المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة الشيخ عثمان كانت ذات شجون



ناصر الدين
03-14-2004, 05:44 PM
الحمد لله مكرم أوليائه بالإسلام، له الحمد أذل الكافرين فحطهم عن الأنعام، أحمده أن خص المؤمنين يوم الدين بالإنعام، ولم يجعل لكافر فيها إلا الندامة والآلام.
وأصلي وأسلم على الهادي الأمين، من تبعه كان من الناجين، ومن عصاه كان في الهالكين. وأصلي وأسلم على آهل بيته وأصحابه وتابعيه على ملته، حشرنا الله فيهم بمنه وفضله. وبعد؛

فقد جاءت خطبة أمس الجمعة للشيخ الفاضل عثمان الخميس رعاه الله مفيدة هامة خاصة في مثل هذا الزمن، الذي كثرت فيه الفتن، فينطبق على مثله قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا ). وكم هم اليوم من باعوا دينهم بخساً وراء أعراض الدنيا؟! فإلى الله المشتكى.

ولغائب أن يسأل: وعمّ كانت خطبة الشيخ جزاه الله خيراً؟
فأجيبه: كانت عن موضوع بدهي، يعجب المسلم كيف آل بنا الحال أن يخطب مشائخنا عن المسلَّمات! وكيف آلت بنا شقوتنا أن نتعلم ضروريات الدين وقد اشتعلت الرؤوس شيباً؟! فأنى ينصرنا الله ونحن كذلك!
كانت الخطبة حول إثبات كفر اليهود والنصارى. فهل يرتاب مسلم في مثل هذا؟!
هل يرتاب والله يقول: ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الأخرة من الخاسرين ) وغيرها مما هو مستفيض في كتاب الله. كيف نرتاب والرسول يقول مقسماً بالله: ( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة – أي أمة الدعوة - يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ). أبعد كل هذا ريب؟!

نعم، بدأ ينتشر بين المسلمين فكر خطير، حذر منه الله تعالى حيث قال: ( ودّوا لو تدهن فيدهنون ) وقال: ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) وقال على لسان نبيه: ( لكم دينكم ولي دين ).
وهذا الفكر هو أن اليهود والنصارى ليسوا بكفار، ولا يشرع جهاد الطلب ضدهم أبداً، وأنهم ناجون في الآخرة في الجنة، وأنهم إخوانُنا، وأنّ دياناتِهم مسالمةٌ تدعو إلى الأخوة، وغيرُ ذلك من الضلالات.

بل لمسلم أن يعجب إن سمع أنهم اليوم ابتدعوا صلاة جديدة تجمع اليهودي والنصراني والمسلم، صلاةً واحدةً، إمامُها نصراني وخلفَه جموع من النصارى بمذاهبهم واليهودِ بمللهم والمسلمين بفرقهم. وقد رأيتها بعيني رأسي، فإلى الله المشتكى.

بل لمسلم أن يعجب إن سمع أنهم أجازوا بقاء من أسلمت على ذمة الكافر إذا كانت تزوجته حال كفرها! والله تعالى يقول: ( يا أيها الذين آمنو إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراتٍ فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حِل لهم ولا هم يحلون لهن، وآتوهم ما أنفقوا، ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن، ولا تمسكوا بعصم الكوافر ).

بل لمسلم أن يعجب من فتوى جواز إرث المسلم للكافر والكافر للمسلم، وفتوى جواز مشاركة الكفار في أعيادهم، وفتوى استحباب ابتداء الكفار بالسلام والرحمة والبركة، وفتوى جواز مشاركة الجندي المسلم في الجيش الأمريكي لضرب مسلمي أفغانستان. وغيرِها مما يدمي القلب أسًى على أمة تركت دينها لعرض من الدنيا رخيص.

ومن أولئك الذين تقحموا بعض هذه الأبواب المعلومة من الدين بالضرورة فراحوا يحاربون الإسلام من الداخل، ويصدون بانحرافهم عن سبيل الله تعالى، فمنهم المجلس الأوروبي للفتوى برئاسة الدكتور يوسف القرضاوي، ونائبُه فيصل مولوي، وأمينُه حسين حلاوة، ومنهم كذلك الكاتب المصري أ.د. محمد عمارة. هداهم الله.
فهؤلاء ممن يدعي الدعوة إلى الله وإلى دينه، يفتون بمثل هذا، ثم نستعجل نصر الله، فهل تنصر كهذه الأمة أمة؟!

وسأكتفي إن شاء الله بنقل بعض كلامهم في موضوع لاحق، مع رد مختصر يبين عظم ما فيها من كفر وضلال، وتلبيس وإضلال.

لكن من فضل الله علينا أن ثبّت طائفة أهل السنة والجماعة – أعنى السلف باصطلاح اليوم – ثبتهم يذبون عن دينه تحريف الغاوين، ويمحون عنه تزييف المبطلين. فلله درّ علمائنا جزاهم الله خيراً. فقد ردّ على فراهم هذه في دعوى التقريب من العلماء جمع كثير. منهم العلامة بكر أبو زيد ( في كتابه الرائع: الإبطال لنظرية الخلط بين الإسلام وغيره من الأديان ) وأرفقه مع هذه المقالة إن شاء الله. ومنهم العلامة ابن عثيمين رحمه الله. وغيرهم.

وبعد هذا فواجب علينا معاشر المسلمين أن نتناصح محذرين من هذه الفتن فـ( الدين النصيحة ).
إذ من المعلوم أن من لم يكفر الكافر فهو كافر، إن انتفت عنه موانع التكفير من جهل وخطإ وإكراه. وكفر اليهود والنصارى معلوم ضرورة لايعذر أحد بجهله.
ومعلوم كذلك أن مثل هذه الأفكار المنحرف هي من التولي المحرم الذي قال الله فيه: ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ).
فليبلغ شاهدنا الغائب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وكتب فيصل القلاف

ناصر الدين
03-14-2004, 05:46 PM
الحمد لله وبعد، فوفاء بالعهد أذكر هنا شيئا ً من أقوال أهل الزيغ القائلين بالتقريب بين الأديان.

وأكتفي هنا بنقل هذه الفقرة من كتاب ( الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي ) "للأستاذ الدكتور" محمد عمارة، طبعة وزارة الأوقاف المصرية ص8 إلى ص10.
فأذكر قوله بين قوسين [ ] ثم أتبعه برد مختصر يبين فساد ما يقول، والله المستعان. قال هداه الله:

[ ورغم التحريفِ الذي أصاب بعض هذه الكتب السابقة والنسيانِ الذي أصاب بعضها ذهب القرآن في الدقة والإنصاف إلى تقرير أن هذا التحريفَ والنسيانَ لم يكونا عامين، ففي هذه الكتب - وخاصة التوراة والإنجيل - هدًى ونورٌ ومطلوب من أهلها تحكيمُها والحكمُ بما صح فيها ( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ) ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) ].

وهذا باطل ظاهر، إذ أن ما في الكتب السابقة من باطل محرف مختلط بما فيها من حق غير محرف ( على فرض وجوده اليوم )، ولا سبيل لتمييز الحق من الباطل، حتى لو وافق ما في شريعتنا، فلعله من المحرف الذي وافق حقاً، إذ لا يبعد أن يقول الحقَّ الشيطانُ.
فإن كان كذلك امتنع الحكم بأي شيء فيها، لاحتمال كونه محرفاً.
ثم ادعاؤه أن التوراة والإنجيل الذين بين أيدينا اليوم فيهما هدى ونور، ادعاء مرفوض جملة وتفصيلاً، إذ لا دليل عليه، ثم لما تيقين فيهما من تحريف مستمر، ثم لنسخ القرآن لهما.
ثم نقول له: الحديث إن لم يصح سنداً إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم رددناه وحرمنا التعبد به، فكيف نقبل ما لا سند له أصلاً عن الأنبياء السابقين؟! ولو قبلنا كتب الأنبياء عليهم السلام بغير سند للزمنا قبول القراءات الشاذة من القرآن إذ هي خير من كتب أهل الكتاب، لأن لها سنداً لكنه ضعيف. وهذه بحد ذاتها حجة مفحمة.
أما ما ادعاه من جواز تحكيمهما بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستدلاً بالآيتين فباطل، بل هو كفر.
أما قوله تعالى: ( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ) فإنكار عليهم أن يحكموا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي يعتقدون بطلان رسالته ويتركون ما يظنون أنه حكم الله في التوراة، كما قرره ابن كثير في تفسيره. أو هو تعجيب من فعلهم كما قرره السيوطي. وعلى كل ليس دعوة من الله لهم أن يحكموا كتابهم ويتركوا حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم هذا إقرار من الله أن حكم التوارة في هذه المسألة – أعني رجم الزاني – صحيح لم يحرف وباقٍ لم يتغير بالإسلام، وهذه مسألة خاصة لا تعمَّم. لكن نشأ الفهم السقيم من تفسير كتاب الله من غير نظر إلى أسباب نزوله.
وأما قوله تعالى: ( وليحكم أهل الإنجيل بما فيه ) فدليل عليه لا له. ففي الآية قراءتان:
الأولى بنصب ( يحكم ) فتكون الآية بمعنى: ( وآتينا عيسى الإنجيل مصدقاً للتوراة وهدىً لأهل زمانه وليحكم به أهل زمانه ) فلا إشكال.
والقراءة الثانية بجزم ( يحكم ) فتحمل معنى الأمر، فيكون المعنى أن الله يأمرهم أن يحكموا بكل ما في الإنجيل، بما فيه من اتباع شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن شريعته تحكيمه وانقضاء عهد الإنجيل. وهذا حجة لنا في موضع النزاع.
وللاستزادة يراجع تفسير ابن كثير، فقد نقلت ذلك منه ملخصاً.

[ وحتى في الشرائع المتمايزة بتمايز الأمم والرسالات والحقب التاريخية لم يعمم الإسلام النسخ على جميع هذه الشرائع السابقة وإنما قرر أن ( شريعة من قبلَنا شريعة لنا ما لم تنسخ ) بتطور الواقع الذي تجاوزها ].

وهذا باطل كذلك، إذ أن شريعة من قبلنا لم تخاطبنا أصلاً لتكون شريعة لنا. قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( وكان يبعث النبي لقومه خاصة وبعثت للناس كافة ). وبهذا علم بطلان كون شريعة من قبلنا شريعة لنا بهذا الإطلاق.
بل الصحيح أن ما جاء منها في شريعتنا فهو إقرار من شرعنا له، فيكون شرعاً لنا بهذا الاعتبار، على خلاف بين أهل العلم.
ثم تأمل أخي التلبيس في تعميمه ما لم ينسخ من شرع من قبلنا، فكيف السبيل إلى معرفته فضلاً عن معرفة بقاء حكمه وعدم نسخه؟! كيف السبيل وقد تقرر كثرة ما في كتبهم من تحريف؟! أما إن كان يقصد ما جاء عن أهل الكتاب في القرآن والسنة، فهذا في غير محل النزاع! فعجب للتلبيس والخداع.
ثم تأمل الجهل المدقع إذ يقول أن الناسخ لشرع من قبلنا هو تطور الواقع!! والناسخ معلوم أنه ليس إلا كتاباً أو سنةً. ثم النسخ رفع حكم، وحكم ما في الكتب كان مؤقتاً بزمن الفترة ( أي إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم )، فبانقضاء تلك الفترة ينقضي الحكم أصلاً، فلا وجه للقول بأنه نسخ، إلا لغة.
وبهذا تبين بطلان ما ادعاه من بقاء حكم التوراة أو الإنجيل إلى عصرنا هذا، وعليه فالحكم بهما باطل غير جائز.

[ وكما لم يعمم الإسلام أحكامَ التحريف على كل الكتب ولا أحكامَ النسخ على جميع الأحكام، لم يعمم الأحكام على سائر أهل هذه الكتب والشرائع، وإنما ميز بين الصادقين في تدينهم وبين غير الصادقين فهم ( ليسوا سواء ) ].

أما تعميم التحريف على كل الكتب، فأقول: ما إن حكم الإسلام بوجود التحريف في الكتب السابقة، فقد حكم بجواز التحريف على كل كلمة في الكتب، وبالتالي حكم بعدم جواز تصديق أي شيء فيها لاحتمال أن يكون من المحرف.
وبهذا يكون حكم الإسلام عليها بوجود التحريف كحكم المحدث على الحديث بأنه متوقف فيه إما لجهالة أو سوء حفظ أو انقطاع أو غيرها، وحقيقة التوقف أنه رد، كما قرره الحافظ رحمه الله.
وأما تعميم النسخ فقد تبين من النقطة السابقة أن التوراة والإنجيل جاءا محددين بغاية وهي بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فببلوغ تلك الغاية تنقضي أحكامهما، فلم تعد صالحة للتحاكم إليها. وإن شئت فسمه نسخاً لغة باعتبار أنه ارتفع، أو لا تسمه باعتبار أنه جاء لغاية، فارتفع بوقوعها. المهم أن أحكامهما قد رفعت كلها.
أما أهل الكتاب فلم يفرق بينهم الإسلام في الأحكام الدنيوية. فمهما كان النصراني أو اليهودي ملتزماً أحكام دينه، فلا يحل له الزواج من مسلمة ولا يرث مسلماً ولا يرثه مسلم ويجب أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر ذليل ولا تقبل روايته وغير ذلك من أحكام الدنيا.
أما أحكام الآخرة فلا فرق بين أهل الكتاب وغيرهم من أهل الكفر أصلاً. فهم على قسمين.
أما الأول فهم من بلغتهم الرسالة، فهؤلاء إن ماتوا على الكفر خلدوا في النار أبد الآبدين.
والثاني فهم من لم تبلغهم الرسالة، فهؤلاء يمتحنون في الآخرة فإما نجاة أو هلكة.
فعلم أن ما ادعاه من أمور ثلاثة – أعني عدم تعميم الحكم على كل الكتب بالتحريف ولا كل الأحكام بالنسخ ولا كل الكفار الخسارة – فهو باطل لا ينهض للاعتقاد.
أما قوله تعالى: ( ليسوا سواء )، فقال فيه ابن كثير رحمه الله: ( المشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم. أي لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا ) انتهى. وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنه.
بل لعل الصحيح أن الآية تبين أن أهل الإسلام ( وهم أهل كتاب ) ليسوا سواء مع أي أهل ملة أخرى من أهل الكتاب. وذلك لما جاء من سبب نزول هذه الآية حيث قال ابن مسعود رضي الله عنه: أخر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعةَ غيركم ) قال ابن مسعود رضي الله عنه: وأُنزل هؤلاء الآياتُ: ( ليسوا سواء من أهل الكتاب ) حتى بلغ ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين ). وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. وسبب النزول لا شك محكم في تفسير الآية.
فسبحان من أعمى بصائرهم ففسروا القرآن على هواهم من غير دليل.

[ ولم يقف ذلك عند أحكام الدنيا ومعاملاتها، بل قرر الإسلام في أمر النجاة في الآخرة في يوم الدين أن الله لا يضيع من أحسن عملاً، وأن ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) ].

فعلم سابقاً عدم التفريق بين أهل الكتاب في الأحكام الدنيوية إطلاقاً. وهذا رد على الجملة الأولى.
أما ادعاؤه ملبساً أن من أهل الكتاب من يعمل صالحاً فهذا منكر من القول وزور. وليتضح ذلك لا بد من معرفة ماهية العمل الصالح. فالعمل الصالح هو ما كان خالصاً لله موافقاً سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فهل من أهل الكتاب من يخلص عمله لله؟! أم هم يخلصون لعيسى وآلهتهم! وهل منهم من يتبع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟! أم هم يتبعون الشرائع الباطلة المحرفة! فأي صلاح في عمل يبتغي به عامله وجه غير الله؟! أم أي صلاح في عمل مبني على شريعة محرفة لا يعلم ناقلها أصلاً؟!
ويكفينا حكماً قول الله تعالى: ( إن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ). فهذا نص صريح يحكم بكفر وبطلان ديانة كل من تعبد الله بغير الإسلام.
ثم تأمل قول الله تعالى حيث أمر نبيه أن يقول: ( قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين ). ففيها فوائد:
1.هي خطاب عام لكل الكافرين دون تخصيص لأهل الكتاب أو من عداهم.
2. تقرير أنا لا نعبد الله بعبادتهم، فلو كانت جائزة محبوبة لله لما نهينا أن نتعبدها.
3. تقرير أن لهم دينهم ولنا ديننا، فهو تمييز لديننا عن دينهم، ومعلوم أن الحق واحد، فيلزم من صحة ديننا بطلان دياناتهم، ويلزم من صحة دياناتهم بطلان ديانتنا.
4. مع جمع الكافرين أفرد دينهم، فقال: ( لكم دينكم )، ومعلوم اختلاف دياناتهم. وذلك تقريراً لتماثلها إذ كلها كفر يخلد صاحبه في النار. ونظيره قوله تعالى: ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) وقوله تعالى: ( أو صديقكم ).
وبهذا تبين بطلان ما ادعى.

يتبع...

ناصر الدين
03-14-2004, 05:47 PM
[ وأن الذين آمنوا بالتوحيد في الألوهية والربوبية وبالغيب واليوم الآخر والحساب والجزاء وعملوا صالحاً وفق أية شريعة من الشرائع الإلهية السابقة لن توصد أمامهم أبوابُ النجاة في الآخرة ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر عمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ].

وهنا نسال سؤالاً أولاً: هل من أهل الكتاب اليوم من يوحد الله في الربوبية والألوهية، فإن قال نعم، قلنا فما تعد قولهم في عيسى؟! وإن قال لا، قلنا: فما فائدة ذكرك قيداً تعجيزياً لا وجود له؟! فإنما هو دس للسم في العسل.
ثم تأمل أخي تدليس هذا "الأستاذ الدكتور" حيث اشترط في الكتابي لينجو في الآخرة الإيمان بالله واليوم الآخر ولم يشترط الإيمان بالكتب ولا النبيين الذين هما ركنان من أركان الإيمان!! وكل هذا لئلا يحرج بأنهم كفروا بخير نبي وخير كتاب! فإلى الله نشكوه.
ثم تأمل كيف جوز مرة أخرى التعبد بغير شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واعتبر ذلك منجاة لصاحبه يوم القيامة، فياللعجب العجاب! هل أمر يعلم من الدين بالضرورة لا يجهله صبية المسلمين ينكره "أستاذ دكتور"؟!
فإن قلنا بقوله: فما الفائدة من دعوة النصارى إلى الإسلام؟! ولم شرع قتلهم وسبي نسائهم وذراريهم إن رفضوا الإسلام والجزية؟! ولم نبغضهم في الله؟! لم كل هذا ما داموا ناجين مثلنا في الآخرة؟! بل لم نلتزم شريعة الإسلام مع كثرة تكاليفها ونترك شريعة النصارى على انحلالها وشهوانيتها، ما دمنا سننجو على كل حال؟! ولم نقتل المرتد عن الإسلام إلى النصرانية ما دام خارجاً إلى الجنة؟!
والله إن قوله لهو هدم الإسلام بعينه.
وأما استدلاله بالآية فإما عمق جهل أو خبث طوية. إذ لأهل العلم فيها طريقتان:
الأولى أنها منسوخة بقوله تعالى: ( إن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ). وروي هذا عن ابن عباس.
الثاني أنها في أصحاب الأنبياء وتابعيه على دينه إلى قبل أن يأتيهم النبي التالي، وهكذا. فاليهود هنا هم أتباع موسى إلى أن جاء عيسى، والنصارى هنا هم أتباع عيسى إلى أن جاء محمد.
ولا تعارض بين القولين كما قرره ابن كثير رحمه الله، إذ نتيجة كلاهما أن من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الكتاب فهو كافر مخلد في النار، وليس يقال في حقه مثل هذه الآية.

[ نعم جاء الإسلام فأحدث هذه ( الثورة الإصلاحية.. والإصلاح الثوري ) في العلاقة بالآخرين، وبلغ في العمق والسمو الحدَّ الذي سلك فيه ( الآخر ) في جامع ( الذات )، وذلك عندما سلكت أمم الشرائع الأخرى في ( ذات الدين الإلهي الواحد ) ].

اللهم بل لا، لم يأت الإسلام ليجمع الحق مع الباطل، بل جاء النبي يفرق بين الحق والباطل.
أما ما ادعاه من إصلاح أنه ثوري فنعم، هو ثوري نسبة إلى الثور، إذ لا يقول به عاقل!
ثم تأمل الدعوة الفاسدة، دعوة ( الدين الإلهي الواحد ) أو ما يسمونه ( الدين الإبراهيمي ) لاجتماع رسل الديانات السماوية الثلاث في إبراهيم عيهم الصلاة والسلام جميعاً. اللهم لا. ليس ديننا واحد، فشتان بين مشرق ومغرب!
كيف ونحن نوحد الله، وهو يشركون؟! كيف ونحن نؤمن بمحمدوهم يقولون ساحر مجنون؟! كيف ونحن نؤمن بالقرآن، وهم يقولون أنه افتراء على الله؟!
سبحانك هذا بهتان عظيم! فهذا إخواني غيض من فيض من كلام "الأستاذ الدكتور" في كتابه هذا، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وأكتفي بما سبق، وفيه كفاية ليتبين إخواننا عظم الأمر وهول الفتنة، نسأل الله الثبات على دينه. والحمد لله رب العالمين.

وكتبه فيصل القلاف

ناصر الدين
03-14-2004, 09:54 PM
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على المصطفى، وآله وصحبه ومن اقتفى. وبعد، فتتمة للفائدة أنقل بحثاً شهد الألباني بقيمته ونفاسته، وكفاه شرفاً.

قال العلامة الألباني رحمه الله في الثمر المستطاب:
هذا ولابن حزم في هذا المقام بحث قيم في تحقيق أن لفظ ( المشركين ) في الآية السابقة يشمل اليهود والنصارى خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله، فلا بد من نقله لما فيه من الفوائد ودفع بعض الشبهات حول بعض الآيات مما قد لا يوجد في كتاب آخر، فقال رحمه الله:

وأما قول أبي حنيفة فإنه قال:
إن الله تعالى قد فرق بين المشركين وبين سائر الكفار فقال تعالى: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين } وقال تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم }.
قال [ أبو حنيفة رحمه الله ]: والمشرك هو من جعل لله شريكاً لا من لم يجعل له شريكاً.

قال ابن حزم: لا حجة له غير ما ذكرنا.
أما تعلقه بالآيتين فلا حجة له فيهما، لأن الله تعالى قال: { فيهما فاكهة ونخل ورمان } والرمان من الفاكهة، وقال تعالى: { من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال } وهما من الملائكة، وقال تعالى : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى } وهؤلاء من النبيين.

إلا أنه كان يكون ما احتج به أبو حنيفة حجةً إن لم يأت برهان بأن اليهود والنصارى والمجوس والصابئين مشركون، لأنه لا يُحمل شيء معطوف على شيء إلا أنه غيره حتى يأتي برهان بأنه هو أو بعضه. فنقول وبالله التوفيق:

أن أول مخالف لنص الآيتين أبو حنيفة، لأن المجوس عنده مشركون، وقد فرق الله تعالى في الذِّكر بين المجوس وبين المشركين فبطل تعلقه بعطف الله تعالى إحدى الطائفتين على الأخرى.

ثم وجدنا الله تعالى قد قال: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }. فلو كان ههنا كفرٌ ليس شركاً لكان مغفوراً لمن شاء الله تعالى بخلاف الشرك، وهذا لا يقوله مسلم.

ثم روى ابن حزم من طريق مسلم بإسناده إلى ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافةَ أن يطعم معك.
ومن طريقه أيضاً بسنده عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً. الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور ).
وعنه أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: ( اجتنبوا السبع الموبقات ). قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).
قال علي بن حزم: فلو كان ههنا كفر ليس شركاً لكان ذلك الكفر خارجاً عن الكبائر، ولكان عقوق الوالدين وشهادة الزور أعظم منه، وهذا لا يقوله مسلم.
فصح أن كل كفر شرك، وكل شرك كفر، وأنهما اسمان شرعيان أوقعهما الله تعالى على معنى واحد.

وأما حجته بأن المشرك هو من جعل لله شريكاً فقط فهي مُنْـتَقَضَة عليه من وجهين:

أحدهما: أن النصارى يجعلون لله شريكاً يخلق كخلقه، وهو يقول: إنهم ليسوا مشركين. وهذا تناقض ظاهر .

والثاني: أن البراهمة والقائلين بأن العالم لم يزل وأن له خالقاً واحداً لم يزل، والقائلين بنبوة علي بن أبي طالب والمغيرة وبزيغ، كلهم لا يجعلون لله تعالى شريكاً، وهم عند أبي حنيفة مشركون. وهو تناقض ظاهر.

ووجه ثالث: وهو أنه [ لو ] لم يكن المشرك إلا ما وقع عليه اسم التشريك في اللغة - وهو من جعل الله تعالى شريكاً فقط - لوجب أن لا يكون [ الكافر ] إلا من كفر بالله تعالى وأنكره جملة لا من أقر به ولم يجحده. فيلزم من هذا أن لا يكون الكفار إلا الدهرية فقط، وأن لا يكون اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا البراهمة كفاراً، لأنهم كلهم مقرون بالله تعالى، وهو [ أبو حنيفة ] لا يقول بهذا، ولا مسلم على ظهر الأرض. أو كان يجب أن يكون كل من غطى شيئاً كافراً، فإن الكفر في اللغة التغطية.

فإذ كل هذا باطل فقد صح أنهما اسمان نقلهما الله تعالى عن موضوعهما في اللغة على كل من أنكر شيئاً من دين الإسلام يكون بإنكاره معانداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بلوغ النذارة إليه. وبالله تعالى التوفيق.

قلت [ الألباني رحمه الله ]: والإلزام المذكور في الوجه الثالث لم يتبين لي صوابه، لأن من يقول بأن الشركَ غيرُ الكفر يجعله أخصَّ منه. ومن المعلوم أن الأخص يدخل في الأعم كدخول النصارى واليهود في المشركين عند ابن حزم في الآية السابقة وعند غيره من سلف الصحابة والتابعين في قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } الآيةَ.
فكل من أشرك فقد كفر اتفاقاً، فالإلزام غير وارد.

غيرَ أن ابن حزم يقول العكسَ أيضاً، وهو أن كل من كفر بشيء من المكفرات فقد أشرك. والأدلة التي ساقها تؤيد ذلك. ولا أعلم ما يباين ذلك من الكتاب والسنة.

بل إن ظاهر قوله تعالى في سورة الكهف: { واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنيتن من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً } إلى قوله تعالى: { فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً. ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً. قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً. لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي } الآياتِ إلى قوله تعالى: { وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً }.
فقد أطلق سبحانه على هذا الرجل الذي أنكر البعث والحشر أنه أشرك به تعالى. هذا هو الظاهر من سياق الآيات، فإنه تعالى لم يحك عنه من الكفر غيرَ ما ذكر، ثم حكى ندمه حين رأى ما حل بثمره وجنتيه بقوله: { يا ليتني لم أشرك بربي أحداً }، فأطلق الشرك على الكفر المذكور.

ولعل وجهه أن جحوده البعث مصيرٌ منه إلى أن الله تعالى لا يقدر عليه وهو تعجيز الرب سبحانه وتعالى، ومن عجَّزه سبحانه وتعالى شبهه بخلقه فهو إشراك، كذا ذكره القرطبي بنحوه. والله أعلم.

انتهى كلام العلامة الألباني رحمه الله.

وتتمة للفائدة، أذكر وجهاً ثانٍ في كون من كفر بالله فقد أشرك زائداً على ما نقله الشيخ الألباني عن القرطبي.
وهو أن من كفر بالله فقد أشرك معه هواه أو الشيطان أو كليهما.
ودليل الأول قوله تعالى: ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ).
ودليل الثاني قوله تعالى: ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوّ مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم. ولقد أضلّ منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون ). ولكذلك قوله تعالى حاكياً قول الشيطان في الآخرة: ( إني كفرت بما أشركتموني من قبل ) فسمى اتباعهم له شركاً.

وأخيراً أنبه لكلمة فصل في محل النزاع هنا ذكرها ابن حزم رحمه الله فيما سبق، قال رحمه الله:
( وأن لا يكون اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا البراهمة كفاراً، لأنهم كلهم مقرون بالله تعالى، وهو [ أبو حنيفة ] لا يقول بهذا، ولا مسلم على ظهر الأرض ).
فكيف إذا رأى اليوم "الأستاذ الدكتور" أو "العلامة الدكتور" وما يقولون في النصارى، أكان يصدق أنهم يدَّعُون الإسلام، بل ويُنْظَر إليهم على أنهم من يمثل الدين والدعوة.
فسبحان الله كيف انقلبت الموازين!

وكتب فيصل القلاف.

أبو عبدالله الحربي
03-17-2004, 11:55 PM
أخي الكريم والكريم حقاً وصدقاًُ الشيخ/ فيصل ـ وفقه الله

لا أملك إلا أن اقول

حدث عن البلسم الشافي يمر به ** على الجراح قد استشرت فتلتئم
حدث عن البلبل الغريد مختلفا ***بين الافانين من تطريبه النغم
حدث عن الضيغم الساجي يثور به **تحرش بحمى الاشبال لا القرم
حدث عن السيل يجري وهو مصطخب **حدث عن النار تعلو وهي تحتدم
حدث عن البحر والارواح عاصفة **والسحب عازفة والفلك ترتطم

وقد كنتُ عَلَّقتُ بك أملاً فحققته، وصَرفتُ إليك ظناً فصدّقته

فلله درك وعلى الله أجرك
وما أجمل هذا الكلام، الذي يتحدر على الأفهام تحدَّرَ الزَُلال على حرِّ الأُوام

والله يا شيخ كلامك هذا حَسن مونِق ، وناضرٌّ مُورِق ، وناصِع مشرق ، بل هو عذبٌ سَلسَلٌ ، وحٌلوٌ مُعسَّل.




ولن ازيد فحالي معكم كحال مهدي الماء إلي البحر أو مهدي الضوء إلي القمر