المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسباب الخلاف بين العلماء



محب العثيمين
03-10-2004, 08:33 AM
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له‏.‏ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا

كثر اللغط حول اختلاف أهل العلم المعتبرين في بعض المسائل وقام كل من طلبة العلم كل يدلي بدلوه ويخوض في هذه المسألة خوض الخباز بالعجين دون تبين ودراية مما أدى إلى طعن البعض وللأسف في بعض العلماء الأجلاء وقد خفي عن كثير من طلبة العلم الأسباب الرئيسة حول أسباب الخلاف وجوهره.
كنت قرأت رسالة لشيخنا محمد العثيمين رحمه الله تعالى بعنوان "الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا"وحاولت أن أختصرها لكني لم أستطع لأهمية ما ورد فيها وبلاغة استدلالات الشيخ رحمه الله ، قد يجدها القاريء مطولة بعض الشيء ولكن أرى كل ما فيها هام جدا:

يقول الشيخ رحمه الله بعد الاستغناء عن المقدمة:

بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اختلفت الأمة في أحكام الشريعة التي لا تقضي على أصول الشريعة، وأصول مصادرها‏.‏
ولكنه اختلاف سنبين إن شاء الله بعض أسبابه‏.‏ ونحن جميعًا نعلم علم اليقين أنه لا يوجد أحد من ذوي العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم ودينهم يخالف ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن عمد وقصد؛ لأن من اتصفوا بالعلم والديانة، فلابد أن يكون رائدهم الحق، ومن كان رائده الحق فإن الله سييسره له‏.‏ واستمعوا إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏17‏]‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏5‏]‏ ‏{‏فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏7‏]‏ ولكن مثل هؤلاء الأئمة يمكن أن يحدث منهم الخطأ في أحكام الله ـ تبارك وتعالى ـ لا في الأصول التي أشرنا إليها من قبل، وهذا الخطأ أمر لابد أن يكون، لأن الإنسان كما وصفه الله ـ تعالى ـ بقوله‏:‏ ‏{‏وخلق الإنسان ضعيفًا‏}‏ ‏[‏النساء، الآية‏:‏28‏]‏‏.‏
الإنسان ضعيف في علمه وإدراكه، وهو ضعيف في إحاطته وشموله، ولذلك لابد أن يقع الخطأ منه في بعض الأمور‏.‏ ونحن نجمل ما أردنا أن نتكلم عليه من أسباب الخطأ من أهل العلم في الأسباب الآتية السبعة‏:‏ مع أنها في الحقيقة أسباب كثيرة، وبحر لا ساحل له، والإنسان البصير بأقوال أهل العلم يعرف أسباب الخلاف المنتشرة، نجملها بما يأتي‏:‏
السبب الأول‏:‏
أن يكون الدليل لم يبلغ هذا المخالف الذي أخطأ في حكمه‏.‏
وهذا السبب ليس خاصًّا فيمن بعد الصحابة، بل يكون في الصحابة ومن بعدهم ‏.‏ ونضرب مثالين وقعا للصحابة من هذا النوع‏:‏
الأول إننا علمنا بما ثبت في صحيح البخاري ‏[‏البخاري، كتاب الأنبياء، باب‏:‏ حديث الغار، ومسلم، كتاب السلام، باب‏:‏ الطاعون والطيرة والكهانة‏.‏‏]‏ وغيره حينما سافر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إلى الشام، وفي أثناء الطريق، ذكر له أن فيها وباء وهو الطاعون، فوقف وجعل يستشير الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فاستشار المهاجرين والأنصار واختلفوا في ذلك على رأيين ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ وكان الأرجح القول بالرجوع، وفي أثناء هذه المداولة والمشاورة جاء عبد الرحمن بن عوف، وكان غائبًا في حاجة له، فقال‏:‏ إن عندي من ذلك علمًا، سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإن وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه‏)‏ فكان هذا الحكم خافيًا على كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، حتى جاء عبد الرحمن فأخبرهم بهذا الحديث‏.‏
مثال آخر‏:‏ كان علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وعبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يريان أن الحامل إذا مات عنها زوجها تعتد بأطول الأجلين، من أربعة أشهر وعشر‏.‏ ‏.‏ أو وضع الحمل، فإذا وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر لم تنقض العدة عنده وبقيت حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر، وإذا انقضت أربعة أشهر وعشر من قبل أن تضع الحمل بقيت في عدتها حتى تضع الحمل ‏[‏صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الطلاق، آية‏:‏ 4‏.‏ ومسلم، كتاب الطلاق، باب‏:‏انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل‏.‏ ‏]‏ ، لأن الله تعالى يقول‏:‏‏"‏ ‏{‏وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ من الآية4‏]‏‏.‏ ويقول‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ من الآية234‏]‏ وبين الآيتين عموم وخصوص وجهي، وطريق الجمع بين ما بينهما عموم وخصوص وجهي، أن يؤخذ بالصورة التي تجمعهما، ولا طريق إلى ذلك إلا ما سلكه علي وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ولكن السنة فوق ذلك‏.‏ فقد ثبت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث سبيعة الأسلمية أنها نفست بعد موت زوجها بليال فأذن لها رسول الله أن تتزوج، ومعنى ذلك أننا نأخذ بآية سورة الطلاق التي تسمى سورة النساء الصغرى، وهي عموم قوله تعالى‏:‏‏{‏وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏‏.‏ ‏[‏الطلاق، الآية‏:‏4‏]‏‏.‏ وأنا أعلم علم اليقين أن هذا الحديث لو بلغ عليًّا وابن عباس لأخذا به قطعًا، ولم يذهبا إلى رأيهما‏.‏
السبب الثاني‏:‏
أن يكون الحديث قد بلغ الرجل ولكنه لم يثق بناقله، ورأى أنه مخالف لما هو أقوى منه، فأخذ بما يراه أقوى منه، ونحن نضرب مثلًا أيضًا، ليس فيمن بعد الصحابة، ولكن في الصحابة أنفسهم‏.‏
فاطمة بنت قيس ـ رضي الله عنها ـ طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فأرسل إليها وكيله بشعير نفقة لها مدة العدة، ولكنها سخطت الشعير وأبت أن تأخذه، فارتفعا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لا نفقة لها ولا سكنى ‏[‏صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب‏:‏ المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها‏.‏‏]‏ ، وذلك لأنه أبانها، والمبانة ليس لها نفقة ولا سكنى على زوجها إلا أن تكون حاملًا لقوله تعالى‏{‏ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ من الآية6‏]‏ عمر رضي الله عنه ـ ناهيك عنه فضلًا وعلمًا ـ خفيت عليه هذه السنة، فرأى أن لها النفقة والسكنى، ورد حديث فاطمة باحتمال أنها قد نسيت فقال‏:‏ أنترك قول ربنا لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت‏؟‏ وهذا معناه أن أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ لم يطمئن إلى هذا الدليل، وهذا كما يقع لعمر ومن دونه من الصحابة ومن دونهم من التابعين، يقع أيضًا لمن بعدهم من أتباع التابعين، وهكذا إلى يومنا هذا بل إلى يوم القيامة، أن يكون الإنسان غير واثق من صحة الدليل، وكم رأينا من أقوال لأهل العلم فيها أحاديث يرى بعض أهل العلم أنها صحيحة فيأخذون بها ويراها الآخرون ضعيفة، فلا يأخذون بها نظرًا لعدم الوثوق بنقلها عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏
السبب الثالث‏:‏
أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه نسيه، وجل من لا ينسى، كم من إنسان ينسى حديثًا، بل قد ينسى آية‏.‏
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى ذات يوم في أصحابه فأسقط آية نسيانًا، وكان معه أبي بن كعب ـ رضي الله عنه فلما انصرف من صلاته قال‏:‏ ‏(‏هلا كنت ذكرتنيها‏)‏ ‏[‏أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب‏:‏ نسيان القرآن‏.‏‏]‏ وهو الذي ينزل عليه الوحي، وقد قال له ربه‏:‏ ‏{‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى‏}‏ ‏[‏الأعلى، الآيتان‏:‏6، 7‏]‏ ومن هذا ـ أي مما يكون قد بلغ الإنسان ولكنه نسيه ـ قصة عمر بن الخطاب مع عمار بن ياسرـ رضي الله عنهما ـ حينما أرسلهما رسول الله في حاجة، فأجنبا جميعًا عمار وعمر ‏[‏صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب‏:‏ المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها‏]‏ ‏.‏ أما عمار فاجتهد ورأى أن طهارة التراب كطهارة الماء، فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدابة، لأجل أن يشمل بدنه التراب، كما كان يجب أن يشمله الماء وصلى، أما عمر ـ رضي الله عنه ـ فلم يصل ‏.‏‏.‏‏.‏ ثم أتيا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأرشدهما إلى الصواب، وقال لعمار‏:‏ إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ـ وضرب بيديه ووجهه وكان عمار ـ رضي الله عنه ـ يحدث بهذا الحديث في خلافة عمر، وفيما قبل ذلك، ولكن عمر دعاه ذات يوم وقال له‏:‏ ما هذا الحديث الذي تحدث به‏؟‏ فأخبره وقال‏:‏ أما تذكر حينما بعثنا رسول الله في حاجة، فأجنبنا فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في الصعيد، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏‏"‏إنما كان يكفيك أن تقول كذا وكذا‏"‏‏.‏ ولكن عمر لم يذكر ذلك وقال‏:‏اتق الله يا عمار، فقال له عمال‏:‏ إن شئت بما جعل الله علّي من طاعتك أن لا أحدث به فعلت، فقال له عمر‏:‏ نوليك ما توليت ـ يعني فحدث به الناس ـ فعمر نسي أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعل التيمم في حال الجنابة كما هو في حال الحدث الأصغر، وقد تابع عمر على ذلك عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وحصل بينه وبين أبي موسى ـ رضي الله عنهما مناظرة في هذا الأمر فأورد عليه قول عمار لعمر، فقال ابن مسعود‏:‏ ألم تر أن عمر لم يقنع بقول عمار فقال أبو موسى‏:‏ دعنا من قول عمار، ما تقول في هذه الآية يعني آية المائدة، فلم يقل ابن مسعود شيئًا، ولكن لا شك في أن الصواب مع الجماعة الذين يقولون أن الجنب يتيمم، كما أن المحدث حدثًا أصغر يتيمم، والمقصود أن الإنسان قد ينسى فيخفى عليه الحكم الشرعي فيقول قولًا يكون به معذورًا، لكن من علم الدليل فليس بمعذور، هذان سببان‏.‏
السبب الرابع‏:‏
أن يكون بلغه وفهم منه خلاف المراد‏.‏
فنضرب لذلك مثالين، الأول من الكتاب، والثاني من السنة‏:‏
1ـ من القرآن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبا‏}‏ ‏[‏النساء، الآية‏:‏43‏]‏‏.‏
اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في معنى ‏(‏أو لامستم النساء‏)‏‏.‏ ففهم بعض منهم أن المراد مطلق اللمس، وفهم آخرون‏:‏ أن المراد به اللمس المثير للشهوة‏.‏ وفهم آخرون أن المراد به الجماع وهذا الرأي رأي ابن عباس ـ رضي الله عنهماـ ‏.‏
وإذا تأملت الآية وجدت أن الصواب مع من يرى أنه الجماع؛ لأن الله ـ تبارك وتعالى ذكر نوعين في طهارة الماء، طهارة الحدث الأصغر والأكبر‏.‏ ففي الأصغر قوله‏:‏ ‏{‏فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ من الآية6‏]‏ أما الأكبر فقوله‏:‏‏{‏ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ من الآية6‏]‏‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ الآية‏.‏ وكان مقتضى البلاغة والبيان أن يذكر أيضًا موجبًا الطهارتين في طهارة التيمم فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو جاء أحد منكم من الغائط‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ من الآية6‏]‏‏.‏ إشارة إلى موجب طهارة الحدث الأصغر ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أو لامستم النساء‏}‏ إشارة إلى موجب طهارة الحدث الأكبر ‏.‏ ‏.‏ ولو جعلنا الملامسة هنا بمعنى اللمس، لكان في الآية ذكر موجبين من موجبات طهارة الحدث الأصغر، وليس فيها ذكر لشيء من موجبات طهارة الحدث الأكبر، وهذا خلاف ما تقتضيه بلاغة القرآن، فالذين فهموا من الآية أن المراد به مطلق اللمس قالوا‏:‏ إذا مس إنسان ذكر بشرة الأنثى انتقض وضوؤه، أو إذا مسها لشهوة أنتقض، ولغير شهوة لا ينتقض، والصواب عدم الانتقاض في الحالين، وقد روي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبَّل إحدى نسائه، ثم ذهب إلى الصلاة ولم يتوضأ ‏[‏أخرجه الإمام أحمد جـ6 ص210، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب‏:‏ الوضوء من القُبلة، والترمذي، كتاب الطهارة ، باب‏:‏ الوضوء من القبلة، وابن ماجة، كتاب الطهارة، باب‏:‏ الوضوء من القبلة، والنسائي، كتاب الطهارة، باب‏:‏ ترك الوضوء من القبلة، والدار قطني جـ1 ص138، والبيهقي جـ1 ص125‏]‏، وقد جاء من طرق يقوي بعضها بعضًا‏.‏

محب العثيمين
03-10-2004, 08:34 AM
2ـ من السنة‏:‏ لما رجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غزوة الأحزاب، ووضع عدة الحرب جاءه جبريل فقال له‏:‏ إنا لم نضع السلاح فاخرج إلى بني قريظة، فأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه بالخروج وقال‏:‏‏)‏ لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ‏[‏البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب‏:‏ صلاة الطالب والمطلوب، ومسلم، كتاب الجهاد، باب‏:‏ المبادرة بالغزو‏.‏‏]‏‏.‏
الحديث، فقد اختلف الصحابة في فهمه‏.‏ فمنهم من فهم أن مراد الرسول المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة، فلما حان وقت العصر وهم في الطريق صلوها ولم يؤخروها إلى أن يخرج وقتها‏.‏ ومنهم من فهم‏:‏ أن مراد رسول الله أن لا يصلوا إلا إذا وصلوا بني قريظة فأخروها حتى وصلوا بني قريظة فأخرجوها عن وقتها‏.‏ولا ريب أن الصواب مع الذين صلوا الصلاة في وقتها؛ لأن النصوص في وجوب الصلاة في وقتها محكمة، وهذا نص مشتبه‏.‏ وطريق العلم أن يحمل المتشابه على المحكم‏.‏ إذن من أسباب الخلاف أن يفهم من الدليل خلاف مراد الله ورسوله، وذلك هو السبب الرابع‏.‏
السبب الخامس‏:‏
أن يكون قد بلغه الحديث لكنه منسوخ ولم يعلم بالناسخ فيكون الحديث صحيحًا والمراد منه مفهومًا ولكنه منسوخ، والعالم لا يعلم بنسخه فحينئذ له العذر؛ لأن الأصل عدم النسخ حتى يعلم الناسخ‏.‏
ومن هذا رأي ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ماذا يصنع الإنسان بيديه إذا ركع‏؟‏ كان في أول الإسلام يشرع للمصلي التطبيق بين يديه ويضعهما بين ركبتيه‏.‏ هذا هو المشروع في أول الإسلام ثم نسخ ذلك وصار المشروع أن يضع يديه على ركبته‏.‏ وثبت في صحيح البخاري وغيره النسخ، وكان ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ لم يعلم بالنسخ، فكان يطبق يديه، فصلى إلى جانبه علقمة والأسود، فوضعا يديهما على ركبهما، ولكنه ـ رضي الله عنه ـ نهاهما عن ذلك وأمرهما بالتطبيق ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ لماذا‏؟‏ لأنه لم يعلم بالنسخ، والإنسان لا يكلف إلا وسع نفسه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏286‏]‏
السبب السادس‏:‏
أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو أجماع، بمعنى أنه يصل الدليل إلى المستدل، ولكنه يرى أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع، وهذا كثير في خلاف الأئمة‏.‏ وما أكثر ما نسمع من ينقل الإجماع، ولكنه عند التأمل لا يكون إجماعًا‏.‏
ومن أغرب ما نقل في الإجماع أن بعضهم قال‏:‏ أجمعوا على قبول شهادة العبد‏.‏ وآخرون قالوا‏:‏ أجمعوا على أنها لا تقبل شهادة العبد‏.‏ هذا من غرائب النقل؛ لأن بعض الناس إذا كان من حوله اتفقوا على رأي، ظن أن لا مخالف لهم، لاعتقاده أن ذلك مقتضى النصوص، فيجتمع في ذهنه دليلان، النص والإجماع، وربما يراه مقتضى القياس الصحيح، والنظر الصحيح فيحكم أنه لا خلاف، وأنه لا مخالف لهذا النص القائم عنده مع القياس الصحيح عنده، والأمر قد كان بالعكس‏.‏
ويمكن أن نمثل ذلك برأي ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في ربا الفضل‏.‏
ثبت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏إنما الربا في النسيئة‏)‏ ‏[‏أخرجه مسلم، كتاب المساقاة، باب‏:‏ بيع الطعام مثلًا بمثل‏.‏‏]‏‏.‏
وثبت عنه في حديث عبادة بن الصامت وغيره ‏:‏‏(‏أن الربا يكون في النسيئة وفي الزيادة) ‏[‏مسلم، كتاب المساقاة، باب‏:‏ صرف وبيع الذهب بالورق نقدًا‏.‏‏]‏
وأجمع العلماء بعد ابن عباس على أن الربا قسمان‏:‏ ربا فضل، وربا نسيئة‏.‏ أما ابن عباس فإنه أبى إلا أن يكون الربا في النسيئة فقط‏.‏ مثاله لو بعت صاعًا من القمح بصاعين يدًا بيد فإنه عند ابن عباس لا بأس به؛ لأنه يرى أن الربا في النسيئة فقط ‏.‏ وإذا بعت مثلًا مثقالًا من الذهب بمثقالين من الذهب يدًا بيد فعنده أنه ليس ربا‏.‏ لكن إذا أخرت القبض، فأعتطيتني المثقال ولم أعطك البدل إلا بعد التفرق فهو ربا ‏.‏ ‏.‏ لأن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يرى أن هذا الحصر مانع من وقوع الربا في غيره، ومعلوم أن‏:‏ إنما تفيد الحصر فيدل على أن ما سواه ليس بربا، لكن الحقيقة أن ما دل عليه حديث عبادة يدل على أن الفضل من الربا لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏‏(من زاد أو استزاد فقد أربى‏)‏ ‏[‏جزء من الحديث السابق‏.‏‏]‏
إذن ما موقفنا نحن من الحديث الذي استدل به ابن عباس‏؟‏ موقفنا أن نحمله على وجه يمكن أن يتفق مع الحديث الآخر الدال على أن الربا يكون أيضًا في الفضل، بأن نقول‏:‏ إنما الربا الشديد الذي يعمد إليه أهل الجاهلية والذي ورد فيه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏130‏]‏ إنما هو ربا النسيئة، أما ربا الفضل فإنه ليس الربا الشديد العظيم، ولهذا ذهب ابن القيم في كتابه ‏"‏إعلام الموقعين‏"‏‏:‏ إلى تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل، وليس من باب تحريم المقاصد‏.‏
السبب السابع‏:‏
أن يأخذ العالم بحديث ضعيف أو يستدل استدلالًا ضعيفًا‏.‏ وهذا كثير جدًّا، فمن أمثلته‏:‏ أي أمثلة الاستدلال بالحديث الضعيف‏:‏ ما ذهب إليه بعض العلماء من استحباب صلاة التسبيح وهو أن يصلي الإنسان، يقرأ فيهما بالفاتحة، ويسبح خمس عشر تسبيحة، وكذلك في الركوع والسجود إلى آخر صفتها التي لم أضبطها، لأنني لا أعتقد من حيث اشرع، ويرى آخرون‏:‏ أن صلاة التسبيح بدعة مكروهة، وأن حديثها لم يصح، وممن يرى ذلك الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وقال‏:‏ إنها لا تصح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وإن حديثها كذب على رسول الله، وفي الحقيقة من تأملها وجد أن فيها شذوذًا حتى بالنسبة للشرع إذ أن العبادة، إما أن تكون نافعة للقلب، ولابد لصلاح القلب منها فتكون مشروعة في كل وقت وفي كل مكان، وإما أن لا تكون نافعة فلا تكون مشروعة وهذه في الحديث الذي جاء عنها يصليها الإنسان كل يوم أو كل أسبوع أو كل أسبوع أو كل شهر أو في العمر مرة، وهذا لا نظير له في الشرع، فدل على شذوذها سندًا ومتنًا، وأن من قال إنها كذب، كشيخ الإسلام فإنه مصيب، ولذا قال شيخ الإسلام‏:‏ أنه لم يستحبها أحد من الأئمة ‏.‏
وإنما مثلت بها لأن السؤال عنها كثير من الرجال والنساء، فأخشى أن تكون هذه البدعة أمرًا مشروعًا، وإنما أقول بدعة، أقولها ولو كانت ثقيلة على بعض الناس؛ لأننا نعتقد أن كل من دان لله ـ سبحانه ـ مما ليس في كتاب الله أو سنة رسوله فإنه بدعة‏.‏
كذلك أيضًا من يأخذ بدليل ضعيف من حيث الاستدلال‏.‏ الدليل قوي لكنه من حيث الاستدلال به ضعيف، مثل ما أخذ بعض العلماء من حديث أسود ‏(‏ذكاة الجنين ذكاة أمه‏)‏ ‏[‏أخرجه الإمام أحمد جـ 3 ص39، والترمذي، كتاب الأطعمة، باب‏:‏ ذكاة الجنين، وابن ماجة، كتاب الذبائح، باب‏:‏ ذكاة الجنين ذكاة أمه‏.‏ والدرامي، كتاب الأضاحي، باب‏:‏ ذكاة الجنين ذكاة أمه‏.‏ والبيهقي، جـ 9 ص335، والحاكم في ‏"‏المستدرك‏"‏ جـ4 ص127، والطبراني في الكبير، جـ 4 ص192، وابن أبي شيبة في المصنف جـ14 ص179، والهيثمي في ‏"‏المجمع‏"‏ جـ4‏]‏‏.‏
فالمعروف عند أهل العلم من معنى الحديث أن أم الجنين إذا ذكيت فإن ذكاتها ذكاة له ـ أي لا يحتاج إلى ذكاة إذا أخرج منها بعد الذبح؛ لأنه قد مات ولا فائدة من تذكيته بعد موته‏.‏
ومن العلماء من فهم أن المراد به أي بالحديث ‏.‏ ‏.‏ ‏.‏ إن ذكاة الجنين
الجنين كذكاة أمه، تكون بقطع الودجين وانهار الدم ـ ولكن هذا بعيد والذي يبعده أنه لا يحصل إنهار الدم بعد الموت‏.‏
ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏ما أن هر الدم وذكر اسم الله عليه فكل‏)‏ ‏[‏أخرجه البخاري، كتاب الذبائح، باب‏:‏ التسمية على الذبيحة، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب‏:‏ جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر‏]‏‏.‏ ومن المعلوم أنه لا مكن إنهار الدم بعد الموت، هذه الأسباب التي أحببت أن أنبه عليها مع أنها كثير، وبحر لا ساحل له ‏.‏ ‏.‏ ولكن بعد هذا كله ما موقفنا‏؟‏
وما قلته في أول الموضوع أن الناس بسبب وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية واختلاف العلماء أو اختلاف المتكلمين في هذه الوسائل صاروا يتشككون ويقولون من نتبع‏؟‏
تكاثرت الظباء على خراش** فما يدري خراش ما يصيد
وحينئذ نقول‏:‏ موقفنا من هذا الخلاف وأعني به خلاف العلماء الذين نعلم أنهم موثوقون علمًا وديانة، لا من هم محسوبون على العلم وليسوا من أهله؛ لأننا لا نعتبر هؤلاء علماء، ولا نعتبر أقوالهم مما يحفظ من أقوال أهل العلم‏.‏
ولكننا نعني به العلماء المعروفين بالنصح للأمة والإسلام والعلم، موقفنا من هؤلاء يكون على وجهين‏:‏
1ـ كيف خالف هؤلاء الأئمة لما يتقضيه كتاب الله وسنة رسوله‏؟‏ وهذا يمكن أن يعرف الجواب عنه بما ذكرنا من أسباب الخلاف، وبما لم نذكره، وهو كثير يظهر لطالب العلم حتى وإن لم يكن متبحرًا في العلم‏.‏
2ـ ما موقفنا من اتباعهم‏؟‏ ومن نتبع من هؤلاء العلماء‏؟‏ ايتبع الإنسان إمامًا لا يخرج عن قوله، ولو كان الصواب مع غيره كعادة المتعصبين للمذاهب‏.‏ أم يتبع ما ترجح عنده من دليل ولو كان مخالفًا لما ينتسب إليه من هؤلاء الأئمة‏؟‏ الجواب هو الثاني، فالواجب على من علم بالدليل أن يتبع الدليل ولو خالف من خالف من الأئمة‏.‏ إذا لم يخالف إجماع الأمة، ومن اعتقد أن أحدًا غير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجب أن يؤخذ بقوله فعلًا وتركًا بكل حال وزمان، فقد شهد لغير الرسول بخصائص الرسالة؛ لأنه لا يمكن أحد أن يكون هذا حكم قوله إلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك سوى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
ولكن يبقى الأمر فيه نظر؛ لأننا لانزال في دوامة من الذي يستطيع أن يستنبط الأحكام من الأدلة‏؟‏ هذه مشكلة؛ لأن كل واحد صار يقول‏:‏ أنا صحابها، وهذا في الحقيقة ليس بجيد، نعم من حيث الهدف والأصل، هو جيد أن يكون رائد الإنسان كتاب الله وسنة رسوله، لكن كوننا نفتح الباب لكل من عرف أن ينطق بالدليل، وإن لم يعرف معناه وفحواه، فنقول‏:‏ أنت مجتهد تقول ما شئ، هذا يحصل فيه فساد الشريعة وفساد الخلق والمجتمع، والناس ينقسمون في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام‏:‏
1ـ عالم رزقه الله علمًا وفهمًا‏.‏
2ـ طالب علم عنده من العلم، لكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحر‏.‏
3ـ عامي لا يدري شيئًا‏.‏
أما الأول‏:‏
فإنه له الحق أن يجتهد وأن يقول، بل يجب عليه أن يقول ما كان مقتضى الدليل عنده مهما خالفه من خالفه من الناس لأنه مأمور بذلك، قال تعالى‏:‏‏{‏لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏}‏ ‏[‏النساء، الآية‏:‏83‏]‏‏.‏ وهذا من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله وكلام رسوله‏.‏
أما الثاني‏:‏
الذي رزقه الله علمًا ولكنه لم يبلغ درجة الأول فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات والإطلاقات وبما بلغه، ولكن يجب عليه أن يكون محترزًا في ذلك وألا يقصر عن سؤال من هو أعلى منه من أهل العلم لأنه قد يخطئ وقد لا يصل علمه إلى شيء خصص ما كان عامًا، أو قيد ما كان مطلقًا، أو نسخ ما يراه محكمًا‏.‏ وهو لا يدري بذلك‏.‏

محب العثيمين
03-10-2004, 08:35 AM
أما الثالث‏:‏
وهو من ليس عنده علم، فهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ من الآية7‏]‏ وفي آية أخرى‏:‏ ‏{‏إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر‏}‏ ‏[‏النحل، الآيتان‏:‏43، 44‏]‏‏.‏ فوظيفة هذا أن يسأل، ولكن من يسأل‏؟‏ في البلد علماء كثيرون، وكل يقول‏:‏ إنه عالم، أو كل يقال عنه‏:‏ إنه عالم فمن الذي يسأل‏؟‏ هل نقول‏:‏ يجب عليك أن تتحرى من هو أقرب إلى الصواب فتسأله ثم تأخذ بقوله، أو نقول‏:‏ اسأل من شئت ممن تراه من أهل العلم
والمفضول قد يوفق للعمل في مسألة معينة، ولا يوفق من هل أفضل منه وأعلم ـ اختلف في هذا أهل العلم‏؟‏
فمنهم من يرى‏:‏ أنه يجب على العامي أن يسأل من يراه أوثق في علمه من علماء بلده؛ لأنه كما أن الإنسان الذي أصيب بمرض في جسمه فإنه يطلب لمرضه من يراه أقوى في أمور الطب فكذلك هنا، لأن العلم دواء القلوب، فكما أنك تختار لمرضك من تراه أقوى فكذلك هنا يجب أن تختار من تراه أقوى علمًا إذًا لا فرق‏.‏
ومنهم من يرى‏:‏ أن في ذلك ليس بواجب لأن من هو أقوى علمًا قد لا يكون أعلم في كل مسألة بعينها ويرشح هذا القول أن الناس في عهد الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل‏.‏
والذي أرى في هذه المسألة أنه يسأل من يراه أفضل في دينه وعلمه لا على سبيل الوجوب؛ لأن من هو أفضل قد يخطئ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو على سبيل الأولوية، والأرجح‏:‏ أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه‏.‏
وأخيرًا أنصح نفسي أولًا وإخواني المسلمين، ولا سيما طلبة العلم إذا نزلت بإنسان نازلة من مسائل العلم ألا يتعجل ويتسرع حتى يتثبت ويعلم فيقول لئلا يقول على الله بلا علم‏.‏
فإن الإنسان المفتي واسطة بين الناس وبين الله، يبلغ شريعة الله كما ثبت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏العلماء ورثة الأنبياء‏)‏ ‏[‏تقدم تخرجه ص13‏.‏‏]‏‏.‏
وأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏)‏ أن القضاة ثلاثة‏:‏ قاضٍ واحد في الجنة وهو من علم الحق فحكم به‏)‏ ‏[‏أخرجه أبو داود، كتاب الأقضية، باب‏:‏ في القاضي يخطئ بلفظ‏:‏‏"‏القضاة ثلاثة‏:‏ واحد في الجنة، واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار‏"‏ قال أبو داود‏:‏‏"‏ وهذا أصح شيء فيه، يعني حديث ابن بريدة‏"‏‏.‏‏]‏‏.‏ كذلك أيضًا من المهم إذا نزلت فيك نازلة أن تشد قلبك إلى الله وتفتقر إليه أن يفهمك ويعلمك لا سيما في الأمور العظام الكبيرة التي تخفى على كثير من الناس‏.‏
وقد ذكر لي بعض مشائخنا أنه ينبغي لمن سئل عن مسألة أن يكثر من الاستغفار، مستنبطًا ن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏105‏]‏ ‏{‏واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا‏}‏ ‏[‏النساء، 106‏]‏‏.‏ لأن الإكثار من الأستغفار يوجب زوال أثر الذنوب التي هي سبب في نسيان العلم والجهل كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذكروا به‏}‏ ‏[‏المائدة، الآية‏:‏13‏]‏
وقد ذكر الشافعي أنه قال‏:‏
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلـم بأن العلـم نـور ** ونـور الله لا يؤتاه عـاصي
فلا جرم حينئذ أن يكون الاستغفار سببًا لفتح الله على المرء‏.‏
وأسأل الله التوفيق والسداد وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏.‏ وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب‏.‏
والحمد لله رب العالمين أولًا وأخيرًا‏.‏
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم‏.

supervisor
01-27-2005, 04:28 PM
للرفـــــع