ناصر الدين
03-18-2004, 06:18 PM
الحمد لله ما أحب أن يحمد، والصلاة والسلام على الهادي محمد، وعلى آله وصحبه الركع السجد، ومن على نهجهم تعبد، وبعد
فموضوع ما تقرأه الآن هو حكم مس المصحف للمحدث. وهي مسألة خلافية بين أهل العلم بين مبيح ومحرم، ولكل أجره وفضله.
ويجب التنبيه أولاً إلى أن مثل هذه المسائل لا ينكر فيها على مخالف ما كان آخذاً دليله من كتاب وسنة غير مخالف سلف الأمة. إنما يكون الإنكار – بل ويشتد – على من تعصب لقول عالم ضارباً بكتاب ربه وسنة نبيه عرض الحائط، فينازع في الحق بعد ما تبين.
وعلى هذا الأدب الرفيع أدب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه، فساروا على ذلك والأئمة من بعدهم، رضي الله عنهم أجمعين.
ثم اعلم أن في المسألة أصلين: قوله تعالى: ( لا يمسه إلا المطهرون ) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا يمس القرآن إلا طاهر ). فمن قال بالتحريم فظاهر وجه قوله، ومن قال بالإباحة، حمل الآية على الملائكة وحمل الحديث على الطهارة المعنوية التي تختص بالمؤمن لا تنفك عنه.
وأشرع بذكر ما ترجح عندي – والعلم عند الله – في هذه المسألة:
وهو أنه لا يجوز لمحدث أن يمس كتاب الله مطلقاً.
فيحرم على الكافر مسه إذ لا يرتفع عنه حدث إلا بالاطهار، والاطهار عبادة يشترط لصحتها الإيمان، فامتنع منه أن يطهر حال كفره. ودليل عدم قبول عبادة من مشرك قوله تعالى: ( وما منعهم أن تقبل نفقاتهم إلا أنهم كفروا ) وقوله تعالى: ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ) والإجماع منعقد على ذلك.
وفي هذا يتفق الفريقان، فمن قال باشتراط الطهارة المعنوية لمس المصحف قال بأن الكافر نجس معنوياً لقوله تعالى: ( إنما المشركون نجس ) فلا يحل له مس المصحف حتى يطهر معنوياً بالإيمان. والحمد لله.
ثم نتقل للحديث عن المؤمن، وفيه الخلاف.
فقال الفريق الأول: لا يجوز له مس المصحف مادام محدثاً، ولو حدثاً أصغر.
وقال الفريق الثاني: يجوز له مس المصحف مطلقاً، ولو كان جنباً أو كانت حائضاً.
فالفريق الأول قولهم هو الراجح لما استدلوا به من إجماع وآية وقياس وحديث ( وترتيبها هذا ترتيب ذهني للتسلسل في الاستدلال، وليس المقصود ترتيبها من حيث الحجية ).
فأذكر أدلته وتوجيهها، مع ذكر اعتراض الفريق الثاني، ووجه الرد عليهم.
والله أسأل أن يهديني إلى ما اختلف فيه من الحق، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
أما الإجماع فهو ما نقل عن الصحابة من منع المحدث من مس المصحف بغير خلاف يعرف بينهم في ذلك.
فجاء عن علقمة قال: كنا مع سلمان الفارسي في سفر فقضى حاجته، فقلنا له: توضأ حتى نسألك عن آية من القرآن. فقال : ( سلوني فإني لا أمسه، إنه لا يمسه إلا المطهرون ) ولم يكن بيننا ماء. رواه البيهقي في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه، وقال عنه ابن قدامة رحمه الله في المغني: ( هذا إسناد صحيح موقوف على سلمان ).
وروى الإمام مالك بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فاحتككت، فقال سعد رضي الله عنه: لعلك مسست ذكرك؟ قال: قلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت.
فهذان اثنان من المهاجرين السابقين رضي الله عنهما، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر هذين الأثرين وغيرهما: ( وكذلك جاء عن خلق من التابعين من غير خلاف يعرف عن الصحابة والتابعين، وهذا يدل على أن ذلك كان معروفًا بينهم ).
فهذا الإجماع السكوتي، وهو حجة على الصحيح.
أما الآية فقوله تعالى ( إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. تنزيل من رب العالمين ).
ومحل النزاع بين الفريقين في فهم الآية من جهتين، الأولى في تردد عود الهاء في لفظة ( يمسه ) بين ( القرآن ) و ( الكتاب المكنون ). والثانية في تردد معنى ( الكتاب المكنون ) بين كونه المصحف الذي بين أيدينا والكتاب الذي في السماء ( ولعله اللوح المحفوظ ).
والحق أن الآية تدل على تحريم مس المحدث للمصحف على كل معنى من المعاني المحتملة، كما سيتبين إن شاء الله فيما يلي.
وحاصل الأمر أن الضمير إن كان عائداً على القرآن فلا إشكال في دلالة الآية على تحريم مس المحدث للقرآن، بغض النظر عن المقصود من الكتاب.
فإن عاد على الكتاب المكنون بقي النزاع في هذا الكتاب، هل هو المصحف أم هو اللوح المحفوظ.
فإن كان هو المصحف فلا إشكال في دلالة الآية على تحريم مس المحدث للمصحف كذلك.
فإن كان هو اللوح المحفوظ، قلنا أن العلة في منع الملائكة غير المطهرين من مسه وجود القرآن فيه، وهذه العلة بعينها موجودة في المصحف، بل وأولى لبعد ما بين الملائكة ومحدثي البشر، والله أعلم.
ثم نأخذ الاستدلال بشيء من التفصيل، والأخذ والرد، فنقول:
ضمير المفعول في قوله تعالى: ( لا يمسه إلا المطهرون ) تتنازعه قرائن. وبها يتحدد على أيٍّ بعود الضمير.
فإن نظرنا إلى آخر اسم ظاهر قبله وجدناه ( الكتاب المكنون ) الذي فيه القرآن. وإن نظرنا إلى السباق واللحاق وعودة الآيات قبله وبعده على أول مذكور، ترجح أنه ( القرآن الكريم ).
وإن طلبنا مرجحاً خارجاً وجدنا قوله تعالى: ( كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة ) ترجح كون الضمير عائداً على الكتاب المكنون الذي هو اللوح المحفوظ. وإن طلبنا المزيد وجدنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( وأن لا يمس القرآن إلا طاهر ) يؤيد أن الضمير عائد على القرآن.
لكن يظل بيننا فيصلاً قول الصحابة رضي الله عنهم، وكما مر فقد استشهد سلمان الفارسي رضي الله عنه بهذه الآية على تحريم مس المحدث للمصحف. لكن يعارض بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه الكتاب الذي في السماء ( ذكره ابن كثير وسكت عنه، ولا أعرف درجته ).
فإذِ الحالة كذلك ( أي لا مرجح لأحد القولين سالم، بل كل معارض بمثله ). فالواجب حمل اللفظ على كل ما احتمل من معنىً، مع مراعاة أنه لا تنافي بين المعنيين.
فنقول الضمير هنا مشترك بين كونه عائداً على الصحف وبين كونه عائداً على القرآن، ولا مرجح لأحدهما يفوق به الآخر، فيحمل عليهما كليهما.
فيكون المعنى أن هذا القرآن مكتوب في صحف في السماء ومصحف في الأرض، والأول واقع كوناً أنه لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، والثاني مطلوب شرعاً أن لا يمسه إلا البشر المتطهرون عن الأحداث والأنجاس.
ويظل الاختلاف الثاني في الآية. وهو في تحديد الكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون. فهو دائر بين كونه المصحف، وبين كونه اللوح المحفوظ. فالفريق الأول ذهب إلى المعنى الأول والفريق الثاني ذهب إلى المعنى الثاني.
وكتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل اليمن ( ولا يمس القرآن إلا طاهر ) يرجح الأول. وآية عبس ( كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة ) ترجح الثاني.
ولا يصح استدلال من أراد المعنى الثاني بكونه لا مصحف حين نزول الآية، لأن القرآن كان مفرقاًً في ألواح وعظام ونحوها. لأنه يرد بأن كل ما كتب عليه فهو كتاب، وله حكم المصحف، ثم هو إخبار بما يكون.
ولا يصح كذلك استدلاله بلفظة ( المطهرون ) باعتبار أنهم الملائكة، إذ البشر يفعلون الطهارة لاتفعل بهم، فهم متطهرون لا مطهرون.
ويرده قوله تعالى: ( وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) فدل على أن الله يطهر المؤمنين بإنزال الماء، فالله إذاً قد طهرهم، فهم مطهرون. ويرده قوله تعالى بعد ذكر صفة الوضوء: ( ولكن يريد ليطهركم ) فالله إذاً يطهرهم يتعليمهم الطهارة، فهم مطهرون.
ولا يصح كذلك استدلالهم بأن الآية خبر، ومعلوم أن من المحدثين - بل والمشركين - من مس المصحف.
فرده أنه خبر بمعنى الطلب، كقوله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ).
فإن قيل الأصل كونه خبراً، رد بأن محل النزاع ماهية الكتاب، وبها يتحدد معنى الفعل خبري أو طلبي، ولا يصح الاستدلال بالمطلوب لما فيه من الدور.
ولا يصح استدلال من أراد المعنى الأول أن يمنع من وجود ملائكة غير مطهرين، إذ الطهارة العينية متحققة فيهم، والطهارة المعنوية متحققة فيهم كذلك في أعلى درجاتها، لقوله تعالى: ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ).
فيرد يرد بأن لهم طهارة خاصة، بمعنى مزيد طهر وقداسة وكرامة من الله، أو أنها صفة كاشفة، كقوله تعالى: ( والبغي بغير الحق ) فيكون المراد عدم مس الشياطين للوح، لا صنف آخر من الملائكة. والله أعلم.
ولا يصح استدلالهم كذلك بأن الطاهر غالب ما تطلق في الكتاب والسنة على الطهارة الحكمية لا على الطهارة المعنوية.
لأنه يرد بأن معنى الطهارة هنا متوقف على معنى الكتاب، والاستدلال بالمطلوب من الدور.
وبهذا تبين أنه لا مرجح لكون الكتاب هنا هو اللوح الذي في السماء أو المصحف، لأن كل مرجح مردود عليه بمثله.
فوجب حمل الآية على كل من المعنيين إذ لا تعارض بينهما، والله أعلم.
فتكون بمعنى أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ كما أنه مكتوب في المصاحف، فالأول لا يمسه إلا الملائكة المطهرون والثاني لا يمسه إلا المؤمنون غير المحدثين، والله أعلم.
ونهايةً يتقرر أن الآية تحتمل معانٍ. فالذي لا يُمس إما القرآن وإما الكتاب. والكتاب إما القرآن وإما اللوح المحفوظ. وحاصل احتمالين في احتمالين أربعة، وهي كما يلي:
أولاً: إن كان الذي لا يُمس هو القرآن، والكتاب هو المصحف، فظاهر أن الحكم تحريم المس على المحدث.
ثانياً: إن كان الذي لا يُمس هو القرآن، والكتاب هو اللوح المحفوظ، فظاهر أن الحكم تحريم مس المصحف على المحدث كذلك.
ثالثاً: إن كان الذي لا يُمس هو الكتاب، والكتاب هو المصحف، فظاهر أن الحكم التحريم كذلك.
رابعاً: إن كان الذي لا يُمس هو الكتاب، والكتاب هو اللوح المحفوظ، فيقال: العلة في منع غير المطهر من الملائكة أو الشيطان من مس اللوح الذي في السماء هو وجود القرآن فيه، كما هو منبه عليه في الآية. وعين العلة متحققة في المصحف، إذ القرآن مكتوب فيه كذلك. بل يقال: ومحدث ابن آدم أولى بالمنع من غير المطهر من الملائكة. فتكون النتيجة التحريم كذلك.
فإذا تبين أن الآية محتملةٌ معانيَ أربعاً: إما أن نرجح إحداها، فتكون النتيجة تحريم مس المصحف على المحدث. أو نحملها على كل ما قبلت من معانٍ - وهي غير متعارضة - فيكون الحكم التحريم عليه كذلك. أو نحملها على الأغلب، وظهر مما سبق أن أغلب احتمالاتها يقتضي المنع قطعاً وواحد منها يقتضي المنع ظناً غالباً، بل ولو لم يقتضه ألبتةَ لكان حكم الغالب باقٍ، والله أعلم.
ثم يرجح هذا ما سبق من إجماع وما يأتي إن شاء الله من دلالة السنة، والله أعلم.
يتبع إن شاء الله...
فموضوع ما تقرأه الآن هو حكم مس المصحف للمحدث. وهي مسألة خلافية بين أهل العلم بين مبيح ومحرم، ولكل أجره وفضله.
ويجب التنبيه أولاً إلى أن مثل هذه المسائل لا ينكر فيها على مخالف ما كان آخذاً دليله من كتاب وسنة غير مخالف سلف الأمة. إنما يكون الإنكار – بل ويشتد – على من تعصب لقول عالم ضارباً بكتاب ربه وسنة نبيه عرض الحائط، فينازع في الحق بعد ما تبين.
وعلى هذا الأدب الرفيع أدب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه، فساروا على ذلك والأئمة من بعدهم، رضي الله عنهم أجمعين.
ثم اعلم أن في المسألة أصلين: قوله تعالى: ( لا يمسه إلا المطهرون ) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا يمس القرآن إلا طاهر ). فمن قال بالتحريم فظاهر وجه قوله، ومن قال بالإباحة، حمل الآية على الملائكة وحمل الحديث على الطهارة المعنوية التي تختص بالمؤمن لا تنفك عنه.
وأشرع بذكر ما ترجح عندي – والعلم عند الله – في هذه المسألة:
وهو أنه لا يجوز لمحدث أن يمس كتاب الله مطلقاً.
فيحرم على الكافر مسه إذ لا يرتفع عنه حدث إلا بالاطهار، والاطهار عبادة يشترط لصحتها الإيمان، فامتنع منه أن يطهر حال كفره. ودليل عدم قبول عبادة من مشرك قوله تعالى: ( وما منعهم أن تقبل نفقاتهم إلا أنهم كفروا ) وقوله تعالى: ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ) والإجماع منعقد على ذلك.
وفي هذا يتفق الفريقان، فمن قال باشتراط الطهارة المعنوية لمس المصحف قال بأن الكافر نجس معنوياً لقوله تعالى: ( إنما المشركون نجس ) فلا يحل له مس المصحف حتى يطهر معنوياً بالإيمان. والحمد لله.
ثم نتقل للحديث عن المؤمن، وفيه الخلاف.
فقال الفريق الأول: لا يجوز له مس المصحف مادام محدثاً، ولو حدثاً أصغر.
وقال الفريق الثاني: يجوز له مس المصحف مطلقاً، ولو كان جنباً أو كانت حائضاً.
فالفريق الأول قولهم هو الراجح لما استدلوا به من إجماع وآية وقياس وحديث ( وترتيبها هذا ترتيب ذهني للتسلسل في الاستدلال، وليس المقصود ترتيبها من حيث الحجية ).
فأذكر أدلته وتوجيهها، مع ذكر اعتراض الفريق الثاني، ووجه الرد عليهم.
والله أسأل أن يهديني إلى ما اختلف فيه من الحق، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
أما الإجماع فهو ما نقل عن الصحابة من منع المحدث من مس المصحف بغير خلاف يعرف بينهم في ذلك.
فجاء عن علقمة قال: كنا مع سلمان الفارسي في سفر فقضى حاجته، فقلنا له: توضأ حتى نسألك عن آية من القرآن. فقال : ( سلوني فإني لا أمسه، إنه لا يمسه إلا المطهرون ) ولم يكن بيننا ماء. رواه البيهقي في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه، وقال عنه ابن قدامة رحمه الله في المغني: ( هذا إسناد صحيح موقوف على سلمان ).
وروى الإمام مالك بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فاحتككت، فقال سعد رضي الله عنه: لعلك مسست ذكرك؟ قال: قلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت.
فهذان اثنان من المهاجرين السابقين رضي الله عنهما، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر هذين الأثرين وغيرهما: ( وكذلك جاء عن خلق من التابعين من غير خلاف يعرف عن الصحابة والتابعين، وهذا يدل على أن ذلك كان معروفًا بينهم ).
فهذا الإجماع السكوتي، وهو حجة على الصحيح.
أما الآية فقوله تعالى ( إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. تنزيل من رب العالمين ).
ومحل النزاع بين الفريقين في فهم الآية من جهتين، الأولى في تردد عود الهاء في لفظة ( يمسه ) بين ( القرآن ) و ( الكتاب المكنون ). والثانية في تردد معنى ( الكتاب المكنون ) بين كونه المصحف الذي بين أيدينا والكتاب الذي في السماء ( ولعله اللوح المحفوظ ).
والحق أن الآية تدل على تحريم مس المحدث للمصحف على كل معنى من المعاني المحتملة، كما سيتبين إن شاء الله فيما يلي.
وحاصل الأمر أن الضمير إن كان عائداً على القرآن فلا إشكال في دلالة الآية على تحريم مس المحدث للقرآن، بغض النظر عن المقصود من الكتاب.
فإن عاد على الكتاب المكنون بقي النزاع في هذا الكتاب، هل هو المصحف أم هو اللوح المحفوظ.
فإن كان هو المصحف فلا إشكال في دلالة الآية على تحريم مس المحدث للمصحف كذلك.
فإن كان هو اللوح المحفوظ، قلنا أن العلة في منع الملائكة غير المطهرين من مسه وجود القرآن فيه، وهذه العلة بعينها موجودة في المصحف، بل وأولى لبعد ما بين الملائكة ومحدثي البشر، والله أعلم.
ثم نأخذ الاستدلال بشيء من التفصيل، والأخذ والرد، فنقول:
ضمير المفعول في قوله تعالى: ( لا يمسه إلا المطهرون ) تتنازعه قرائن. وبها يتحدد على أيٍّ بعود الضمير.
فإن نظرنا إلى آخر اسم ظاهر قبله وجدناه ( الكتاب المكنون ) الذي فيه القرآن. وإن نظرنا إلى السباق واللحاق وعودة الآيات قبله وبعده على أول مذكور، ترجح أنه ( القرآن الكريم ).
وإن طلبنا مرجحاً خارجاً وجدنا قوله تعالى: ( كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة ) ترجح كون الضمير عائداً على الكتاب المكنون الذي هو اللوح المحفوظ. وإن طلبنا المزيد وجدنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( وأن لا يمس القرآن إلا طاهر ) يؤيد أن الضمير عائد على القرآن.
لكن يظل بيننا فيصلاً قول الصحابة رضي الله عنهم، وكما مر فقد استشهد سلمان الفارسي رضي الله عنه بهذه الآية على تحريم مس المحدث للمصحف. لكن يعارض بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه الكتاب الذي في السماء ( ذكره ابن كثير وسكت عنه، ولا أعرف درجته ).
فإذِ الحالة كذلك ( أي لا مرجح لأحد القولين سالم، بل كل معارض بمثله ). فالواجب حمل اللفظ على كل ما احتمل من معنىً، مع مراعاة أنه لا تنافي بين المعنيين.
فنقول الضمير هنا مشترك بين كونه عائداً على الصحف وبين كونه عائداً على القرآن، ولا مرجح لأحدهما يفوق به الآخر، فيحمل عليهما كليهما.
فيكون المعنى أن هذا القرآن مكتوب في صحف في السماء ومصحف في الأرض، والأول واقع كوناً أنه لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، والثاني مطلوب شرعاً أن لا يمسه إلا البشر المتطهرون عن الأحداث والأنجاس.
ويظل الاختلاف الثاني في الآية. وهو في تحديد الكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون. فهو دائر بين كونه المصحف، وبين كونه اللوح المحفوظ. فالفريق الأول ذهب إلى المعنى الأول والفريق الثاني ذهب إلى المعنى الثاني.
وكتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل اليمن ( ولا يمس القرآن إلا طاهر ) يرجح الأول. وآية عبس ( كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة ) ترجح الثاني.
ولا يصح استدلال من أراد المعنى الثاني بكونه لا مصحف حين نزول الآية، لأن القرآن كان مفرقاًً في ألواح وعظام ونحوها. لأنه يرد بأن كل ما كتب عليه فهو كتاب، وله حكم المصحف، ثم هو إخبار بما يكون.
ولا يصح كذلك استدلاله بلفظة ( المطهرون ) باعتبار أنهم الملائكة، إذ البشر يفعلون الطهارة لاتفعل بهم، فهم متطهرون لا مطهرون.
ويرده قوله تعالى: ( وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) فدل على أن الله يطهر المؤمنين بإنزال الماء، فالله إذاً قد طهرهم، فهم مطهرون. ويرده قوله تعالى بعد ذكر صفة الوضوء: ( ولكن يريد ليطهركم ) فالله إذاً يطهرهم يتعليمهم الطهارة، فهم مطهرون.
ولا يصح كذلك استدلالهم بأن الآية خبر، ومعلوم أن من المحدثين - بل والمشركين - من مس المصحف.
فرده أنه خبر بمعنى الطلب، كقوله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ).
فإن قيل الأصل كونه خبراً، رد بأن محل النزاع ماهية الكتاب، وبها يتحدد معنى الفعل خبري أو طلبي، ولا يصح الاستدلال بالمطلوب لما فيه من الدور.
ولا يصح استدلال من أراد المعنى الأول أن يمنع من وجود ملائكة غير مطهرين، إذ الطهارة العينية متحققة فيهم، والطهارة المعنوية متحققة فيهم كذلك في أعلى درجاتها، لقوله تعالى: ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ).
فيرد يرد بأن لهم طهارة خاصة، بمعنى مزيد طهر وقداسة وكرامة من الله، أو أنها صفة كاشفة، كقوله تعالى: ( والبغي بغير الحق ) فيكون المراد عدم مس الشياطين للوح، لا صنف آخر من الملائكة. والله أعلم.
ولا يصح استدلالهم كذلك بأن الطاهر غالب ما تطلق في الكتاب والسنة على الطهارة الحكمية لا على الطهارة المعنوية.
لأنه يرد بأن معنى الطهارة هنا متوقف على معنى الكتاب، والاستدلال بالمطلوب من الدور.
وبهذا تبين أنه لا مرجح لكون الكتاب هنا هو اللوح الذي في السماء أو المصحف، لأن كل مرجح مردود عليه بمثله.
فوجب حمل الآية على كل من المعنيين إذ لا تعارض بينهما، والله أعلم.
فتكون بمعنى أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ كما أنه مكتوب في المصاحف، فالأول لا يمسه إلا الملائكة المطهرون والثاني لا يمسه إلا المؤمنون غير المحدثين، والله أعلم.
ونهايةً يتقرر أن الآية تحتمل معانٍ. فالذي لا يُمس إما القرآن وإما الكتاب. والكتاب إما القرآن وإما اللوح المحفوظ. وحاصل احتمالين في احتمالين أربعة، وهي كما يلي:
أولاً: إن كان الذي لا يُمس هو القرآن، والكتاب هو المصحف، فظاهر أن الحكم تحريم المس على المحدث.
ثانياً: إن كان الذي لا يُمس هو القرآن، والكتاب هو اللوح المحفوظ، فظاهر أن الحكم تحريم مس المصحف على المحدث كذلك.
ثالثاً: إن كان الذي لا يُمس هو الكتاب، والكتاب هو المصحف، فظاهر أن الحكم التحريم كذلك.
رابعاً: إن كان الذي لا يُمس هو الكتاب، والكتاب هو اللوح المحفوظ، فيقال: العلة في منع غير المطهر من الملائكة أو الشيطان من مس اللوح الذي في السماء هو وجود القرآن فيه، كما هو منبه عليه في الآية. وعين العلة متحققة في المصحف، إذ القرآن مكتوب فيه كذلك. بل يقال: ومحدث ابن آدم أولى بالمنع من غير المطهر من الملائكة. فتكون النتيجة التحريم كذلك.
فإذا تبين أن الآية محتملةٌ معانيَ أربعاً: إما أن نرجح إحداها، فتكون النتيجة تحريم مس المصحف على المحدث. أو نحملها على كل ما قبلت من معانٍ - وهي غير متعارضة - فيكون الحكم التحريم عليه كذلك. أو نحملها على الأغلب، وظهر مما سبق أن أغلب احتمالاتها يقتضي المنع قطعاً وواحد منها يقتضي المنع ظناً غالباً، بل ولو لم يقتضه ألبتةَ لكان حكم الغالب باقٍ، والله أعلم.
ثم يرجح هذا ما سبق من إجماع وما يأتي إن شاء الله من دلالة السنة، والله أعلم.
يتبع إن شاء الله...