذاد أناس من أصحابي عن الحوض فأقول : أصحابي أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول سحقا سحقا ) .
وأما قوله : وإنما الشرك طلب ما لا يقدر عليه إلا الله ولم يعطه أحدا من خلقه .
فيقال : قد تقدم أن الشفاعة وغيرها لا يقدر على إعطائها وتيسيرها إلا الله وإنها مملوكة له وحده ، وأنه هو الذي يأذن ويعين من رضي قوله وعمله من أهل التوحيد فيشفع فيه الشافعون وأن الشفاعة لا تملك ، كما ظنه المشركون ، وان الاستثناء في الآيتين ( 2 : 255 و 21 : 28 ) لا يوجب إثبات الملك لغير الله ، وأكثر المفسرين يرون أن الاستثناء منقطع كما تقدم ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية ، وسائر المطالب كذلك لا تطلب من الموتى ، وسيأتي لهذا مزيد بحث في محله إن شاء الله تعالى .
وفي الحديث : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ) الحديث .
وأما تخصيص المعترض هداية القلوب وشفاء المريض ، وإنبات النبات وطلب الذرية ونحو ذلك بالمنع ، فهذا من جهله ، فإن الأسباب العادية التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته ، كما في الحديث ، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيع في حياته كهداية القلوب ، وشفاء المريض ، وانبات النبات ، وطلب الذرية ، فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه : اعطني كذا وكذا من القوت ونحوه ، وقوله اهد قلبي ، اغفر ذنبي ، وقد تقدم أن قول النصارى : يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله ، شرك بإجماع المسلمين ، ولو طلب منها في حياتها أن تشفع بالدعاء والاستغفار كما كان يفعله  مع أصحابه لم يمنع من ذلك .
وأيضا فالمعترض لم يلتزم هذا ، وسيأتيك له عند حكاية العتبى أنه يجوز طلب الاستغفار من رسول الله  بعد موته .
ثم في قول البوصيري في الاستعاذة برسول الله  ونفي الإعاذه عمن سواه وأنه هالك إن لم يأخذ بيده ، ما هو من أبلغ الصيغ في طلب النجاة من النار وإدخال الجنة . وهذا كهداية القلوب وشفاء المريض ، وانبات النبات وطلب الذرية فإن من طلب هذا من الأنبياء والأولياء يتأول كتأويلهم كلام البوصيري فيقولون : إن الله أعطاهم جاها ومنزله وشفاعة ، وإجابة لدعائهم فنحن نطلب الهداية والشفاء ونحو ذلك مما أعطاهم الله وملكهم إياه .
وليس قولكم : إن الله ملكه الشفاعة بأحق من قول هؤلاء . فإن الشفاعة طلب ودعاء ، فعادت المسألة على تقرير هذا المعترض إلى عبادة الأنبياء والملائكة والمؤمنين والأطفال ، وسائر من يشفع ويستجـاب دعاؤه ، وهذا عين قول الصابئة في عبادة الأرواح المفارقة ودعائها أرواح الأنبياء والصالحين فنعود بالله من الحور بعد الكور والضلال بعد الهدى ، والكفر بعد الإيمان .
والآية التي استدل بها دليل على إبطال دعواه فإن قوله تعالى : { إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت } من أوضح الأدلة على تحريم دعاء الموتى . فإن الصلاة دعاء صريح قولا وعملا ، وقد دلت الآية على إن ذلك لله وحده لا شريك له ، وأنه  قد أمر بذلك ، وهو أول المسلمين من هذه الأمة بالتزام هذا وسائر الأحكام الإسلامية ، فأين هذا من دعاء غير الله وطلب الشفاعة من سواه ؟ .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:39 PM
فصل

قال المعترض : وقد قال هذا الرجل في موضع آخر تكلم به على قوله تعالى : { مالك يوم الدين } قال فمن عرف تفسير هذه الآية وعرف تخصيص الملك ذلك اليوم لله عرف تخصيص هذه المسألة وأن معناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } ثم قال فأين هذا المعنى والإيمان بما صـرح به القرآن مع قوله  : ( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا ) من قول صاحب البردة :
ولن يضيق رسول الله جاهك بي * إذا الكـريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمـة منـه بتسميــتي * محمد ، وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي * فضلا ، وإلا فقل : يا زلة القدم
ثم قال : فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها ، ومن فتن بها من العلماء والعباد ، وهل يجتمـع في قلب عبد التصـديق بهـذه الأبيات والتصديق بقوله تعالى : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله }. وقوله : ( يا فاطمة بنت محمد لا أملك لك من الله شيئا ) والله لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق وأن فرعون صادق ، وأن محمداً  صادق على الحق وأن أبا جهل صادق على الحق .
والله ما استويا ولن يتلاقيا * حتى تشيب مفارق الغربان
فمن عرف هذه المسألة وعرف البردة ومن فتن بها من العلماء والعباد والزهاد عرف غربة الإسلام . انتهى كلامه .
ثم ذكر عند ذلك قوله تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب } وقوله : { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } قال : فهذا بعض معاني قوله : { مالك يوم الدين } بإجماع المفسرين . وهذا قوله لا قول المفسرين كما يزعم ، بل سترى قول المفسرين . فبهذا الكلام ضرب كتاب الله بعضه ببعض .
وكذلك سنة رسول الله  وأبطل بهذا الكلام جميع الشفاعات التي ورد بها الكتاب والسنة المتواترة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، والشهداء والأولياء والصالحين ، والأطفال وغيرهم . فنفى بذلك جميع الشفاعات بما لا علم له به ولا دراية . أولا نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزل بلغتهم ، حيث يقول جل وعلا : { إن تنصروا الله ينصركم } وقال في الآية الأخرى : { وما النصر إلا من عند الله } فكذلك الشفاعة إنما هي من عطائه لأوليائه ليمتازوا بها عن غيرهم ، إكراما لهم بها ليغبطوا بها ذلك اليوم الذي ذكر هذا الرجل حيث يقول صاحب البردة : إذا الكريم تجلى باسم منتقم . إذ الشفاعة منه تبارك وتعالى من الجزاء الجزيل ، والفضل العميم الذي لا تملك نفس لنفس شيئا ذلك اليوم استقلالا ، بل الكل من عند الله : الشافع والمشفع والشفاعة .
وأطال الكلام بهذا المعنى وأن الشفاعة لا تكون بيد أحد من دون الله . إذ الكل خلق الله وأسباب ، وأن الشيخ لا يدري كلام الله ورسوله  وأنه جاهل بكلام العرب وبلاغتها التي نزل القرآن بلغتها . ولا يميز بين الكلام الإضافي من المطلق والاستقلالي . وأنشد قول جرير الخطفي :
يقضي الكتاب على الصليب وتغلب * ولكـل مـنزل آيـة تأويل
وزعم أن هذا خاص بالكافرين كقوله : { الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا } .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:40 PM
ثم قال : فمن قضائه تبارك وتعالى ، تمليك أنبيائه ورسله وأوليائه من الشهداء والصالحين والأطفال ، وتمكينهم من الشفاعة ، وهذا مما يجب الإيمان به . كما صرح به علماء الأمة دون أهل الأهواء والبدع .
ثم ذكر عن البغوي في قوله : { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق } قال : وهم عيسى وعزير والملائكة فإنهم عبدوا من دون الله تعالى ولهم الشفاعة . وصحح هذا القول . فإذا كان كذلك كما وصفنا فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا من دون الله تعالى ؟ بل ولم يقصد طلبه في الحال ، وإنما استحضر كما قدمنا يوم القيامة حين تطلبه  جميع الخلائق ، حيث علموا قربه من ربه جل وعلا وما أعطاه من الكرامة والمقام المحمود .
والجواب : أن يقال لهذا الجهول المفتري المخلط .
إنما يضرب كتاب الله بعضه ببعض من رد بعضه ببعض واحتج ببعضه على خلاف ما دل عليه البعض الآخر ، كما يفعله أهل البدع والضلال ، ومن رد مـا دل عليه قوله تعالى : { مالك يوم الدين } وقوله : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } ونحو هذه الآيات بقوله تعالى : { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } ونحوها ، وزعم أن ملك الشفاعة مثبت ، وأنه يقضي على هذا الآيات ويرد به ما دلت عليه ، هذا ضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض ، وفي المثل : رمتني بدائها وانسلَّت .
وأما من رد بكتاب الله كلام أهل الغلو والإطراء ، واستدل بكتاب الله على بطلان غلو الغالين ، وزيغ الزائغين ، وتحريف المبطلين . فهذا هو المؤمن المهتدي ، المحتج بكتاب الله على ما أنزل لأجله ، المستضيء بنوره ، المهتدي بهداه ، المعتصم بحبله .
وأما جحده أن يكون ما ذكر الشيخ هو كلام المفسرين ، فهذا دليل على عدم علمه بكلام المفسرين ، وقصور رتبته عن الاطلاع على معاني التنزيل . وكتب المفسرين موجودة بأيدي أهل العلم ، وهم لا يختلفون أن المعنى : أنه المنفرد بالملك والتدبير ذلك اليوم . فلا تملك نفس لنفس شيئا بخلاف حالهم في الدنيا . فإن أكثر الخلق نازع الرسل وعصى الأمر ، واتبع السبل ، فتفرقت بهم عن سبيل الله . وهذا المعنى دل عليه القرآن في غير موضع .
وأما قوله : وأبطل بهذا الكلام جميع الشفاعات .
فهذا أيضا صدر عن جهل عظيم ، واعتقاد ذميم . فإن الشفاعة التي ظنها المشركون حاصلة بالتعلق على الأنبياء والصالحين ومسألتهم مع الله : منفية بالكتاب والسنة ، وإجماع الأمة . وهذه هي التي نفاها الشيخ وأهل العلم قبله وأما الشفاعة التي جاءت بها السنة وقال بها الأئمة فهي مقيدة بقيود تمنع مسألة غير الله للشفاعة وطلبها من سواه . ولا تحصل إلا بتجريد التوحيد لله العزيز الحميد ، كما تقدم في حديث أبي هريرة : ( من أسعد الناس بشفاعتك ) والمعترض جاهلي لا يفرق بين النوعين . فظهر أنه هو العديم العلم والدراية ، الجاهل بأحكام الرواية والرعاية لكلام الله وكلام رسوله وكلام العرب فإن العربي سليم الفطرة يعرف بلغته أن القيد في قوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } يفيد صرف الوجوه إلى من بيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله ، ولا يتقدم أحد بين يديه إلا بإذن ورضى لما يقول ، وأنه لا يرضى الشفاعة فيمن أشرك به وسوى بينه وبين عباده في خالص حقه .
وقد نص بعضهم على أن هذا هو نكتة القيد في آيات الشفاعة .
وأما ما استدل به المعترض من أن الله جل وعلا قال : { إن تنصروا الله ينصركم } وقال في الموضع الآخر : { وما النصر إلا من عند الله } .
فهذا أيضا يدل على كثافة فهمه وانسلاخه من العلم . فإن النصر المثبت لهم غير المنفي عنهم ، فنصرهم لله قيامهم بما افترض عليهم من الدعوة إلى سبيله ، وجهاد أعدائه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:41 PM
باليد واللسان والجنان ، وأما النصر المنفي عنهم فهو الظهور على العدو ، وقتله وهزيمته وفشله ، واضمحلال كيده ، قال تعالى : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } فأثبت الله لنبيه  من الرمي ما يليق بحال البشر ، وأما التأثير والإصابه والهزيمة بذلك الرمي وإيصاله إليهم فالله تعالى هو الفاعل له ، الرامي في الحقيقة .
فإذا تبين هذا فذلك دليل على أن الشفاعة التي تحصل بها النجاة والسعادة بيد الله ، وأن الشافع ليس بيده إلا مجرد الطلب والمسألة ، بعد الإذن والرضى عمن شفع فيه ، وأما القبول وتوفيق الشافع وإلهامه فكل هذا إلى الله وحده .
وأما قوله : فكذلك الشفاعة .
فيقال : إن كانت الشفاعة كذلك فهي منفية عن غير الله ، كما أن النصر منفي عن غيره ، والمثبت منها ومن النصر لا يوجب أن يطلب من الغائبين والأموات شيء البتة .
وقد ذكر شيخ الإسلام في رده على النصارى : أن النبوات متفقه على المنع من دعاء الغائبين والأموات . فلا يدعون لشفاعة ولا غيرها .
فقول المعترض : إن الشفاعة من عطائه ومن الجزاء والفضل ونحو هذا لا يفيد طلبها من غير الله كالأموات والغائبين ، وليس كل ما أعطى العبد يجوز أن يطلب منه ، فإن هذا لا يقوله عاقل .
وأما قوله : إن المراد من قوله : { لا تملك نفس لنفس شيئا } ذلك اليوم استقلالا .
فهذا لا يفيد لو سلمناه ، فإن من لا يستقل بفعل أصلا ، ولا طاقة له على الاستقلال ليس بمالك ولا متصرف بمجرد مشيئته وإرادته ، مع أن المعنى المراد الذي نص عليه أعيان المفسرين : نفي الملك مطلقا استقلالا وغيره .
وأما نسبة الشيخ الى الجهل وعدم العلم ببلاغة العرب التي نزل بها القرآن وأنه لا يعرف الكلام الإضافي من المطلق .
فيقال : كل ضال ومفتر ينحو هذا النحو ، ولا يتحاشى من الفجور في الخصام . والمنافقون نسبوا المؤمنين من أصحاب رسول الله  إلى السفاهة وعدم العقل ، وقال فرعون وقومه في موسى وهارون عليهما السلام ما قالوا ، فالعاقل لا يلتفت إلى هذا الكلام ، لأنه معدود من اللغو والآثام ، والنظر في كلام شيخنا وكلامك يقضي له عند من وقف عليه بالعلم والدراية ومعرفة الحقائق ومعاني التنزيل ، وأنه يورد تقريره مطابقا للحال . وهذا عين البلاغة كما عرفوها وحدوها في كتب المعاني ، فإن البلاغة يوصف بها الكلام والمتكلم .
وأما كلام هذا المعترض وهذيانه المكرر ، وتكراره لألفاظه المستهجنة ، ولحنه وتنافر تركيبه فهو من أدلة جهله وتفاهته ، وأنه لا صناعة ولا عناية ولا أدب ، ولا فضيلة وأن حججه كما قيل :
تخرصا وأحاديثا ملفقة * ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
وانظر الى قوله : أولا نظر إلى مخارج كلام الله وكلام العرب المنزل بلغتهم ، فإن في استعماله المخارج في المعاني والمقاصد ما يقضي بجهله ، وفي قوله : وكلام العرب المنزل بلغتهم ، ما يقضي بتفاهته وعدم معرفته للتراكيب ، فإنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي ، ولا يجوز الفصل هنا لإيهامه اللبس .
فلا تقول جاء زيد وجاء عمر القائم أبوه ، تريد نعت زيد ، بل يتعين ترك الفصل هنا . فهذه الغلطات في نصف سطر . ولو تتبعت ما في كلامه من الخلل لطال الكلام ، والقصد كشف شبهته ودحض حجته .
وأما قوله : إن هذا خاص بالكافرين كقوله تعالى : { الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا } فليس الأمر كما زعم ، فإن نفي الملك عام ، فلا يملك أحد ولو

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:41 PM
الأنبياء والملائكة ، بل هو سبحانه المنفرد بالملك المختص به ، وأما العسر فنعم خاص بالكافرين .
ثم في قوله : { وكان يوما على الكافرين عسيرا } وفي تخصيص العسر بهم ما يفيد أن العسر المطلق هو المختص ، وما المقيد فلا مانع من أن ينال المذنب من الموحدين منه ما يكفر به من سيئاته .
وأما قول المعترض : فمن قضائه تبارك وتعالى تمليك أنبيائه ورسله وأوليائه من الشهداء والصالحين والأطفال وتمكينهم من الشفاعة ، وهذا مما يجب الإيمان به كما صرح به علماء الأمة .
فيقال في جوابه : لم يرد لفظ التمليك في الكتاب والسنة إلا في معرض النفي والاستثناء ليس بنص ولا ظاهر في التمليك ، بل هو كقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } .
وقد نص شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا لا يفيد إثبات التكليف ، ولا سلف لهذا المعترض وأمثاله في هذا القول ، ولم يعرف إطلاقه عن أحد من أهل العلم ، ولو سأل أحد طفلا من أطفال المؤمنين أن يشفع له لعده الناس من أجهل الخلق وأضلهم ، وقد قال تعالى : { قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون } وقال تعالى في يوم القيامة : { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بأذنه فمنهم شقي وسعيد } وهذا يدل على عدم الملك للمؤمن والكافر لقوله : { فمنهم شقي وسعيد } .
وقوله : وهذا مما يجب الإيمان به .
يقال : إنما الإيمان بما أخبر به الرسول ودل عليه الكتاب العزيز من إثبات الشفاعة بإذن الله لمن شاء من الموحدين ، هذا الذي يجب الإيمـان به ، وأما الإيمان بأنهم ملكوا الشفاعة وأنهم يدعون لها بعد الممات وفي المغيب فهذا قول باطل لا أصل له ، ولا يؤمن به إلا أهل الشرك الذين يدعون الأموات والغائبين مع الله .
فهذا المعترض خلط الشركيات بالشرعيات ، ولبس الحق بالباطل ، والذي أنكره أهل البدع وعابه عليهم سلف الأمة وأئمتها هي الشفاعة التي جاءت بها الأخبار وصحت بها الآثار .
وأما القول بأن علماء الأمـة أنكروا على من أبطل الشفاعة الشركية ، وصرحوا بثبوتها فهو قول باطل ، بل علماء الأمة أشد الناس انكاراً لها كما دلت عليه الآيات البينات قال تعالى : { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون } فنفي هذه الشفاعة التي أثبتها المشركون وظنوها حاصلة ممن قصـدوه وتوجهوا إليه ، وسألوه رغباً ورهباً ، كما يشفع المخلوق عند مثله من الملوك والأمراء والأكابر ، هذه هي التي قامت بقلوب المشركين وتعلقوا على الأنبياء والملائكة والصالحين لأجلها وهذه منفية كما مر في آية يونس ، وكما في آية الزمر ، وكما في سورة الأحقاف في قوله : { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم } وكما في سورة سبأ : { ولا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له } وهي التي قصد هذا المعترض بقوله ، أن الله ملكهم الشفاعة ، وأنه يجب الإيمان بها . والسنة جاءت بإثبات شفاعـة غير هذه ، تنال بتجريد التوحيد وإخلاصـه ،كما في حديث أبي هريرة ، وهي مملوكة لله وحده هو الذي يأذن ويعين للشافع ويحد له حدا معينا مخصوصا ،كما جاء صريحا في حديث الشفاعة ، وهذا النوع من الشفاعة أنكره المعتزلة ، وهم محجوجون بالكتاب والسنة ولكن المعترض خلط ولم يميز بين ما نفاه القرآن وما نفته المعتزلة . ولم يعرف هذا النوع الثابت .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:42 PM
وأما قوله : { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } هم عيسى وعزير والملائكة فانهم عبدوا من دون الله .
فقول البغوي هو أحد القولين في الآية ، وقد تقدم الكلام في ذلك ، وليس في هذا ما يستريح إليه المبطل ، فإنهم يشفعون لمن شاء الله ، وملك الشفاعة ليس بأيدهم ، بل هو بيد الله الذي له ملك السماوات والأرض ، فأي حجة في هذا على أنهم يدعون مع الله للشفاعة أو غيرها ؟ ولكن هذا الملبس قصده إيهام السامع أن شيخنا ينكر الشفاعة التي قالها البغوي وأمثاله ، وإنما إنكار الشيخ لعبادتهم ودعائهم وأنهم يسألون الشفاعة كما تسأل سائر الملاك أملاكهم .
وهذه الآيه حجة للشيخ وإخوانه المؤمنين على أن الشفعاء لا يدعون ولا يقصدون ولا يعبدون ، لأن الله أنكر ذلك على من قصد المسيح وعزيرا لأجله ، وهيأهم له ، والتجأ إليهم في تحصيله ونيله .
فالآيات القرآنية وكلام المفسرين من أهل العلم حجة لنا وشاهد للأمر بتجريد التوحيد وإخلاص الدين ، والنزاع بيننا ليس في إثبات الشفاعة ، وإنما هو في طلبها من الأمـوات والغائبين ، والمعترض ملبس مموه ، فنعوذ بالله من التلبيس المفضي بصاحبه إلى مرضاة إبليس .
ثم قول المعترض : فهل ترى صاحب البردة طلب ذلك استقلالا بل ولم يقصد طلبه في الحال وإنما استحضر يوم القيامة .
فجوابه : أن النزاع في نفس الطلب والدعاء لأجل الشفاعة ، وأما الاستقلال وعدمه فليس من محل النزاع . ومشركو العرب لا يدعون الاستقلال لآلهتهم ولا يرونه . وإنما أتوا من حيث الوساطة والشفاعة . والشافع ليس بمالك لا حقيقة ولا مجازاً . وغاية ماله الجاه والمنزلة . وهي المقصودة لجمهور المشركين من اليهود والنصارى وجاهلية العرب . ولا قائل باستقلال أحد من دون الله بشيء إلا الثنوية ومن على طريقتهم ممن يثبت خالقين وربين ، وبهذا تعرف أن المعترض من أجلاف الجاهلية لا تمييز عنده بين شرك المشركين وتعطيل المعطلين ، ودين أنبياء الله المرسلين . وليس عنده إلا خبط عشواء ومقالة عمياء . وكون صاحب البردة استحضر يوم القيامة لا يكون عذرا له في دعاء غير الله . بل مستحضر الشدة فدعاؤه أبلغ في العبادة والخضوع والخوف والرجاء ، والحب والاعتقاد ، وكان المشركون من العرب يتواصون في الشدائد بإخلاص الدعاء ويرون أنه لا ينجي في الشدة إلا الله كما في قصة عكرمة ابن أبي جهل لما فر إلى اليمن . وقد ذكرها العلامة ابن كثير في تفسير سورة المؤمنين .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:43 PM
فصل

قال المعترض : ومر قول أبي العباس ابن تيمية على كلام ابن البكري في معنى الاستغاثة به  بعد موته ، وأنه بعد موته في مزيد دائم عند ربه ـ بأبي هو وأمي ونفسي  ـ بعد موته إذ جاهه  في مزيد دائم بعد موته عند ربه جل وعلا وتعرض عليه أعمال أمته . فيستغفر لمن رأى شراً في عمله .كما ذكرنا بيانه على كلام صاحب البردة وتوجيهه على الأمر المرضي ، لا على الجهل والإغواء وتكفير هذه الأمة .
والجواب أن يقال : قد تقدم الكلام على عبارة شيخ الإسلام أبي العباس وبيان ما في نقل هذا المعترض من التلبيس والتحريف ، وأنه كذب في النقل بما أبداه من التحريف والتبديل .
وأما قوله : إن جاهه  في مزيد دائم فنعم ، ولكن ليس فيه أنه يدعى من دون الله أو يرجى . وأما عرض أعمال الأمة عليه فليس فيه حجة على أنه يدعى للشفاعة ولا غيرها بل قد روي على أبوي الإنسان يعرض سعيه . فهل يقال بسؤالهم ودعائهم ؟ .
وأما زعمه من أنه وجه كلام صاحب البردة على الأمر المرضي . فليس الأمر كذلك وإنما زاده شناعة وجهلا لو جاريناه على زعمه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:43 PM
فصل

قال المعترض : قوله  لفاطمة رضي الله عنها ولأقاربه وعشيرته ذلك حضا لهم على الإيمان به . وبالذي أرسله بأن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا . ليحصل لهم النفع به  بذلك ، وبعطاء الله تعالى الذي أعطاه لأمته إكراما له في قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } لئلا يكونوا من الذين أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين ، وفي ذلك دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين ، حيث نفى عن الكفار المعرضين عن التذكرة التي أرسل بها  ، حتى نفعت شفاعته عمه أبا طالب بالتخفيف كما مر عنه  ، حيث حماه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة . فقوله  : ( لا أغنى عنك من الله شيئا . . ) حين خصص وعمم حتى قال : ( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا ) فالمقصود إن لم تؤمني بالله وتشهدي أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وإلا فقد أغنى عن أمته بالتخفيف من الشرائع والتسهيل من عند ربه ، وأمره تبارك وتعالى أن يستغفر لهم حتى امتد ذلك لهم بعد موته عند العرض لأعمالهم عليه  في البرزخ واستغفاره شفاعة ، وهل شفاعته لهم إلا غناؤه عنهم  ، وإلا فما معنى قوله  لعمه : ( قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ) إذا كما في الصحيحين وغيرهما ؟ .
والجواب أن يقال : قوله  لابنته وبضعته سيدة نساء أهل الجنة : ( لا أغني عنك من الله شيئا ) من أظهر الأدله على وجوب توحيد الله وترك دعاء غيره ، ولو نبيا أو ملكا ، فكذلك قوله لعمته صفية وعمه العباس وسائر بطون قريش ، وأقاربه الأدنين . كل هذا يبطل قول المعترض وزعمه أن الشفاعة تطلب من الرسول بعد موته ، ويقصد لها ، فإن في هذه الاحاديث أن الإنسان ليس له إلا سعيه وإيمانه وإن ترك ذلك والتفريط فيه تعلقا على الأنبياء ورجاء لشفاعتهم هو عين الجهل ونفس الضلال . وجاه الأنبياء والأولياء والصالحين إنما ينال به أمر فوق الإغناء عن الأقارب وغيرهم كالسعادة والزلفى .
وفي قول المعترض : إن في قوله ذلك حضا لهم على الإيمان به وبالذي أرسله : صحيح المعنى وهو دليل على أنه لا يغني ولا ينجي إلا ذلك .
فليس في قول المعترض في هذا الحديث ما يدل على دعواه وإن الإيمان مطلوب ليحصل النفع . فإن هذا كلام ركيك وإنمـا يطلب الإيمـان لتحصيل مغفرة الله ورحمته ودخول دار كرامته ، و النجاة من عذابه وعقابه قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } والآية بعدها ، وفي هذا أن الأمر بالإيمان والتزامه والجهاد في سبيل الله إنما أمر به ليحصل للعبد ما وعد به المؤمن وما رتب على الإيمان في هذه الآيات ونحوها . لا أنه أمر بالإيمان ليشفع الرسول فيه . وأكابر الأمة و السابقون الأولون والسبعون ألفا المذكورون في حديث ابن عباس كلهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، وفي الحديث أن الشفاعة ليست للمؤمنين المتقين وإنما هي للمذنبين المتلوثين ، فافهم هذا تعرف به أن هذا الرجل ألحد في الحديث وصرفه عما دل عليه ، وكذب على رسول الله بنسبة هذا التأويل إليه ، اللهم إلا أن يريد بقوله : ليحصل لهم النفع به  هذا المعنى فهو صحيح وهو الواسطة  بين العباد وبين ربهم في إبلاغ رسالته ، وبيان ما يوجب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة . لكن هذا لا يدل على ما ادعاه هذا المبطل ، وظاهر كلامه خلاف هذا الذي ذكرنا . وأنه يريد ليحصل لهم النفع بدعائه  وطلب الشفاعة منه بعد مماته ، ومن قصد هذا وزعم أن الرسول أراده بقوله : ( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا ) فقد ألحد في حديث رسول الله  وحرف كلامه وأخرجه عن موضوعه إلى نقيضه وعكسه ، وهذا من أعظم الجهل وأضله .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:44 PM
ومن فهم من أدلة التوحيد نقيض ما دلت عليه فقد جاءته الآفة والبلية من جهة موت قلبه أو مسخه : { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } .
وأما إعطاء الله له مـا يرضيه فهذا وعد صدق . والله لا يخلف الميعاد .
والمفسرون اختلفت أقوالهم في هذا ، وعلى القول بأنه الشفاعة فهو من الأدلة على أن الله هو المالك لها المتصرف فيها وأنه لا يدعى لها أحد سواه .
وأما كون المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين فهذا أيضا ليس فيه دليل لهذا المبطل بوجه من الوجوه . والنزاع في غير هذا .
وأما قوله : فالمقصود لا أغني عنكم من الله شيئا إن لم تؤمنوا . وأنهم ان آمنوا أغنى عنهم . فقد كذب هذا المعترض على الرسول  بنسبة هذا التأويل إليه ، وكلامه  عام شامل ، وبعض من خوطب بهذا الخطاب قد آمن بالله ورسوله كفاطمة وبعض بني هاشم وبعض قريش ، ولو كان المراد ما زعمه هذا المبطل لم يحسن خطاب المؤمنين بهذا ، ولعد مثل هذا الكلام لهم . وهو قوله : ( لا أغني عنكم من الله شيئا ) إذا كان يغني عنهم خبرا غير مطابق وقولا غير موافق ، لأنه يغني بزعم هذا الجهول الضال .
فسبحان من طبع على قلبه حتى اقتحم على الجناب النبوي ومقام الرسالة ، ونسب إليه ما قد برئ منه بشهادة الله وملائكته وأولي العلم من خلقه .
وبهذا الكلام والتحريف ضل أهل الكتاب ومن قبلهم ، ونسخت أديان الأنبياء وظهر الشرك في الأرض وفشا فنعود بالله من الضلال بعد الهدى .
وقد ذكر شيخ الإسلام عن بعض أهل الإنجيل أنه قال في بعض نصائحه عما يوقع في المحرمات وكبائر الذنوب : إن المبالغة في تعظيم العباد وتنزيلهم فوق منازلهم يوقع في الشرك بالله ، وعبادة ما سواه . ذكر هذا أو نحوا منه في كتابه هداية الحيارى*.

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:45 PM
وقول المعترض : وإلا فقد أغنى بالتخفيف من الشرائع ، وأن يستغفر لهم .
فالتخفيف من الشرائع يشير به الى وضع ما كان على أهل الكتاب من الأصار والأغلال والأثقال . ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي شرع هذا وأمره به وأوحاه اليه ، وإنما يضاف إليه لأنه مبلغ عن الله ، كما يقال : قال الرسول  كذا فيما بلغه عن الله . ويقال أيضا : وضع كذا وفعل كذا ، فيما صدر عن وحي وتوقيف ، والرسول مبلغ عن الله ، لا أنه يفعل بمشيئته واختياره .
وأما الاستغفار فقد تقدم أنه لا يدل على الطلب منه بعد وفاته  . وفي كلام هذا المعترض من فساد التركيب وهجنة العبارة ما يقضي بما تقدم تقريره من الكشف عن جهالته ، وعدم ممارسته . من ذلك قوله : حضا لهم على الإيمان ليحصل لهم النفع به ، لئلا يكون من الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين .
وفي قوله : حماه عمه لتبليغ رسالة ربه حمية للقرابة .
فهو تركيب فاسد ، ولم يقصد أبو طالب إلا الحمية فقط .
وأما قوله : وإلا فما معنى قوله  لعمه : ( قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ) إذا كما في الصحيحين وغيره .
فمعناه أنه لا يغني عنه ولا ينقذه . وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه قال لابنته فاطمة : ( إني لأرى الأجل قد اقترب ، فاتقي الله تعالى واصبري , فإنه نعم السلف أنا لك ) وعنه  من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ( كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ) رواه الطبراني والدار قطني والحاكم والبيهقي وصححه . وأي سبب أعظم من الإيمان به ، وتصديق ما جاء به ، ومحبته واتباعه ؟ إذ هذا من أعظم الأسباب وأجلها . وفي الحديث : ( المرء مع من أحب ) .
ثم ذكر حديث جابر فيما يقال عند سماع النداء وحديث أبي هريرة في الشفاعة ، والشهادة لمن صبر على لأواء المدينة ، وحديث : ( من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت ، فإني أشفع لمن يموت بها ) ثم قال : وهل هذا إلا إغناء منه  لقرابته وأمته ؟ وإنما نفى تبارك وتعالى أن يكون في يوم الدين ملكا ـ هكذا قالها بالنصب ـ لأحد من خلقه . كما في الدنيا وإنما هو يوم جزاء وتفضل منه جـل وعلا وعدل بين الناس . وعلى الكفار . ومن تفضله تمليكه لمن يشاء الشفاعة .
وقد قال تعالى : { لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } وقال تعالى : { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } قال العلماء : وهي شهادة الحق وأخصهم بذلك الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم على درجاتهم ، و معنى الآية قال البغوي : لا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما ملكهم في الدنيا . وقال عصام في تفسيره على الآية : فكل ما يفعل في ذلك اليوم لأجل الله تعالى ، ولا يفعل شيء في ذلك اليوم كما يفعل في الدنيا ، حتى لا يرجو الكذاب أن ينفعه أحد لغرض فاسد . ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات والأفعال التي لا تزال فيها .
والجواب أن يقال : أما معنى قول النبي  لأبي طالب : ( قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ) فهذه الكلمة هي الفارقة بين المؤمن والكافر والمسلم والمشرك . فمن قالها موقنا بها خالصا من قلبه ومات على ذلك نفعته بلا ريب . ونجا بها من الشرك الأكبر . وربما نجا من الأصغر .
وقد وعد الله تعالى من مات على ذلك بالجنة والنجاة من النار . كما في حديث عتبان : ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) وهذا الحديث مطابق لقوله  : ( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا ) فإن السبب الذي تحصل به النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة هو ما أرشد إليه عمه ، وقاله لابنته وهو الإيمان بالله وترك التعلق على غيره ، واتخاذ الشفعاء والأنداد . وهذا محض التوحيد الذي

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:46 PM
دلت عليه كلمة الاخلاص . فالأحاديث النبوية يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض .
وكذلك قوله  لابنته : ( فإنه نعم السلف أنا لك ) وهو سلف لكل مؤمن وفرط لهم لكن ليس فيه أنه سلف لمن تعلق عليه ودعـاه مع الله ، ولا أن السلف يهيء غير ما أمره به وأرشد إليه ، ولا أنه يدعى ويرجى للشفاعة وغيرها فليس في هذه الأحاديث أنه يغني حتى يضرب كلامه  بعضه ببعض ويرد عليه ، ويقال : بل يغنى . فإن هذا مشاقة لله ولرسوله ، ورد لمقاله وتقدم بين يديه . وهو حرفة الضالين الجاهلين الذين لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يفقهوا عن الله ورسوله .
وكذلك حديث : ( كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلى سببي ونسبي ) فهذا الحديث تكلم فيه الحفاظ وتواردته أنظار أكابر الرجال ، والجزم بصحته وأن الرسول  قاله يحتاج الى مراجعة ونظر في كلامهم . وعلى تسليم صحته فلا معارضة فيه لحديث : ( لا أغـني عنك من الله شيئا ) فإن السبب المضاف إليه  هو ما جاء به من الإيمان والتوحيد والإنذار والأخبار بأنه لا يغني من الله شيئا .
وأمـا النسب فيفسر هذه الكلمة ويبينها قوله فى حديث العباس : ( والله لا يؤمنوا حتى يحبوكم من أجلي ) فمن أحب هذا النسب الشريف لما وضع فيه من النبوة والرسالة فهذا لا ينقطع . لأنه من شعب الإيمان بالله ورسوله . وليس فيه حجة لهذا المبطل أنه يغنى عمن قال له : ( لا أغني عنك من الله شيئا ) .
والمعترض ألجأته الضرورة إلى أن قال بعد هذا الحديث : وأي سبب أعظم من الإيمان به وتصديق ما جاء به ، ومحبته واتباعه .
وهذه كلمة حق أتيحت على لسان وحشي . وهي تخالف ما أراد من أنه يغني . فإنه  نفى الاغناء عن نفسه ، لا عن الإيمان به ومحبته ومتابعته . وكذلك قوله في حديث جابر في إجابة النداء والدعاء بعده بالوسيلة والفضيلة أن من قال ذلك حلت له شفاعتي

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:46 PM
فهذا من جنس حديث أبي هريرة : ( أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ) فهذه الأحاديث حجة على أن أقوى الأسباب الوسائل وأنفعها هو إخلاص التوحيد والبراءة من التعلق على الخلق ، ولو الأنبياء . وهذا عين تقرير شيخنا رحمه الله .
وهذا الرجل لا يدري ما له مما عليه .
وكذلك الصبر على شدة المدينة ولأوائها لمن قصد الهجرة أو العلم والانحياز إلى جماعة المسلمين وأئمتهم . وكذلك قصد مسجد المدينة للصلاة فيه والاعتكاف ، وطاعة الله ورسوله هو من أفضل القرب ، ومن أسباب المغفرة . والراوي لم يجزم بأنه  قال : ( كنت له شفيعا ) ولذلك قال : ( أو شهيداً ) وعلى كل فهو اخبار عن الله أنه يرضى هذا ويشفعه في فاعليه . فعاد الأمر لله ، والنفع والضر والإغناء منه وإليه ، لا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه .
ثم قد تكون الجماعة والعلم في غير المدينة ،كما وقع بعد القرون المفضلة ، والرحلة إلى ذلك مستحبة أو واجبة ، بخلاف من خرج من المدينة جزعا من لأوائها . وطلبا للدنيا وفي الحديث : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن ) فمن ترك المدينة فراراً من الفتن فهو محمود بنص هذا الحديث ، ولا يحمد الصبر على الافتتان ، وإنما يحمد الصبر في الفتن وعن الفتن . فافهم هذا يزول عنك تلبيس هؤلاء الجهال بما ورد في الحث على الصبر على لأواء المدينة ولزومها .
وقول المعترض : وإنما نفى أن يكون ملك في ذلك اليوم لأحد من خلقه ، وإنما هو يوم جزاء وتفضل منه جل وعلا ، وعدل بين الناس وعلى الكفار .
فجوابه أن يقال : هذه العبارة فيها لحن في موضعين . الأول : نصب اسم يكون . والثاني : في تعدية العدل بعلى . وهو معطوف على المضاف غير محتاج للتعدية .
ثم يقال : أي شيء في هذا يدل على أن قوله  : ( لا أغني عنك من الله شيئا ) في حق من لم يؤمن كما زعمه هذا الغبي ؟ وقد اشتهر في الكتاب والسنة وعرف المسلمين ولغتهم تسمية هذا اليوم بيوم الدين . وإن كان يحصل فيه فضل وكرم ومغفرة ، فيحصل فيه أيضا من العقوبات والأهوال والشدائد ما يقتضيه عدله وحكمته وحمده . والكل دين وجزاء على الأعمال ، وما كان في هذه الحياة الدنيا .
وأما قوله : ومن تفضله تمليكه لمن يشاء الشفاعة .
وقد تقدم أنه لا دليل يدل على أن أحداً يملك الشفاعة مع الله ، وأنه المختص سبحانه بملكها ، كما دل عليه القرآن صريحا في مواضع .
وأما الاستثناء في آية الزخرف وآية مريم فلا يفيد إثبات الملك .
والأكثر على أنه منقطع ، وعلى القول بأنه متصل فلا حجة فيه ، بل هو كقوله تعالى : { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا } فالاستثناء في كل الآيات دليل على حصولها ووقوعها ، لا على أنها تملك كسائر الأملاك العادية . وكما يظنه أهل الجاهلية .
وأما قول البغوي : لا يملك اله تعالى في ذلك اليوم أحدا كما ملكهم في الدنيا فهو يشهد لما قررناه ، وكذلك ما حكى المعترض عن عصام هو من هذا القبيل .
وقول المعترض : ومع ذلك لا ننكر أن يكون في الأمة الأحداث والمنكرات والأفعال التي لا تزال فيها .
قلت : كأنه يريد أن الشفاعة مملوكة لغير الله وحاصلة مع وقوع الأحداث والمنكرات والأفعال دائما في الأمة ، يعني فالشفاعة لأهلها .
وقصده أن كل الأحداث والمنكرات التي لاتزال تقع يشفع في أهلها وأصاحبها . وتنالهم شفاعته  . وهذا جزم منه بأن الرسول  يشفع في كل من أحدث حدثا أو فعل منكرا كالزنادقة وعباد القبور والرافضة ، والجهمية والقدرية ، والاتحادية والحلولية ، وكل ما يحدث في الأمة ، فأين هذا من قوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } وقوله : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } وقول النبي  : ( أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:47 PM
فسبحان من طبع على قلب هذا وزين له عمله حتى انتهى إلى غاية في الضلالة ما وصل اليها أحد قبله ممن تصدى لرد ما جاء به نبينا من الهدى ودين الحق ، فليهن كل مرتد وجهمي ورافضي دخوله في شفاعته  له وغناه عنه ، بزعم هذا الغبي الجاهل لأنهم أهل الأحداث التي لا تزال تحدث وتتجدد . وقد قال النبي  : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) فما حدث في بني إسرائيل من الأحداث التي تخالف ما جاءت به الأنبياء وتصادمه لا بد أن تحدث في هذه الأمة ، لأن النبي  أخبر به ، وأكد حصوله باللام الموطئة للقسم ، وبالتشبيه البليغ الدال على موافقتهم ومتابعتهم في كل فرد من سننهم وطرائقهم وقال  : ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ) وعلى زعم هذا الجاهل كل هؤلاء داخلون في شفاعته  ناجون بها .
فنبرأ إلى الله من هذه الأقوال الكاذبة الخاطئة . ومن قائلها . وقد نزه الله شرع نبيه وطهره عن هذه الحماقات . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .


فصل

قال المعترض : وقد قال تعالى : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } قال أبو العباس : ومن قال إنها عامة في الأمم كآيات الواقعة ، فقد أخطأ وساق حديث : ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم ) فذلك لأنه سبحانه وتعالى كريم يحب الكرم والافضال : { إن ربك واسع المغفرة } { ورحمتي وسعت كل شيء } ومن رحمته الشفاعة لنبيه ووصفه بالرأفـة والرحمة ، وقال : { بالمؤمنين رؤوف رحيم } وقال تعالى عن نفسه : { وكان بالمؤمنين رحيما } ومع ذلك لا تزال علماء أمته ينكرون عليهم ويجددون لها دينها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويدخلون عليها من الأبواب الواسع ولا يخافون لومة لائم ، ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها . كما فعل هذا الرجل وذووه ، ولا يفعل هذا إلا مبتدع خارج عن سبيل علماء الأمة وسلفها الصالح ، وقد اتبع هواه وهو يتجارى به الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه .
والجواب أن يقال : وقوف المؤمن العارف بدين الله على هذه الضلالات والجهالات المركبة فيه تنبيه له على نعمة الله عليه ، وحث على شكر نعمة الإيمان والإسلام والفهم عن الله قال تعالى : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } قال بعض السلف : من أعطي القرآن ورأى أن أحدا فوقه فما عرف نعمة الله عليه ، وهذه الآية فيها الدلالة والبرهان على بطلان ما أورده المعترض من أول كلمة أنكرها على شيخنا رحمه الله ، وذلك من وجوه :
الوجه الأول : أن قوله تعالى : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } وإضافة التوريث إليه تعالى لهم دون غيرهم شاهد لقول الشيخ أن الأمة في مقام المدح والثناء التي

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:47 PM
جاءت الآثار بمدحهم وتزكيتهم وقيامهم بدين الله وشرعه هم أهل القرآن الذين أورثهم الله كتابه ، يتلونه حق تلاوته ، فيعلمون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ، ويحللون حلاله ويحرمون حرامه . وهؤلاء جنس ونوع آخر قد باينوا عباد القبور والجهمية والزنادقة وأهل الأهواء والبدع المضلة .
قال شيخ الإسلام رحمه الله : إنما جاء إضافة توريث الكتاب الى الله في الصنف المحمود في كتاب الله من أوليائه وعباده المؤمنين . فهو سياق في معرض الثناء بخلاف قوله : { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى } فإنه أسند الإرث إليهم ولم يزكهم .
وبهذا تعرف أن هذه الآية كقوله  في الفرقة الناجية دون سائر الفرق : ( هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) ولا قائل بعصمة أصحاب رسول الله  من الذنوب ، بل تقع فيهم ومنهم ومنهم ومنهم . فظهر أن الله أورث كتابة أهل التوحيد والإيمان والسنة . وأما أهل الشرك وعبادة الصالحين ومن عطل أسماءه وصفاته أو سب أئمة الهدى وأعلام الدجى ونسبهم إلى هؤلاء وتجارى الكلب وغير ذلك مما هو مسئول عنه ومحبوس ، حتى يخرج منه هذا إن لقي الله مسلما ، وإلا فالأمر شديد والهول عظيم . والله بصير بالعباد .
الوجه الثاني : قوله : { اصطفينا } فإن الاصطفاء هو الاختيار والاجتباء ، ولا قائل من الناس بأن كل مدع للإيمان والإسلام يدخل في هذا العموم من غير تحقيق لدعواه بالإيمان بالله وتوحيده ، واثبات صفات كماله ومتابعة رسله . ومن قال غير هذا فخطأه أوضح من أن ننبه عليه .
ومعلوم : أن الزنادقة والجهمية والاتحادية والحلولية كلهم يدعون أنهم من المصطفين ومن أتباع الرسل ، وكل هؤلاء ما أورثهم الله كتابه ولا اصطفاهم . ومن زعم غير ذلك فهو شاهد زور : ( ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم لكن البينة على من ادعى ) وقال تعالى : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين } فقد حكم تعالى في هذه الآية بحكم لا مطمع بعده لمبطل مشرك أن يكون من أهل الجنة وأهل الاصطفاء المستحقين للثواب . فإن قوله : { بلى من أسلم وجهه لله } يخرج كل مشرك يعدل بربه ، ويسوي بينه وبين غيره في خالص حقه وقوله : { وهو محسن } يخرج كل مبتدع لم يأت بما وجب من المتابعة والسير على المنهاج المحمدي في أصول الدين وفروعه . وهذان الصنفان ليسوا من أهل الاصطفاء والنزاع فيهم . وفي قوله : { من عبادنا } ما يشهد لهذا فإن العباد في مقام المدح لا يدخل فيهم من عبد الصالحين والأنبياء ودعاهم مع الله لأن الإضافة تقتضي توحيدهم وإخلاصهم العبادة . فهي إضافة تشريف . وهو الوجه الثالث .
وأما قول أبي العباس : إنها ليست بعامة في الأمم كآية الواقعة . فهذا يدل على أن من ذكر في هذه الآية لا يدخل فيهم إلا من آمن بالله ورسله وأفرده بالعبادة بخلاف أهل الشرك والبدع المكفرة . فإنهم هم المذكورون في الآية بعدها . ففيه أن هذه الأمة منهم من كفر بالله ورسله كالمذكورين في آخر هذه الآية . وكلام أبي العباس يدل عليه . إذ جعل الآيات هنا في هذه الأمـة خاصة لا في غيرها من الأمم . كما في آية الواقعة .
الوجه الرابع : أنه تعالى ذكـر بعد هذا قسما رابعا لم يدخلوا في قوله ¬: { فمنهم ظالم لنفسه } وذلك قوله تعالى : { والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك تجزي كل كفور } وقد ذكر شيخ الإسلام الإجماع على كفر مـن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويعبدهم ، ويتوكل عليهم . والنزاع بيننا وبين هذا المعترض إنما هو في

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 06:48 PM
باقي تقريباً مية صفحه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:07 PM
هذا الصنف . فهم بهذا القسم أليق ، وإليه أقرب . فالآية حجة لشيخنا رحمه الله . وليس فيها ما يتعلق به هذا المعترض بوجه من الوجوه .
وأما قوله  : ( لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) فالخطاب في هذا للمؤمنين الذين أفردوا الله بالعبادة ، ولم يتخذوا معه آلهة أخرى . وأما من دعا الأولياء والصالحين من أهل القبور والغائبين وجعلهم أندادا لله رب العالمين فهذا مشرك شركا يحول بينه وبين المغفرة . قال تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } في موضعين من كتابه (4 : 48 و 116 ) وقال تعالى : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } .
إذا عرفت هذا فالمعترض جاهلي ، بقى على جاهليته لم يميز بين الذنوب ، ولم يعرف معنى الأحاديث النبوية . ثم لو سلمنا أن الذنوب في الحديث يدخل فيها الشرك والمكفرات لكان في قوله : ( فيستغفرون فيغفر لهم ) دليل على أن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة منه ، وإن الاستغفار إذا أطلق كان بمعنى التوبة التي تشمل على الندم والإقلاع والعزم على ألا يعود .
هذا هو الاستغفار المراد عند الإطلاق في كلام الله وكلام رسوله .
وأما قوله تعالى : { ورحمتي وسعت كل شيء } فقد أخبر تعالى بأنه سيكتبها : { للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون . الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } .
وأما وصف الرسول  بالرحمة ، فهو لا يقتضي الشفاعة لمن دعاه بعد موته  وخرج عن سبيل المؤمنين . وقد تقدم أنه يقول لمن يذاد عن الحوض من أصحابه إذا قيل له : إنك لا تدري مـا أحدثوا بعدك فيقول : ( سحقا سحقا ) .
وأما قول المعترض : ومع ذلك لا تزال علماء أمته ينكرون ويجددون . فنعم ولكن لا يزال المنافقون والملحدون يعادونهم ويردون ما جاءوا به من الدين ، ويقولون : هو ظاهر لا يحتاج لتجديد ويلقبونهم بالألقاب الشنيعة ، وينسبون إليهم تكفير الأمة الوسط إذا أنكروا على عباد القبور والمشركين ، فتعسا لمن هذا حرفته ، وهذه صفته .
وأما قوله : ويدخلون عليها من الباب الواسع .
فإن كان مراده أنهم يوسعون لمن دعا الصالحين وأشرك بالأموات والغائبين . فقد كذب وافترى وبهت علماء الأمة ، بل شددوا في ذلك وحكموا بأنه من الشرك الأكبر ، ونهوا عن وسائله وذرائعه ، عملا بقول نبيهم  ونصحا للأمة ، ونهـوا عما دون ذلك من شرك الألفاظ والأقوال ، كقول ( ما شاء الله وشئت ) وكقول القائل ( والله وحياتك ، ولولا البط في الـدار لأتانا اللصوص ) ولم يرخصوا في ذلك ولم يوسعوا فيه . فكيف بالشرك الأكبر وما فيه التسوية بين الله وبين عباده في خالص حقه ؟ ، وبهذا تعرف ما تقدم مرارا من أن هذا المعترض فيه مشابهة برجال الجاهلية الأولى في عدم معرفة دين الأنبياء ، وعدم قبوله وإيثاره على ما سواه .
وأما قوله : ويتحاشون من الباب الضيق بتكفيرها كما فعل هذا الرجل وذووه .
فقد عرفت أنه جعل الباب النبوي المحمدي في تكفير من أشرك بالله وسوى بينه وبين خلقة بابا ضيقاً ، ونسب فاعله إلى الابتداع والخروج والهوى الذي يتجارى بصاحبه كما يتجارى الكلب ولعمر الله إن الحكم بهذا والذهاب إليه من أعظم المكفرات وموجبات الردة لمن عرف أن الرسول جاء به وأن القرآن حكم على أهله بالشرك والكفر .
وأما الأعمى الذي لا يدري قول الرسول ، ولا يعرف أحكام التنزيل ، ولم يبلغه عن الله ورسوله تكفير من عصى الرسل ، ودعا الأموات والغائبين فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فأهل العلم لهم في مثله كلام ليس هذا محله .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:08 PM
فصل

قال المعترض : ولهذا قال الإمام أحمد : صح عن النبي  من خمسة أوجه أنه قال : ( الخوارج كلاب النار ) فالحاصل أنه لا يكذب بحال الروح إلا من قلبه مجروح دون أنه  في قبره حي وجسده طري أغلى من حياة الشهداء يسمع المخاطب . وصح عن سعيد بن المسيب أنه يسمع أيام فتنة الحرة الآذان والإقامة من قبره  ، وليس موسى بأعلى رتبة منه عليهما الصلاة والسلام . وقد مر أنه يصلي في قبره وذكر ابن القيم من أحوال الروح في كتاب الروح الكبير ما لا يمكن أن يتكلم به مع هؤلاء الجهلة الغوغاء ، وأنها قد تهزم الجيوش .
ثم ذكر حديث : ( إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام ) وحديث : ( تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم ) وساق حديث : ( إن أعمالكم تعرض على عشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا ) .
قال المعترض : وإن كان سفيان قد دلس فيه فهو ثقة عدل .
يشير إلى أن سفيان حدث عمن سمع أنس بن مالك .
والجواب : أما ما جاء في الخوارج عن رسول الله  فهو حق لا ريب فيه . والخوارج لا يعرفهم هذا وأمثاله من الضلال . فإنهم قوم خرجوا على أصحاب رسول الله  وكفروهم ، وفسقوهم بتحكيم الحكمين ، ووضع الهدنـة بين المسلمين في قتالهـم فكفروهم بأمـور ظنوها ذنوبا وسيئات متأولين قوله تعالى : { إن الحكم إلا لله } وقوله تعالى : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } قالوا فلا حكم لأحد ولا هدنة بعد براءة ، وقصتهم معروفة . وقـد قاتلهم أمير المؤمنين علي وقتلهم ، وبقيت منهم بقية صارت لهم صولة وجماعة في خلافة بني أمية فقاتلهم ابن الزبير ، وقاتلهم الحجاج ، وقاتلهم المهلب بن أبي صفرة . فهؤلاء كفروا أهل الإيمان والإسلام بأمور ظنوها ذنوبا وسيئات .
وأما أهل العلم والإيمان وأتباع الرسل فهم يفرقون بين الذنوب وغيرها ، ويفصلون في الذنوب المحققة بين ما يكفر ويوجب الردة وما يوجب الفسوق فقط ، ومـا لا يوجبه من الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر . فهم على صراط مستقيم ومنهج مستبين ، يأتمون بكتاب الله ويقتدون برسول الله ، ويعتصمون بحبل الله : قد فصلوا وبينوا الذنوب المكفرة لأصحابها . وقرروها بأدلتها في كتب الحديث ، كالصحيحين والسنن الأربع والمساند الثمانية والمعاجم ، ونحوها من دواوين الإسلام التي يرجع إليها في سائر الأحكام ولذلك عقد أهل المذاهب المتبوعين أبوابا مستقلة في حكم الردة ، وذكروا ما يكفر به المسلم من الأقوال والأفعال . وكلهم قرر أن الشرك الأكبر يوجب الردة كما يوجبها السحر والاستهزاء بالله وبكلامه ورسله وذكروا أشياء كثيرة قد أفردها ابن حجر الهيتمي وغيره بالتصنيف . فإن كان هؤلاء كلهم خوارج . فليس في الأمة إلا خارجي مبتدع ، وإمامهم ورئيسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي كفر وقاتل مانع الزكاة ، وإن لم يكن هؤلاء من الخوارج وأهل البدع ، فالشيخ رحمه الله واحد من الجملة وفرد من آحاد العلماء ، ولم يخرج عن سبيل أهل العلم في مسألة من المسائل . والمسألة التي فيها النزاع ـ وهي دعاء الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها من المطالب ـ مسألة إجماعية لا نزاع فيها بين علماء الأمة . وقد حكى شيخ الإسلام الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط ، يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم بل حكى فى رده على النصارى أن النبوات اتفقت على تكفير من دعا الأموات والغائبين وقرر أن هذا من العبادات التي لا تصرف لغير الله ولا يستحقها أحد سواه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:08 PM
إذا عرفت هذا فالمعترض وأمثاله صالوا على أتباع الرسل قديما وحديثا بأنهم خوارج ، وأن هذا دين الخوارج . وقالت قريش قبلهم لرسول الله  : إنه صابئ والصابئ قريب من معنى المعتزلي والخارجي . قال ابن القيم رحمه الله في نونيته :
ومن العجائب أنهم قالــوا * لمن قـد دان بالآثار والقرآن
أنتم بذا مثل الخوارج أنهم * أخذواالظواهر ما اهتدوا لمعاني
فثبت أن هذا الدعاء قديم صد به إبليس الرجيم أمما لم يفرقوا بين ما كفرت به الرسل وأتباعهم وما كفرت به الخوارج وأشياعهم . فكم هلك في هذا من جاهل . وكم زاغ به من زائغ .
ثم يقال لهذا الغبي الضال : إذا ثبت أن الخوارج كلاب أهل النار لأنهم كفروا أهل الإسلام بالذنوب ـ على زعمهم ـ فكيف ترى بمن كفر أئمة الدين وعلماء الأمة وورثة الرسول بمتابعته ، وتجريد التوحيد ، والبراءة من الشرك وأهله ؟ فأي الفريقين أحق أن يكون من كلاب النار : من كفر بالذنوب والسيئات ، أو من كفر بمحض الإيمان والحسنات ؟ الله أكبر . ما أضل هذا الرجل عن سواء السبيل .
وأما قوله : فالحاصل أنه لا يكذب بحال الروح إلا من قلبه مجروح .
فيقال : هذا شروع منه في أن الأرواح لها تصرف وعلم يوجب دعاءها بعد مفارقة أجسادها ، والاستغاثة بها ، وهذا القول حكاه شيخ الإسلام عن الصابئة ، وقرره غير واحد في دعاء الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء والصالحين والملائكة .
واستدل الغبي على هذه الدعوى الصابئية بأنه  في قبره حي ، وجسده طري ـ بأبي هو وأمي ـ ولم يفقه هذا الأعمى معنى حياة الأنبياء والشهداء ، ولم يدر حقيقتها مع أن الإشارة إليها صريحة في كتاب الله ! وفي سنة رسول الله . والرجل حاطب ليل لا علم له بما يورده من النقول ، ولا دراية له بشيء من المعقول . وليست حياة الأنبياء والشهداء كما يظنه هؤلاء وأسلافهم من الصابئه : من أن لهم علما بحال من دعاهم وقدرة على إجابته ، وتصرف في العالم ، وجولانا في الملكوت ويكفي المؤمن في بيان حياتهم والإشارة إلى حقيقتها قوله تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } وقوله  فيما صح عنه : ( أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ) ويكفي في إبطال قول الصابئة وورثتهم قوله تعالى عن المسيح : { وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد } فإن في هذه الآية ما يدل على أنه عليه السلام لا علم له بما صدر وجرى منهم بعد وفاته . وأنه إنما يشهد بما كان منهم مـدة حياته وبقائه فيهم ولا يعلم سواه ، ولا يشهد بغيره . وعن ابن عباس مرفوعا : ( تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا ثم قرأ : { كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين } وأول من يكسى إبراهيم . ويؤخذ برجـال من أصحابي ذات الشمال فأقول : أصحابي . فيقال : إنهـم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم . فأقول كما قال العبد الصالح : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم . وأنت على كل شيء شهيد . إن تعذيهم فإنهم عبادك وإن تغفرلهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ) .
فإذا كانت هذه أحوال أكابر الرسل وسادات الأنبياء لا شهادة لهم ولا علم بأممهم إلا مدة دوامهم فيهم . وحياتهـم بين أظهرهم . فكيف يقال : بأن الروح تعلم علما مطلقا بحال من دعاها . فتسأل أو تدعى ؟ ما أقبح الكذب على الله وعلى رسله .
وكذلك قوله تعالى لنبيه محمـد  : { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } وفي الحديث : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع بـه ، أو لد صالح يدعـو له ) وقوله  : ( نسمة المؤمن طائر يعلق بشجر الجنة ) .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:09 PM
وأما حياته في قبره فنعم ولكن الشأن في معرفة حقيقة هذه الحياة والفرق بينها وبين الحياة الدنيوية .
وأما سماع النداء بالآذان والإقامة من القبر الشريف فالأمر أجل من ذلك وأرفع وقد سمعت القراءة من كثير من الأموات من سائر المؤمنين فكيف بسيد المرسلين ؟ .
وأما صلاة موسي في قبره فإن صح الحديث بها فليس فيها حجة ولا دليل على أن أحدا منهم يقصد للدعاء والشفاعة . والحديث فيه مقال . ولذلك قال ابن القيم في الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية :
في النفس منه حسيلة : هل قاله * والحق ما قد قال ذو الفرقان
وأما ما ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح فليس فيه أن الأرواح تفعل وتهزم الجيوش أو تنصر على الأعداء كما زعمه هذا الضال الذي مبنى دينه ورده على المسبة والسفاهة ، ونسبة المؤمنين إلى أنهم جهلة غوغاء . فليوجدنا حرفا يشهد لقوله عن ابن القيم أو غيره . بل في كتاب الروح من ذكر أحوال الأرواح وتقسيمها واشتغالها بما هي بصدده ، وحبس بعضها وانقطاع أعمالها وغير ذلك من صفاتها ما يشهد بأنها مقهورة مربوبة مدبرة ، لا تزيد في حسناتها ولا تنقص من سيئاتها إلى يوم النشور خلافا لما زعمه الكاذب الظالم الفجور .
وأما حديث : ( إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام ) فهذا الحديث حجة لأهل التوحيد القائلين بأن الرسول لا يعلم الغيب ، ولا يملك لأحد ضرا ولا نفعا .
ووجه الدليل : أن السلام يرفع إليه ويبلغ إياه ، ولم يرد أنه يعلم أو يسمع من بعد من المصلين والمسَلِّمين عليه . وإذا كان الحال هكذا فما ظنك بالداعين والطالبين ؟ وكذلك عرض الاعمال عليه يقال فيه ما قيل في هذا . وكذلك عرضها على العشائر والأقارب لا يدل على أن الميت يدعى ويقصد ، ويطلب منه الاستغفار ، فإن من دين المشركين .
وهذه الأحاديث لا تدل على جواز دعاء الأموات والغائبين ، ولا على عموم العلم بحال الداعين ، ولا على حصول الاستغفار في كل وقت وحين فإن هذا يحتاج لتوقيف من الشارع  .
وأما قوله : وإن كان سفيان قد دلس فهو ثقة عدل .
فيقال له : البحث في هذا ليس من شأنك ولا من حرفتك ، ولا تحسن الخوض في هذه المباحث وسفيان أجل من أن يزكية أمثالك من الضالين ، والعلة ليس ما زعمته وقررته .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:10 PM
فصل

ثم ذكر المعترض بعد هذه الأحاديث التي مرت من الفحش والكذب والوقاحه ما يتحاشي العاقل عن ذكره وحكايته . وليس من الحجة في شيء حتي يحكى ويرد وإنمـا هو سباب لا يصدر من ذوي الألباب . وهكذا حال الجاهل والسفية إذا أفلس ضاق عطنه فاستراح إلى المسبة والفحش والبذاءه . وقال أبو حيان فيما كتبه في الرد على الزمخشري :
ويشـتم أعـلام الأئمـة ضلة * ولا سيما أن أوردوه المضـايقا
ويسهب في المعنى الوجيز دلالـة * بتكثير الفاظ تسمى الشقاشقا
ثم ذكر كلاما طويلا في مسبة بلد الشيخ وموضعه ، وأنه بلد مسيلمة ونجدة الحروري والقرمطي والاخيصر وابن عصفور ، وهذا حاصل علم ثور المدار ابن منصور ، أي بلد من بلاد المسلمين لم يقع فيها من المكفرات والشرك وعبادة النيران أو الأوثان أو البدع المضلة ما هو من جنس ما حصل باليمامة أو أفحش .
ثم كون نجدة الخارجي والقرمطي من هذه البلاد كلام كذب وزور على عادته فإن نجدة ابتلي ببدعته ومروقة بالعراق . وبها استقر وهي وطنه وأيضا فقد ثبت أنه تاب لما ناظره ابن عباس .
والقرمطي بلاده القطيف والخط . وليس من حدود اليمامة ، بل ولا من حدود نجد ، ثم لو فرض أنه من نجد ومـن اليمامة ومن بلدة الشيخ ، أي ضرر في ذلك ؟ وهل عاب الله ورسوله أحداً من المسلمين أو غيرهم ببلده ووطنه ، وكونه فارسيا . أو زنجيا أو مصريا من بلاد فرعون . ومحل كفره وسلطنته . وعكرمة بن أبي جهل من أفاضل الصحابة ، وأبوه فرعون هذه الأمة .
ومن العجب أنه يقول في المؤمنين : { فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً } وهو كما ترى من أكثف الناس حجابا ، وأغلظهم ذهنا ، يعيب من زكاهم الله ورسوله بالايمان به . ومتابعة رسوله ببلاد قد كفر فيها بالله وعبد مع غيره . وهو يعلم أن بلاد الخليل ابراهيم حران دار الصابئة المشركين عباد النجوم . ودار يوسف دار فرعون الكافر اللعين . وسكنها موسى بعده وأكابر بني اسرائيل . وكذلك مكة المشرفة ، وسكنها المشركون وعلقوا الأصنام على الكعبه المشرفة ، وأخرجوا نبيهم وقاتلوه المرة بعد المرة أفيستحل مؤمن أو عاقل أو جاهل أن يلمز أحد من المهاجرين أو من مسلمة الفتح أو من بعدهم من المؤمنين بما سلف في مكة من الشرك بالله رب العالمين ؟ فاحكم أيها السامع المنصف بيننا وبين هذا الرجل الذي يتأول فينا قوله تعالى : { فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } قد رفعت إليك الخصومة وجاء كل بحجته . عسى أن يوفق لهما صاحب سنة وصاحب صناعة

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:12 PM
يحكم بالحق ، ويفصل النزاع . فقد طال اعتراض هؤلاء الجهلة ، وتمادوا في غيهم وضلالهم ، فالله المستعان .
ثم قال : ومن ذلك الذي نحن بصدده حديث الأعمى الذي صححه الترمذي وغيره من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه الذي علمه النبي  إياه . وفيه النداء بغيبتة ، ففتح الله له عينيه ، فجاء اليه كأن لم يكن به بأس . وعلمه عثمان بن حنيف رجلا في خلافة عثمان . وكانت له حاجة فتيسرت حاجته فالكل من عند الله تعالى في الحقيقة . وهو  سبب يكرمه الله بذلك ، فما ذنب صاحب البردة رحمه الله في قوله : يا أكرم الخلق ؟ أليس هو بأكرم الخلق على الله ؟ .
ثم قال : وروى الحاكم باسناده عن عمر قال : قال رسول الله  لما اقترف آدم الخطيئة قال : ( يارب أسالك بحق محمد لما غفرت لي ، قال الله تعالى : يا آدم ، وكيف عرفت محمد ولم أخلقه ؟ قال : يارب لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فإذا على قوائم العرش مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله . فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك وقال الله : صدقت يا آدم ، إنه لأحب الخلق إلي . إن سألتني بحقه غفرت لك . ولولا محمد ما خلقتك ) ورواه الطبراني وزاد : ( وهو آخر الأنبياء من ذريتك ) قال ومن ذلك قوله تعالى : { واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام } على قراءة الجر . وقد صح عن عبدالله بن جعفر رضي الله عنه انه إذا سأل عمه شيئا بحق جعفر أجابه .
ثم أخذ يكرر ما تقدم من حديث الرسول بحق السائلين وحديث الغار ، وأن ذات النبي  أعلى من العمل الصالح . وقد أعطاه الله الشفاعات ، وهو حي في قبره  ، وأن سعيدا سمع الآذان والإقامة أيام الحرة من القبر الشريف ، وأنه يستغفر لأمته .
وكل هذا قد تكرر . ولكنه أفلس وعاد إلى تقليب ما في المكتل . كل هذا أجبنا عنه بحمد الله .
ثم قال : فأين هذا من عبادة غير الله تعالى من دونه جل وعلا والذي في الآيـة الكريمـة التي استدل بها هذا الرجل على تكفير هذه الأمة ؟ . سبحانك هذا بهتان عظيم . إذ هو من القول على الله بلا علم . وليس مـا ذكرنا استدلالا منا على ذلك لا اثباتا ولا نفيا : فذلك أمر آخر . وإنما هو نفي لتكفير هذا الرجل للأمة وعلمائها بذلك بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . فلا بكتاب ربه في ذلك اهتدى ، ولا بسنة رسول الله  اقتدى ، ولا بقول من بقوله الرضى والشفاء من العلماء ، لا بصحابي مضى ، ولا بتابعي قفى ، ولا عمن في قوله الشفاء من العلماء أهل المعرفة بالاقتداء ونحن بحمد الله ندين بأنه واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . لا رب لنا سواه ولا نعبد إلا إياه حي قيوم وهو على كل شيء قدير . بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله . له الخلق والأمر . ولكن لا نحكم أنفسنا على الله تعالى ورسوله . وما فعله السلف أو ردوه لا يكون كفرا جائزا أو غير جائز عند بعضهم ، بل ولا فسقا .
والجواب أن يقال : قد تقدم الكلام على حديث الأعمى وتقدم تنبيه هذا المعترض على الفرق بين الأسباب ، وأن منها ما شرع ومنها ما لم يشرع هذا على تسليم كون سؤاله  سببا يشفع لمن دعاه .
وقوله : فما ذنب صاحب البرده . قد تقدم الكلام في ذنبه ، وبيان الوجه في ذلك وإن لم يفقه هذا المعترض ، وليس النزاع في كونه  أكرم الخلق ، وإنما هو في دعاء غير الله والاستغاثة بسواه .
وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب بتوسل آدم بحق محمد فهو حديث موضوع مكذوب باتفاق أهل العلم بالحديث كما جزم به شيخ الإسلام في كتاب الاستغاثه في الرد على ابن البكري ، وأهل العلم يفرقون بين ما رواه الطبراني وما رواه أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وموطأ مالك ، وما رواه

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:14 PM
غيرهم من أهل المسانيد لا سيما الطبراني وأمثاله من المكثرين ، فلا يحتج بحديثهم وما انفردوا به إلا بعد النظر في سنده ، وكلام أهل الجرح والتعديل ومجرد العزو لا تقوم به حجة ، لكثرة ما اشتمل عليه من الموضوعات .
وقد أنكر الحفاظ الحكاية التي تنسب إلى مالك مع الخليفة المنصور التي ذكر فيها : كيف تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة آبائك وجزموا بأن الحكاية موضوعه ، وأن مالكا لم يقل هذا .
وقد تكلم عليه الحفاظ ابن عبدالهادي وغيره بكلام بديع ، وذكر أنه من رواية عبدالرحمن بن زيد بن أسلم الذي قال فيه مالك بن أنس رحمه الله : إذهب إلى عبدالرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح .
وقال الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي يقول : سأل رجل عبدالرحمن بن زيد بن أسلم : أحدثك أبوك عن أبيه عن جده : إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين ؟ قال نعم قال ابن خزيمة : عبدالرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل العلم بحديثه ، وقال الحاكم : روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه ، وقال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني : حدث عن أبيه ، لا شيء .
وأما سؤال عبدالله بحق جعفر فليس فيه دلالة على محل النزاع ، وليس منه في شيء فان السؤال للحقوق الثابتة حض وحث على التزامها ، وليس من سؤال غير الله ودعائه . فكما أن للسائلين على الله حقا يسأل به كذلك للرحم حق على الأقارب يسألون به ، وأين هذا من قول الناظم في بردته : مالي من ألوذ به سواك ، وما بعده .
وأما قوله : فأين هذا من عبادة غير الله ، فالكلام ليس في التوسل الذي هو سؤال الله بحق عباده ، والتوسل بالاعمال الصالحة ، حتى يقال أين هذا من عبادة غير الله ؟ وإنما النزاع والكلام في دعاء غير الله من الأموات والغائبين ، ومن استبعد كونه عباده لغير الله وأنكر ذلك فهو من أجهل الخلق بمسمى العبادة ، وقال تعالى : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ومـر حديث النعمان وقوله : ( الدعاء هو العبادة ) وحديث : { الدعاء مخ العبادة } والمعترض مخاتل متلاعب بدين الله ، وسيجزيه الله على ذلك ما يستحقه وتقتضيه حكمة الرب في مجازاة أمثاله .
وأما قوله : وليس مـا ذكرنا استدلالا منا على ذلك لا إثباتا ولا نفيا .
فهذا كذب يناقض ما قبله . فإنه أثبت ما في أبيات البردة وقرره ، وساق ما يزعم أنه يشهد له ، وأن الطلب من الأموات والغائبين بقصد الشفاعة جائز وارد . ونفي ما استدل عليه الشيخ من تحريم دعاء الأموات الشفاعة أو غيرها . وزعم أن من قال : هذا من الشرك . فقد كفر الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس ، القائمين بدين الله ، وأكثر من هذا النوع وأسهب فيه ، كما مر . وهنا يقول : ليس ما ذكرنا استدلالا منا على ذلك ، ولا إثباتاً ولا نفيا . فالرجل لا يعقل ما يتكلم به ، وشيخنا لم يكفر الأمة وعلماءها حتى صاحب البردة ، وإنما تكلم فيما دل عليه كلامه واقتضاه نظمه وخطابه ، وعلماء الأمة ليسوا من هذا الضرب الغالين في الأنبياء والصالحين وهذا الرجل ما عرف العلم ولا العلماء ، ولا مسمى الأمة ولا مسمى التوحيد ، ولا مسمى الشرك ولا التوسل . فهو أجهل الخلق بحدود ما أنزل الله على رسوله وهو أحق الناس بما رمى به شيخنا من ترك الاهتداء والاقتداء وعدم القول بمـا ذهب إليه أهل الرضى .
وأما قوله : ونحن بحمدالله ندين بأن الله واحد أحد لا رب لنا سواه ولا نعبد إلا إياه .
فيقال : الخصومة منذ سنين بيننا وبينك فيما دلت عليه هـذه الكلمة ، والنزاع في عبادة الله وحده لا شريك له . نحن نقول : دعاء الأنبياء والصالحين من الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها شرك ظاهر مستبين ، ونستدل على قولنا بما في كتاب الله من تحريم دعاء غيره وعبادة سواه ، وندخل دعاء الأموات والغائبين فيما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال السلف ، وأهل التأويل ، كما استدل بذلك سلفنا الصالح من علماء الأمة ، وأئمة الدين وأكابر المحدثين والمجتهدين ، وأنت أيها الرجل تزعم أن هذا جائز أو مستحب . وتستدل بما مر من أدلتك التي يعرف من نظر فيها أنك عن العلم والإصابة بمعزل ، وأنك لم تتصور حقيقة الإسلام وما جاءت به الرسل الكرام .
وأما قوله : ولكن لا نحكم أنفسنا على الله ورسوله . فقد كذب في هذا ، بل حكم نفسه ورجع إليها ، وقاد النصوص إلى رأيه الضال وقوله الفاسد .
وقوله : وما فعله السلف لا يكون كفراً جائزاً أو غير جائز عند بعضهم ، بل ولا فسقاً .
فهذا الكلام كلام جاهل لا يدري ما يقول . فأي شيء فعله السلف أو رأوه جائزاً كفر به شيخنا ؟ وما معنى هذه الكلمة ؟ وهذا الاسم عند الإطلاق ؟ أهو للجميع والجملة ، أو لفرد منها ؟ وأظنه يشير إلى أن سؤال الله بجاه الأنبياء والأولياء فعله بعض السلف . فأطلق اسم السلف على فرد منهم ، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة ، وأن الذي يشير إليه هذا ما فعله أحد قط ، وفي قوله : أو غير جائز عند بعضهم . يريد أنه لا يذم وإن لم يجزه بعضهم ، ومنع منه ، وهذه المسألة الصواب فيها وفي غيرها : رد مسائل النزاع إلى الكتاب والسنة . والحكم بموجب ذلك ، ولا يقال : إنما فعله السلف ولو غير جائز . ليس بكفر ولا فسق . فإن هذا بكلام الغوغاء أشبه منه بكلام العقلاء ، وقدامة بن مظعون وأصحابه رضي الله عنهم أنكر عليهم أصحاب رسول الله  وجزموا بأن استحلال الخمر بعد قيام الحجة على مستحله كفر ، ووافقهم على ذلك قدامة بن مظعون وأصحابه ، وبادر إلى التوبة هو وأصحابه رضي الله عنهم ، وهم من أكابر السلف ، فكيف يقال : وما فعله السلف لا يكون كفراً ولا فسقاً ؟ والمراد آحاد السلف .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:14 PM
فصل

قال المعترض : فقد روى البيهقي بسند جيد من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الداري رضي الله عنه المعروف بخازن عمر . قال رضي الله عنه : أصاب قحط في زمان عمر بن الخطاب ، فجاء رجل قال : يا رسول الله استسق الله تعالى لأمتك فإنهم هلكوا فأتاه رسول الله  في المنام فقال : ائت عمر ، فاقرأه السلام وأخبرهم أنهم مسقون ، وقل له : عليك الكيس الكيس ، وأتى الرجل عمر فأخبره فبكى ثم قال : يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه . ورواه سيف بن عمر في فتوحه . وبين أن الرجل الذي رأى المنام بلال بن الحارث الصحابي الذي أقطعه النبي  المعادن القبلية. فماذا يقول هذا ؟ أيقول : إن الصحابة رضي الله عنهم الذين منهم أهل الشجرة كفروا ، أم نقلة هذا الخبر من حفاظ هذه الأمة وسلفها الصالح ، فهو كفر بالتوسل له  ، وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا من  الاستسقاء أبلغ من ذلك ، وفيهم الفاروق .
والجواب أن يقال : هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان ، فقد ذكر العلماء الأدلة الشرعية وحصروها وليس أحد منهم استدل على الأحكام برؤيا آحاد الأمة لا سيما إذا تجردت عما يعضدها من الكتاب والسنة والإجماع أو القياس .
وهذا الرجل الذي رآها أبهمه من روى هذه الواقعة ، ولم يعنيه إلا سيف بن عمر على ما زعمه هذا الرجل .
وقد تقدم الكلام في سيف ، وأنه ضعيف لا يحتج به ، ورؤية النبي  لا تدل على استحسان فعل من اشتكى إليه القحط ، وهو  لم يقل أني شفعت لهم في السقيا ، أو طلبتها من الله لهـم ، أو أجبت هذا المشتكي . وإنما أخبر أنهم يسقون . وهذا لا يفيد إقرار هذا الفعل ولا الرضى به . ولا عن فاعله . وهو في حياته  ربما أعطى الرجل المسألة فيخرج بها يتأبطها ناراً . وقد يجري لمن يدعو الصالحين ومن هو دون الأنبياء كثير من هذا النوع . كما ذكره شيخ الإسلام وغيره ، ولكنهم قرروا أن هذا لا يدل على الإباحة ولا على الإجابة بهذا السبب . بل قد لا يشعر المسؤول بشيء من ذلك . فإذا كان هذا يقع والمسؤول لا شعور لديه ، ولا قدرة على الاستجابة فالاحتجاج به خروج عن الحجج الشرعية التي يرجع إليها أهل العلم والإيمان .
ورؤية النبي  وخطابه بمثل هذا لا يدل على حسن حال الرائي وتصويب فعله . هذا لو ثبتت هذه الرؤيا بوجه صحيح شرعي فكيف ودلائل الوضع تلوح عليها ؟ وقد يراه بعض الفساق والكفار ورؤيته نذارة للمجرمين وبشارة للمؤمنين ، وكون عمر بكى ولم ينكر هذه الرؤيا فليس هذا من الأدلة على أنه يشتكي إلى الرسول ، ولم يقل الرائي لعمر : إني ذهبت واشتكيت القحط إلى رسول الله  ، ولم ينقله أحد . والنصارى والكفار يتوجهون إلى من عبدوه مع الله ويسألونه المطالب ، وكشف الشدائد ومع ذلك قد تحصل إجابتهم لما لله في ذلك من الحكمة والفتنة . وقد قال تعالى : { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك } وقد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى . والحجة الصريحة الواضحة ما فعله عمر بن الخطاب وأقره أصحاب رسول الله  وأجمعوا عليه ، كما في الصحيحين وغيرهما : أن عمر استسقى بالعباس بن عبدالمطلب وقال : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نستسقي بنبيك فتسقينا ، وإنا نستسقي بعم نبيك فاسقنا ، قم يا عباس فادع الله فدعا العباس فسقوا . هذا قد أجمع عليه الصحابة وأقروه ، ولم يقل أحد منهم استسق برسول الله ، أو ليس لك العدول عنه ، بل هم أفقه من ذلك وأعلم بدين الله . ثم لو كان حقاً كيف يتركه الجم الغفير ويعدلون عنه ، مع أنه هدى وصواب ، وهذا لا يكاد يقع ممن هو دونهم ، فكيف بهم رضي الله عنهم ؟ ومن ترك هذه النصوص الواضحات الصريحة وعدل عنها إلى رؤيا منامية وحكايات عمن لا يحتجبه في المسائل الإيمانية فهو ممن وصف الله تعالى بقوله : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } وقد قال النبي  : ( إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ) .
قال شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى في الكلام على رد شبه النصارى وما يحتجون به على باطلهم : أسباب الضلال الذي عرض لهؤلاء وأشباههم ثلاثة أمور إما نصوص متشابهة مجملة . لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه ، ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها ، ولا معرفة لما دلت عليه ، أو أمور مكذوبة مردودة من الموضوعات التي لا يحتج بها ، ويرجع إليها في أمر دينه إلا جهال لم يعرفوا ما جاءت به الرسل من الدين والشرائع والثالث : احتجاجهم بخوارق العادة وما يجريه الله لأصحاب الخوارق أو على أيديهم كمخاطبة الشياطين من الأصنام أو القبور أو غيرهما مما عبد مع الله . وقد يتراءى الشيطان لبعضهم في صورة من يعتقد فيه أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه ، كالخضر وعبدالقادر . وقد تخاطب هؤلاء الشياطين من استغاث بغير الله أو دعاه ، وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به ، ويقول أحدهم : رأيت فلاناً وخاطبني فلان أو نحو هذا .
قرر هذا المعنى في رده على النصارى ولخصناه هنا لينتفع به من وقف عليه .
إذا عرفت هذا عرفت بطلان قول المعترض : فماذا يقول هذا الرجل ؟ .
أفيقول : الصحابة رضي الله عنهم كفروا . فإن شيخنا رحمه الله أسعد بحل الصحابة ومتابعتهم من هذا المعترض الضال .
وقوله : وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه  الاستسقاء .
قد تقدم أنه نقله عن واحد وهنا إضافة إلى الصحابة كلهم ، وفيهم عمر ، فما أقبح الكذب ، لا سيما على الله وعلى رسوله وعلى أصحاب رسوله ، كما فعل هذا الضال .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:15 PM
فصل

قال المعترض : وفي كلام محيي الدين أبي زكريا يحيى النووي الشافعي المشهور بالعلم والحفظ والإتقان ، قال بعد أن ذكر صفة زيارة النبي  وصفة السلام عليه وعلى صاحبيه ، والانحراف عن إستدباره واستقبال القبلة بالدعاء ـ قال : ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه النبي  ، فيتوسل به في حق نفسه ، ويستشفع به إلى ربه ، ومن أحسن ما يقول : ما حكاه أصحابنا عن العتبى مستحسنين له ـ وذكر قصة العتبى ، وهو تابعي جليل فقال : حكى العتبى أنه قال : كنت جالساً عند قبر النبي  فجاء أعرابي فقال : السلام عيك يا رسول الله يا صفوة خلق الله أنت الذي أنزل عليك : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباُ رحيماً } وقد ظلمت نفسي ، وها أنا قد أتيت أستغفر من ذنبي ، اشفع لي إلى ربي ، ثم أنشأ يقول :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمـه * فطاب من طيبهن القاع والأكـم
أنت الفـداء لقـبر أنت ساكنـه * فيه العفاف ، وفيه الجـود والكرم
أنت الحبيب الـذي ترجى شفاعته * عند الصراط إذا مـازلت القـدم
أنت البشير النذير المستضاء بـه * وشافـع الخلق إذ يغشاهم النـدم
تخصهـم بنعيـم لا نفـاد لـه * والحـور في جنة المأوى لهم خـدم
تعطى الوسيلة يوم العـرض مغتبطا * عنـد المهيمن لما تحشـر الأمـم
والحوض قد خصك الله الكريم به * يومـاً عليه جميع الخلق تزدحـم
تسقى لمن شئت يا خير الأنام وكم * قوماً لعظم الشقا والبعد قد حرموا
صلى عليك إله العرش ما طلعت * شمس النهار فغشت حندس الظلم
قال العتبى رحمه الله : ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت رسول الله  فقال : يا عتبى أدرك الأعرابي ، وبشره أن الله قد غفر له .
ثم ذكر المعترض : أن موفق الدين بن قدامة وابن أبي عمر وصاحب المستوعب وغيرهم من الأصحاب ذكروا ذلك ، ونقلوا هذه القصة راضين بها . وهي مما استفاض عند الأمة ، حتى لا تحتاج لسند ، قال ، ثم دع صحتها من عدمها وأنها منام ، ولكن الشأن في رضى نقلتها وهم حملة الشريعة المطهرة .
ثم كرر هذيانه المتقدم في ذم وطن الشيخ وأن النبي لم يدع له ، وأن الشيخ لم يظهر الدين ، بل كفر العلماء الأمناء والأمة التي أخبر الله تعالى أنها خير أمـة أخرجت للناس ، وأعاد ما تقدم بعبارة واهية وتركيب ساقط ، كأنه وقع على دليل يجب المصير إليه في تجويز دعاء الأموات وتخطئة من منعه .
ولا يخفى أنه حرف البيت الثاني تحريفاً بشعاً جعل الرسول  فداء للقبر ، بأبي هو وأمي . ولم يشعر بما في كلامه من التحريف ، ورسم هذا التحريف بقلمه . وكتبه بيده وصوابه " نفسي الفداء " .
والجواب أن يقال : هذه القصة التي ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء ، ولم يذكرها غيرهم ممن يعتد به ، ويقتدى به ، كالأئمة المتبوعين وأكابر أصحابهم ، وأهل الوجوه في مذاهبهم ، كأشهب وابن القاسم ، وسحنون وابن وهب ، وعبدالملك وابنه ، والقاضي إسماعيل من المالكية ، ولا من الشافعية كالمزني والبويطي ، وإبن عبدالحكم ، ومن بعدهم كابن خزيمة ، وابن سريج وأمثالهم ، ونظرائهم من أهل الوجوه ، وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني وزفر بن الهذيل ، ومن بعدهم كالطحاوي حامل لواء المذهب . وكذلك أصحاب أحمد وأصحاب الوجوه في مذهبه لم يذكرها أحد

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 08:15 PM
منهم ، كعبدالله وصالح ، والخلال ، والأثرم ، وأبي بكر بن عبدالعزيز والمروذي وأبي الخطاب . ومن بعدهم ، كابن عقيل وابن بطة .
وبعض من ذكر هذه الحكاية يرويها بلا إسناد وبعضهم عن محمد ابن حرب الهلالي . وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزغفراني عن الأعرابي وقد ذكرها البيهقي بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن زيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي قال : حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم ووضع لها بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب ، كما روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبدالله بن عبدالرحمن الكرخي عن علي بن محمد بن علي حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي قال : حدثنا أبي عن أبيه سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي ابن أبي طالب . فذكر نحو ما تقدم .
قال الحافظ ابن عبدالهادي : هذا الخبر منكر موضوع ، لا يصلح الاعتماد عليه ولا يحسن المصير إليه ، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض . والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم أظنه ابن عدى الطائي . فإن يكن هو فهو كذاب متروك وإلا فمجهول .
وقال عباس الدوري : سمعت يحيى بن معين يقول : الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة . كان يكذب . وقال العجلي وأبو داود : كذاب . وقال أبو حاتم الرازي والنسائي والدولابي والأزدي : متروك الحديث . وقال ابن المديني ساقط قد كشف قناعه . وقال أبو زرعة : ليس بشيء ، وقال ابن عدي : ما أقل ما له من المسند . وإنما هو صاحب أخبار وأسمار ، ونسب وأشعار . وقال الحاكم أبو عبدالله : الهيثم ابن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقاة أحاديث منكرة ، وقال العباس بن محمد : سمعت بعض أصحابنا يقول ، قالت جارية الهيثم : كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي . فإذا أصبح جلس يكذب .
فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة من الوهن لم تثبت بسند يعول عليه ويحتج به .
فكيف يقول هذا الغبي : ولكن الشأن في نقلتها ، وهم حملة الشريعة المطهرة . وقد عرفت أن حملة الشريعة المطهرة ونقادها جزموا بأن الحكاية لم تثبت وأنها من الموضوعات . وأما الموفق وابن أبي عمر وغيرهما من أصاحبنا فهم لم يذكروا هذا ولم يعتمدوا عليه . والمناسك المعتبرة وما ذكروا في آداب الزيارة موجودة منقولة بسند العدول .
وهذا الرجل المعترض قد تقدم أنه جاهلي لا يحسن النقل ، ولا يدري الصحيح بل يفتري الكذب على أهل العلم . فهو ساقط هالك لا يلفت إلى نقله .
ثم لو سلمنا ثبوت هذه الحاكية فلا دليل فيها على ما ذهب إليه هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين وطلب الحوائج منهم . والأعراب لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلا شرعيا إلا مصاب في عقله ، مفلس في فهمه وعلمه . وكذلك نقل العتبي ومن مضي من رجال سندها ليسوا من العلم في شيء .
وقد تقدم أن أدلة الأحكام هي الكتاب والسنة والإجماع . والقياس المعتبر فيه خلاف وغير ذلك ليس من الأدلة في شيء ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت ، لا طلب الاستغفار ولا غيره .
وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه حكى الإجماع على منعه وأن النبوات متفقة على تحريمه . وابن عقيل تقدم كلامه فيمن دس الرقاع إلى ضرائح الموتى ، للطلب منهم . ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له فذلك أيضا لا يدل على حسن حاله ، وأسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله ، وقد يستجاب لعباد الأصنام كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه ( اقتضاء الصراط المستقيم ) .
ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئا . غايته أنه توسل به ومسألة التوسل بذاته  غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب منه . وقد قال تعالى : { ومن يغفر الذنوب إلا الله } فإذا كان الله سبحانه هو المختص بمغفرة الذنوب ، فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى وتقدس ؟ .
وقد تقدم لهذا المعترض الغبي أنه قال : وإنما الشرك طلب مغفرة الذنوب وهداية القلوب ، فجزم بأن هذا من الشرك ، ثم رجع يناقض نفسه واحتج بها على الطلب من الرسول كما قال البوصيري .
قال الحافظ بن عبدالهادي رحمه الله : وقوله : إني سمعت الله يقول : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول } ليس فيه ما يدل على مشروعية إتيان قبره الشريف . ولم يقل ذلك أحـد من أهل العلم . ويتبين ذلك بالكلام على الآية . وما أريد بها وهي : إنما سيقت لذم من تخلف من المنافقين على المجيء إلى رسـول الله  في حال حياته ليستغفر له . وحكـم تعالى على مـن أبى هذا أنـه من المنافقين . قال تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون } وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم الطاغوت كعب بن الأشرف ، وغيره من الطواغيت ، دون حكم رسول الله  فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم ، حيث لم يجيء إلى رسول  يستغفر له . فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنوب .
وهذه كانت عادة الصحابة معه  : أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه فقال : يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي . وكان هذا فرقا بينهم وبين المنافقين . فلما استأثر الله عز وجل بنبيه  ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول : يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي . ومن يقل هذا عن أحـد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت . أفترى عطل الصحابـة والتابعون ـ وهم خير القرون على الإطلاق ـ هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه ، وجهل التخلف عنه من أمارات النفاق ، ووفق له من يؤويه له من الناس ولا يعد في أهل العلم ؟

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:15 PM
منهم ، كعبدالله وصالح ، والخلال ، والأثرم ، وأبي بكر بن عبدالعزيز والمروذي وأبي الخطاب . ومن بعدهم ، كابن عقيل وابن بطة .
وبعض من ذكر هذه الحكاية يرويها بلا إسناد وبعضهم عن محمد ابن حرب الهلالي . وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزغفراني عن الأعرابي وقد ذكرها البيهقي بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن زيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي قال : حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم ووضع لها بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب ، كما روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبدالله بن عبدالرحمن الكرخي عن علي بن محمد بن علي حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي قال : حدثنا أبي عن أبيه سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي ابن أبي طالب . فذكر نحو ما تقدم .
قال الحافظ ابن عبدالهادي : هذا الخبر منكر موضوع ، لا يصلح الاعتماد عليه ولا يحسن المصير إليه ، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض . والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم أظنه ابن عدى الطائي . فإن يكن هو فهو كذاب متروك وإلا فمجهول .
وقال عباس الدوري : سمعت يحيى بن معين يقول : الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة . كان يكذب . وقال العجلي وأبو داود : كذاب . وقال أبو حاتم الرازي والنسائي والدولابي والأزدي : متروك الحديث . وقال ابن المديني ساقط قد كشف قناعه . وقال أبو زرعة : ليس بشيء ، وقال ابن عدي : ما أقل ما له من المسند . وإنما هو صاحب أخبار وأسمار ، ونسب وأشعار . وقال الحاكم أبو عبدالله : الهيثم ابن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقاة أحاديث منكرة ، وقال العباس بن محمد : سمعت بعض أصحابنا يقول ، قالت جارية الهيثم : كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي . فإذا أصبح جلس يكذب .
فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة من الوهن لم تثبت بسند يعول عليه ويحتج به .
فكيف يقول هذا الغبي : ولكن الشأن في نقلتها ، وهم حملة الشريعة المطهرة . وقد عرفت أن حملة الشريعة المطهرة ونقادها جزموا بأن الحكاية لم تثبت وأنها من الموضوعات . وأما الموفق وابن أبي عمر وغيرهما من أصاحبنا فهم لم يذكروا هذا ولم يعتمدوا عليه . والمناسك المعتبرة وما ذكروا في آداب الزيارة موجودة منقولة بسند العدول .
وهذا الرجل المعترض قد تقدم أنه جاهلي لا يحسن النقل ، ولا يدري الصحيح بل يفتري الكذب على أهل العلم . فهو ساقط هالك لا يلفت إلى نقله .
ثم لو سلمنا ثبوت هذه الحاكية فلا دليل فيها على ما ذهب إليه هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين وطلب الحوائج منهم . والأعراب لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلا شرعيا إلا مصاب في عقله ، مفلس في فهمه وعلمه . وكذلك نقل العتبي ومن مضي من رجال سندها ليسوا من العلم في شيء .
وقد تقدم أن أدلة الأحكام هي الكتاب والسنة والإجماع . والقياس المعتبر فيه خلاف وغير ذلك ليس من الأدلة في شيء ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت ، لا طلب الاستغفار ولا غيره .
وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه حكى الإجماع على منعه وأن النبوات متفقة على تحريمه . وابن عقيل تقدم كلامه فيمن دس الرقاع إلى ضرائح الموتى ، للطلب منهم . ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له فذلك أيضا لا يدل على حسن حاله ، وأسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله ، وقد يستجاب لعباد الأصنام كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه ( اقتضاء الصراط المستقيم ) .
ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئا . غايته أنه توسل به ومسألة التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب منه . وقد قال تعالى : { ومن يغفر الذنوب إلا الله } فإذا كان الله سبحانه هو المختص بمغفرة الذنوب ، فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى وتقدس ؟ .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:19 PM
وقد تقدم لهذا المعترض الغبي أنه قال : وإنما الشرك طلب مغفرة الذنوب وهداية القلوب ، فجزم بأن هذا من الشرك ، ثم رجع يناقض نفسه واحتج بها على الطلب من الرسول كما قال البوصيري .
قال الحافظ بن عبدالهادي رحمه الله : وقوله : إني سمعت الله يقول : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول } ليس فيه ما يدل على مشروعية إتيان قبره الشريف . ولم يقل ذلك أحـد من أهل العلم . ويتبين ذلك بالكلام على الآية . وما أريد بها وهي : إنما سيقت لذم من تخلف من المنافقين على المجيء إلى رسـول الله صلى الله عليه وسلم في حال حياته ليستغفر له . وحكـم تعالى على مـن أبى هذا أنـه من المنافقين . قال تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون } وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم الطاغوت كعب بن الأشرف ، وغيره من الطواغيت ، دون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم ، حيث لم يجيء إلى رسول صلى الله عليه وسلميستغفر له . فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنوب .
وهذه كانت عادة الصحابة معه صلى الله عليه : أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه فقال : يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي . وكان هذا فرقا بينهم وبين المنافقين . فلما استأثر الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول : يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي . ومن يقل هذا عن أحـد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت . أفترى عطل الصحابـة والتابعون ـ وهم خير القرون على الإطلاق ـ هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه ، وجهل التخلف عنه من أمارات النفاق ، ووفق له من يؤويه له من الناس ولا يعد في أهل العلم ؟ فكيف أغفل هذا أئمة الإسلام ، وهداة الأنام من أهل الحديث والتفسير ، ومن لهم لسان صدق في الأمة ، فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه ، ولم يرشدوا إليه ، ولم يفعله أحد منهم البتة ؟ بل المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك والجفاء عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية .
ولما كان هذا المنقول شجي في حلوق الغلاة . وقذى في عيونهم وريبة في قلوبهم قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل ، ومن استحيا منهم ومن له بعض العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل ، ويأبى الله إلا أن يعلي منار الحق ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد وتقوم الحجة على المعاند ، فيعلي الله بالحق من يشاء ويضع برده وبطرده وغمص أهله من يشاء .
ويا لله العجب ، أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها بين أظهرها موجودا وقد دعيت فيه إلى المجيء إليه ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء . فلما توفي صلى الله عليه وسلم ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له . وهذا يبين أن هذا التأويل الذي نقله المعترض مقلد أسلافه في تأويل هذه الآية تأويل باطل قطعا . ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة . ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوا ولا بينوه للأمة . فإنه يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه ، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه . وبطلان هذا التأويل أظهر من أن يطنب في رده وإنما ننبه عليه بعض التنبيه .
ومما يدل على بطلان تأويله قطعا أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذموماً غاية الذم ، مغموصاً بالنفاق ، ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له ، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل ، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:20 PM
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله ، فهو أنه سبحانـه صدرها بقوله : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفر لهم الرسول } وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له . ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة ، ولم يقل مسلم قط إن على من ظلم نفسه بعد خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها ووفق لها هؤلاء الغلاة العصاة وهذا بخلاف قوله : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه ، وتحكيمه هو التحاكم إلى ما جاء به حيا وميتا ففي حياته كان هو الحكم بينهم بالوحي ، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه .
يوضح ذلك أنه قال : ( لا تجعلوا قبري عيدا ) ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين . وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به ، ولو كان مشروعا لأمر به أمته وحضهم عليه ورغبهم فيه ، ولكان الصحابة وتابعوهم بإحسان أرغب الناس فيه ، وأسبق إليه ، ولم ينقل عن أحد منهم قط وهم القدوة ـ بنوع من أنواع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له ولا شكى إليه ولا سأله والذي صح عنه مجيء القبر للتسليم فقط هو ابن عمر ، وكان يفعل ذلك عند قدومه من السفر ، ولم يكن يزيد على التسليم شيئا البتة ، ومع هذا فقد قال عبيدالله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع أو من أجلهم : ما نعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر : معلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة ولا تعظيم للرسول فوق تعظيمهم ، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم . فمن خالفهم إما أن يكون أهدى منهم أو يكون مرتكبا لنوع من البدع كما قال عبدالله بن مسعود لقوم رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه بينهم ويعدونه على حصى قد تحلقوا حوله مع شيخ لهم يأمرهم بذلك في مسجد البصرة : لأنتم أهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو أنتم على شعبة ضلالة ) فتبين أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفرا بعد موته ممكنا أو مشروعا لكان كمال شفقته ورحمته ، بل رأفة مرسلة ورحمته بالأمة تقتضي ترغيبهم في ذلك وحضهم عليه ا هـ .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:22 PM
فصل

قال المعترض : فهذا كلام العلماء المعتبرين الكبار ونقلهم لهذه القصة راضين بها متلقينها بالقبول ، وهي مما استفاض حتى لا تحتاج لسند ، ثم دع صحتها من عدمها وأنها منام ، ولكن الشأن في رضى نقلتها وهم حملة الشريعة المطهرة ، أتراهم بهذا يعرفون المخرج من الملة الذي ذكر هذا الرجل ، ويدعون الناس إليه وينقلونه في كتبهم ليعمل به أم تراهم لا يعرفونه حتى خرج هذا الرجل ثاني عشر قرن في الموضع الذي ذكرنا حاله وقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له لعلمه بما حدث منه وفيه ، فأظهر الدين والتوحيد منه كما زعم للناس ، وكفر العلماء الأمناء والأمة معهم ، التي أخبر الله أنها خير أمة أخرجت للناس وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي عده علماء الأمة أنه متواتر بأنها لا تزال ظاهرة قاهرة حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون . فكأنه لم يكن للقرآن والشريعة المحمدية حمله قبله وقبل أصحابه وأتباعه الذي إستغواهم .
ثم انخرط في السب والعيب والكلام السفيه المستهجن بقصد الاستراحة إليه والتعويل في التشفي من الغليل ، وهذه نفثه مصدور ، وأنة معثور لا تشفي عليلا ولا تروي غليلا .
وتقدم الجواب عن هذا كله وبينا أن الأئمة الذين عليهم المدار في الجرح والتعديل والذين إليهم المرجع في الفتاوي والتقليد والتسجيل لم يقولوا بهذه الحكاية ، ولم يصححوها ولم يلتفتوا إليها ، كل هذا مستوفى بحمد الله ومنته .
وأما الخلوف الذين من بعدهم فليس فيما قالوه وذهبوا إليه دليل شرعي يعول عليه ، ويرجع عند التحاكم إليه .


فصل

قال المعترض : وليعلم الناظر إلى ما ذكرنا وقدمنا ، أنا لم تذكره أشرا ولا بكرا ولا رياء ولا سمعة . وإنما ذكرناه بيانا ونصيحة لله تعالى ولرسوله وعباده المؤمنين ، ولهذا قال تعالى : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } ثم ذكر آيات في المعني . ثم قال بعدها : فهذا لهم ، يعني لأهل الكتاب ، ولمن فعل فعلهم بأن أعـرض عن البيان مع العلم وتزييف الزيف والزيغ بالبرهان ، فإنه لم يزل في مشرع من ذمة القرآن من أي أهل قرن كان . لأجل ذلك بينا الخطأ بما ذكرنا وليس القصد احتجاجا على الفعل . وإنما هو دفعا عن التكفير للأمة وعلمائها بما لا يستحقون به الكفر سواء يكون جائزاً أو مكروها أو مندوبا .
والجواب أن يقال : قال الله تعالى : { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } فقسمهم قسمين متبع للرسول مؤمن بما جاء به ، سائر إلى الله على طريقه ومنهاجه . وآخر متبع لهواه ، ضال عن سبيل رشده وهداه . فلا تقبل دعوى البراءة من الأشر والبطر والرياء والسمعة لمن حكم الله عليه بمتابعة الهوى ، وسجل على ضلاله عن سبيل الرشاد والهدى ، والمصدق لهذا الضرب بما يدعونه من النصح والتقى جاهل بما دلت عليه هذه الآية من الحكم والقضاء .
وقد تقدم من الشواهد الحالية والقولية وصريح العبارات وظواهر المعاني والكلمات ما يدل على أن ما سوده هذا الرجل وافتراه من ذم الشيخ رحمه الله وبهته والكذب عليه ، ورد ما جاء به من الهدى ودين الحق إنما حمله على تسويده وتسطيره محض الأشر والبطر والاستكبار ، وطلب الرفعة والمنزلة ، ولذلك والَى من عبد الصالحين ودعاهم مع الله وصرف لهم خالص العبادة ولبها ، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس ، وجعل مشايخه في

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:23 PM
رواية البردة هم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا بسؤال الهداية إلى صراطهم ، ومن خالفهم وقال بوجوب إخلاص الدعاء لله في طلب الشفاعة وغيرها وأنه لا يعلم الغيب إلا الله فهو جاهل عنده بمعنى لا إله إلا الله وأبو جهل وناديه أعلم منه بمعناها وما دلت عليه على زعم هذا المعترض .
ثم أخذ في إظهار هذا لإخوانه وشيعته ممن غمص النفاق وكراهة شيخنا وبغض ما جاء به ، ولم يطلع عليه أهل التوحيد الموافقين للشيخ في ذم الشرك والتنديد فأي نصيحة حصلت والحالة هذه ؟ وأي بيان وقد خص به أهل النفاق والدعاء إلى الشرك بالله ودعاء سواه ؟ كما أرسل نسخة من هذا الإفك إلى خدنه داود بن جرجيس .
ثم لو فرض أنه قصد النصيحة فذلك يدل على جهلة المركب بدين الله وشرعة ، وما جاءت به رسله وأن قلبه في غلاف أو مصفح لا يعرف الحق ولا يدريه . وليس كل من أدعي النصح تقبل دعواه . ولا يحكم بالإصابة والتسديد لكل من سلمت له دعواه . وقد تقرر بين أهل العلم أن الجهل نوعان : مركب وبسيط والمركب أغلظ وأشد وأقبح من البسيط . لأن صاحبه يرى أنه من أهل العلم والرشد والهدي وهو في الحقيقة من أهل الجهل والبغي والضلال والعمى ، قال الله تعالى : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب . أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوفه سحاب } وقد دلت الآية على تشبيه أعمال الكفار وما هم عليه بالسراب الذي يراه الظمآن بالقيعان ، فيظنه ماء ووردا فيقصده وهو في الحقيقة لا شيء ، أو كحاءل من تراكت عليه الظلمات بعضها فوق بعض : ظلمة الأمواج المتراكمة في البحر العميق ، وظلمة السحاب الحائل بينه وبين النور . ظلمات بعضها فوق بعض . فأهل المثل الأول أشد كفرا وأقبح حالا وأبعد هداية وبصيرة . فلا مانع والحالة هذه من أن يدعو أحدهم إلى دينه وطريقته ويتوههما حقا ، وهي في نفس الأمـر أضل الضلال وأبطل الباطل ، وقد قام فرعون خطيبا في قومه فقال : { ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد } ومما يدل على جهل المعترض وسوء قصده وفساد إرادته تناقض كلامه . فإذا احتج شيخنا رحمه الله بآية قال : هذه نزلت في كذا وهي خاصة به كما تقدم لك في كلامه . فقصر التنزيل على أهل تلك الأسباب الموجودين وقت النزول ، ومنع في عموم ألفاظ القرآن وقصره عن أن يحتج به على من قام به سبب وموجب يدخله في العموم اللفظي .
وإذا احتج هو على الشيخ أو زكى نفسه قال في الآيات القرآنية فهذا لهم ، ولمن فعل فعلهم . كما ذكرنا هنا . فأي جهل وأي أشر وأي سمعه غير ما هو بصدده ؟ .
هذا وقد علم أن هذا المعترض قد شرح كتاب التوحيد الذي قد صنفه الشيخ محمد رحمه الله وتزين عند أهل الإسلام بشرح كتابه وانتسابه إليه والشهادة له بأنه على الحق وأطنب في مدحه والثناء عليه في شرحه المذكور على مصنف شيخنا قدس الله روحه . فلما فاته بعض مقصودة من الدنيا التي إليها يسعى ولها يعمل رجع القهقري . وانقلب على عقبه لأنه لوح له بعض أعداء التوحيد بما إليه يسعى ، فولى مدبرا . فنعوذ بالله من زيغ القلوب بعد الهـدى ومن الشرك والشك والعمى ، وقد قال تعالى : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } .
وقد أكثر الكلام والهذر بعض الأمراء بمجلس بعض الأعراب ثم التفت إلى الأعرابي وقال له : ما العي عندكم في البادية ؟ قال : هو ما كنت فيه منذ اليوم .
فسبحان من أظهر من عجائب قدرته وأدلة حكمته في بعض مخلوقاته ما نبه به المعافى والمنعم عليه من عبادة على عظم النعمة وجزيل العطية والمنحى ، ولطائف الخصائص وخصائص اللطائف .
وأما قوله : وليس القصد احتجاجا على الفعل ، وإنما هو دفعا عن التكفير للأمة وعلمائها : إلى آخر عبارته .
فجوابه : أن منعك من تكفير من أشرك بالله وعدل به سواه ، وسوي بينه وبين عباده من الأحياء والأموات هو غاية التزكية والاحتجاج على جواز أفعالهم وإباحة صنيع من أشرك لأن الحكم على أمثالهم بأحكام المسلمين ، والدخول في عامة المؤمنين يقتضي استحباب دعاء الصالحين أو إباحته . ومتى قيل بأنه كفر ودعاء لغير الله لزم أن يترتب على فاعله ويجري عليه ما رتبه القرآن والسنة من أحكام الشرك والكفر . لا سيما وهذا المعترض يصف أهل الأفعال بأنهم علماء الأمة وصلحاؤها وهم خير أمة أخرجت للناس ، وهم أهل الصراط المستقيم فكيف يرجع بعد هذا ويدعي أنه لا يحتج على قبيح أفعالهم وعظيم شركهم ؟ وهل هذا إلا محض التدافع والتناقض ، وإذا وجد الملزوم وجد اللازم .
وقوله : سواء يكون جائزا أو مكروها أو مندوبا .
هذا صريح في أن أفعالهم وشركياتهم دائرة عنده بين الكراهة والجواز والندب وهذا يرد ما قبله ويؤيد ويبين أن المعترض ملبوس عليه لا يعقل ما يقول .
وفي تعبيره بمضارع كان عن أمر حصل وتحقق في الماضي وصار لنزاع فيه واقعا ما يدل على جهله بمواقع الخطاب ومعاني الكلمات ، وأنه نبطي لم يمارس صناعة العلم وقد تقدم التنبيه على ذلك .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:24 PM
فصل

قال المعترض : وسنذكر من عبارات الأصحاب وغالبها من الذين يميل هذا الرجل وذووه بزعمه إليهم ، وإن كان هو لا يعمل بقولهم ولا يفهم حقيقته مما يدرأ به عن التكفير للأمة مع صدوره بالجهل وفيهم لمن تحقق قولهم المقنع ، ولو ذهبنا نذكر قول علماء أهل المذاهب لم يرعووا إليها لأنهم لا يرونهم قدوة لادعائهم الاجتهاد وإن كانوا لا يصلحون مع أهل العلم لتعليم الأولاد .
فيقال في جوابه : باب الدعاوى والقول بلا حجة أوسع من المشرق إلى المغرب يمكن كل مبطل أن يقول في خصمه ما شاء إن لم يمنعه مانع أو يزعه وازع من سنة أو قرآن أو وهبه أو سلطان ، وإذا خلا الرجل من ذلك وخلع ربقة الحياء والدين فليصنع ما شاء . كما في الحديث : ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) وإذا رمي هذا المعترض خصمه بترك العمل وعدم الفهم ، فمن الذي يشهد له هو بعلم أو عمل ؟ وأي أحد من الأمة أهل الفطنة والدين فضلا عن أهل العلم واليقين يرضى حكمة في حزمة بقل أو شراك نعل ؟ والمعروف عنه في هذا الكتاب وفي غيره من الجهل المركب الصريح ما يتنزه عنه آحاد العامة ، بل كثير من المشركين لا يرضى قوله ، ولا يميل إليه ، وإن وافق مذهبه لاستهجانه في نفسه ، وظهور ضلاله وتناقضه ، وكثير منهم يتستر ولا يبدي ما أبداه هذا المعترض من الفضائح . وإن دعا الصالحين وتوجه إليهم من دون الله .
ثم قوله : مما يدرأ به عن التكفير للأمة . قد تكرر منه في كل صفحة التشبيه بالأمة وأن خصمه يكفر الأمة . وقد تقدم مرارا أن الأمة المستجيبين لله ورسوله لا يكفرهم خصمه ولا يدين لله بذلك بل هم أولياؤه وإخوانه ، ولم يدع إلا إلى طريقهم ولم ينتحل سوى نحلتهم .وهم المقصودون من الأحاديث التي تدل على التزكية والثناء . وأما مجرد الانتساب إلى الأمة مع دعاء غير الله والشرك الصريح بالأحياء والأموات والبله والمجانين ، والأحجار والأشجار والشياطين فهذا ليس هو دين الأمة المحمدية كما زعمه هذا المعترض الجاهل ، وإنما هو دين إخوانه الضالين من الكتابيين والأميين .
وإن كثر عددهم وعظم سوادهم ، وتشابهت قلوبهم . فهم عند الله وعند رسوله وعند أولي العلم من خلقه الأقلون الضالون المنحرفون عما جاءت به الرسل ودعت إليه الأنبياء ولا يطلق عليهم اسم الأمة إلا في مقام الدعوة والنذارة كما في حديث : ( ما من رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلا كان من أهل النار ) .
وأما زعمه أن الشيخ وإخوانه الموحدين لا يرون العلماء قدوة ولا يرعون إلى أقوالهم لادعائهم الاجتهاد وإن كانوا لا يصلحون لتعليم الأولاد .
فيقال هذا البهت والزور من جنس ما سبق وتكرر عنه في هذه الرسالة وشيخنا رحمه الله لم يخرج في مسألة من الأصول والفروع عما عليه أهل العلم الذين لم لسان صدق في هذه الأمة ، ويطالب هذا المفتري بتصحيح دعواه في مسألة واحدة من مسائل الدين . وهذه المسائل التي نقلها هذا المفتري واحتج بها على دعواه كافيه في الرد عليه والتسجيل على جهلة وعدم فهمه . لما أورده من كلام أهل العلم والدين ، وأنه لم يدخل من الإسلام فيما دخل فيه عوام المسلمين ، فضلا عن أهل العلم واليقين . ومن عادة أهل الجهل والنفاق نسبة أهل العلم والإيمان إلى السفه والجهالة . كما قال تعالى عن المنافقين : { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء } وقال فرعون لقومه : { أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين } فهذه سنة معروفة لأهل الكفر والنفاق ، يستجهلون أهل الإيمان ويزدرونهم ويرمونهم بالسفه وعدم العلم . وقد ألبس الله هذا الرجل ثوب الجهل المركب وثوب التعصب ، وعرف بذلك بين الورى وانتزعت منه سمة أهل الإيمان والهدى . فنسأل الله العفو والعافية والثبات على دينة الذي ارتضاه لنفسه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:25 PM
فصل

قال المعترض : قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى . بعد كلام سبق من ذكر أنواع العبادة التي لله تعالى ، ثم قال : ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخلف . فهذا صريح قوله . يقول حتى يتبين بتقديم الياء المثناة من تحت على المثناة الفوقية ثم باء موحدة بعدهما من نسخة صحيحة على هوامشها خطه بيده الله ، وهم جعلوا مجرد تعريفهم حجة فكفروا به كيف ومن وراء ذلك تصحيح قولهم كما قدمنا . فإذا صح قولهم ووافقهم عليه علماء الأمة فلابد أن يتبين للمعرف فحينئذ يوافق قوله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } وقوله تعالى : { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى } وقوله : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى } وفي الآية الأخرى : { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى } قال المفسرون : من بعد ما ظهر لهم الحق بالمعجزات الباهرات ، ولهذا قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } قال البغوى دين الإسلام ، وهؤلاء الذين كفرهم هذا الرجل لم يصدوا عن سبيل الله ولم يشاقوا الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل شيدوا منارهم لداعي الفلاح وعمروا مدارسهم واستقبلوا قبلتهم ، والجهل إذا وجد فيهم له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا التكفير .
والجواب أن يقال : قد تصرفت في كلام الشيخ وأسقطت أوله الذي يستبين به مقصوده وقد تقدم أن هذه حرفة يهودية صار هذا المعترض علي نصيب وافر منها نعوذ بالله من الخزي والهوان .
وقبل هذا النقل قرر شيخ الإسلام في هذه الرسالة التي يشير إليها المعترض أن دعاء الصالحين مع الله وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله كمغفرة الذنوب ، وهداية القلوب وطلب الرزق من غير جهة معينة ، وقول القائل لصاحب الوثن والمشهد : أنا في حسبك ، واليوم على الله وعليك . ونحو ذلك مما يصدر ممن يعبد الأموات ويدعو الصالحين ، ويستغيث بهم كفر صريح ، وشرك ظاهر . يستتاب فاعله فإن تاب وإلا قتل .
وبعد تقرير هذا قال : ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه .
ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الاستدراك أن الحجة إنما تقوم على المكلفين ويترتب حكمها بعد بلوغ ما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق ، وزبدة الرسالة ومقصودها الذي هو توحيد الله وإسلام الوجوه له وإنابة القلوب إليه . قال الله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقد مثل العلماء هذا الصنف بمن نشأ ببادية أو ولد في بلاد الكفار ولم تبلغه الحجة الرسالية ولذلك قال الشيخ : لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين . وقد صنف رسالة مستقلة في أن الشرائع لا تلزم قبل بلوغها وأكثر العلماء يسلمون هذا في الجملة ويرتبون عليه أحكاما كثيرة في العبادات والمعاملات وغيرها فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله . وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله وجعل معه الأنداد والآلهة . والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا وشيخنا رحمه الله قد قرر هذا وبينه وفاقا لعلماء الأمة واقتداء بهم . ولم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل ، حتى إنه رحمه الله توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه . وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى : " حتى يبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له " وليس بين بيّن وتبين فرق بهذا الاعتبار . لأن كل من بين له ما جاء به الرسول وأصر وعاند فهو غير مستجيب . والحجة قائمة عليه سواء كان إصراره لشبهه عرضت كما وقع للنصارى وبعض المشركين من العرب أو كان ذلك عن عناد وجحود واستكبار

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:25 PM
، كما جرى لفرعون وقومه وكثير من مشركي العرب . فالصنفان يحكم بكفرهم إذا قامت الحجة التي يجب اتباعها ولا يلزم أن يعرف الحق في نفس الأمر كما عرفته اليهود وأمثالهم . بل يكفي في التكفير رد الحجة وعدم قبول ما جـاءت به الرسل . قال تعالى : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ـ إلى قوله ـ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } وقال تعالى : { وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً } وقال تعالى : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } وقال تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } وقال تعالى : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً . الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً } وقال تعالى : { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً } وقال تعالى : { فريقا هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } ونحو ذلك من الآيات . وإذا بلغ النصراني ما جاء به الرسول ولم ينقد له لظنه أنه رسول الأميين فقط فهو كافر . وإن لم يتبين له الصواب في نفس الأمر .
وكذلك كل من بلغته دعوة الرسـل بلوغا يعرف منه المراد والمقصود ، فرد ذلك لشبهه أو نحوها فهو كافر ، وإن التبس عليه الأمر ، وهذا لا خلاف فيه .
فما صنعه هذا الغبي من ضبط الكلمة بالياء التحتية ثم المثناة الفوقية جهل منه بأصول الشرع وأدلته .
وقوله : لا بد أن يتبين للمعرف ، واستدلاله بقوله تعال : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } وما بعدها من الآيات يدلك على كثافة فهمه وعظيم جهله . فإن هذه الآيات إنما فيها التسجيل والبيان عن حال من كفر من علمه بالحق والهدى . وليس فيها أنه لا يكفر سواه : فمن لم يستجب للرسول  من أهل الشبهات والجهل المركب فالدليل أخص من المدعى .
وهذا المعترض من أجهل الناس بأحكام الشرع وسبل الهدى ، وأظنه لا يحفظ كتاب الله وإن حفظه فإنما مثله كمثل الحمار يحمل أسفارا ، شأنه شأن إخوانـه المدافعين عن الشرك الأكبر وعبادة الطواغيت واتخـاذ الأنداد من دون الله . فلا يدري ما فيه من النصوص . قال الله تعالى : { وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } ولم يقل حتى " يتبين " وقال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } وقد نص شيخنا رحمه الله تعالى في جوابه لمن سأله عن هذه المسألة .
قال رحمه الله تعالى : أصل الإشكال : أنكم لم تفرقوا بين بلوغ الحجة ، وفهم الحجة وبلوغ الحجة لا بد منه في الحكم بما تقتضيه الحجة والدليل . وأما فهم الحجة فلا يشترط . قال الله تعالى : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } اهـ بمعناه .
قال الخطابي في الغريب : الكفر على أربعة أنحاء : كفر جحود ، وكفر عناد وكفر نفاق ، وكفر إعراض . ومثل الأول بكفر فرعون وأمثاله . والثاني بكفر إبليس ممن اعترف وعاند والثالث بكفر النفاق . والرابع بكفر المعرضين عن التزام الإسلام والعمل به لغرض غير العناد ، وقرر مثله شمس الدين ابن القيم .
وقوله : وهؤلاء الذين كفرهم هذا الرجل لم يصدروا عن سبيل الله ولم يشاقوا الرسول . إن أراد أن من عبد الصالحين بالحب مع الله والخضوع والدعاء والذبح والنذر ونحو ذلك من العبادات ، لم يصدوا عن سبيل الله ولم يشاقوا الرسول ، مع ما هم فيه من الشرك البواح والكفر البين ، ودعوة الناس إلى مذهبهم ، وتحسينه للجهال والغوغاء وإيراد الشبهات على صحته . فهذا أكبر دليل وأوضح برهان على أن هذا المعترض لم

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:26 PM
يأنس بشيء مما جاءت به الرسل ، ولم يفقه مراد الله ورسوله ، ولم يدر ضروريات الإسلام التي يعرفها كل من تصوره وعرف حقيقته ، فضلا عمن قبله ودان به .
وفيه جهله بمعني الصد والمشاقة التي يعرفها آحاد الناس . وكون عباد القبور شيدوا المنار وعمروا المدارس ، واستقبلوا القبلة ، فليس هذا هو الإسلام حتى يستدل به على إسلام من دعا الأموات والصالحين ، وجعلهم أندادا لله رب العالمين .
وفي حديث سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان ما يستبين به ضلال هذا المعترض وجهله بمسمى الدين ومراتبه . فان النبي  أجابه عن سؤاله عن الإسلام بجواب كاشف للحقيقة مبين للحد والماهية .
فقال : ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) فجعل الإسلام هو التزام التوحيد والبراءة من الشرك والشهادة لرسوله  بالرسالة والإتيان بالمباني الأربعة . ولم يذكر تشييد المنار .
وكذلك جعل هذا مسمي الإيمان في حديث وفد عبد القيس ، إلا أنه أبدل الحج بإعطاء الخمس . فمن جعل الإسلام هو الإتيان بأحد المباني فقط مع ترك التزام توحيد الله والبراءة من الشرك فهو أجهل الناس وأضلهم. فكيف بمن جعل ذلك هو تشييد المنار أو عمارة المدارس ، أو استقبال القبلة ؟ قال تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين } .
وقد تقدم هذا البحث وانهدام أصل المعترض ، وكشفنا عن ضلالته بحمد الله ومنته .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:30 PM
فصل

قال المعترض : ثم قال أبو العباس : وما يروى أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الجدب عام الرمادة ، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر وأن يخبره أنهم مسقون . فعليه بالكيس ، فمثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم. وأعرف من هذا وقائع وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من أمته حاجة فتقضى ، فإن هذا وقع كثيرا ، ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء السائلين لا تدل على استحباب السؤال . وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك ، هذا كلامه والمقصود في هذا أنه قال بعد حكايته عن فعلهم وسؤالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم وأن السائلين له في الحياة كانوا كذلك ، وأثبت لهم الإيمان بذلك وسوى بين الحياة والممات ، كما تراه صريحا .
وقد قال ربيعة بن كعب رضي الله عنه كما في صحيح مسلم ، كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوء وحاجـة فقال : ( سلني ) فقلت : سألتك مرافقتك في الجنة . فقال : ( أو غير ذلك ) ؟ . قلت : هو ذاك . فقال : ( أعني على نفسك بكثرة السجود ) وهذا الرجل كفر من سأل الله تعالى وحده بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو برجل صالح وأخرجه عن ملة الإسلام بذلك ، كما ترى فيما سبق من قوله من شبهته ، فهو بذلك ممن قال الله فيهم : { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } وممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنهم يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان ) .
والجواب أن يقال : إن أبا العباس قرر منع الدعاء عند القبور ، وانه وسيلة إلى دعاء أربابها مع الله كما يفعله عباد الكواكب والأصنام والصالحين من الآدميين والملائكة ، وجزم بالمنع من دعاء الله عندها ، وأنها وسيلة إلى هذا الشرك العظيم ، وأنه مشاقة لله ورسوله . فإن الرسول منع من الصلاة عند القبور ، ولعن فاعله ، وقال : ( لا تتخذوا قبرى عيداً ) فاستدل واحتج واستظهر . ثم ذكر سؤالا يورده القبوريون ـ يعني عباد القبور ـ وأجاب عنه ، وذكر أنه أنما أورده مع بعده عن طريق العلم والهدى ، لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون ، وأورد فيه ما يحتجون به ، ومنه ما ذكر هذا المعترض أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكي إليه الجدب عام الرمادة . والشيخ لم يقصد أن هذا جائز أو أنه مشروع ، أو دليل يستدل به على الدعاء عند القبور ، أو على دعاء أربابها مع الله ، وإنما ذكر أنه يقع ، وأن وقوعه لا يستدل به ، وأنه ذكره في معرض الرد على من دعا عند القبور ، فإن كان كلام الشيخ دليلا فقد رده وذكر أنه لا يحتج به ، وأنه بعيد عن طريق العلم والهدى كما قاله في أول السؤال في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم .
وقوله : وأعرف من هذا وقائع ، وأن هذا وقع كثيرا .
يريد به أن الوقائع القدرية في مثل هذا لها أسباب متعددة لا يحيط بها إلا الله فلا يستدل بها على التشريع والاستحباب أو الجواز .
وقوله : لو لم يجابوا لاضطراب إيمانهم . ليس فيه أنهم لم يشركوا أو أن هذا مشروع غاية ما هناك أنه ذكر عنهم أنهم لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم ، وهذا يدل على أنهم على طرف وحرف إن أصابهـم خير اطمأنوا به ، وإن أصابتهم فتنه انقلبوا . كما أن كثيراً من السائلين له في الحياة كذلك . وقد ذمهم الله وعابهم بقوله : { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } وهؤلاء من أهل النفاق بنص الآية والشيخ جعلهم مثلهم . فأي دليل يبقي لمبطل لو كانوا يعلمون ؟ .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:31 PM
ويقال أيضا : قول الشيخ : لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم ، ليس فيه أنهم مؤمنون إيمانا يمنع من الشرك ، غايته أن يكونوا مؤمنين برسالته ونبوته إيمان الجاهلين المقلدين لا إيمان الراسخين المستبصرين . وهذا الإيمان بالرسالة والنبوة لا يكفي مع عدم الانقياد لما جاء به من التوحيد ، والبراءة من الشرك ، أو يراد به الإيمان بتوحيد الربوبية . قال تعالى : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } أثبت لهم إيمانا مع شركهم وهو بلا شك الإيمان التقليدي الكاذب . كم قال في المنافقين : { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } .
ويدل على مراد الشيخ : أنه لم يطلق الإيمان ، وإنما أتى بإيمان مقيد بالإضافة إليهم . وهذا يدل على أنه نوع خاص من الإيمان وجزء منه . فأي حجة تبقى لهذا المعترض الذي هو أجهل من حمار أهله ؟ قال تعالى : { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين } .
وأما حديث ربيعه بن كعب فالاستدلال به خروج عن محل النزاع . وأهل العلم لا يمنعون من سؤاله  في حال حياته . فإن المراد هنا شفاعته بالدعاء قال تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } وهذا من جنس سؤال المخلوق مـا يقدر عليه . ولهذا كان الإتيان إليه  لطلب الاستغفار لمن ظلم نفسه مشروعا في حياته باتفاق الأمة . وأما بعد موته فلم ينقل عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من أئمة العلم والهدى أنه فعله أو استحبه أو أمر به ، حتى أن الحكاية التي تذكر عن العتبى ضعفها أهل العلم بالنقل . ولم يثبتوها وقد بسط الكلام علها وكشف حال ناقليها : الحافظ محمد بن احمد بن عبدالهادي رحمها لله تعالى في كتاب ( الصارم المنكي ) وتقدم تلخيص ذلك قريبا ، وتبين إنها مكذوبة لا تقوم بها حجة والخير في اتباع من سلف . والشر في ابتداع من خلف .
وهذا الرجل من الصم والبكم الذين لا يعقلون . والحديث فيه الإشارة بقوله : ( أعني على نفسك بكثرة السجود ) إلى ما وقع في حديث أبي هريرة صريحـا لما قال له : من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ قال : ( أسعد الناس بشفاعتي من قال : لا إله إلا الله خالصا من قلبه ) وكلا الحديثين خرج من مشكاة واحدة ممن لا ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى . ومن كان له نور يمشي به في الناس أبصر وأدرك ما يخفى ويتعذر إدراكه على أهل الظلمة والعمى .
فسبحان من قسم بين عباده الشقاوة والهدى .
ومن هذا : سؤال الناس له  يوم القيامة أن يشفع لهم إلى ربه . وهو من جنس مسألته  في الدنيا . وقد احتج به المبطلون على سؤاله بعد مماته ودعائه مع الله . وقد كشف شبهتهم وأبدى خزيتهم شيخنا رحمه الله في كتاب ( كشف الشبهات ) وشيخ الإسـلام ابن تيميـة في كتاب ( الاستغاثة ) وكتاب ( الرد على ابن الإخنائي المالكي ) فليراجع .
وأما قول هذا المعترض : وهذا الرجل كفر من سأل الله تعالى وحده بذات النبي  ، أو برجل صالح ، وأخرجه عن ملة الإسلام . إلى آخر عبارته .
فقد تقدم لك أنه لا يتحاشى الكذب ، وأنه من أكذب الخلق على الله وعلى عباده المؤمنين ، والله سبحانه وتعالى يعلم وعباده المؤمنون يعلمون أن الشيخ إنما كفر من دعا مخلوقا مثل أو أعظم من دعاء الله ، ومن تضرع واستكان رغبة ورهبة عند قبور الصالحين مثل أو أعظم من تضرعه في بيوت الله وخشوعه له في أوقات الإجابة والأسحار وطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله العزيز الغفار .
وأما من سأل الله بذات النبي  أو بذات غيره فالكلام فيها معروف مشهور لا يخفى على صغار الطلبة . وقد حكاه شيخنا رحمه الله في كثير من رسائله ، وقرر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم ، وحكى الخلاف فيه على عادة أهل العلم ولم يقل أنه شرك فضلا عن أن يقول : أنه يخرج عن الملة . وهذه المسألة ليست مما نحن فيه من مسائل النزاع ، وإنما أدخلها هذا الملحـد مغالطة وترويجـا لباطلة ، ولبسا للحق بالباطل

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:32 PM
، كما هـو الغالب عليه في سائر اعتراضاته . قال تعالى : { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } .
وأما قوله : فهو بذلك ممن قال الله فيهم : { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } .
فلا تستغرب هذه الجرأة على الله وعلى كتابه وعلى عباده المؤمنين ممن قل حظه ونصيبه من العلم والدين وعـدم العقل المانع عما يهلك ويشين ، وكل مبتدع وضال يتأول إذا تهتك وخرج عن قانون الاحتجاج والمناظرة في خصمه ومخالفة ما يكابر به معاني الآيات والنصوص الظاهرة فانظر إلى قول الرافضة : { مرج البحرين يلتقيان } علي وفاطمة : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } حسن وحسين . وقولهم : إن شجرة الزقوم بنو أمية ، وحملهم بعض النصوص الواردة في أناس من صناديد المشركين وأعيانهم على أبي بكر وعمر . وقولهم في عائشة لعنة الله عليهم يتأولون فيه ، فلا عجب من هذا البغي والعدوان فللرسل وأهل العلم ورثة ، وللرافضة والباطنية ورثه . إن الله يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون .
وقول هذا الجاهل المعترض الآية بعد سياقه لها بتمامها يدل على جهله بكتاب وجهله بقول العلماء إذا أرادوا قراءة الآية واقتصروا على أولها وبالجملة فمناقشة تطول .
وأما دعواه أن شيخنا رحمه الله ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنهم يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان ) .
فيقال : قد قال هذا قبله كل مشرك وعابد لغير الله ، حتى أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم" أنه صابئي " ولقبوه به . والجهمية المعطلة يسمون أهل السنة حشوية ونوابت والرافضة يسمونهم نواصب والقدرية يسمونهم مجبرة ، وبالجملة فقد قال هذا كل مشرك وباب الدعاوى مصراعاه أوسع من بصرى إلى عدن ، وهكذا كل من جرد التوحيد لله العزيز الحميد نسبه عباد القبور إلى هذا الإفك المبين ، ولعمر الله إن من نهى عن عبادة غير الله وأمر بتوحيده لهو المؤمن البر الراشد الداخل في اتباع وأوليائهم وإن كان خارجا عن أهل الشرك بالله وعبادة غـيره ، متبرئا منهم ماقتا لهم .
وعيرها الواشون أني أحبها * وتلك شكاة خارج عنك عارها
وأقرب الناس شبها بالخوارج : من خرج عن جماعة المسلمين إلى عبادة الصالحين والشياطين . ولم يلتزم جماعة المسلمين أهل التوحيد والتعظيم لله رب العالمين ، قال العلامة ابن القيم رحمها لله تعالى :
من لي بشبه خوارج قد كفروا * بالذنب تأويلا بلا إحسـان
ولهم نصوص قصروا في فهمها * فأتوا من التقصير في العرفان
وخصومنا قـد كفروا بالذي * هو غاية التحقيق والإيمـان
وقد أشبعنا الكلام على أمر الخوارج وذكر مبدأ أمرهم وكيف كانت شبهتهم فيما كتبناه من الرد على داود بن جرجيس طاغية العراق . ولله الحمد والمنة .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:34 PM
فصل

قال المعترض : وقال أبو العباس في موضع آخر : فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا ومن ممادح أهل العلم أنهـم يخطئون ولا يكفرون . قال : وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفراً ، وقـد يكون كفراً ، لأنه تبين له ذلك أنه تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وسب للخالق ، والآخر لم يتبين له ذلك . فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله . قال : والناس لهم فيما يجعلونه كفر طرق فمنهم من يقول : الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك . ثم قال : وأنا أبعد الناس عن التكفير . وقد ذكرت الذي أمر أن يحرق بعد موته . ويذر في البحر فرارا أن يبعثه الله تعالى خوفا منه . لأنه لم يعمل لله خيرا قط . وحديثه في البخاري : ( فغفر له ) . إلى أن قال : فالعلم قبل الأمر ، والحلم بعد الأمـر . فإن لم يكن عالما لم يكن له أن يقفوا ما ليس له به علم . ا هـ كلامه .
والجواب أن يقال : هذا المعترض يتصرف في الكلام الذي ينقله ويحرفه عن موضعه . ومع ذلك فالكذب غالب عليه . فيطالب أولا بتصحيح ما نقل . وبعد التصحيح بجاب عما ذكر ، ولشيخ الإسلام أبي العباس رحمه الله في هذا المعني كلام يعرفه أهل العلم ، وقد استدل بهذا الحديث في مواضع على عدم تكفير المعين ، حتى تقوم عليه الحجة الرسالية وبعد ذلك يحكم عليه بما تقتضيه تكفيرا أو تفسيقا . وهذا في المسائل التي قد تخفى على بعض الناس ، كعموم القدرة على جمع أجزاء هذا الميت المحرق من البحر والبر والريح ، لا سيما في أوقات الفترات واستحكام الجهالة والضالات ، وشيخنا رحمه الله لم يكفر أحداً ابتداء بمجرد فعله وشركه ، بل يتوقف في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر تاركها ، وهذا صريح في كلامـه في غير موضع . ورسالة في ذلك معروفه ، وفى المثل : الهوى يعمي ويصم .
ويقال أيضا : فرض الكلام الذي نقلته عن أبي العباس ومحله في أهل البدع كما هو صريح كلامة . والمشركون وعباد القبور عند أهل السنة والجماعة معدودون من أهل الشرك والردة ، والفقهاء فرقوا بين القسمين في الأبواب والأحكام . فذكروا أهل الشرك والردة وذكروا أهل الأهواء في باب قتال أهل البغي كالخوارج والقدرية ونحوهم ، وهذا يعرفه صغار الطلاب . وقد خفى على ثور المدار والدولاب ، فلبس على العامة والجهال وأدخل أهل الشرك في أهل البدع ، وسوى بينهم في الأحكام ، خلافا لكتاب الله وسنة نبيه وما عليه علماء أهل الإسلام . فسحقا له سحقا ، وبعداً له بعداً حيث جادل بالباطل والمحال .
ويقال أيضا : قد صرح أبو العباس أن عدم التكفير قد يقال فيما يخفي على بعض الناس . وأما ما يعلم من الدين بالضرورة كشهادة أن لا إله إلا الله ، وشهادة أن محمد رسول الله . فهذا لا يتوقف أحد في كفر من أنكر لفظه أو معناه ، ولم ينقد لما دلت عليه الشهادتان . وهذا متفق عليه في الجملة . فجعله من المسائل التي خاض فيها أهل البدع والأهواء خروج عن محل النزاع ، وخرق لما صح وثبت من الاتفاق والإجماع ، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور .
قال الشيخ رحمه الله تعالى : وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها وذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث بها ، وكفر من خالفها ، مثل أمره بعباده الله وحده لا شريك له ، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم . فإن هذا أظهر شعائر الإسلام . ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين وكثير منهم تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة ، وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق والحكاية عنهم في ذلك مشهورة وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفا في أول

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:34 PM
كتاب ( مختلف الحديث ) . وأبلغ أن منهـم من صنف في الردة كما صنف الرازي في عبادة الكواكب ، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين اهـ .
ثم ساق المعترض ما ذكر الشيخ أبو العباس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اشتراط العلم ، وطلب الرفق مع الأمر ، والحلم بعد الأمر .
فذلك من عجيب جهل هذا المعترض ، وعدم علمه بحدود ما أنزل الله على رسوله وحاصل دعواه : أن من أنكر الشرك وأغلظ في إنكاره ، وقاتل عليه عباد القبور والأصنام فقد ضيع العلم والحلم والرفق . وهذه الدعوى على عمومها تتضمن الإنكار على رسل الله وخلفائهم وورثتهم الذين قاموا بجهاد أهل الشرك وقاتلوهم ، وسبوا أولادهم ونساءهم ، وغنموا أموالهم .
وهذه الدعوى لو أطلقها القائل الذي وضعه في أهل الإسلام المجاهدين على توحيد الله لكانت كفرا صريحا قال تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } وقال تعالى : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير } .
والمعترض لم يفهم كلام أبي العباس فوضعه في غير موضعه ، وأزال بهجته . فإن الرفق والحلم يحسن في محله ، وحيث أمر الله بهما . والمعترض أحمق يظن أن العلم مع من لم يكفر المشركين وعباد القبور ، ومن جعلهم من جملة أهل البدع . واحتج بكلام أهل العلم في أهل البدع على أهل الشرك والتسوية بين الله وبين غيره في خالص حقه فلا جرم سود الأوراق وأكثر النقل وشقشق في عبارته ولبس في مقالته ، وتزين بثوب ضلالته وجهالته ، ولم يتحاش من كشف سوأته وإظهار خزيته . والحمد لله الذي أظهر دينه وأعلا كلمته ، و صدق وعده ونصر عبده .
ثم اعلم أن شيخنا رحمه الله من أعظم الناس وأكثرهم رفقا وحلما ووقوفا مع الحجة والدليل . ولم يبدأ أحدا بقتال حتى بدأوه وكفروه ، فالحمد لله الذي ألهمه رشده وسدد أمره ، ولم يجعله على طريق هؤلاء الحيارى الضالين ، والجهلة الظالمين .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:36 PM
فصل

قال المعترض : وقال أبو العباس أيضا ، وليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر قال : ومن كفر الاثنتين والسبعين الفرقة كلها فقد خالف الكتاب والسنة . وإجماع الصحابة والتابعين . وسلف الأمة اهـ .
ثم قال المعترض : وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث : ( وستفترق أمتي ) فأثبت صلى الله عليه وسلم أنهم من أمته أمة الإجابة أهل القبلة فكيف ينفون عنها . وقد أثبتهم صلى الله عليه وسلم منها ؟ .
والجواب أن يقال : هذه عبارته بحروفها . فأما نقله عن أبي العباس فليس فيه ما يتمسك به بل هو حجة عليه ، لأن أبا العباس ، إنما أثبت مخالفة الكتاب والسنة لمن كفر الفرق كلها . فلا يتم الاستدلال بكلامه إلا على من كفر الفرق كلها . وما ظننت هذا يقوله أحد علماء الأمة . وأما تكفير بعضها فليس في العبارة التي نقل المعترض ما ينفيه ، بل ربما يستدل بإثبات المخالفة لمن كفر الكل . ومن كفر البعض ، فليس مخالفا ، وهذا وإن لم يكن صريحا في كلام الشيخ فالإشارة فيه إليه لا تخفى .
ثم إن قول هذا المعترض : وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : ( وستفترق أمتي ) جهل منه بمدارك الأحكام . فإن المنع من تكفير هذه الفرق ليس لأنهم من الأمة ، بل لأن التفرق قد يبقي معه أصل الإيمان والتوحيد المانع من الكفر المخرج عن الملة . وبذلك وقع النزاع في كثير من هذه الطوائف فمن كفر بعضهم فهو يحتج بالنصوص المكفرة لهـم من كتاب الله وسنة نبيه ، ومن لم يكفر فحجته أن أصل الإسلام الثابت لا يحكم بزواله إلا لحصول مناف لحقيقته مناقض لأصله . وأما من لقى معه أهل الإسلام مع الذنوب والتفرق فليس من المكفرات ، فالعمدة استصحاب الأصل وجودا وعدما .
وأما قول هذا المعترض : فأثبت لهم أنهم من أمته أمة الإجابة أهل القبلة .
فدعوى باطلة ليس كل من وصف بأنه من الأمة يكون من أهل الإجابة والقبلة وفي الحديث : ( ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن إلا كان من أهل النار ) والحديث في سنن ابن ماجة . وقال تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا } فدلت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة الذين يشهد عليهم  وقال تعالى : { ويم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون } والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الإجابة . وتطلق في قام التفرق والذم ويراد بها غيرهم . فلكل مقام مقال .
وفي عبارته فساد تركيب وركاكة ظاهرة . فإنه قال فكيف ينفون عنها ؟ وهذا يسمى إخراجا عن الملة لا نفيا وأبلغ منه قوله : وقد أثبتهم منها . وإنما يقال : أدخلهم فيها . لا أتثبتهم منها . فتدبر .
إذا عرفت هذا فاعلم أن هذا المعترض يرى أن عباد القبور والصالحين الذين أشركوا بالله رب العالمـين ، وجعلوا لله أندادا ونظراء فيما يستحقه على عباده من الحب والخضوع ، والتعظيم . والدعاء رغبا ورهبا . والتوكل والإنابة والاستغاثة ، والذبح والنذر والحلف ، وغير ذلك من أنواع العبادة هم من الأمة أهل الإجابة والقبلة ، وأنهم من هذه الفرق المذكورين في هذا الحديث . والشرك عنده لا وجود له إلا في اليهودية والنصرانية والمجوسية أو من جحد جميع ما جاء بها لرسول عنادا . وما عداه من المكفرات التي ذكرها أهل العلم في أبواب الردة ، بل ذكرها الله في كتابه وقررها هو ، وبينها رسوله أتم بيان ووضحها أظهر توضيح ، لا توجب الكفر عنده ولا الردة . ومن بلغت به الجهالة والضلالة إلى هذا الحد والغاية فقد سقط الكلام معه . والأولى به أن يساس بما يساس به القرمطي والسفسطائي ونحوهم ممن يكابر في اليقينات ، ويقرمط في السمعيات .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:37 PM
فما هو إلا الوحي أو حد مرهف * تزيل ظباه أخذعـي كل مائل
فهذا دواء الداء من كـل عاقل * وهذا دواء الداء من كل جاهل
ويقال لهذا الملحد : ما تقول في الغالية الذين حرقهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه بشهد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهم من الاثنتين والسبعين فرقة أم لا ؟ وما تقول في مانعي الزكاة الذين قاتلهم الصديق وأجمع الصحابة على تكفيرهم ، أهم من الاثنتين والسبعين فرقة أم لا ؟ وكذلك بنو حنيفة وبنو عبيد القداح ملوك مصر والمغرب فإن دخلوا في الاثنتين والسبعين فرقة بطل تأسيسك وانهدم أصلك الفاسد . وإن لم يدخلوا كما هو الصحيح بطل إدخالك أمثالهم من عباد القبور في مسمى الأمة في هذا الحديث وثبت أن من الفرق من يخرج عن الملة ويرتد بما خالف فيه من نحلته .


فصل

قال المعترض : وقال أيضا في الفرقان بعد كلام له سبق : فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره . فإذا كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين ، فليس كل من أخطأ يكون كافرا ولا فاسقا ولا عاصيا ، بل عفا الله بهذه الأمة من الخطأ والنسيان ، وفي كتاب الله في دعاء الرسول والمؤمنين : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وفي الصحيح : ( أن الله تعالى قال قد فعلت ) اهـ .
والجواب أن يقال : هذه الطامة أكبر من أختها . فإنها تقتضي أن عباد القبور والأوثان الذين كفرهم شيخنا رحمه الله مسلمون مؤمنون مغفور لهم خطؤهم ونسيانهم . هذا معتقد المعترض ، ولذلك ساق كلام أبي العباس محتجا به على ضلالته .
وهذا في الحقيقة تسجيل منه على أن كل من كفر عباد القبور والصالحين بعبادتهم غير الله وإشراكهم في خالص حقه . فقد كفر مسلما على خطأ مغفور له والمكفرون بمثل هذه الأشياء كافة أهل العلم من أهل الإسلام ، بل وجميع الرسل يكفرون بهذا وقد حكى الإجماع غير واحد على كفر هذا المصنف .
قال شيخ الإسلام أبو العباس ، فيما نقله عنه أكابر أصحابه وأعيان أهل مذهبه : من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعا .
قال شارحه : لأنه فعل عابدي الأصنام ، قائلين : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } وذكره ابن حجر الشافعي في ( الأعلام بقواطع الإسلام ) راضيا به مقررا له .
وأبواب الردة يستفتحها الفقهاء بذكر الشرك في الربوبية والإلهية .
إذا عرفت هذا عرفت أن هذا المعترض خرج عن إجماع المسلمين بحكمه بإسلام هؤلاء المشركين ، وأنه خطأ أهل الإسلام كافة ، بل لازمه أنه خطأ من كفرهم من سائر رسل الله الكرام . والنزاع بيننا وبين هذا وأمثاله إنما هو في عبادة الأولياء والصالحين الذين عدلوهم بربهم وسووهم به في خالص حقه ، وشبهوهم وهم عباده به في استحقاق الإلهية والعبادة .
وكل هذه العبارات التي يحتج بها من كلام أهل العلم خارجة عن محل النزاع ، أجنبية عنه . وهذا الشيخ الذي يشير إليه هذا بالرد قد شرح كتابه بزعمه وأثنى عليه ومدحه ليروج بذلك باطلة ، ويتمكن من الإقامة بين أظهر المسلمين ، فنعوذ بالله من زيغ القلوب ورين الذنوب .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:39 PM
فصل

قال المعترض : وقال شمس الدين ابن القيم ، لما أتى على مسألة التكفير : اعلم أن الكفر والإيمان متقابلان ، إذا زال أحدهما خلفه الآخر . قال : ولما كان الإيمان أصـلا له شعب متعددة ، وكل شعبة فيه تسمي إيمانا . فالصلاة والزكاة والصيام والحج والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله تعالى والإنابة حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق ، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله ، كالشهادتين . ومنها ما لا يزول بزواله . إلى أن قال : وكذلك الكفر ذو أصل وشعب كما أن الإيمان أصله الشهادتان ، فإن أصل الكفر الجحود لهما ، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر . إلى أن قال : وهاهنا أصل آخر ، وهو أنه لا يلزم من قام به شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافرا ، وإن كان ما قام به كفر . إلى أن قال : فمن صدر منه خصلة من خصال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق . لأن معه أصل الإيمان ، وهما الشهادتان . إلى أن قال : وهاهنا أصل آخر ، وهو أن الكفر نوعان : كفر عمل وكفر جحود وعناد فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء به من عند الله تعالى ، جحودا وعنادا منه . فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه وأما كفر العمل فينقسم إلى مـا يضاد الإيمان ، وإلى ما لا يضاد الإيمان ، فالسجود للصنم ، والاستهانة بالمصحف ، وقتل النبي وسبه ، يضاد الإيمان .
وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعا . فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر ، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن كفر عمل لا كفر اعتقاد وعناد ، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر ، وعمن لم يأمن جاره بوائقه ، فهو كافر من جهة العمل ، وأن انتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ا هـ .
فقد نص رحمه الله أن الكفر لا يكون إلا جحودا أو عنادا . فهذا الذي يخرج عن الملة فمتى يكون هذا في الأمة ، وما سوى ذلك له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير تكفير وقتال . كما يفعل هذا الرجل بالأمة .
والجواب أن يقال : هذا المعترض له حظ وافر من تحريف النصوص والكذب فيها . وكلام شمس الدين رحمه الله في هذه المسألة معروف مشهور ، جار على مذهب السلف وأهل العلم في التكفير بكثير من الأقوال والأفعال الباطنة والظاهرة ، ولا ينازع في تكفير من عبد غير الله . أشرك بربه ، وكلامه في هذه العبارة صريح في ذلك وقد ساقها مستدلا بها على كفر تارك الصلاة . والمعترض حرف العبارة وأسقط منها ما هو حجة عليه ، وما لا يستقيم الكلام بدونه . فأسقط من أول العبرة قوله : " ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما ومنه ما يلحق شعبة الشهادة ، ويكون إليها أقرب " فأسقط هذا لأنه صريح في التكفير بدعاء غير الله والشرك به ، وأن ما قارب هذا الأصل يكون كفرا ، ويلحق به وهذا عين كلام الشيخ بل شيخنا رحمه الله لم يكفر إلا بترك العمل بشهادة أن لا إله إلا الله ، وباتخاذ الآلهة والأنداد مع الله . وقد نص في هذه العبارة المنقولة أن هذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين ، وهذه هي مسألة النزاع . فإن من شهد لله بالوحدانية ولم يلتزم ذلك ولم ينقد لمقتضاه ، لا يكون مؤمنا. وكذلك شهادة أن محمد رسول الله لا بد فيها من التزام ما جاء به : من الإيمان بالله وتوحيده ، وإلا فلا تنفعه هذه الشهادة ، ولا يسمى شاهـدا قال تعالى : { إذ جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } فأكذبهم في زعمهم ، لأنهم لم يعلموا بمقتضى الشهادة ، بل خالفوها بالعمل والاعتقاد ، فلو تفطن فيما نقله هذا المعترض لعرف أنه عليه لا له ، وأن شيخنا أسعد بكلام أهل العلم والإيمان ممن أجاز دعاء الأموات والغائبين والالتجاء إليهم من دون الله رب العالمين .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:40 PM
وكذلك قوله " الكفر ذو أصل وشعب " فهذا حق . وشيخنا لم يكفر إلا بأصل الكفر لا بشعبه ، مع أن هذا الكلام من المعترض نفاق ومغالطة ، وإلا فقد صرح في مواضع مما مر بأن أهل هذا الشرك هم خير أمة أخرجت للناس ، وهم أهل المساجد والمنار ، وهم الذين أمرنا أن نسأل الله الهداية إلى صراطهم . فكيف يرجع هنا إلى عبارة لابن القيم فيها التفصيل بين أصول الكفر وسائر شعبه ؟ وهل هذا إلا محض التناقض والتدافع ؟.
وقد أسقط من كلام شمس الدين قوله رحمه الله تعالى : كذلك من شعب الإيمان الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان ، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية . فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا ، وهي شعبة من شعب الكفر ، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه ، كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف اهـ . وهذا صريح في مسألة النزاع ، لكن حذفه المعترض المحرف ، لبساً للحق بالباطل ، وترويجا لباطلة ولياً بلسانه .
وقال ابن القيم في هذا الأصل : فالكفر كفران ، والظلم ظلمان ، والفسوق فسقان والجهل جهلان ، والشرك شركان : شرك ينقل عن الملة وهو الشرك الأكبر وشرك لا ينقل عن الملة وهو الشرك الأصغر : شرك العمل ، كالرياء . قال الله تعالى في الشرك الأكبر : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار } وقال : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } وقال في شرك الرياء : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ومن هذا الشرك الأصغر قوله صلى الله عليه وسلم: ( من حف بغير الله فقد أشرك ) رواه أبو داود وغيره . ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه من الملة ولا يوجب له حكم الكفار . ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ( الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ) اهـ .
ثم قال رحمه الله تعالى : ثم انظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما لا ينقل عنها وكذلك النفاق نفاقان ، نفاق اعتقاد ونفاق عمل ، وكل هذا أسقطه المعترض لأنه يدفع في صدره ويرد باطله وترويجه .
ويقال أيضا : ما نقلته عن شمس الدين ابن القيم حجة لنا عليك ، مع ما فيه من التحريف والحذف واللبس .
من ذلك قوله : " ولما كان الإيمان أصلا له شعب " فهذه لنا لأن النزاع في أصل الإيمان الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله ، والكلام في التزامها والعمل بمقتضاها. وأما بقية الشعب فليس من مسألة النزاع ولا يكفر بترك بعض الشعب التي هي دون الأصل وأركانه إلا من يكفر بالذنوب كالخوارج . فهؤلاء يحسن الرد عليهم بمثل هذا النقل . وأما من لم يكفر إلا بترك أصل الإيمان الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله فالرد عليهم بكلام ابن القيم مجرد هوس وخيلاء خرجت بصاحبها عن موضوع الكلام .
وقد تقدم أنه قال : وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كالشهادتين . وقد نقله هذا المعترض ، ومن المعلوم أن المقصود زوال حقيقة الشهادتين علما وعملا أو قولا . لا زوال مجرد القول واللفظ . كما فهمه هذا الغبي .
وكذلك قوله : " وهاهنا أصل آخر وهو أنه لا يلزم من قام به شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافرا وإن كان ما قام به كفر لأن معه أصل الإيمان وهما الشهادتان " وهذه العبارة لنا لأنا لا نكفر بترك ما دلت عليه الشهادتان مطابقة أو تضمنا ، وما عدا ذلك لم نكفر به .
فظهر أن شمس الدين ابن القيم رحمه الله قد قرر في نقل المعترض وكرر التكفير وزوال الإيمان بترك الشهادتين ، ولكن هذا الجاهل المعترض يظن أن المقصود ترك اللفظ فقط . وهذا من كثافة جهله وعدم علمه ، وقلة ممارسته ، وبعده عن صناعة العلم فالحمد لله الذي أخزاه وكبته في مماته ومحياه .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:43 PM
وكذلك في نقله أن الكفر نوعان كفر عمل وكفر جحود وعناد ، وكفر الجحود أن يكفر بما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به من عند الله جحودا وعنادا منه . فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه .
هذا نقله ومن عرف ما جاء به الشيخ ودعا إليه من توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة والبراءة من كل معبود سواه ، وعرف أن هذا أصل الأصول وأكبر القواعد ، وأظهر الشعائر ، وأن القرآن من أوله إلى آخره دال عليه ، آمر به مقرر له محتج عليه مبين له ، وأن الآيات والبراهين على صحته وظهوره أظهر من الشمس في الظهيرة ، عرف حينئذ أن من رده وأباه واستمر على اتخاذ الوسائط والشفعاء والأنداد يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم من غير التفات إلى حجج الله وبيناته من أعظم الناس جحودا وعنادا وأغلظهم كفرا وفسادا ، وإن كفر هذا الصنف ملحق بكفر أهل الجحود والعناد ، ولكن غلبة الجهل وكثافـة الفهم وغلظة الطبع ، واعتياد الشرك وظلمة الكفر حجب كثيفة حالت بين هؤلاء القوم وبين عرفة الكفر والإيمان ، والتوحيد والإشراك . فالتبس الأمر عليهم ، وصاروا يحتجون على أهل الإسلام بما هو عليهم لا لهم . وفى المثل ( أريها السّهى وتريني القمر ) ولما نزل قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصبُ جهنم أنتم لها واردُون } قال ابن الزبعرى : اليوم أخصم محمداً . ظناً منه أن قياس الأولى يجري هنا ، لم يعرف ما بين الأصل والفرع من الفرق في علة الحكم ومناطه ، بل ظن بجهله أن الاشتراك في العبادة هو العلة .
ولذلك قاس قياس الأولى ، والأمر ليس كذلك . فأنزل الله تعالى : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون . لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون } وروى بعضهم في ذلك حديثا الله أعلم به أن النبي صلى الله وسلم عليه وسلم قال له : ( ما أجهلك بلغة قومك ) ما : لما لا يعقل . لك يشكل على هذا ما قرره العلامة ابن القيم رحمه الله من أن ابن الزبعرى إنما أراد إلحاق الحكم بالنظير وإجراء العلة مجراها لا أنه خفي عليه موضوع ( ما ) وإن صح الحديث فهو صريح في رد ما قاله على كلا التقديرين . وتقرير شمس الدين ابن القيم رحمه الله يشير إلى أن أصل الحديث ثابت عنده . وهو كذلك كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وشمس الدين حجة في النقل .
والمقصود بهذا تحقيق المشابهة بين المعترض وأسلافه ممن يعترض على كتاب الله ورسله وأوليائه . وحجتهم بحمد الله داحضة ، لكن ربما جر شأن شئونا .
إذا عرفت هذا فقول المعترض في آخر نقله : فمتى يكون هذا في الأمة ؟ . يشير إلى كفر الجحود والعناد . وهذه القولة صريحة في استبعاد وقوع هذا وحصوله في الأمة كما دل عليه حديث ثوبان وغيره ، وظاهر هذا : إن مـا حدث مـن بني حنيفة والأسود العنسي والمختار ابن أبي عبيد ، وسائر أهل الردة والقرامطة والعبيديين ملوك مصر ، والتتر الذين يتلفظون بالشهادتين ، ومنهم من يصلي ، وغلاة القدرية والجهمية والرافضة والجبرية وأمثالهم ، ونظراؤهم وأشباههم ممن يتكلم بالشهادتين ، وينتسب إلى الإسلام . لا يقع منهم كفر الجحود والعناد أبداً وإنما هو كفر عمل لا يخرج عن الملة ، له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، من غير تكفير وقتال على زعم هذا المفتري وهذه الفضيحة والخزية القبيحة الدالة على محله من العقل والدين كافية في رد أباطيله ودحض أساجيله .
فليهن من ذكرنا من أعداء الرسل هذا الحكم القاسط الجائر المخالف لجميع كتب الله ، المناقض لسائر رسله .
ومن العجب خفاء هذا الجهل على كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ممن يخالط هذا الجاهل وأمثاله ، ويسمع لهم . ومن أعرض عن كتاب الهم ولم يكن له حظ من نور الوحي وضياء الرسالة فهو مستعد لقبول ما أوحته الشياطين إلى أوليائها من الجهل والعمى ، والضلال عن سبيل الرشاد والهدى .

أبوالوليد التميمي
05-20-2010, 09:45 PM
فصل

قال المعترض : وقال زين الدين بن رجب رحمه الله تعالى : ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ، ويعصم بذلك دمه ، ويجعله مسلما . وقد أنكر على أسامة قتله لمن شهد أن لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف ، واشتد نكيره . ثم بين رحمه الله أنه إذا كان مسلما بالشهادتين ألزم حقوق الإسلام إلى أن قال : وبهذا الذي قررنا يظهر الجمع بين ألفاظ الأحاديث في هذا الباب ، ويتبين أن كلها حق فإن كلمتي الإخلاص بمجردهما تعصمان من أتى بهما ويصير بذلك مسلما هذا عين كلامه انتهى .
إذ لولا أنه يكون مسلما بهما لم يلزم شرائع الإسلام ، ولم يجـبر عليها . فإن الكافر لا يجبر على شرائع الإسلام . وإن كان على قولنا مخاطبا بها ، إلا أنها لا تصح منه لعدم شرطها ، لأن من شرط صحة شرائع الإسلام ، تقدم الشهادتين . ومن جعل شرائع الإسلام مع الشهادتين شرطا لدخول الإسلام وصحته ، وأنه لا يكون مسلماً إلا بذلك كهذا الرجل ، فقد أبعد النجعة وخالف ما عليه سيد البشر صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وسلفه الصالح وسلك طريق الابتداع بتكفير الأمة على أصل هذا المذهب الخبيث .
وسيأتي من شبه هذا الرجل من كلامه : أنه عين كلامه كما ستراه عنه بعينه . وبما ذكرنا يعلم اختلاف الخليفتين الراشدين رضي الله عنهما في قتال مانعي الزكاة أنه ليس على كفره بالمنع ، بل هل يباح دمه بمنعه أم لا ؟ فسلم بعد ذلك الفاروق للصديق . ولهذا اتفق أهل المذاهب الأربعة في كتبهم أنه لا يجوز قتال مانع الزكاة إلا لمن يفعل بإخراجها كفعل الصديق والخلفاء الراشدين ، بأن يخرجها في أصنافها الثمانية أو ما وجد منها . ومن لم يفعل ذلك فنصوا على تحريم قبضه لها ، فضلا عن أن يقاتل عليها ، مع أن قبضه لها بهذه الحالة مبرئ لدافعها بطلبه ، توفيراً للسمع والطاعة ، واجتماع الكلمة ، ووزرها على قابضها. وبهذا يتبين قول أهل السنة والجماعة وأن أعمال الجوارح يزيد بها الإيمان وينقص . حتى لا يبقى في قلب الإنسان إلا أدنى مثقال حبة خردل من إيمان ، كما في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى يخرج جل وعلا من قال لا إله إلا الله ، كما مـر ذكره ذكرناه في كتابنا غسل الدرن .
والجواب أن يقال : إن الله تعالى وتقدس وعد رسله والذين آمنوا أن ينصرهم في ( الحياة الدنيا ) ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ومن نصر الله تعالى لأوليائه وعباده المؤمنين ولشيخنا رحمه الله تعالى خذلان أعدائهم ، وعدم تسديدهم ، وتهافت أقوالهم وما كساها من الظلمة والتناقض والتدافع ، والوحشة التي يعرفها من سلمت فطرته ، وصح إسلامه فضلا عن أهل العلم بشرعه ودينه . فلربنا الحمد ، لا نحصي ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه .
ويقال لهذا : قد حرفت عبارة زين الدين بن رجب وتصرفت فيها ، وأخرجتها عن موضوعها ، وأزلت بهجتها : من ذلك قولك عنه : عنه يقول : ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاء يريد الدخل في الإسلام الشهادتين فقط . وقد نزه الله العلامة ابن رجب وأمثاله عن أن يظنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقبل مجرد القول من غير التزام لحقيقته ، ولا عمل بمدلوله ، وعبارة ابن رجب تدل على أنه يبدأ بالتوحيد في الدعوة والطلب ، ولا يقبل قبله عمل من الأعمال . والمقصود من في الدعوة والطلب ، ولا يقبل قبله عمل من الأعمال . والمقصود من الشهادتين ما دلتا عليه من البراءة من كل معبود سوى الله ، وانه هو المعبود وحده لا شريك له ، والإيمان بالرسل ، والتزام متابعتهم . هذا هو مدلول الشهادتين . وهو الذي دلت عليه عبارة ابن رجب وشيخنا رحمه الله أصل دعوته وجهاده على هذا ، وعلى ترك عبادة الصالحين من الأموات والغائبين ، ودعائهم مع الله رغبا ورهبا ، والتوجه إليه والاستغاثة بهم في الشدائد والملمات ، كما كانت تفعله الجاهلية فهذا الذي جاهد شيخنا عليه ، ودعا الناس إلى تركه ، وأخبرهم أن الإيمان بالله