المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إرشاد الإخوان .. إلى وجوب التطهر لمس القرآن



ناصر الدين
03-18-2004, 06:18 PM
الحمد لله ما أحب أن يحمد، والصلاة والسلام على الهادي محمد، وعلى آله وصحبه الركع السجد، ومن على نهجهم تعبد، وبعد

فموضوع ما تقرأه الآن هو حكم مس المصحف للمحدث. وهي مسألة خلافية بين أهل العلم بين مبيح ومحرم، ولكل أجره وفضله.

ويجب التنبيه أولاً إلى أن مثل هذه المسائل لا ينكر فيها على مخالف ما كان آخذاً دليله من كتاب وسنة غير مخالف سلف الأمة. إنما يكون الإنكار – بل ويشتد – على من تعصب لقول عالم ضارباً بكتاب ربه وسنة نبيه عرض الحائط، فينازع في الحق بعد ما تبين.
وعلى هذا الأدب الرفيع أدب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه، فساروا على ذلك والأئمة من بعدهم، رضي الله عنهم أجمعين.

ثم اعلم أن في المسألة أصلين: قوله تعالى: ( لا يمسه إلا المطهرون ) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا يمس القرآن إلا طاهر ). فمن قال بالتحريم فظاهر وجه قوله، ومن قال بالإباحة، حمل الآية على الملائكة وحمل الحديث على الطهارة المعنوية التي تختص بالمؤمن لا تنفك عنه.

وأشرع بذكر ما ترجح عندي – والعلم عند الله – في هذه المسألة:

وهو أنه لا يجوز لمحدث أن يمس كتاب الله مطلقاً.

فيحرم على الكافر مسه إذ لا يرتفع عنه حدث إلا بالاطهار، والاطهار عبادة يشترط لصحتها الإيمان، فامتنع منه أن يطهر حال كفره. ودليل عدم قبول عبادة من مشرك قوله تعالى: ( وما منعهم أن تقبل نفقاتهم إلا أنهم كفروا ) وقوله تعالى: ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ) والإجماع منعقد على ذلك.
وفي هذا يتفق الفريقان، فمن قال باشتراط الطهارة المعنوية لمس المصحف قال بأن الكافر نجس معنوياً لقوله تعالى: ( إنما المشركون نجس ) فلا يحل له مس المصحف حتى يطهر معنوياً بالإيمان. والحمد لله.

ثم نتقل للحديث عن المؤمن، وفيه الخلاف.
فقال الفريق الأول: لا يجوز له مس المصحف مادام محدثاً، ولو حدثاً أصغر.
وقال الفريق الثاني: يجوز له مس المصحف مطلقاً، ولو كان جنباً أو كانت حائضاً.

فالفريق الأول قولهم هو الراجح لما استدلوا به من إجماع وآية وقياس وحديث ( وترتيبها هذا ترتيب ذهني للتسلسل في الاستدلال، وليس المقصود ترتيبها من حيث الحجية ).
فأذكر أدلته وتوجيهها، مع ذكر اعتراض الفريق الثاني، ووجه الرد عليهم.
والله أسأل أن يهديني إلى ما اختلف فيه من الحق، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

أما الإجماع فهو ما نقل عن الصحابة من منع المحدث من مس المصحف بغير خلاف يعرف بينهم في ذلك.

فجاء عن علقمة قال: كنا مع سلمان الفارسي في سفر فقضى حاجته، فقلنا له: توضأ حتى نسألك عن آية من القرآن. فقال : ( سلوني فإني لا أمسه، إنه لا يمسه إلا المطهرون ) ولم يكن بيننا ماء. رواه البيهقي في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه، وقال عنه ابن قدامة رحمه الله في المغني: ( هذا إسناد صحيح موقوف على سلمان ).

وروى الإمام مالك بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فاحتككت، فقال سعد رضي الله عنه: لعلك مسست ذكرك؟ قال: قلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت.

فهذان اثنان من المهاجرين السابقين رضي الله عنهما، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر هذين الأثرين وغيرهما: ( وكذلك جاء عن خلق من التابعين من غير خلاف يعرف عن الصحابة والتابعين، وهذا يدل على أن ذلك كان معروفًا بينهم ).
فهذا الإجماع السكوتي، وهو حجة على الصحيح.

أما الآية فقوله تعالى ( إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. تنزيل من رب العالمين ).

ومحل النزاع بين الفريقين في فهم الآية من جهتين، الأولى في تردد عود الهاء في لفظة ( يمسه ) بين ( القرآن ) و ( الكتاب المكنون ). والثانية في تردد معنى ( الكتاب المكنون ) بين كونه المصحف الذي بين أيدينا والكتاب الذي في السماء ( ولعله اللوح المحفوظ ).
والحق أن الآية تدل على تحريم مس المحدث للمصحف على كل معنى من المعاني المحتملة، كما سيتبين إن شاء الله فيما يلي.

وحاصل الأمر أن الضمير إن كان عائداً على القرآن فلا إشكال في دلالة الآية على تحريم مس المحدث للقرآن، بغض النظر عن المقصود من الكتاب.
فإن عاد على الكتاب المكنون بقي النزاع في هذا الكتاب، هل هو المصحف أم هو اللوح المحفوظ.
فإن كان هو المصحف فلا إشكال في دلالة الآية على تحريم مس المحدث للمصحف كذلك.
فإن كان هو اللوح المحفوظ، قلنا أن العلة في منع الملائكة غير المطهرين من مسه وجود القرآن فيه، وهذه العلة بعينها موجودة في المصحف، بل وأولى لبعد ما بين الملائكة ومحدثي البشر، والله أعلم.

ثم نأخذ الاستدلال بشيء من التفصيل، والأخذ والرد، فنقول:

ضمير المفعول في قوله تعالى: ( لا يمسه إلا المطهرون ) تتنازعه قرائن. وبها يتحدد على أيٍّ بعود الضمير.

فإن نظرنا إلى آخر اسم ظاهر قبله وجدناه ( الكتاب المكنون ) الذي فيه القرآن. وإن نظرنا إلى السباق واللحاق وعودة الآيات قبله وبعده على أول مذكور، ترجح أنه ( القرآن الكريم ).

وإن طلبنا مرجحاً خارجاً وجدنا قوله تعالى: ( كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة ) ترجح كون الضمير عائداً على الكتاب المكنون الذي هو اللوح المحفوظ. وإن طلبنا المزيد وجدنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( وأن لا يمس القرآن إلا طاهر ) يؤيد أن الضمير عائد على القرآن.

لكن يظل بيننا فيصلاً قول الصحابة رضي الله عنهم، وكما مر فقد استشهد سلمان الفارسي رضي الله عنه بهذه الآية على تحريم مس المحدث للمصحف. لكن يعارض بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه الكتاب الذي في السماء ( ذكره ابن كثير وسكت عنه، ولا أعرف درجته ).

فإذِ الحالة كذلك ( أي لا مرجح لأحد القولين سالم، بل كل معارض بمثله ). فالواجب حمل اللفظ على كل ما احتمل من معنىً، مع مراعاة أنه لا تنافي بين المعنيين.
فنقول الضمير هنا مشترك بين كونه عائداً على الصحف وبين كونه عائداً على القرآن، ولا مرجح لأحدهما يفوق به الآخر، فيحمل عليهما كليهما.
فيكون المعنى أن هذا القرآن مكتوب في صحف في السماء ومصحف في الأرض، والأول واقع كوناً أنه لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، والثاني مطلوب شرعاً أن لا يمسه إلا البشر المتطهرون عن الأحداث والأنجاس.

ويظل الاختلاف الثاني في الآية. وهو في تحديد الكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون. فهو دائر بين كونه المصحف، وبين كونه اللوح المحفوظ. فالفريق الأول ذهب إلى المعنى الأول والفريق الثاني ذهب إلى المعنى الثاني.

وكتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل اليمن ( ولا يمس القرآن إلا طاهر ) يرجح الأول. وآية عبس ( كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة ) ترجح الثاني.

ولا يصح استدلال من أراد المعنى الثاني بكونه لا مصحف حين نزول الآية، لأن القرآن كان مفرقاًً في ألواح وعظام ونحوها. لأنه يرد بأن كل ما كتب عليه فهو كتاب، وله حكم المصحف، ثم هو إخبار بما يكون.

ولا يصح كذلك استدلاله بلفظة ( المطهرون ) باعتبار أنهم الملائكة، إذ البشر يفعلون الطهارة لاتفعل بهم، فهم متطهرون لا مطهرون.
ويرده قوله تعالى: ( وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) فدل على أن الله يطهر المؤمنين بإنزال الماء، فالله إذاً قد طهرهم، فهم مطهرون. ويرده قوله تعالى بعد ذكر صفة الوضوء: ( ولكن يريد ليطهركم ) فالله إذاً يطهرهم يتعليمهم الطهارة، فهم مطهرون.

ولا يصح كذلك استدلالهم بأن الآية خبر، ومعلوم أن من المحدثين - بل والمشركين - من مس المصحف.
فرده أنه خبر بمعنى الطلب، كقوله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ).
فإن قيل الأصل كونه خبراً، رد بأن محل النزاع ماهية الكتاب، وبها يتحدد معنى الفعل خبري أو طلبي، ولا يصح الاستدلال بالمطلوب لما فيه من الدور.

ولا يصح استدلال من أراد المعنى الأول أن يمنع من وجود ملائكة غير مطهرين، إذ الطهارة العينية متحققة فيهم، والطهارة المعنوية متحققة فيهم كذلك في أعلى درجاتها، لقوله تعالى: ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ).
فيرد يرد بأن لهم طهارة خاصة، بمعنى مزيد طهر وقداسة وكرامة من الله، أو أنها صفة كاشفة، كقوله تعالى: ( والبغي بغير الحق ) فيكون المراد عدم مس الشياطين للوح، لا صنف آخر من الملائكة. والله أعلم.

ولا يصح استدلالهم كذلك بأن الطاهر غالب ما تطلق في الكتاب والسنة على الطهارة الحكمية لا على الطهارة المعنوية.
لأنه يرد بأن معنى الطهارة هنا متوقف على معنى الكتاب، والاستدلال بالمطلوب من الدور.

وبهذا تبين أنه لا مرجح لكون الكتاب هنا هو اللوح الذي في السماء أو المصحف، لأن كل مرجح مردود عليه بمثله.
فوجب حمل الآية على كل من المعنيين إذ لا تعارض بينهما، والله أعلم.
فتكون بمعنى أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ كما أنه مكتوب في المصاحف، فالأول لا يمسه إلا الملائكة المطهرون والثاني لا يمسه إلا المؤمنون غير المحدثين، والله أعلم.

ونهايةً يتقرر أن الآية تحتمل معانٍ. فالذي لا يُمس إما القرآن وإما الكتاب. والكتاب إما القرآن وإما اللوح المحفوظ. وحاصل احتمالين في احتمالين أربعة، وهي كما يلي:
أولاً: إن كان الذي لا يُمس هو القرآن، والكتاب هو المصحف، فظاهر أن الحكم تحريم المس على المحدث.
ثانياً: إن كان الذي لا يُمس هو القرآن، والكتاب هو اللوح المحفوظ، فظاهر أن الحكم تحريم مس المصحف على المحدث كذلك.
ثالثاً: إن كان الذي لا يُمس هو الكتاب، والكتاب هو المصحف، فظاهر أن الحكم التحريم كذلك.
رابعاً: إن كان الذي لا يُمس هو الكتاب، والكتاب هو اللوح المحفوظ، فيقال: العلة في منع غير المطهر من الملائكة أو الشيطان من مس اللوح الذي في السماء هو وجود القرآن فيه، كما هو منبه عليه في الآية. وعين العلة متحققة في المصحف، إذ القرآن مكتوب فيه كذلك. بل يقال: ومحدث ابن آدم أولى بالمنع من غير المطهر من الملائكة. فتكون النتيجة التحريم كذلك.

فإذا تبين أن الآية محتملةٌ معانيَ أربعاً: إما أن نرجح إحداها، فتكون النتيجة تحريم مس المصحف على المحدث. أو نحملها على كل ما قبلت من معانٍ - وهي غير متعارضة - فيكون الحكم التحريم عليه كذلك. أو نحملها على الأغلب، وظهر مما سبق أن أغلب احتمالاتها يقتضي المنع قطعاً وواحد منها يقتضي المنع ظناً غالباً، بل ولو لم يقتضه ألبتةَ لكان حكم الغالب باقٍ، والله أعلم.
ثم يرجح هذا ما سبق من إجماع وما يأتي إن شاء الله من دلالة السنة، والله أعلم.

يتبع إن شاء الله...

ناصر الدين
03-18-2004, 06:20 PM
أما الحديث، فهو ما كتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن، وفيه ( لا يمس القرآن إلا طاهر ).

وسبب النزاع في فهم الحديث النزاع في فهم المراد من كلمة ( طاهر ). فالطهارة قسمان: معنوية ( وهي الإيمان ) وحسية ( وهي إزالة الخبث ورفع الحدث ). ثم الحسية قسمان: عينية ( وهي إزالة النجاسة ) وحكمية ( وهي رفع الحدثين ).

فانتهت القسمة إلى ثلاثة: طهارة معنوية وطهارة حكمية وطهارة عينية.

وقد اتفق الفريقان على أن الطهارة العينية غير مرادة. لم؟ لأن الحمل عليها يبطل معنى الحديث أصلاً. لم؟ لظهور قصد التخصيص فيه، وبطلان هذا القصد بالطهارة العينية، إذ كل إنسان طاهر عيناً، بل وكثير من الحيوانات. ثم لأنه لو كان المقصود الطهارة العينية للزم إخراج كل المستثنين من الاستثناء، وهي ركاكة ينزه عنها كلام الرسول، فضلاً عن كونها باطلة لا تصح، فلا يصح أن يقال: ( لا يمس القرآن إلا كل أحد ) بمعى ( يمس القرآن كل أحد )! فهذا اتفاق ولله الحمد.

ثم بقي النزاع في كون المراد الطهارة الحكمية أو الطهارة المعنوية. فالفريق الأول ذهب إلى الأول والفريق الثاني ذهب إلى الثاني.

أما الفريق الأول فحجتهم أن لفظة الطهارة في عرف الكتاب والسنة غالباً هي الطهارة الحكمية.
كقوله تعالى: ( ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فائتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) فهذه ثلاث، وقوله تعالى: ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به )، وقوله تعالى بعد ذكر صفة الوضوء: ( ولكن يريد ليطهركم )، وقوله تعالى عن الأنصار: ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ).
أما في السنة فأكثر من أن يحصر. ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا يقبل صلاة بغير طهور )، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء ) الحديثَ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( من تطهر في بيته ثم أتى بيتاً من بيوت الله ) الحديثَ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( الطُّهور شطر الإيمان ) وغيرها.

بينما لا نجد ذكراً للطهارة المعنوية إلا في مفهوم قوله تعالى: ( إنما المشركون نجس ) ومفهوم قوله تعالى عن الخمر والميسر: ( رجس من عمل الشيطان )، مع ملاحظة أنها بلفظ الطهارة لم تأت – فيما أعلم، والله أعلم - فتأمله.

ويحتجون كذلك بأنه يرد في الكتاب والسنة إطلاق ما يدل على أن المؤمن المحدث غير طاهر. ومنه قوله تعالى: ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) فدل على أنهن لم يكن طاهرات مع إيمانهن. وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يقبل الله صلاة من غير طهور ) فلو لم يكن المؤمن خالياً عن الطهارة لما كان لتطهره لصلاته أثر.

ويقوون مأخذهم كذلك بما سبق من دلالة الكتاب والإجماع، والقياس إن صح.

ولا يمتنع حمل لفظة ( طاهر ) على كل من الطهارة المعنوية والحكمية إن لم يكن ثمة مرجح. لأنه لفظ مشترك بينهما، ولا تعارض بينهما. فيكون معنى الحديث: ( لا يمس القرآن إلا طاهر معنوياً طاهر حكماً ) أي: ( لا يمس القرآن إلا مؤمن غير محدث ).

وحينئذ يكون الحكم للطهارة الحكمية وحدها. كيف؟
لأن من كان طاهر حكماً لزم أنه طاهر معنوياً، لأن الكافر لا يطهر حكماً حتى تصح منه عبادة الاطهار، ولا تصح حتى يؤمن، فتزول نجاسته المعنوية.
أما من كان طاهر معنوياً – وهو المؤمن – فلا يلزم أنه طاهرحكماً.
فإذا تبين أن التقييد بالطهارة المعنوية – في حالة القول بأن اللفظ مشترك – غير مؤثر في الحكم أصلاً، قلنا بأن الطهارة هنا هي الطهارة الحكمية وحدها. والله أعلم.

أما ما يعترض به الفريق الثاني من أن المؤمن لا ينجس لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن المؤمنلا ينجس )، ويبنون عليه أنه طاهر أبداً، فهذا واهٍ تماماً.

لأنه يمكن حمل الحديث على الطهارة المعنوية التي تناقض نجاسة الكافر المعنوية التي في قوله تعالى: ( إنما المشركون نجس )، لكنه ضعيف لما سيأتي.
ويمتنع حمل الحديث على الطهارة الحكمية بدليل ما أسلفنا من أن المؤمن ينزع عنه اسم الطهارة باعتبار أنها الحكمية، وبدليل مقابلة الطهارة في هذا الحديث بالنجاسة، والطهارة الحكمية يقابلها الحدث لا النجس.
فيجب حمل الحديث على الطهارة العينية.
ويَرِد عليه إشكال، فيقال: الكافر طاهر عينياً، فلم يعد معنى لتخصيص المؤمن.
ويُرَد بأن ذكر القيد يكون لفوائد غير قصد المخالفة للمفهوم، كتبيين الأغلب أو توضيح الواقع أو إجابة سؤال.

وظاهر في سبب هذا الحديث أن التقييد جاء تبييناً لواقع. حيث أن أبا هريرة رضي الله عنه أجنب، فلم يحب أن يجالس النبي صلى الله عليه وسلم على جنابته، لظنه أن المؤمن إذا أجنب نجس، فجاء هذا الحديث نزعاً لما كان في نفسه.
فهو نحو قوله تعالى: ( وربائبكم اللاتي في حجوركم ) وقوله تعالى: ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً ) فالقيدان في هاتين الآيتين لا مفهوم لهما، وكذلك في هذا الحديث، والله أعلم.

ويدلك على أن الطهارة هنا عينية أنها جاءت لنزع ما في نفس أبي هريرة، ومعلوم أنه لم يدر في خلده أن النجاسة المعنوية تمنع من مجالسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما علم من مجالسته للكفار، ولعلمه ضرورة أن الطهارة الحكمية لا تمنع من مجالسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما يرى من حدوث ذلك من الصحابة رضي الله عنهم. والله أعلم.

فإذا تبين أن الطهارة في كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل اليمن هي مغايرة للطهارة في حديث أبي هريرة السابق، امتنع حمل أحدهما على الآخر.

ثم يعترض الفريق الثاني كذلك بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، وهو متفق عليه. فيقولون: كتاب النبي إلى أهل اليمن يقصد به الطهارة المعنوية، فلا يمكن الكافر من مس المصحف، فهو مثل هذا الحديث.

فيكون الرد بأن هذا الحديث علق المنع على السفر إلى أرض العدو، لا أرض الكفرة، ومعلوم أن الأول أخص، ولا يلزم من الخاص العام.
ثم لاحظ أن التحريم قيد هنا على العداوة، ولا يلزم أن تكون العلة فيه النجاسة المعنوية لكفرهم، إذ لا يلزم من العام الخاص هنا. فقد تكون العلة صفة أخرى فيهم سوى النجاسة المعنوية، كتعمد إهانة المصحف أو إتلافه، بل ربما تكون العلة كونهم محدثين غير طاهرين حكماً.
فبطل الاعتراض، ويقي الاستدلال، والحمد لله.

وأخيراً ألخص ما ورد من استدلال بالحديث، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا يمس القرآن إلا طاهر ) إما أن يحمل على الطهارة العينية أو المعنوية أو الحكمية.
والأول ممتنع لأنه مبطل لمعنى الحديث، إذ كل إنسان طاهر.
فيبقى الحديث دائراً بين الثاني والثالث.
فإما أن يقال تحمل عليهما كليهما إذ اللفظ مشترك ولا منافاة بينهما، فيؤول القول إلى أن الطهارة هنا حكمية، إذ كل طاهر حكماً طاهر معنوياً ولا عكس.
وإن ذهبنا إلى ترجيح أحد المعنيين وجب ترجيح الطهارة الحكمية لأنها هي الأصل في عرف الشرع، ولكثرة ما يجيء فيه من نزع وصف الطهارة عن المؤمن.
أما أن يخصص المعنى في الطهارة المعنوية فلا يصح، لأنه تحكم بغير دليل، وحمل اللفظ على معناه النادر في العرف.

ثم من المرجحات للقول بتحريم مس المحدث للمصحف أمور من النظر:

1. أنه أليق بشريعة الله في تكريم القرآن وتعظيمه.
2. أنه أحوط للمرء في دينه، لأن عدم مسه إلا على طهارة جائز اتفاقاً، ومسه على حدث خطأ عند فريق دون فريق. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) ويقول: ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ).
3. أن عليه جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ( على خلاف في بعض التفاصيل ). واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. فقول كهذا تطمئن إليه النفس أكثر من غيره.
4. أن العمل به فيه تهيئة القارئ لكتاب الله، كتهيئة المصلي لملاقاة ربه.

فهذا ما تبين لي في هذه المسألة، فما أصبت فيه فمن الله، وما أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله منه.

وإسنادَ الفضل إلى أهله فقد استفدت كثيراً في هذا البحث من رسالة الشيخ عمر ابن سبيل إمام الحرم المكي رحمه الله ( وأرفقها مع هذا الموضوع إن شاء الله ).
كما استفدت من كتب العلامة الألباني رحمه الله وأحكامه على الأحاديث.

والله أعلى وأعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

وكتبه فيصل القلاف.

ناصر الدين
03-25-2004, 08:58 PM
ثم هذه فائدة تؤيد بعض ما ذكرت وجدتها في شرح الشيخ أحمد بن عمر بازمول لمقدمة التفسير، أنقلها بنصها عسى أن يكون فيها نفعاً، قال جزاه الله خيراً:

أحياناً لا يمتنع العربي من حمل اللفظة التي هي من قبيل المشترك اللفظي على جميع معانيها لعدم قيام مانع يمنع من هذا الحمل، وهذا عليه جمهور أهل العلم، أن المشترك اللفظي لا مانع من حمله على جميع معانيه ما لم يمنع من ذلك مانع.
هذه القاعدة في معنى المشترك اللفظي هي سبب اختلافهم في معنى حديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه: "أن لا يمس القرآن إلا طاهر"، فاختلفوا في معنى (طاهر)، فقال بعض العلماء: كلمة (طاهر) محتملة لهذه المعاني كلها فلا نفسرها بأي معنى من المعاني فنتوقف، ورُدَّ عليه بأنه لا مانع من حمل كلمة (طاهر) على جميع المعاني السابقة، فلا يمس القرآن محدث، ولا يمس القرآن نجس، ولا يمس القرآن كافر، ولا يمس القرآن بأمر حرام، وما دام يجوز حمل اللفظ على كل هذه المعاني؛ إذاً الحديث يكون دليلاً على جميع هذه المعاني.

انتهى

ناصر الدين
04-01-2004, 01:32 AM
كنت قد ذكرت آيتين تدلان على معنى الطهارة المعنوية المختصة بالمؤمن دون الكافر، وذكرت أني لم أذكر غيرهما في كتاب الله.
لكن كانت قد خانتني الذاكرة في ذلك، فهذه آية أخرى فيها ذلك المعنى، بل وبلفظ الطهارة، وهي قوله تعالى: ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ) الآية، وكذلك قوله تعالى: ( إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ).
فالله المستعان.