larabasha
04-06-2004, 06:11 PM
الاصل الواحد والثلاثون : التوحيد في الربوبية . المرتبة الرابعة من مراتب التوحيد هو: التوحيد في الربوبية وتدبير الكون والانسان .
والتوحيد الربوبي يكون في مجالين :.
1 ـ التدبير التكويني .
2 ـ التدبير التشريعي .
وسنتحدث عن التدبير التشريعي في اصل مستقل , فيما بعد,ونركز في هذا الاصل على التدبير في المجال التكويني .
ان تاريخ الانبيا يشهد بان مسالة التوحيد في الخالقية لم تكن قطموضع نقاش في اممهم واقوامهم , وانـمـا كـان الـشرك ـ لو كان ـ في تدبيرالكون وادارة العالم الطبيعي الذي كان يتبعه الشرك في العبادة .
فـمشركو عصر النبي ابراهيم الخليل (ع ) كانوا يعتقدون بوحدة خالق الكون , الا انهم كانوا يعتقدون خـطـا بـان الـنجوم والكواكب هي الارباب والمدبرات لهذا الكون , وقد تركزت مناظرة ابراهيم لهم على هذه المسالة كما يتضح ذلك من بيان القرآن الكريم48 .
وكذا في عهد النبي يوسف (ع ) الذي كان يعيش بعد النبي ابراهيم الخليل (ع ) فان الشرك كان في مسالة الربوبية , وكان اللّه بعد ان خلق الكون , فوض امر تدبيره وادارته الى الاخرين .
ويـتـضح هذا جليا من الحوار الذي دار بين يوسف الصديق (ع )واصحابه في السجن اذ يقول :(ارباب متفرقون خير ام اللّه الواحد القهار)49.
كما ويستفاد من آيات القرآن الكريم ان مشركي عصر الرسالة كانوايعتقدون بان بعض مصيرهم انما هو بايدي معبوداتهم اذ يقول : (واتخذوامن دون اللّه آلهة ليكونوا لهم عزا)50.
ويـقـول ايـضـا: (واتـخـذوا من دون اللّه آلهة لعلهم ينصرون # لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون )51.
ان الـقرآن الكريم يحذر المشركين في آيات عديدة بان ما يعبدونه من الارباب المختلفة غير قادرة على جلب نفع الى عابديها ولا دفع ضررعنهم ابدا.
ان هـذه الايـات تكشف عن ان مشركي عصر الرسالة المحمدية كانوايعتقدون بان تلك المعبودات تضر او تنفع عبادها 52 وهذا هو كان الدافع لهم الى عبادتها.
ان هـذه الايـات ونظائرها مما يعكس ويصور عقائد المشركين في عصر الرسالة , تحكي عن انه رغم انهم كانوا يعتقدون بالتوحيد في الخالقية , الا انهم كانوا مشركين في بعض الامور المتعلقة بربوبية الـحـق تعالى , اذ كانوا يعتقدون بان معبوداتهم مؤثرة ـ على نحو الاستقلال ـ في الامور والاشيا, اي انها فاعلة في صفحة الكون من دون اذن اللّه ومشيئته بل بصورة مستقلة وحسب مشيئتها وارادتها لا غير, وهي من صفات الرب الحقيقي .
ولـقـد عـمـد القرآن الكريم ـ بهدف منع اولئك المشركين عن عبادة الاصنام بصورة جذرية ـ الى ابـطـال هذا الاعتقاد الفاسد وهذا التصورالخاطئ , وقال بان هذه الاصنام لاتضر ولاتنفع ولامثقال ذرة , فليس لهم اي تدبير وربوبية .
فـفي بعض الايات يندد القرآن بالمشركين لكونهم يتخذون للّه تعالى نظيراوندا, وشبيها ومثيلا, اذ يقول : (ومن الناس من يتخذ من دون اللّه اندادا يحبونهم كحب اللّه )53.
وقـد ورد تـقـبـيـح اتـخـاذ الـند للّه في آيات قرآنية اخرى ايضا54ويتضح من الايات المذكورة ان الـمـشـركـيـن كانوا يعتقدون بان لتلك الاصنام شؤونا مثل شؤون اللّه سبحانه , ثم انطلاقا من هذا التصور كانوايحبون تلك الاصنام ويودونها بل ويعبدونها وبعبارة اخرى : لقد كان المشركون يعبدون تلك الاوثان والاصنام لكونها ـ حسب تصورهم وزعمهم ـ ((اندادا)) و ((نظرا)) للّه سبحانه في التدبير.
ان الـقرآن الكريم ينقل عن المشركين يوم القيامة بانهم يقولون تنديدا بانفسهم وباصنامهم : ( تاللّه ان كنا لفي ضلال مبين # اذ نسويكم برب العالمين )55.
اجـل ان دائرة ربـوبـيـة اللّه واسعة , ومن اجل هذا كان مشركو عصرالرسالة موحدين في امور هامة كـالـرزق والاحيا والاماتة والتدبير الكلي للكون كما يقول القرآن الكريم : (قل من يرزقكم من السما والارض امن يملك السمع والابصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الامرفسيقولون اللّه فقل افلا تتقون )4.
(قـل لـمن الارض ومن فيها ان كنتم تعلمون # سيقولون للّه قل افلا تذكرون # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم # سيقولون للّه قل افلا تتقون )56.
ولكن هؤلا الافراد انفسهم ـ كما مر في آيات سورة مريم وسورة يس ـ ينسبون بعض الامور والشؤون مـثـل الـنـصـر في القتال والحفظ في السفر, وما شابه ذلك , الى معبوداتهم واصنامهم ويعتقدون بتاثيرهاالذاتي والمستقل في مصائرهم .
وابـرز مـن كـل ذلـك , الشفاعة التي كانوا يرون انها حق طلق لتلك الاصنام وكانوا يعتقدون بانها تشفع من غير اذن اللّه , وان شفاعتها مفيدة لامحالة ومؤثرة قطعا وجزما.
وعـلـى هـذا فـلا مـنـافـاة بين ان يكون بعض الافراد يعتقدون بتدبير اللّه لبعض الامور دون سواه فيكونون موحدين في هذا المجال , بينمايعتقدون بتدبير الاصنام والاوثان لامور وجوانب اخرى من مـصـائرهـم وشـؤونـهم كالشفاعة والاضرار والانفاع والاعزاز والمغفرة , فيكونون مشركين في هذه المجالات .
ولكن ((التوحيد في الربوبية )) يفند كل لون من الوان تصورالاستقلال , والتاثير المستقل عن الاذن الالهي كليا كان , او جزئيا.
فـهـو يـبـطـل اي اسناد, لتاثير غير اللّه في مصير الانسان والكون ,وتدبير شؤونها بمعزل عن الاذن الالهي وبهذا يبطل ويرفض عبادة غير اللّه تعالى .
ان الـدلـيـل عـلـى التوحيد الربوبي واضح تمام الوضوح , لان تدبير عالم الخلق , في مجال الانسان والكون , لا ينفصل عن مسالة الخلق , وليس شيئا غير عملية الخلق .
فـاذا كان خالق الكون والانسان واحدا, كان مدبرهما بالطبع والبداهة واحدا كذلك , لوضوح العلاقة الكاملة بين عملية التدبير وعملية الخلق للعالم .
ولـهـذا فـان اللّه تعالى عندما يصف نفسه بكونه خالق الاشيا يصف نفسه في ذات الوقت بانه مدبرها (اللّه الـذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر )57.
وفي آية اخرى يعتبر التناسق والانسجام السائد والحاكم على الكون دليلا على وحدة مدبر العالم اذ يقول : (لو كان فيهما آلهة الا اللّه لفسدتا)2.
ان التوحيد في التدبير لاينافي وجود مدبرات اخرى تقوم بوظائفهاباذن اللّه في صفحة الكون , فهي بالحقيقة مظاهر لربوبية الحق تعالى .
ولهذا فان القرآن الكريم مع تاكيده الشديد على التوحيد في الربوبية والتدبير يصرح بوجود مدبرات اخرى في صفحة الكون اذ يقول :(فالمدبرات امرا)58.
الاصل الثاني والثلاثون : التوحيد في الحاكمية والتقنين . بعد ان ثبت ـ في الاصل السابق ـ ان للكون مدبرا حقيقيا واحدا هو اللّه تعالى وان تدبير العالم وحياة الانـسـان بـيـده دون سـواه , كان تدبير امرالانسان في صعيد الشريعة ـ سوا في مجال الحكومة او الـتقنين او الطاعة او الشفاعة او المغفرة ـ برمته بيده تعالى , ومن شؤونه الخاصة به , فلايحق لاحد ان يتصرف في هذه المجالات والاصعدة من دون اذن اللّه تعالى , ولهذا يعتبر التوحيد في الحاكمية , والـتوحيد في التشريع ,والتوحيد في الطاعة , والتوحيد في الشفاعة والمغفرة من فروع التوحيدفي التدبير وشقوقه ولوازمه .
فاذا كان النبي (ص ) حاكما على المسلمين فان هذا نابع من اختيار اللّه تعالى اياه لهذا المنصب .
وانطلاقا من هذه العلة ذاتها تجب اطاعته (ص ) بل ان اطاعته نفس اطاعة اللّه , قال تعالى :.
(من يطع الرسول فقد اطاع اللّه )59.
وقال ايضا: (وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن اللّه )60.
فلو لم يكن الاذن الالهي ما كان النبي (ص ) حاكما ولا مطاعا.
فحكومته وطاعته مظهر لحاكمية اللّه وطاعته .
كـمـا ان تـحديد الوظيفة وتشخيص التكليف بما انه من شؤون الربوبية , لم يحق ولا يحق لاحد ان يـحـكـم بـغـيـر مـا امـر اللّه بـه , وان يـقضي بغير ما انزل : (ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الكافرون )61.
وهكذا تكون الشفاعة ومغفرة الذنوب من حقوق اللّه الخاصة به فلايقدر احد ان يشفع لاحد من دون اذنه تعالى :(من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه )62.
وعـلـى هـذا الاساس يكون شرا صكوك الغفران وبيعها, تصورا بان لاحد غير المقام الربوبي ان يهب الـجنة لاحد, او يخلص احدا من العذاب الاخروي كما هو رائج في المسيحية , امرا باطلا لا اساس له من الصحة في نظر الاسلام كما جا في القرآن الكريم :.
(فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا اللّه )63.
فـالموحد ـ في ضؤ ما قلناه ـ يجب ان يعتقد ـ في مجال الشريعة ـبان اللّه وحده لا سواه هو الحاكم والمرجع , الا ان يعين اللّه شخصا للقيادة ,وبيان الوظائف الدينية .
الاصل الثالث والثلاثون : التوحيد في العبادة . ان التوحيد في العبادة هو الاصل المشترك والقاعدة المتفق عليها بين جميع الشرائع السماوية .
وبـكـلـمـة واحدة : ان الهدف الاسمى من بعث الانبيا والرسل الالهيين هو التذكير بهذا الاصل كما يقول : (ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت )64.
ان جميع المسلمين يعترفون في صلواتهم اليومية بهذا الاصل ويقولون : (اياك نعبد )65.
وعـلى هذا الاساس فان وجوب عبادة اللّه وحده , والاجتناب عن عبادة غيره امر مسلم لا كلام فيه , ولا يـخـالف احد في هذه القاعدة الكلية ابدا, وانما الكلام هو في ان بعض الاعمال والممارسات هل هـي مـصـداق لعبادة غير اللّه ام لا؟ وللوصول الى القول الفصل في هذا المجال يجب تحديد مفهوم العبادة تحديدا دقيقا, وتعريفها تعريفا منطقيا, بغية تمييزما يدخل تحت هذا العنوان ويكون عبادة , مما لا يكون كذلك , بل يؤتى به من باب التعظيم والتكريم .
لاشـك ولا ريب في ان عبادة الوالدين والانبيا والاوليا حرام وشرك , ولكن مع ذلك يكون احترامهم واجبا وعين التوحيد: (وقضى ربك ان لا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا)66.
والان يجب ان نرى ما هو العنصر الذي يميز ((العبادة )) عن ((التكريم ))؟ وكيف يكون العمل الواحد فـي بـعـض الـمـوارد (مـثل سجودالملائكة لادم , وسجود يعقوب واولاده ليوسف ) عين التوحيد, ولكن نفس العمل يكون في موارد اخرى عين الشرك والوثنية .
ان الجواب على هذا السؤال يتضح من البحث السابق الذي كان حول التوحيد في التدبير.
ان الـعبادة (التي نفيت عن غير اللّه ونهي عنها) عبارة عن خضوع انسان امام شي او شخص باعتقاد ان بيده مصير العالم كله او بعضه , اوبيده اختيار الانسان ومصيره , وانه مالك امره , وبتعبير آخر: ربه .
اما اذا كان الخضوع امام كائن ما لا بهذا الاعتقاد, انما من جهة كونه عبدا صالحا للّه , وصاحب فضيلة وكـرامـة , او لـكـونـه مـنـشـا احـسـان ,وصاحب يد على الانسان , فان مثل هذا العمل يكون مجرد تكريم وتعظيم لا عبادة له .
ولـهذا السبب بالذات لا يوصف سجود الملائكة لادم , او سجوديعقوب وابنائه ليوسف بصفة الشرك والـعـبادة فهذا السجود كان ينبع من الاعتقاد بعبودية آدم ويوسف الى جانب كرامتهما ومنزلتهما عند اللّه ,وليس نابعا من الاعتقاد بربوبيتهما او الوهيتهما.
بـالـنظر الى هذه الضابطة يمكن الحكم في ما يقوم به المسلمون في المشاهد المشرفة من احترام وتكريم لاوليا اللّه المقربين , فان من الواضح ان تقبيل الضرائح المقدسة , او اظهار الفرح والسرور يوم مـيـلاد الـنـبـي وبـعثته (ص ) لا ينطوي الا على تكريم النبي الكريم ولا يقصد منه الا اظهارمودته ومحبته ولا تكون ناشئة من امور مثل الاعتقاد بربوبيته قط.
وهـكذا الحال في الممارسات الاخرى مثل انشا القصائد والاشعارفي مدح اوليا اللّه او مراثيهم , وكذا حفظ آثار الرسالة , واقامة البنا على قبور عظما الدين , فانها ليست بشرك ولا بدعة .
واما كونها ليست بشرك فلانها تنبع من مودة اوليا اللّه (لا الاعتقادبربوبيتهم ).
واما كونها ليست ببدعة ايضا فلان جميع هذه الاعمال تقوم على اساس قرآني وروائي , وينطلق من اصل وجوب محبة النبي وآله .
فـاعـمـال التكريم هذه مظهر من مظاهر ابراز هذه المودة والمحبة التي حث عليها الكتاب والسنة (وسياتي توضيح هذا الموضوع في الفصل المتعلق بالبدعة مستقبلا).
وفـي المقابل يكون سجود المشركين لاصنامهم مرفوضا ومردودالكونه نابعا من الاعتقاد بربوبيتها ومـدبريتها وان بيدها قسما من شؤون الناس او على الاقل لان المشركين كانوا يعتقدون بان العزة والذلة ,والمغفرة والشفاعة بايدي تلك الاصنام كليات في العقيدة . 2
والتوحيد الربوبي يكون في مجالين :.
1 ـ التدبير التكويني .
2 ـ التدبير التشريعي .
وسنتحدث عن التدبير التشريعي في اصل مستقل , فيما بعد,ونركز في هذا الاصل على التدبير في المجال التكويني .
ان تاريخ الانبيا يشهد بان مسالة التوحيد في الخالقية لم تكن قطموضع نقاش في اممهم واقوامهم , وانـمـا كـان الـشرك ـ لو كان ـ في تدبيرالكون وادارة العالم الطبيعي الذي كان يتبعه الشرك في العبادة .
فـمشركو عصر النبي ابراهيم الخليل (ع ) كانوا يعتقدون بوحدة خالق الكون , الا انهم كانوا يعتقدون خـطـا بـان الـنجوم والكواكب هي الارباب والمدبرات لهذا الكون , وقد تركزت مناظرة ابراهيم لهم على هذه المسالة كما يتضح ذلك من بيان القرآن الكريم48 .
وكذا في عهد النبي يوسف (ع ) الذي كان يعيش بعد النبي ابراهيم الخليل (ع ) فان الشرك كان في مسالة الربوبية , وكان اللّه بعد ان خلق الكون , فوض امر تدبيره وادارته الى الاخرين .
ويـتـضح هذا جليا من الحوار الذي دار بين يوسف الصديق (ع )واصحابه في السجن اذ يقول :(ارباب متفرقون خير ام اللّه الواحد القهار)49.
كما ويستفاد من آيات القرآن الكريم ان مشركي عصر الرسالة كانوايعتقدون بان بعض مصيرهم انما هو بايدي معبوداتهم اذ يقول : (واتخذوامن دون اللّه آلهة ليكونوا لهم عزا)50.
ويـقـول ايـضـا: (واتـخـذوا من دون اللّه آلهة لعلهم ينصرون # لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون )51.
ان الـقرآن الكريم يحذر المشركين في آيات عديدة بان ما يعبدونه من الارباب المختلفة غير قادرة على جلب نفع الى عابديها ولا دفع ضررعنهم ابدا.
ان هـذه الايـات تكشف عن ان مشركي عصر الرسالة المحمدية كانوايعتقدون بان تلك المعبودات تضر او تنفع عبادها 52 وهذا هو كان الدافع لهم الى عبادتها.
ان هـذه الايـات ونظائرها مما يعكس ويصور عقائد المشركين في عصر الرسالة , تحكي عن انه رغم انهم كانوا يعتقدون بالتوحيد في الخالقية , الا انهم كانوا مشركين في بعض الامور المتعلقة بربوبية الـحـق تعالى , اذ كانوا يعتقدون بان معبوداتهم مؤثرة ـ على نحو الاستقلال ـ في الامور والاشيا, اي انها فاعلة في صفحة الكون من دون اذن اللّه ومشيئته بل بصورة مستقلة وحسب مشيئتها وارادتها لا غير, وهي من صفات الرب الحقيقي .
ولـقـد عـمـد القرآن الكريم ـ بهدف منع اولئك المشركين عن عبادة الاصنام بصورة جذرية ـ الى ابـطـال هذا الاعتقاد الفاسد وهذا التصورالخاطئ , وقال بان هذه الاصنام لاتضر ولاتنفع ولامثقال ذرة , فليس لهم اي تدبير وربوبية .
فـفي بعض الايات يندد القرآن بالمشركين لكونهم يتخذون للّه تعالى نظيراوندا, وشبيها ومثيلا, اذ يقول : (ومن الناس من يتخذ من دون اللّه اندادا يحبونهم كحب اللّه )53.
وقـد ورد تـقـبـيـح اتـخـاذ الـند للّه في آيات قرآنية اخرى ايضا54ويتضح من الايات المذكورة ان الـمـشـركـيـن كانوا يعتقدون بان لتلك الاصنام شؤونا مثل شؤون اللّه سبحانه , ثم انطلاقا من هذا التصور كانوايحبون تلك الاصنام ويودونها بل ويعبدونها وبعبارة اخرى : لقد كان المشركون يعبدون تلك الاوثان والاصنام لكونها ـ حسب تصورهم وزعمهم ـ ((اندادا)) و ((نظرا)) للّه سبحانه في التدبير.
ان الـقرآن الكريم ينقل عن المشركين يوم القيامة بانهم يقولون تنديدا بانفسهم وباصنامهم : ( تاللّه ان كنا لفي ضلال مبين # اذ نسويكم برب العالمين )55.
اجـل ان دائرة ربـوبـيـة اللّه واسعة , ومن اجل هذا كان مشركو عصرالرسالة موحدين في امور هامة كـالـرزق والاحيا والاماتة والتدبير الكلي للكون كما يقول القرآن الكريم : (قل من يرزقكم من السما والارض امن يملك السمع والابصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الامرفسيقولون اللّه فقل افلا تتقون )4.
(قـل لـمن الارض ومن فيها ان كنتم تعلمون # سيقولون للّه قل افلا تذكرون # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم # سيقولون للّه قل افلا تتقون )56.
ولكن هؤلا الافراد انفسهم ـ كما مر في آيات سورة مريم وسورة يس ـ ينسبون بعض الامور والشؤون مـثـل الـنـصـر في القتال والحفظ في السفر, وما شابه ذلك , الى معبوداتهم واصنامهم ويعتقدون بتاثيرهاالذاتي والمستقل في مصائرهم .
وابـرز مـن كـل ذلـك , الشفاعة التي كانوا يرون انها حق طلق لتلك الاصنام وكانوا يعتقدون بانها تشفع من غير اذن اللّه , وان شفاعتها مفيدة لامحالة ومؤثرة قطعا وجزما.
وعـلـى هـذا فـلا مـنـافـاة بين ان يكون بعض الافراد يعتقدون بتدبير اللّه لبعض الامور دون سواه فيكونون موحدين في هذا المجال , بينمايعتقدون بتدبير الاصنام والاوثان لامور وجوانب اخرى من مـصـائرهـم وشـؤونـهم كالشفاعة والاضرار والانفاع والاعزاز والمغفرة , فيكونون مشركين في هذه المجالات .
ولكن ((التوحيد في الربوبية )) يفند كل لون من الوان تصورالاستقلال , والتاثير المستقل عن الاذن الالهي كليا كان , او جزئيا.
فـهـو يـبـطـل اي اسناد, لتاثير غير اللّه في مصير الانسان والكون ,وتدبير شؤونها بمعزل عن الاذن الالهي وبهذا يبطل ويرفض عبادة غير اللّه تعالى .
ان الـدلـيـل عـلـى التوحيد الربوبي واضح تمام الوضوح , لان تدبير عالم الخلق , في مجال الانسان والكون , لا ينفصل عن مسالة الخلق , وليس شيئا غير عملية الخلق .
فـاذا كان خالق الكون والانسان واحدا, كان مدبرهما بالطبع والبداهة واحدا كذلك , لوضوح العلاقة الكاملة بين عملية التدبير وعملية الخلق للعالم .
ولـهـذا فـان اللّه تعالى عندما يصف نفسه بكونه خالق الاشيا يصف نفسه في ذات الوقت بانه مدبرها (اللّه الـذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر )57.
وفي آية اخرى يعتبر التناسق والانسجام السائد والحاكم على الكون دليلا على وحدة مدبر العالم اذ يقول : (لو كان فيهما آلهة الا اللّه لفسدتا)2.
ان التوحيد في التدبير لاينافي وجود مدبرات اخرى تقوم بوظائفهاباذن اللّه في صفحة الكون , فهي بالحقيقة مظاهر لربوبية الحق تعالى .
ولهذا فان القرآن الكريم مع تاكيده الشديد على التوحيد في الربوبية والتدبير يصرح بوجود مدبرات اخرى في صفحة الكون اذ يقول :(فالمدبرات امرا)58.
الاصل الثاني والثلاثون : التوحيد في الحاكمية والتقنين . بعد ان ثبت ـ في الاصل السابق ـ ان للكون مدبرا حقيقيا واحدا هو اللّه تعالى وان تدبير العالم وحياة الانـسـان بـيـده دون سـواه , كان تدبير امرالانسان في صعيد الشريعة ـ سوا في مجال الحكومة او الـتقنين او الطاعة او الشفاعة او المغفرة ـ برمته بيده تعالى , ومن شؤونه الخاصة به , فلايحق لاحد ان يتصرف في هذه المجالات والاصعدة من دون اذن اللّه تعالى , ولهذا يعتبر التوحيد في الحاكمية , والـتوحيد في التشريع ,والتوحيد في الطاعة , والتوحيد في الشفاعة والمغفرة من فروع التوحيدفي التدبير وشقوقه ولوازمه .
فاذا كان النبي (ص ) حاكما على المسلمين فان هذا نابع من اختيار اللّه تعالى اياه لهذا المنصب .
وانطلاقا من هذه العلة ذاتها تجب اطاعته (ص ) بل ان اطاعته نفس اطاعة اللّه , قال تعالى :.
(من يطع الرسول فقد اطاع اللّه )59.
وقال ايضا: (وما ارسلنا من رسول الا ليطاع باذن اللّه )60.
فلو لم يكن الاذن الالهي ما كان النبي (ص ) حاكما ولا مطاعا.
فحكومته وطاعته مظهر لحاكمية اللّه وطاعته .
كـمـا ان تـحديد الوظيفة وتشخيص التكليف بما انه من شؤون الربوبية , لم يحق ولا يحق لاحد ان يـحـكـم بـغـيـر مـا امـر اللّه بـه , وان يـقضي بغير ما انزل : (ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الكافرون )61.
وهكذا تكون الشفاعة ومغفرة الذنوب من حقوق اللّه الخاصة به فلايقدر احد ان يشفع لاحد من دون اذنه تعالى :(من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه )62.
وعـلـى هـذا الاساس يكون شرا صكوك الغفران وبيعها, تصورا بان لاحد غير المقام الربوبي ان يهب الـجنة لاحد, او يخلص احدا من العذاب الاخروي كما هو رائج في المسيحية , امرا باطلا لا اساس له من الصحة في نظر الاسلام كما جا في القرآن الكريم :.
(فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا اللّه )63.
فـالموحد ـ في ضؤ ما قلناه ـ يجب ان يعتقد ـ في مجال الشريعة ـبان اللّه وحده لا سواه هو الحاكم والمرجع , الا ان يعين اللّه شخصا للقيادة ,وبيان الوظائف الدينية .
الاصل الثالث والثلاثون : التوحيد في العبادة . ان التوحيد في العبادة هو الاصل المشترك والقاعدة المتفق عليها بين جميع الشرائع السماوية .
وبـكـلـمـة واحدة : ان الهدف الاسمى من بعث الانبيا والرسل الالهيين هو التذكير بهذا الاصل كما يقول : (ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت )64.
ان جميع المسلمين يعترفون في صلواتهم اليومية بهذا الاصل ويقولون : (اياك نعبد )65.
وعـلى هذا الاساس فان وجوب عبادة اللّه وحده , والاجتناب عن عبادة غيره امر مسلم لا كلام فيه , ولا يـخـالف احد في هذه القاعدة الكلية ابدا, وانما الكلام هو في ان بعض الاعمال والممارسات هل هـي مـصـداق لعبادة غير اللّه ام لا؟ وللوصول الى القول الفصل في هذا المجال يجب تحديد مفهوم العبادة تحديدا دقيقا, وتعريفها تعريفا منطقيا, بغية تمييزما يدخل تحت هذا العنوان ويكون عبادة , مما لا يكون كذلك , بل يؤتى به من باب التعظيم والتكريم .
لاشـك ولا ريب في ان عبادة الوالدين والانبيا والاوليا حرام وشرك , ولكن مع ذلك يكون احترامهم واجبا وعين التوحيد: (وقضى ربك ان لا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا)66.
والان يجب ان نرى ما هو العنصر الذي يميز ((العبادة )) عن ((التكريم ))؟ وكيف يكون العمل الواحد فـي بـعـض الـمـوارد (مـثل سجودالملائكة لادم , وسجود يعقوب واولاده ليوسف ) عين التوحيد, ولكن نفس العمل يكون في موارد اخرى عين الشرك والوثنية .
ان الجواب على هذا السؤال يتضح من البحث السابق الذي كان حول التوحيد في التدبير.
ان الـعبادة (التي نفيت عن غير اللّه ونهي عنها) عبارة عن خضوع انسان امام شي او شخص باعتقاد ان بيده مصير العالم كله او بعضه , اوبيده اختيار الانسان ومصيره , وانه مالك امره , وبتعبير آخر: ربه .
اما اذا كان الخضوع امام كائن ما لا بهذا الاعتقاد, انما من جهة كونه عبدا صالحا للّه , وصاحب فضيلة وكـرامـة , او لـكـونـه مـنـشـا احـسـان ,وصاحب يد على الانسان , فان مثل هذا العمل يكون مجرد تكريم وتعظيم لا عبادة له .
ولـهذا السبب بالذات لا يوصف سجود الملائكة لادم , او سجوديعقوب وابنائه ليوسف بصفة الشرك والـعـبادة فهذا السجود كان ينبع من الاعتقاد بعبودية آدم ويوسف الى جانب كرامتهما ومنزلتهما عند اللّه ,وليس نابعا من الاعتقاد بربوبيتهما او الوهيتهما.
بـالـنظر الى هذه الضابطة يمكن الحكم في ما يقوم به المسلمون في المشاهد المشرفة من احترام وتكريم لاوليا اللّه المقربين , فان من الواضح ان تقبيل الضرائح المقدسة , او اظهار الفرح والسرور يوم مـيـلاد الـنـبـي وبـعثته (ص ) لا ينطوي الا على تكريم النبي الكريم ولا يقصد منه الا اظهارمودته ومحبته ولا تكون ناشئة من امور مثل الاعتقاد بربوبيته قط.
وهـكذا الحال في الممارسات الاخرى مثل انشا القصائد والاشعارفي مدح اوليا اللّه او مراثيهم , وكذا حفظ آثار الرسالة , واقامة البنا على قبور عظما الدين , فانها ليست بشرك ولا بدعة .
واما كونها ليست بشرك فلانها تنبع من مودة اوليا اللّه (لا الاعتقادبربوبيتهم ).
واما كونها ليست ببدعة ايضا فلان جميع هذه الاعمال تقوم على اساس قرآني وروائي , وينطلق من اصل وجوب محبة النبي وآله .
فـاعـمـال التكريم هذه مظهر من مظاهر ابراز هذه المودة والمحبة التي حث عليها الكتاب والسنة (وسياتي توضيح هذا الموضوع في الفصل المتعلق بالبدعة مستقبلا).
وفـي المقابل يكون سجود المشركين لاصنامهم مرفوضا ومردودالكونه نابعا من الاعتقاد بربوبيتها ومـدبريتها وان بيدها قسما من شؤون الناس او على الاقل لان المشركين كانوا يعتقدون بان العزة والذلة ,والمغفرة والشفاعة بايدي تلك الاصنام كليات في العقيدة . 2