غريبة_48
10-02-2010, 01:27 PM
الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق حبيبةِ رسولِ ربِّ العالمين
فضيلة الشيخ عثمان بن محمد الخميس
السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته
أسعدَ الله مساءَكم بكلِّ خيرٍ ، وأهلاً وسهلاً بكم ، وحيَّاكم و بيَّاكم وجعلَ جنَّةَ الفردوسِ مثوانا و مثواكم ، اللهمَّ آمين .
إخواني وأخواتي
إنَّ حديثَنا معكم في هذه اللَّيلةِ سيكونُ عن أمِّنا عائشةَ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنها ، والحديثُ عن الصَّالحين يُوْرِثُ في النَّفسِ طمأنينةً و راحةً، و يُثلِجُ الصَّدرَ ، ويُنْعِمُ العقلَ ، ويفرحُ المؤمنُ عندما يسمعُ أخبارَ مَنْ سَلَفَ ممنْ يُعَظِّمُهم ويحبُّهم ويتقرَّب إلى الله تباركَ وتعالى بموالاتهم .
حديثُنا معكم في هذه اللَّيلةِ إخواني وأخواتي عن
الصِّدِّيقةِ بنتِ الصِّدِّيق ، عن حبيبةِ رسولِ ربِّ العالمين
عن إِلْفِهِ القريبِ ، الطَّيِّبة ، المبرَّأة منْ فوقِ سبعِ سماواتٍ ، اختارَها الله تباركَ وتعالى لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم كما قالَ جلَّ وعلا : " ... وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ... (26) " سورة النُّور.
لم يتزوَّج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِكْراً غيرها ، هي بِكْرُهُ الوحيدةُ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، ولم ينزلْ عليه الوحيُ في لحافِ امرأةٍ سِوَاها ، أحبُّ أزواجِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى قلبهِ ، بل أحبُّ النَّاسِ إليه كما في حديثِ عمرو بنِ العاص رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه .
لا يُعْلَمُ في الدُّنيا كلِّها أبداً أعلم مِنْ أمِّ المؤمنين عائشةَ رضيَ الله عنها وأرضاها ، أعلمُ امرأةٍ على وجهِ الأرضِ بشريعةِ الله تباركَ وتعالى .
هذه المرأةُ حبُّها إيمانٌ .. بُغْضُهَا ضَلالٌ .. سَبُّها فُجُورٌ .. قَذْفُهَا كُفْرٌ بالله تباركَ وتعالى .. مَنْ رَضِيَها أمّاً له فهو مؤمنٌ ، ومَنْ لم يرضَها أمّاً فهو كافرٌ .
قالَ الله تباركَ وتعالى عن نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ....(6) " سورة الأحزاب ، فهي أمُّ المؤمنين ، ومَنْ لم يرضَها أمّاً له فليسَ منَ المؤمنين .
قالَ أحدُ الشُّعراءِ كلاماً أعجبَني أحببتُ أنْ أسمعَكم إيَّاه .
يقولُ :
أمَّاه عُذْراً إذا ما الشِّعْرُ قامَ على *** سُوْقِ الكَسَادِ يُنادي مَنْ يُواسيني
ما لي أراه إذا ما جئتُ أكتبُه *** ناحَ القصيدُ و نَوْحُ الشِّعْرِ يُشْجِيني
حاولتُ أكتبُ بيتاً في محبَّتِكم *** يا قِمَّةَ الطُّهْرِ ، يا مَنْ حُبُّكم دِيني
فأطرقَ الشِّعْرُ نحوي رأسَه خَجِلاً *** و أسبلَ الدَّمْعَ مِنْ عينيهِ في حينِ
وقالَ عُذْراً فإنّي مَسَّني خَوَرٌ *** شحَّ القصيدُ و قامَ البيتُ يَرْثِيني
هكذا قدَّم اعتذاراً لأمِّنا عائشةَ ، ونحن نقدِّم كذلك اعتذاراً لها رضيَ الله عنها ؛ إذْ إننا مهما تكلَّمنا وقلنا فلنْ نُوفيها حقَّها ، وكيف يُعْطَى العظماءُ حَقَّهمُ الذي ينبغي أنْ يكونَ لهم مِنْ أمثالِنا ، نسألُ الله تباركَ وتعالى أنْ يغفرَ لنا وأنْ يرحمنا .
هي عائشةُ بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق التيميَّةُ القُرشيَّةُ ، كُنيتها أمُّ عبدِ الله ، لم يكنْ لها أولادٌ ولكنْ كُنِّيَتْ بابنِ أختِها عبدِ الله بنِ الزبير ؛ فكانَ يُقالُ لها أمّ عبد الله ، وذلك أنها كانتْ تحبُّه كثيراً رضيَ الله عنه وعنها.
أمُّها أمُّ رُوْمَان بنتُ عامر الكِنانيَّة .
وُلِدَتْ عائشةُ رضيَ الله عنها بعد البِعْثَةِ بخمسِ سنين .
وأبو بكر كانَ أوَّلَ مَنْ أسلمَ مِنَ الرِّجالِ ، فلم تعرفِ الشِّركَ ولم تعرفِ الأصنامَ وإنما وُلِدَتْ على الفِطْرَةِ وعاشتْ موحِّدةً .
وقبلَ مُهَاجَر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم خطبَها منْ أبي بكر رضيَ الله عنها وهي بنتُ سِتٍّ .
فقالَ أبو بكر للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما طلبَ يدَ ابنتهِ ؛ قالَ : أوَ تحلُّ لكَ يا رسولَ الله ؟؟!!
قالَ : نعم .
فقالَ أبو بكر للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : أوَ لستَ أخي ؟؟
قالَ :بلى .. في الإسلام ، وهي حَلالٌ لي .
فتزوَّجها صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
*- قالَ لعائشةَ يوماً صلَّى الله عليه وسلَّم : "أرِيتُكِ في المنامِ ثلاثَ مرَّات ، يأتي بكِ الملكُ إليَّ في سَرَقَةٍ منْ حريرٍ - أي في قطعةٍ منْ حريرٍ - فيقولُ لي : هذه زوجتُك ، فأكشفُ فإذا أنتِ " .
ثلاث مرَّات يراها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم !!
قالَ : " فقلتُ إنْ يكنْ هذا مِنْ عند الله يُمْضِهِ " .
وفعلاً أمضاهُ الله تباركَ وتعالى ، وتزوَّج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عائشةَ رضيَ الله عنها .
*- قالتْ يوماً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : يا رسولَ الله ، أرأيتَ لو نزلتَ وادياً وفيه - أي في الوادي - شجرةٌ قد أكلَ النَّاسُ منها وشجرٌ لم يأكلْ منه النَّاسُ ؛ في أي الشَّجَرِ تُرْتِعُ بعيرَك ؟
فقالَ صلَّى الله عليه وسلَّم : " في الشَّجَرِ الذي لم يأكلْ منه النَّاسُ "
فضحكتْ رضيَ الله عنها ، لأنها تريدُ نفسَها أنها بِكْرٌ .
هي الوحيدةُ التي تزوَّجها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهي بِكْرٌ رضيَ الله عنها وأرضاها .
كلُّ أزواجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تزوَّجنَ غيرَه قبلَه إلا عائشة ما عرفتْ إلا رسولَ الله ، وما دخلَ عليها غيرُ رسولِ الله صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
لها منَ الفضائلِ الشَّيءُ الكثيرُ ، وما جلسنا في هذا المجلسِ معكم لِذِكْرِ فضائلِها فقط وإنما قَصَدْنا أنْ نتكلَّم بشكلٍ عام عن حياةِ أمِّنا رضيَ الله تباركَ وتعالى عنها وأرضاها ، ومالا يُدْرَكُ جُلُّهُ لا يُتْرَكُ كلُّه ، فنُنوِّه على بعضِ فضائلِها رضيَ الله عنها وأرضاها .
*- سألَ عمرو بنُ العاص ، لما أرادَ النبيُّ أنْ يُرسلَه إلى ذاتِ السَّلاسل
سألَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم : مَنْ أحبُّ النَّاسِ إليكَ ؟
قالَ صلَّى الله عليه وسلَّم : " عائشة " .
قالَ : ومِنَ الرِّجالِ ؟
قالَ صلَّى الله عليه وسلَّم : " أبوها " .
فقدَّمها على كلِّ النَّاسِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
*- ويقولُ أنسٌ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " فَضْلُ عائشةَ على النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعامِ " .
واختلفَ أهلُ العلمِ أيُّهما أفضلُ : عائشةُ أو خديجةُ ؟
عائشة أو فاطمة ؟
مع اتِّفاقِهم جميعاً على أنَّ عائشةَ وخديجةَ وفاطمةَ أفضلُ النِّساءِ على الإطلاقِ .
ولكنِ اختلفوا أيُّ هذه الثَّلاث أفضلُ ، رضيَ الله عنهنَّ جميعاً ؟؟؟
ويكفينا أنهنَّ منْ أهلِ الجنَّة وأنهنَّ في الفردوسِ الأعلى رضيَ الله عنهنَّ وأرضاهنَّ .
*- جاءَ في فَضْلِها أنها سألتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً :أيُّ أزواجِك معكَ في الجنَّة ؟
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " ألا إنكِ منهنَّ " .
يعني أنتِ معي في الجنَّة .
*- قالَ لها يوماً صلَّى الله عليه وسلَّم : " هذا جبريلُ يُقرئكِ السَّلام ".
فقالتْ رضيَ الله عنها وأرضاها : عليكَ وعلى جبريلَ السَّلامُ .
*- قالَ لها صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه يوماً : " إني لأعلمُ إذا كنتِ عني راضيةً وإذا كنتِ عليَّ غَضْبَى" .
قالتْ :منْ أين تعرفُ ذلك ؟
فقالَ : " أمَّا إذا كنتِ عني راضيةً فإنكِ تقولين : لا ورَبِّ محمَّد ، وإذا كنتِ غضبى قلتِ : لا ورَبِّ إبراهيم " .
قالتْ :أجل ، والله يا رسولَ الله ما أهجرُ إلا اسمَك .
وربِّ محمَّد وربِّ إبراهيم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليهما .
عائشةُ رضيَ الله عنها لها خصوصيَّات ، يعني لم يشاركها أحدٌ فيها ، منْ هذه الخصوصيَّة :
*-أنها البِكْرُ الوحيدةُ التي تزوَّجها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، هذه خصوصيَّة .
*-مِنْ خصوصيَّاتها كذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ يقسمُ لجميعِ نسائهِ ليلةً ليلة وجعلَ لعائشةَ ليلتين ، وهي ليلتُها وليلةُ سودة أهدتها لعائشةَ ، فعندما يمرُّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على زينب وعلى أمِّ سلمة وحفصة وأمِّ حبيبة وجويرية وميمونة وغيرهنَّ منْ أمَّهاتِ المؤمنين يمرُّ على كلِّ واحدةٍ ليلةً ويمرُّ على عائشةَ ليلتين .
*-وكذلك مِنْ خصوصيَّاتها أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم علمَ أنها ستكونُ زوجةً له قبلَ أنْ يتزوَّجها ، وكانتْ تُعْرَضُ عليه كما ذكرنا ، عَرَضَها عليه الملكُ ثلاثَ مرَّاتٍ في سَرَقَةٍ مِنْ حريرٍ ، وهذه في رؤية منامٍ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
*-مِنْ خصوصيَّات هذه المرأة - أعني عائشةَ رضيَ الله عنها - أنها أعلمُ النِّساءِ على الإطلاقِ .
*-ومِنْ خصوصيَّاتها أنها أكثرُ مَنْ رَوَى عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ النِّساءِ .
بلْ قالَ بعضُ أهلِ العِلْمِ : لو جُمِعَتْ جميعُ مَرْوِيَّاتِ أمَّهاتِ المؤمنين وباقي النِّساءِ اللاتي رَوَيْنَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لكانتْ رواياتهنَّ كلُّهنَّ أقلَّ مِنْ روايةِ عائشةَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
*-مِنْ خصوصيَّاتها أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُرِّضَ في بيتِها وتُوُفِّيَ في بيتِها صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، وماتَ على صَدْرِهَا بين سَحْرِهَا ونَحْرِهَا رضيَ الله عنها .
*-مِنْ خصوصيَّاتها أنها أحبُّ النَّاسِ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
*-مِنْ خصوصيَّاتها أنَّ آخرَ ما خَالَطَ ريقَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو رِيْقُها ، وذلك لما كانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُعاني سكراتِ الموتِ في بيتها ، دخلَ عليها عبدُ الرَّحمن بنُ أبي بكر الصِّدِّيق أخوها ومعه سِوَاكٌ ، فنظرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى السِّوَاكِ .
قالتْ : فعلمتُ أنه يُريدُه .
فقلتُ له : تريدُه يا رسولَ الله ؟
فأشارَ برأسهِ أنْ نَعَمْ .
تقولُ :فأخذتُه منْ عبدِ الرَّحمن ، ثم قضمتُه وطيَّبتُه ، ثم أعطيتُه النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فاستنَّ أحسنَ ما يستنُّ ، صلَّى الله عليه وسلَّم .
فَقَضَمَته بفمِها ، فآخرُ ما مَسَّ رِيقَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم رِيْقُ عائشةَ رضيَ الله عنها .
هذه المرأةُ رضيَ الله عنها - أعني أمَّكم وأمِّي - كانتْ كما قلتُ أعلمَ النَّاسِ في وقتِها وخصوصاً النِّساء .
*- يقولُ أبو موسى الأشعريّ : ما أشكلَ علينا - أصحابَ نبيِّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم - أمرٌ أو حديثٌ فسألنا عائشةَ إلا وجدنا عندها عِلْماً .
*- ويقولُ مسروق : رأيتُ مَشْيخَةَ أصحابِ محمَّد الأكابر يسألونها في الفرائض ( أي في المواريث ) .
*- ويقولُ عروةُ : ما رأيتُ أحداً أعلمَ بِفِقْهٍ ولا طِبّ ولا شِعْرٍ مِنْ عائشةَ رضيَ الله عنها .
*- ويقولُ عَطَاءُ : كانتْ عائشةُ أفقهَ النَّاسِ ، وأعلمَ النَّاسِ ، وأحسنَ النَّاسِ رأياً في العامَّة .
*- ويقولُ الزُّهريّ : لو جُمِعَ عِلْمُ عائشةَ إلى عِلْمِ جميعِ أزواجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعِلْمِ جميعِ النِّساءِ لكانَ عِلْمُ عائشةَ أفضلَ .
*- وهذا الأحنفُ بنُ قيسٍ رضيَ الله عنه يقولُ : سمعتُ أبا بكر وعمرَ وعثمانَ وعليّاً ومَنْ جاءَ بعدَهم فما سمعتُ خطيباً أفصحَ ولا أحسنَ حديثاً مِنْ عائشةَ .
رضيَ الله عنكِ يا أمَّنا .
*- كانتْ عابدةً ، اشتُهرتْ بالعبادةِ رضيَ الله عنها وأرضاها ؛ إذْ كانتْ تَسْرُدُ الصَّومَ ولا تكادُ تُفطرُ إلا قليلاً ، وكانتْ تتصدَّق كثيراً
حتى قالَ عروةُ : كانتْ لا تمسكُ شيئاً مما جاءَها مِنْ رزقِ الله ، وكانتْ تأتيها السَّبعين ألفَ دِرْهَمٍ فتنفقُها ولا يبقى منها شيءٌ وإنها لترقعُ دِرْعَها .
( الدِّرْعُ ) ثوبُها تَرْقَعُه ، لا تشتري ثوباً جديداً ، وتتصدَّق بسبعين ألف درهم !!! رضيَ الله عنها وأرضاها .
بل أُعْطِيَتْ يوماً مئةَ ألفِ درهم فما أتى العصرُ حتى أنفقتْها كلَّها وكانتْ صائمةً !!
فقالتْ لها جاريتُها ( خادمتها ) : لو أبقيتِ درهماً نشتري فيه لحماً لإفطاركِ ؟!
كانتْ صائمةً .. لو أبقيتِ درهماً نشتري فيه لحماً لإفطاركِ ؟
قالتْ رضيَ الله عنها :لو ذكَّرتِني لفعلتُ .
نسيتْ نفسَها !!
كلُّ مالها تصدَّقتْ به ؟؟
أين تربَّت ؟؟
تربَّت في بيتِ رجلٍ لما أمرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالصَّدقةِ جاءَه بمالهِ كلِّه !!
تربَّت في بيتِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لما أعطاها شاةً يوماً ثم جاءَها بعدُ
فقالَ لها : " ما بقيَ مِنَ الشَّاةِ ؟ "
فقالتْ :ذهبتْ كلُّها إلا الذِّرَاع .
أي تصدَّقتُ بها جميعاً ما عدا الذِّراع أبقيتُه لكَ يا رسولَ الله
فيقولُ لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " بل بقيتْ كلُّها إلا الذِّراع "
تعلمتْ في هذا البيتِ رضيَ الله عنها وأرضاها .
ومنْ طرائفِ الأمورِ وليسَ بطريفٍ أنَّ هذه الصَّدقةَ التي كانتْ تتصدَّق بها عائشةُ رضيَ الله عنها أغضبتِ ابنَ أختِها عبدَ الله بنَ الزُّبير ، فلمَّا بلغَه كثرةُ إنفاقِها بهذه الطَّريقةِ ؛ المئة ألف درهم تأتيها الآن بعد ساعةٍ ذهبتْ .. سبعون ألفاً .. أيّ مبلغٍ يأتيها يذهبُ مباشرةً !!!
قالَ عبدُ الله بنُ الزُّبير : لَنَحْجُرَنَّ عليها .
كلمة خرجتْ منه .
فلمَّا بلغتْ هذه الكلمةُ عائشةَ رضيَ الله عنها غضبتْ منِ ابنِ أختِها كيف يتكلَّم عنها بهذه الطَّريقةِ ؟؟!!
فقالتْ رضيَ الله عنها :والله لا أكلِّمُه أبداً .
بلغَ الأمرُ عبدَ الله بنَ الزُّبير وأنَّ خالتَه حلفتْ ألَّا تكلِّمَه .. فصارَ يتودَّد .. يُرسل الشُّفَعَاءَ ، وهي رافضةٌ لا تُكلِّمه .. واستمرَّ على هذا فترةً منَ الزَّمَنِ .. مع أنها تحبُّه ، وقلنا تكنَّتْ باسمهِ ، ومع هذا لم تشفعْ له ولم تقبلْ شفاعاتِ النَّاسِ ، عندها جاءَ يوماً بخدعةٍ ، جاءَ إلى أخيها مِنَ الرَّضاعةِ
فقالَ له : أريدُ أنْ أدخلَ معك على عائشةَ ؟؟
قالَ له : ولكنَّها لا تأذنُ لك !!!
قالَ : أدخلني في عباءتك - أي في بشتك - داخل العباءة ما تراني ، وأنا أتصرَّف ، لكنْ أدخلني في عباءتك .
فجاءَ يستأذنُ على عائشةَ رضيَ الله عنها .
قالتْ : مَنْ ؟
قالَ : فلان .
قالتْ :ادخلْ .
قالَ : أدخلُ كلِّي ؟
( لأنَّ معه عبد الله بن الزبير داخل عباءته ) .
قالتْ :نعم ادخلْ كلّك !!
فدخلَ .. فلمَّا دخلَ عليها خرجَ عبدُ الله بنُ الزُّبير مِنَ العباءةِ و ضمَّها وصارَ يبكي بين يديها .. فبكتْ رضيَ الله عنها ، وطلبَ منها أنْ تُسامحَه فسامحتْه رضيَ الله عنها .
ثم بعد ذلك أعتقتْ أربعين رقبةً تكفيراً لحلفِها الذي حلفتْ .
أربعين رقبةً أعتقتْها لوجهِ الله تباركَ وتعالى !!!
وكلُّنا يعرفُ قِصَّتَها المشهورةَ في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما اشترتْ بَرِيْرَةَ و أرادتْ أنْ تُعتقَها فاشترطوا عليها - أي أهلُ بَرِيْرَةَ الذين كانوا يملكونها -
قالتْ : أريدُ أنْ أعتقَها .
قالوا : نعم تعتقينها والولاءُ لنا .
فقالتْ :أسالُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فلمَّا سألتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن هذا الأمرِ وأنها تريدُ أنْ تشتريَ بَرِيْرَةَ وتعتقَها ولكنهم اشترطوا الولاءَ لهم .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : قولي تمّ .. اشترطي لهمُ الولاءَ ، إنما الولاءُ لمنْ أعتقَ .
يعني هذا الشَّرط لا قيمةَ له .
لأنَّ الولاءَ لمنْ أعتقَ ، وأنتِ التي أعتقتِ .
هم باعوها وأخذوا ثمنَها كيف يريدون الولاءَ لهم ؟؟!!
فقالَ :اشترطي لهم .
ثم قامَ وقالَ صلَّى الله عليه وسلَّم :ما بالُ أقوامٍ يشترطون شروطاً ليستْ في كتابِ الله تباركَ وتعالى ؟ إنما الولاءُ لمنْ أعتقَ .
وأعتقتْها في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
*- كانَ النَّاسُ يُهدون لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كثيراً ، وأكثرُ هذه الهدايا تكونُ في يومِ عائشةَ !!
لماذا ؟
لأنهم يعلمون أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا اليوم ؛ لا قولُ في قِمَّةِ السَّعادةِ ولكنْ سعيد صلَّى الله عليه وسلَّم .. يرتاحُ إذا جاءَ يومُ عائشةَ لأنه يحبُّها كثيراً صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكانَ النَّاسُ يعلمون ذلك .. يعلمون حُبَّ النبيِّ لعائشةَ ، بلِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُصَرِّحُ بذلك
كما في حديثِ عمرو بنِ العاص رضيَ الله عنه : مَنْ أحبُّ النَّاسِ إليكَ؟
قالَ : " عائشة " .
فهو يُعلنُ ذلك صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، فكانَ النَّاسُ يُهدون للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يومِ عائشةَ ما لا يُهدون له في غيرهِ مِنَ الأيَّام .
فشعرتْ نساءُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بشيءٍ مِنَ الضِّيقِ !!
لماذا يُهدي النَّاسُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكثرَ يومٍ في يومِ عائشةَ ؟؟!!
لماذا لا يُهدون له في كلِّ يومٍ ؟؟!!
فأرسلنَ إلى أمِّ سَلَمَةَ زوجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فقلنَ لها : إذا جاءكِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ليلتكِ فقولي له أنْ يأمرَ النَّاسَ أنْ يُهدوا له في كلِّ يومٍ .
فقالتْ : نعم .
فلمَّا جاءَها النبيُّ في ليلتِها قالتْ له ذلك الكلام فلم يردّ عليه صلَّى الله عليه وسلَّم ، سمعَ وسكتَ .
فلمَّا أصبحتِ النِّساءُ جِئْنَ إلى أمِّ سَلَمَةَ : ماذا قالَ لكِ ؟
قالتْ : ما ردَّ عليَّ شيئاً .
فقلنَ لها : إنْ جاءك في ليلتكِ القادمةِ - يعني بعد تسعةِ أيَّام - فأعيدي عليه الكلامَ .
قالتْ : أفعلُ .
فلمَّا جاءها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ليلتِها أعادتْ عليه الكلامَ وأعادَ السُّكوتَ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لم يردّ عليها بشيءٍ .
فسألنَها في الصَّباح ؟؟
فقالتْ : ما قالَ لي شيئاً .
فقلنَ لها : كلِّميه حتى يُكلِّمك .
فدارَ إليها فكلَّمته
فقالَ لها :لا تُؤذيني في عائشةَ ، فإنَّ الوحيَ لم يأتني وأنا في ثوبِ امرأةٍ إلا عائشة .
فقالتْ : أتوبُ إلى الله مِنْ أذاكَ يا رسولَ الله .
فذهبنَ إلى فاطمةَ بنتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورضيَ عنها ، فجاءتْ فاطمةُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو مع عائشةَ ، فدخلتْ عليه فاطمةُ ومعه عائشة
فقالتْ فاطمةُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم - وعائشةُ تسمعُ - : إنَّ نساءَك يَنْشُدْنَكَ العدلَ في ابنةِ أبي قحافة ؟
وفاطمةُ رضيَ الله عنها أكبرُ مِنْ عائشةَ بعشرِ سنواتٍ تقريباً ، يعني مِنْ حيثُ السِّنِّ
فقالتْ: إنَّ نساءَك ينشدنك العدلَ في ابنةِ أبي قحافة .
وليس المقصودُ أنَّ النبيَّ لا يعدلُ ولكنَّ المقصودَ كما قلتُ قبلَ قليلٍ قضيَّة الهدايا ، هدايا النَّاس ، أنْ يأمرَ النَّاسَ أنْ يُهدوا في كلِّ وقتٍ لأنَّ هذا أحزنَ نساءَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فكانَ جوابُ النبيِّ لفاطمةَ رضيَ الله عنها : يا فاطمةُ أتحبِّين مَنْ أحبُّ؟
قالتْ : نعم .
قالَ :فأحبِّي هذه .
أي أحبِّي عائشةَ .
هكذا يعلِّم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ابنتَه ، فرجعتْ فاطمةُ إلى النِّساءِ
فقلنَ لها : ماذا قالَ لكِ ؟
قالتْ : قالَ لي كيتَ و كيتَ .
فقلنَ لها : ما صنعتِ شيئاً .
فأرسلنَ زينبَ بنتَ جحش - انظروا باركَ الله فيكم إلى الغيرة - وهؤلاء النِّساء يَغَرْنَ ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في النِّساءِ .
فأرسلنَ زينبَ بنتَ جحش ، فدخلتْ زينبُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه عائشة .
فقالتْ زينبُ كما قالتْ فاطمةُ : إنَّ نساءك ينشدنك العدلَ في ابنةِ أبي قحافة ؟
ثم تكلَّمتْ في عائشةَ أمامَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ...
انظروا كيف يتعامل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع نسائه ، يعني لو كانَ واحد منا الآن وتخاصمتِ النِّساءُ أمامَه الله العالم ماذا يصنعُ ؟؟ كثير منَ النَّاسِ يرى أنَّ مِنَ الرُّجولةِ أنْ يضربَ هذه ويضربَ هذه وأنْ يُسْكِتَ هذه ويُسْكِتَ هذه !!
لكنْ تعالَوا ننظر كيف صنعَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم سكتَ ولا تكلَّم ولا كلمة .
تقولُ عائشةُ :فسكتُّ
- يعني احتراماً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم -
فنظرتُ إليه هل يأذنُ لي أنْ أردَّ عليها أو لا يأذنُ ؟
فنظرتُ إليه فإذا هو ساكتٌ فعلمتُ أنه يرضى أنْ أردَّ .
تقولُ :فرددتُ عليها حتى أسكتُّها.
تقولُ :فضحكَ النبيُّ صلَّى الله عيه وسلَّم
وقالَ لزينب : " إنها ابنةُ أبي قحافة " .
هكذا كانَ يتعاملُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع مثلِ هذه الأمورِ التي تقعُ منَ النِّساءِ منَ الغيرةِ وغيرها .
يتبع بإذن الله ....
فضيلة الشيخ عثمان بن محمد الخميس
السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته
أسعدَ الله مساءَكم بكلِّ خيرٍ ، وأهلاً وسهلاً بكم ، وحيَّاكم و بيَّاكم وجعلَ جنَّةَ الفردوسِ مثوانا و مثواكم ، اللهمَّ آمين .
إخواني وأخواتي
إنَّ حديثَنا معكم في هذه اللَّيلةِ سيكونُ عن أمِّنا عائشةَ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنها ، والحديثُ عن الصَّالحين يُوْرِثُ في النَّفسِ طمأنينةً و راحةً، و يُثلِجُ الصَّدرَ ، ويُنْعِمُ العقلَ ، ويفرحُ المؤمنُ عندما يسمعُ أخبارَ مَنْ سَلَفَ ممنْ يُعَظِّمُهم ويحبُّهم ويتقرَّب إلى الله تباركَ وتعالى بموالاتهم .
حديثُنا معكم في هذه اللَّيلةِ إخواني وأخواتي عن
الصِّدِّيقةِ بنتِ الصِّدِّيق ، عن حبيبةِ رسولِ ربِّ العالمين
عن إِلْفِهِ القريبِ ، الطَّيِّبة ، المبرَّأة منْ فوقِ سبعِ سماواتٍ ، اختارَها الله تباركَ وتعالى لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم كما قالَ جلَّ وعلا : " ... وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ... (26) " سورة النُّور.
لم يتزوَّج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِكْراً غيرها ، هي بِكْرُهُ الوحيدةُ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، ولم ينزلْ عليه الوحيُ في لحافِ امرأةٍ سِوَاها ، أحبُّ أزواجِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى قلبهِ ، بل أحبُّ النَّاسِ إليه كما في حديثِ عمرو بنِ العاص رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه .
لا يُعْلَمُ في الدُّنيا كلِّها أبداً أعلم مِنْ أمِّ المؤمنين عائشةَ رضيَ الله عنها وأرضاها ، أعلمُ امرأةٍ على وجهِ الأرضِ بشريعةِ الله تباركَ وتعالى .
هذه المرأةُ حبُّها إيمانٌ .. بُغْضُهَا ضَلالٌ .. سَبُّها فُجُورٌ .. قَذْفُهَا كُفْرٌ بالله تباركَ وتعالى .. مَنْ رَضِيَها أمّاً له فهو مؤمنٌ ، ومَنْ لم يرضَها أمّاً فهو كافرٌ .
قالَ الله تباركَ وتعالى عن نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ....(6) " سورة الأحزاب ، فهي أمُّ المؤمنين ، ومَنْ لم يرضَها أمّاً له فليسَ منَ المؤمنين .
قالَ أحدُ الشُّعراءِ كلاماً أعجبَني أحببتُ أنْ أسمعَكم إيَّاه .
يقولُ :
أمَّاه عُذْراً إذا ما الشِّعْرُ قامَ على *** سُوْقِ الكَسَادِ يُنادي مَنْ يُواسيني
ما لي أراه إذا ما جئتُ أكتبُه *** ناحَ القصيدُ و نَوْحُ الشِّعْرِ يُشْجِيني
حاولتُ أكتبُ بيتاً في محبَّتِكم *** يا قِمَّةَ الطُّهْرِ ، يا مَنْ حُبُّكم دِيني
فأطرقَ الشِّعْرُ نحوي رأسَه خَجِلاً *** و أسبلَ الدَّمْعَ مِنْ عينيهِ في حينِ
وقالَ عُذْراً فإنّي مَسَّني خَوَرٌ *** شحَّ القصيدُ و قامَ البيتُ يَرْثِيني
هكذا قدَّم اعتذاراً لأمِّنا عائشةَ ، ونحن نقدِّم كذلك اعتذاراً لها رضيَ الله عنها ؛ إذْ إننا مهما تكلَّمنا وقلنا فلنْ نُوفيها حقَّها ، وكيف يُعْطَى العظماءُ حَقَّهمُ الذي ينبغي أنْ يكونَ لهم مِنْ أمثالِنا ، نسألُ الله تباركَ وتعالى أنْ يغفرَ لنا وأنْ يرحمنا .
هي عائشةُ بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق التيميَّةُ القُرشيَّةُ ، كُنيتها أمُّ عبدِ الله ، لم يكنْ لها أولادٌ ولكنْ كُنِّيَتْ بابنِ أختِها عبدِ الله بنِ الزبير ؛ فكانَ يُقالُ لها أمّ عبد الله ، وذلك أنها كانتْ تحبُّه كثيراً رضيَ الله عنه وعنها.
أمُّها أمُّ رُوْمَان بنتُ عامر الكِنانيَّة .
وُلِدَتْ عائشةُ رضيَ الله عنها بعد البِعْثَةِ بخمسِ سنين .
وأبو بكر كانَ أوَّلَ مَنْ أسلمَ مِنَ الرِّجالِ ، فلم تعرفِ الشِّركَ ولم تعرفِ الأصنامَ وإنما وُلِدَتْ على الفِطْرَةِ وعاشتْ موحِّدةً .
وقبلَ مُهَاجَر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم خطبَها منْ أبي بكر رضيَ الله عنها وهي بنتُ سِتٍّ .
فقالَ أبو بكر للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما طلبَ يدَ ابنتهِ ؛ قالَ : أوَ تحلُّ لكَ يا رسولَ الله ؟؟!!
قالَ : نعم .
فقالَ أبو بكر للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : أوَ لستَ أخي ؟؟
قالَ :بلى .. في الإسلام ، وهي حَلالٌ لي .
فتزوَّجها صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
*- قالَ لعائشةَ يوماً صلَّى الله عليه وسلَّم : "أرِيتُكِ في المنامِ ثلاثَ مرَّات ، يأتي بكِ الملكُ إليَّ في سَرَقَةٍ منْ حريرٍ - أي في قطعةٍ منْ حريرٍ - فيقولُ لي : هذه زوجتُك ، فأكشفُ فإذا أنتِ " .
ثلاث مرَّات يراها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم !!
قالَ : " فقلتُ إنْ يكنْ هذا مِنْ عند الله يُمْضِهِ " .
وفعلاً أمضاهُ الله تباركَ وتعالى ، وتزوَّج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عائشةَ رضيَ الله عنها .
*- قالتْ يوماً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : يا رسولَ الله ، أرأيتَ لو نزلتَ وادياً وفيه - أي في الوادي - شجرةٌ قد أكلَ النَّاسُ منها وشجرٌ لم يأكلْ منه النَّاسُ ؛ في أي الشَّجَرِ تُرْتِعُ بعيرَك ؟
فقالَ صلَّى الله عليه وسلَّم : " في الشَّجَرِ الذي لم يأكلْ منه النَّاسُ "
فضحكتْ رضيَ الله عنها ، لأنها تريدُ نفسَها أنها بِكْرٌ .
هي الوحيدةُ التي تزوَّجها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهي بِكْرٌ رضيَ الله عنها وأرضاها .
كلُّ أزواجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تزوَّجنَ غيرَه قبلَه إلا عائشة ما عرفتْ إلا رسولَ الله ، وما دخلَ عليها غيرُ رسولِ الله صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
لها منَ الفضائلِ الشَّيءُ الكثيرُ ، وما جلسنا في هذا المجلسِ معكم لِذِكْرِ فضائلِها فقط وإنما قَصَدْنا أنْ نتكلَّم بشكلٍ عام عن حياةِ أمِّنا رضيَ الله تباركَ وتعالى عنها وأرضاها ، ومالا يُدْرَكُ جُلُّهُ لا يُتْرَكُ كلُّه ، فنُنوِّه على بعضِ فضائلِها رضيَ الله عنها وأرضاها .
*- سألَ عمرو بنُ العاص ، لما أرادَ النبيُّ أنْ يُرسلَه إلى ذاتِ السَّلاسل
سألَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم : مَنْ أحبُّ النَّاسِ إليكَ ؟
قالَ صلَّى الله عليه وسلَّم : " عائشة " .
قالَ : ومِنَ الرِّجالِ ؟
قالَ صلَّى الله عليه وسلَّم : " أبوها " .
فقدَّمها على كلِّ النَّاسِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
*- ويقولُ أنسٌ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " فَضْلُ عائشةَ على النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعامِ " .
واختلفَ أهلُ العلمِ أيُّهما أفضلُ : عائشةُ أو خديجةُ ؟
عائشة أو فاطمة ؟
مع اتِّفاقِهم جميعاً على أنَّ عائشةَ وخديجةَ وفاطمةَ أفضلُ النِّساءِ على الإطلاقِ .
ولكنِ اختلفوا أيُّ هذه الثَّلاث أفضلُ ، رضيَ الله عنهنَّ جميعاً ؟؟؟
ويكفينا أنهنَّ منْ أهلِ الجنَّة وأنهنَّ في الفردوسِ الأعلى رضيَ الله عنهنَّ وأرضاهنَّ .
*- جاءَ في فَضْلِها أنها سألتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً :أيُّ أزواجِك معكَ في الجنَّة ؟
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " ألا إنكِ منهنَّ " .
يعني أنتِ معي في الجنَّة .
*- قالَ لها يوماً صلَّى الله عليه وسلَّم : " هذا جبريلُ يُقرئكِ السَّلام ".
فقالتْ رضيَ الله عنها وأرضاها : عليكَ وعلى جبريلَ السَّلامُ .
*- قالَ لها صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه يوماً : " إني لأعلمُ إذا كنتِ عني راضيةً وإذا كنتِ عليَّ غَضْبَى" .
قالتْ :منْ أين تعرفُ ذلك ؟
فقالَ : " أمَّا إذا كنتِ عني راضيةً فإنكِ تقولين : لا ورَبِّ محمَّد ، وإذا كنتِ غضبى قلتِ : لا ورَبِّ إبراهيم " .
قالتْ :أجل ، والله يا رسولَ الله ما أهجرُ إلا اسمَك .
وربِّ محمَّد وربِّ إبراهيم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليهما .
عائشةُ رضيَ الله عنها لها خصوصيَّات ، يعني لم يشاركها أحدٌ فيها ، منْ هذه الخصوصيَّة :
*-أنها البِكْرُ الوحيدةُ التي تزوَّجها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، هذه خصوصيَّة .
*-مِنْ خصوصيَّاتها كذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كانَ يقسمُ لجميعِ نسائهِ ليلةً ليلة وجعلَ لعائشةَ ليلتين ، وهي ليلتُها وليلةُ سودة أهدتها لعائشةَ ، فعندما يمرُّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على زينب وعلى أمِّ سلمة وحفصة وأمِّ حبيبة وجويرية وميمونة وغيرهنَّ منْ أمَّهاتِ المؤمنين يمرُّ على كلِّ واحدةٍ ليلةً ويمرُّ على عائشةَ ليلتين .
*-وكذلك مِنْ خصوصيَّاتها أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم علمَ أنها ستكونُ زوجةً له قبلَ أنْ يتزوَّجها ، وكانتْ تُعْرَضُ عليه كما ذكرنا ، عَرَضَها عليه الملكُ ثلاثَ مرَّاتٍ في سَرَقَةٍ مِنْ حريرٍ ، وهذه في رؤية منامٍ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
*-مِنْ خصوصيَّات هذه المرأة - أعني عائشةَ رضيَ الله عنها - أنها أعلمُ النِّساءِ على الإطلاقِ .
*-ومِنْ خصوصيَّاتها أنها أكثرُ مَنْ رَوَى عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ النِّساءِ .
بلْ قالَ بعضُ أهلِ العِلْمِ : لو جُمِعَتْ جميعُ مَرْوِيَّاتِ أمَّهاتِ المؤمنين وباقي النِّساءِ اللاتي رَوَيْنَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لكانتْ رواياتهنَّ كلُّهنَّ أقلَّ مِنْ روايةِ عائشةَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
*-مِنْ خصوصيَّاتها أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُرِّضَ في بيتِها وتُوُفِّيَ في بيتِها صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، وماتَ على صَدْرِهَا بين سَحْرِهَا ونَحْرِهَا رضيَ الله عنها .
*-مِنْ خصوصيَّاتها أنها أحبُّ النَّاسِ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
*-مِنْ خصوصيَّاتها أنَّ آخرَ ما خَالَطَ ريقَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو رِيْقُها ، وذلك لما كانَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُعاني سكراتِ الموتِ في بيتها ، دخلَ عليها عبدُ الرَّحمن بنُ أبي بكر الصِّدِّيق أخوها ومعه سِوَاكٌ ، فنظرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى السِّوَاكِ .
قالتْ : فعلمتُ أنه يُريدُه .
فقلتُ له : تريدُه يا رسولَ الله ؟
فأشارَ برأسهِ أنْ نَعَمْ .
تقولُ :فأخذتُه منْ عبدِ الرَّحمن ، ثم قضمتُه وطيَّبتُه ، ثم أعطيتُه النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فاستنَّ أحسنَ ما يستنُّ ، صلَّى الله عليه وسلَّم .
فَقَضَمَته بفمِها ، فآخرُ ما مَسَّ رِيقَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم رِيْقُ عائشةَ رضيَ الله عنها .
هذه المرأةُ رضيَ الله عنها - أعني أمَّكم وأمِّي - كانتْ كما قلتُ أعلمَ النَّاسِ في وقتِها وخصوصاً النِّساء .
*- يقولُ أبو موسى الأشعريّ : ما أشكلَ علينا - أصحابَ نبيِّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم - أمرٌ أو حديثٌ فسألنا عائشةَ إلا وجدنا عندها عِلْماً .
*- ويقولُ مسروق : رأيتُ مَشْيخَةَ أصحابِ محمَّد الأكابر يسألونها في الفرائض ( أي في المواريث ) .
*- ويقولُ عروةُ : ما رأيتُ أحداً أعلمَ بِفِقْهٍ ولا طِبّ ولا شِعْرٍ مِنْ عائشةَ رضيَ الله عنها .
*- ويقولُ عَطَاءُ : كانتْ عائشةُ أفقهَ النَّاسِ ، وأعلمَ النَّاسِ ، وأحسنَ النَّاسِ رأياً في العامَّة .
*- ويقولُ الزُّهريّ : لو جُمِعَ عِلْمُ عائشةَ إلى عِلْمِ جميعِ أزواجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعِلْمِ جميعِ النِّساءِ لكانَ عِلْمُ عائشةَ أفضلَ .
*- وهذا الأحنفُ بنُ قيسٍ رضيَ الله عنه يقولُ : سمعتُ أبا بكر وعمرَ وعثمانَ وعليّاً ومَنْ جاءَ بعدَهم فما سمعتُ خطيباً أفصحَ ولا أحسنَ حديثاً مِنْ عائشةَ .
رضيَ الله عنكِ يا أمَّنا .
*- كانتْ عابدةً ، اشتُهرتْ بالعبادةِ رضيَ الله عنها وأرضاها ؛ إذْ كانتْ تَسْرُدُ الصَّومَ ولا تكادُ تُفطرُ إلا قليلاً ، وكانتْ تتصدَّق كثيراً
حتى قالَ عروةُ : كانتْ لا تمسكُ شيئاً مما جاءَها مِنْ رزقِ الله ، وكانتْ تأتيها السَّبعين ألفَ دِرْهَمٍ فتنفقُها ولا يبقى منها شيءٌ وإنها لترقعُ دِرْعَها .
( الدِّرْعُ ) ثوبُها تَرْقَعُه ، لا تشتري ثوباً جديداً ، وتتصدَّق بسبعين ألف درهم !!! رضيَ الله عنها وأرضاها .
بل أُعْطِيَتْ يوماً مئةَ ألفِ درهم فما أتى العصرُ حتى أنفقتْها كلَّها وكانتْ صائمةً !!
فقالتْ لها جاريتُها ( خادمتها ) : لو أبقيتِ درهماً نشتري فيه لحماً لإفطاركِ ؟!
كانتْ صائمةً .. لو أبقيتِ درهماً نشتري فيه لحماً لإفطاركِ ؟
قالتْ رضيَ الله عنها :لو ذكَّرتِني لفعلتُ .
نسيتْ نفسَها !!
كلُّ مالها تصدَّقتْ به ؟؟
أين تربَّت ؟؟
تربَّت في بيتِ رجلٍ لما أمرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالصَّدقةِ جاءَه بمالهِ كلِّه !!
تربَّت في بيتِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لما أعطاها شاةً يوماً ثم جاءَها بعدُ
فقالَ لها : " ما بقيَ مِنَ الشَّاةِ ؟ "
فقالتْ :ذهبتْ كلُّها إلا الذِّرَاع .
أي تصدَّقتُ بها جميعاً ما عدا الذِّراع أبقيتُه لكَ يا رسولَ الله
فيقولُ لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " بل بقيتْ كلُّها إلا الذِّراع "
تعلمتْ في هذا البيتِ رضيَ الله عنها وأرضاها .
ومنْ طرائفِ الأمورِ وليسَ بطريفٍ أنَّ هذه الصَّدقةَ التي كانتْ تتصدَّق بها عائشةُ رضيَ الله عنها أغضبتِ ابنَ أختِها عبدَ الله بنَ الزُّبير ، فلمَّا بلغَه كثرةُ إنفاقِها بهذه الطَّريقةِ ؛ المئة ألف درهم تأتيها الآن بعد ساعةٍ ذهبتْ .. سبعون ألفاً .. أيّ مبلغٍ يأتيها يذهبُ مباشرةً !!!
قالَ عبدُ الله بنُ الزُّبير : لَنَحْجُرَنَّ عليها .
كلمة خرجتْ منه .
فلمَّا بلغتْ هذه الكلمةُ عائشةَ رضيَ الله عنها غضبتْ منِ ابنِ أختِها كيف يتكلَّم عنها بهذه الطَّريقةِ ؟؟!!
فقالتْ رضيَ الله عنها :والله لا أكلِّمُه أبداً .
بلغَ الأمرُ عبدَ الله بنَ الزُّبير وأنَّ خالتَه حلفتْ ألَّا تكلِّمَه .. فصارَ يتودَّد .. يُرسل الشُّفَعَاءَ ، وهي رافضةٌ لا تُكلِّمه .. واستمرَّ على هذا فترةً منَ الزَّمَنِ .. مع أنها تحبُّه ، وقلنا تكنَّتْ باسمهِ ، ومع هذا لم تشفعْ له ولم تقبلْ شفاعاتِ النَّاسِ ، عندها جاءَ يوماً بخدعةٍ ، جاءَ إلى أخيها مِنَ الرَّضاعةِ
فقالَ له : أريدُ أنْ أدخلَ معك على عائشةَ ؟؟
قالَ له : ولكنَّها لا تأذنُ لك !!!
قالَ : أدخلني في عباءتك - أي في بشتك - داخل العباءة ما تراني ، وأنا أتصرَّف ، لكنْ أدخلني في عباءتك .
فجاءَ يستأذنُ على عائشةَ رضيَ الله عنها .
قالتْ : مَنْ ؟
قالَ : فلان .
قالتْ :ادخلْ .
قالَ : أدخلُ كلِّي ؟
( لأنَّ معه عبد الله بن الزبير داخل عباءته ) .
قالتْ :نعم ادخلْ كلّك !!
فدخلَ .. فلمَّا دخلَ عليها خرجَ عبدُ الله بنُ الزُّبير مِنَ العباءةِ و ضمَّها وصارَ يبكي بين يديها .. فبكتْ رضيَ الله عنها ، وطلبَ منها أنْ تُسامحَه فسامحتْه رضيَ الله عنها .
ثم بعد ذلك أعتقتْ أربعين رقبةً تكفيراً لحلفِها الذي حلفتْ .
أربعين رقبةً أعتقتْها لوجهِ الله تباركَ وتعالى !!!
وكلُّنا يعرفُ قِصَّتَها المشهورةَ في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما اشترتْ بَرِيْرَةَ و أرادتْ أنْ تُعتقَها فاشترطوا عليها - أي أهلُ بَرِيْرَةَ الذين كانوا يملكونها -
قالتْ : أريدُ أنْ أعتقَها .
قالوا : نعم تعتقينها والولاءُ لنا .
فقالتْ :أسالُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فلمَّا سألتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن هذا الأمرِ وأنها تريدُ أنْ تشتريَ بَرِيْرَةَ وتعتقَها ولكنهم اشترطوا الولاءَ لهم .
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : قولي تمّ .. اشترطي لهمُ الولاءَ ، إنما الولاءُ لمنْ أعتقَ .
يعني هذا الشَّرط لا قيمةَ له .
لأنَّ الولاءَ لمنْ أعتقَ ، وأنتِ التي أعتقتِ .
هم باعوها وأخذوا ثمنَها كيف يريدون الولاءَ لهم ؟؟!!
فقالَ :اشترطي لهم .
ثم قامَ وقالَ صلَّى الله عليه وسلَّم :ما بالُ أقوامٍ يشترطون شروطاً ليستْ في كتابِ الله تباركَ وتعالى ؟ إنما الولاءُ لمنْ أعتقَ .
وأعتقتْها في زمنِ النبيِّ صلَّى الله عليه و آلهِ وسلَّم .
*- كانَ النَّاسُ يُهدون لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كثيراً ، وأكثرُ هذه الهدايا تكونُ في يومِ عائشةَ !!
لماذا ؟
لأنهم يعلمون أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا اليوم ؛ لا قولُ في قِمَّةِ السَّعادةِ ولكنْ سعيد صلَّى الله عليه وسلَّم .. يرتاحُ إذا جاءَ يومُ عائشةَ لأنه يحبُّها كثيراً صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكانَ النَّاسُ يعلمون ذلك .. يعلمون حُبَّ النبيِّ لعائشةَ ، بلِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُصَرِّحُ بذلك
كما في حديثِ عمرو بنِ العاص رضيَ الله عنه : مَنْ أحبُّ النَّاسِ إليكَ؟
قالَ : " عائشة " .
فهو يُعلنُ ذلك صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، فكانَ النَّاسُ يُهدون للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يومِ عائشةَ ما لا يُهدون له في غيرهِ مِنَ الأيَّام .
فشعرتْ نساءُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بشيءٍ مِنَ الضِّيقِ !!
لماذا يُهدي النَّاسُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكثرَ يومٍ في يومِ عائشةَ ؟؟!!
لماذا لا يُهدون له في كلِّ يومٍ ؟؟!!
فأرسلنَ إلى أمِّ سَلَمَةَ زوجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فقلنَ لها : إذا جاءكِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ليلتكِ فقولي له أنْ يأمرَ النَّاسَ أنْ يُهدوا له في كلِّ يومٍ .
فقالتْ : نعم .
فلمَّا جاءَها النبيُّ في ليلتِها قالتْ له ذلك الكلام فلم يردّ عليه صلَّى الله عليه وسلَّم ، سمعَ وسكتَ .
فلمَّا أصبحتِ النِّساءُ جِئْنَ إلى أمِّ سَلَمَةَ : ماذا قالَ لكِ ؟
قالتْ : ما ردَّ عليَّ شيئاً .
فقلنَ لها : إنْ جاءك في ليلتكِ القادمةِ - يعني بعد تسعةِ أيَّام - فأعيدي عليه الكلامَ .
قالتْ : أفعلُ .
فلمَّا جاءها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ليلتِها أعادتْ عليه الكلامَ وأعادَ السُّكوتَ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لم يردّ عليها بشيءٍ .
فسألنَها في الصَّباح ؟؟
فقالتْ : ما قالَ لي شيئاً .
فقلنَ لها : كلِّميه حتى يُكلِّمك .
فدارَ إليها فكلَّمته
فقالَ لها :لا تُؤذيني في عائشةَ ، فإنَّ الوحيَ لم يأتني وأنا في ثوبِ امرأةٍ إلا عائشة .
فقالتْ : أتوبُ إلى الله مِنْ أذاكَ يا رسولَ الله .
فذهبنَ إلى فاطمةَ بنتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورضيَ عنها ، فجاءتْ فاطمةُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو مع عائشةَ ، فدخلتْ عليه فاطمةُ ومعه عائشة
فقالتْ فاطمةُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم - وعائشةُ تسمعُ - : إنَّ نساءَك يَنْشُدْنَكَ العدلَ في ابنةِ أبي قحافة ؟
وفاطمةُ رضيَ الله عنها أكبرُ مِنْ عائشةَ بعشرِ سنواتٍ تقريباً ، يعني مِنْ حيثُ السِّنِّ
فقالتْ: إنَّ نساءَك ينشدنك العدلَ في ابنةِ أبي قحافة .
وليس المقصودُ أنَّ النبيَّ لا يعدلُ ولكنَّ المقصودَ كما قلتُ قبلَ قليلٍ قضيَّة الهدايا ، هدايا النَّاس ، أنْ يأمرَ النَّاسَ أنْ يُهدوا في كلِّ وقتٍ لأنَّ هذا أحزنَ نساءَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
فكانَ جوابُ النبيِّ لفاطمةَ رضيَ الله عنها : يا فاطمةُ أتحبِّين مَنْ أحبُّ؟
قالتْ : نعم .
قالَ :فأحبِّي هذه .
أي أحبِّي عائشةَ .
هكذا يعلِّم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ابنتَه ، فرجعتْ فاطمةُ إلى النِّساءِ
فقلنَ لها : ماذا قالَ لكِ ؟
قالتْ : قالَ لي كيتَ و كيتَ .
فقلنَ لها : ما صنعتِ شيئاً .
فأرسلنَ زينبَ بنتَ جحش - انظروا باركَ الله فيكم إلى الغيرة - وهؤلاء النِّساء يَغَرْنَ ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في النِّساءِ .
فأرسلنَ زينبَ بنتَ جحش ، فدخلتْ زينبُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه عائشة .
فقالتْ زينبُ كما قالتْ فاطمةُ : إنَّ نساءك ينشدنك العدلَ في ابنةِ أبي قحافة ؟
ثم تكلَّمتْ في عائشةَ أمامَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ...
انظروا كيف يتعامل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع نسائه ، يعني لو كانَ واحد منا الآن وتخاصمتِ النِّساءُ أمامَه الله العالم ماذا يصنعُ ؟؟ كثير منَ النَّاسِ يرى أنَّ مِنَ الرُّجولةِ أنْ يضربَ هذه ويضربَ هذه وأنْ يُسْكِتَ هذه ويُسْكِتَ هذه !!
لكنْ تعالَوا ننظر كيف صنعَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم سكتَ ولا تكلَّم ولا كلمة .
تقولُ عائشةُ :فسكتُّ
- يعني احتراماً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم -
فنظرتُ إليه هل يأذنُ لي أنْ أردَّ عليها أو لا يأذنُ ؟
فنظرتُ إليه فإذا هو ساكتٌ فعلمتُ أنه يرضى أنْ أردَّ .
تقولُ :فرددتُ عليها حتى أسكتُّها.
تقولُ :فضحكَ النبيُّ صلَّى الله عيه وسلَّم
وقالَ لزينب : " إنها ابنةُ أبي قحافة " .
هكذا كانَ يتعاملُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع مثلِ هذه الأمورِ التي تقعُ منَ النِّساءِ منَ الغيرةِ وغيرها .
يتبع بإذن الله ....