غريبة_48
07-22-2011, 09:06 PM
حقيقة الخلاف بين الصحابة في معركتي الجمل وصفين وقضية التحكيم (6)
تاسعًا: سيرة طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- واستشهاده:
هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القرشي التيمي(1), يجتمع مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرة بن كعب، ومع أبى بكر الصديق في تيم بن مرة، وعدد ما بينهم من الآباء سواء (2), وأمه – رضي الله عنه – الصعبة بنت الحضرمي امرأة من أهل اليمن وهي أخت العلاء بن الحضرمي(3), أسلمت ولها صحبة وظفرت بشرف الهجرة(4), وطلحة – رضي الله عنه – أحد العشرة الذين بُشّروا بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وأحد الستة أصحاب الشورى (5).
1- إسلامه وابتلاؤه وهجرته: قال طلحة بن عبيد الله: حضرت سوق بصرى، فإذا راهب في صومعته يقول: سلُوا أهل هذا الموسم، أفيهم أحد منْ أهل الحرم؟ قال طلحة: نعم، أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم ومهاجره إلى نَخْل، وحرّة(6) وسباخ (7), فإياك أن تُسبق إليه. قال طلحة: فوقع ما قال في قلبي، فخرجت سريعًا حتى قدمتُ مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين تنبأ، وقد تبعه ابن أبي قحافة. قال طلحة: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر، وقلت: أتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلقْ إليه، فادخل عليه، فاتّبعه، فإنه يدعو إلى الحق وإلى الخير. وأخبر طلحة أبا بكر بما قال الراهب، فخرج أبو بكر بطلحة، فدخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما قال الراهب، فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أسلم أبو بكر وطلحة بن عبيد الله، أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية، فشدّهما في حبل واحد، ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نوفل يُدعى أسد قريش، ولذلك سُمّي أبو بكر وطلحة القرينين (8), هذا وقد أوذي طلحة في الله، ولقي أذى كبيرًا من المشركين، ومن عشيرته الأقربين، وبقي طلحة – رضي الله عنه – صابرًا على الأذى والعذاب حتى أذن الله عز وجل بالهجرة، ولما ارتحل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مهاجرًا إلى المدينة لقيه طلحة قادمًا من الشام في عير، فكسا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب الشام، ثم مضى طلحة إلى مكة حتى فرغ من تجارته، ثم خرج بعد ذلك بآل أبي بكر؛ فهو الذي قدم بهم المدينة، فطلحة من المهاجرين الأوّلين – رضي الله عنهم- (9), ولما قدم المدينة آخى رسول الله بينه وبين أبي أيوب الأنصاري(10), وقيل كعب بن مالك الأنصاري، حين آخى بين المهاجرين والأنصار(11).
2- في غزوة بدر: كان طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، قد كُلف بتحسس عير قريش، وذلك لما تحيّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصول عير من الشام لقريش، فقد بعث صلى الله عليه وسلم طلحة وسعيد بن زيد، رضي الله عنهما، يأتيانه بالأخبار، فخرجا وبلغا الحوراء، فلم يزالا مقيمين هناك حتى مرّت العير، فتساحلت، فعادى إلى المدينة بالأخبار، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد خرج بالمسلمين في غزوة بدر فأسرعا لينضما إلى الجيش، إلاّ أنهما لم يدركا المعركة، وضرب لهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسهمهما وأجورهما، سهمًا كالمقاتلين، وأجرًا كالمجاهدين (12).
3- في غزوة أحد، أوجب طلحة رضي الله عنه: عن جابر قال: لما كان يوم أحد وولّى الناس كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ناحية في اثني عشر رجلاً منهم طلحة، فأدركه المشركون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن لِلقوم؟ قال طلحة: أنا. قال: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا، فقاتل حتى قُتل. ثم التفت صلى الله عليه وسلم، فإذا المشركون، فقال: مَن لهم؟ قال طلحة: أنا. قال: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا. قال: أنت، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله (طلحة) فقال: مَن لِلقوم؟ قال طلحة: أنا. فقاتل طلحة قتال الأحد عشر، حتى قُطعت أصابعه فقال: حسبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون». ثم رد الله المشركين (13) , وعند أحمد: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلت بسم الله لرأيت يُبنى لك بها بيت في الجنة وأنت حيّ في الدنيا»(14) , وعن قيس بن حازم قال: رأيت يد طلحة شلاّء وقى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد(15), وجُرح في تلك الغزوة تسعاً وثلاثين، أو خمساً وثلاثين وشُلّت إصبعه – أي السبابة والتي تليها -(16), وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة (17), وعن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا: جُرح أبونا يوم أُحد أربعًا وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شجةٌ مربعة، وقُطع نساه – يعني العرق – وشُلَّت إصبعه، وكان سائر الجراح في جسده وغلبه الغَشيُ – الإغماء – ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرجع به القهقرى؛ كلما أدركه أحد من المشركين، قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب(18), حتى قال عنه صلى الله عليه وسلم: «أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع» (19) .
4- شهيد يمشي على الأرض: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء، فتحرك. فقال رسول الله: «اسكنْ حراء فما عليك إلاّ نبي أو صديق أو شهيد»، وعليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص – رضي الله عنهم(20) – فلما علم طلحة بأنه سيموت شهيدًا وذلك بعد أن سمع تلك البشرى من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ظل يبحث عن شهادته في مظانها، فشهد المشاهد كلها مع النبي -صلى الله عليه وسلم- عدا غزوة بدر(21), فقد كان في مهمة كلفه بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما مرّ معنا، وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله»(22).
5- من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه: عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا لأعرابي جاء يسأل رسول الله عمن قضى نحبه من هو؟ فكانوا لا يجترئون على مسألته، يوقّرونه ويهابونه، قال: فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد – يعني طلحة – وعليّ ثياب خضر، فلما رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أين السائل عمّن قضى نحبه؟» قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. قال: «هذا ممن قضى نحبه» (23).
6- دفاعه عن إخوانه وإحسان الظن بهم: عن مالك بن أبي عامر، قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني، هو أعلم لحديث رسول الله منكم- يعني أبا هريرة – نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، قال: أما أن قد سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم نسمع، فلا أشك، وسأخبرك؛ إنّا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله غُدوة وعشية، وكان مسكينًَا لا مال له – أبو هريرة – إنما هو باب رسول الله، فلا أشك أنه قد سمع ما لم نسمع، وهل تجد أحدًا فيه خير يقول على رسول الله ما لم يَقُلْ (24) .
7- إنفاقه في سبيل الله: عن قبيصة بن جابر قال: صحبت طلحة، فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه(25) , وعن موسى عن أبيه طلحة أنه أتاه ماله من حضرموت سبعمائة ألف، فبات ليلته يتململ. فقال: ما ظنّ رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته؟ قالت: فأين أنت عن بعض أخلائك، فإذا أصبحت فادع بجفان وقصاع فقسّمه. فقال لها: رحمك الله إنك موفقة بنت موفق، وهي أم كلثوم بنت الصديق، فلما أصبح دعا بجفان، فقسّمها بين المهاجرين والأنصار، فبعث إلى عليّ منها بجفنة، فقالت له زوجته: أبا محمد، أما كان لنا في هذا المال من نصيب؟ قال: فأين كنت منذ اليوم؟ فشأنك بما بقي: قالت: فكانت صرة فيها نحو ألف درهم(26). وعن سُعدى بنت عوف المرية، قالت: دخلت على طلحة يومًا وهو خاثر (27)، فقلت: ما لك؟ لعل رابك من أهلك شيء؟ قال: لا والله، نعم خليلة المسلم أنتِ، ولكن مالٌ عندي قد غمنَّي. فقلت: ما يغُمُّك؟ عليك بقومك، قال: يا غلام ادعُ لي قومي، فقسّمه فيهم، فسألت الخازن، كم أعطى؟ قال: أربعمائة ألف (28), وعن الحسن البصري أن طلحة بن عبُيد الله باع أرضًا له بسبعمائة ألفٍ فبات أرقًا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرّقه (29), وعن عليّ بن زيد قال: جاء أعرابي إلى طلحة يسأله، فتقرب إليه برحم فقال: إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضًا قد أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف فاقبضها، وإن شئت بعتها من عثمان، ودفعت إليك الثمن فقال: الثمن، فأعطاه وكان رضي الله عنه لا يدع أحدًا من بنى تيم عائلاً إلاّ كفاه وقضى دينه، وكان يرسل لعائشة أم المؤمنين كل سنة بعشرة آلاف (30)، إنه طلحة الخير، وطلحة الفياض، وطلحة الجود(31) ، وقد سماه رسول الله بالفياض لسعة عطائه وكثرة إنفاقه في وجوه الخير، فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى موسى بن طلحة أن طلحة نحر جزورًا وحفر بئرًا يوم ذي قرد(32) ، فأطعمهم وسقاهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا طلحة الفياض». فسُمّي طلحة الفياض(33).
8- من فرائد أقواله ودُرَر جواهر كلامه: فمن أقواله: إن أقلّ عيب الرجل جلوسه في بيته (34)، ومما حفظ عنه قوله: الكسوة تظهر النّعمة، والإحسان إلى الخادم يكبت الأعداء (35). ولطلحة – رضي الله عنه – آراء ثاقبة وصحيحة في الناس، فكان لا يشاور بخيلاً في صلة ولا جبانًا في حرب (36) .
9- شهادة طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: لما حضر يوم الجمل واجتمع به عليّ فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف، فجاءه سهم غرب فوقع على ركبته، وقيل في رقبته، والأول أشهر، وانتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كاد يلقيه، وجعل يقول: إليّ عباد الله، فأدركه مولى له فركب وراءه، وأدخله البصرة فمات بدار فيها، ويُقال: إنه مات بالمعركة، وإن عليًا لمّا دار بين القتلى رآه فجعل يمسح عن وجهه التراب(37) ، ثم قال: عزيز عليّ أبا محمد أن أراك مُجندلاً في الأودية، ثم قال: إلى الله أشكو عُجري وبُجري(38)، وترحّم عليه وقال: ليتني مِتُّ قبل هذا بعشرين سنة (39)، ولا شك أن طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، من أهل الجنة، فقد روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعليّ في الجنة، وطلحة وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، والزبير وعبد الرحمن بن عوف في الجنة».ثم قال: وقد رُوي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو هذا (40)، ففي هذا الحديث منقبة واضحة لطلحة، رضي الله عنه؛ إذ شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل الجنة، وأكرِمْ بها من شهادة؛ فإنها تضمّنت الإخبار بسعادته في الدنيا والآخرة (41).
10- حفظ الله له بعد موته: إن الله حفظ جسد طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، بعد موته، فقد فُتح قبره بعد أكثر من ثلاثين عامًا، ونقلوه إلى مكان آخر، فلم يتغير منه إلاّ شعيرات في أحد شِقّي لحيته، فعن المثنى بن سعيد قال: أتى رجلٌ عائشة بنت طلحة فقال: رأيت طلحة في المنام فقال: قل لعائشة تحولني من هذا المكان، فإن النَّزَّ – الرطوبة أو الماء – قد آذاني. فركبت في حشمها، فضربوا عليه بناء واستثاروه. قال: فلم يتغير منه إلاّ شعيرات في أحد شِقّي لحيته، أو قال: رأسه، وكان بينهما بضع وثلاثون سنة (42)، فرضي الله عن طلحة وسائر الصحابة أجمعين.
11- سعد بن أبي وقاص يدعو على من يقع في عثمان وعليّ وطلحة والزبير رضي الله عنهم: عن سعيد بن المسيب أن رجلاً كان يقع في طلحة والزبير وعثمان وعليّ -رضي الله عنهم- فجعل سعد ينهاه ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى، فقام فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إن كان سخطًا لك فيما يقول، فأرني فيه اليوم آية واجعله عبرة، فخرج الرجل فإذا ببختي يشق الناس، فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته (43)والبلاط، فسحقه حتى قتله. قال سعيد بن المسيب: فأنا رأيت الناس يتبعون سعدًا ويقولون: هنيئًا لك أبا إسحاق. أُجيبت دعوتك (44) .
يتبع بإذن الله ...
تاسعًا: سيرة طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- واستشهاده:
هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القرشي التيمي(1), يجتمع مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرة بن كعب، ومع أبى بكر الصديق في تيم بن مرة، وعدد ما بينهم من الآباء سواء (2), وأمه – رضي الله عنه – الصعبة بنت الحضرمي امرأة من أهل اليمن وهي أخت العلاء بن الحضرمي(3), أسلمت ولها صحبة وظفرت بشرف الهجرة(4), وطلحة – رضي الله عنه – أحد العشرة الذين بُشّروا بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وأحد الستة أصحاب الشورى (5).
1- إسلامه وابتلاؤه وهجرته: قال طلحة بن عبيد الله: حضرت سوق بصرى، فإذا راهب في صومعته يقول: سلُوا أهل هذا الموسم، أفيهم أحد منْ أهل الحرم؟ قال طلحة: نعم، أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم ومهاجره إلى نَخْل، وحرّة(6) وسباخ (7), فإياك أن تُسبق إليه. قال طلحة: فوقع ما قال في قلبي، فخرجت سريعًا حتى قدمتُ مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين تنبأ، وقد تبعه ابن أبي قحافة. قال طلحة: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر، وقلت: أتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلقْ إليه، فادخل عليه، فاتّبعه، فإنه يدعو إلى الحق وإلى الخير. وأخبر طلحة أبا بكر بما قال الراهب، فخرج أبو بكر بطلحة، فدخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما قال الراهب، فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أسلم أبو بكر وطلحة بن عبيد الله، أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية، فشدّهما في حبل واحد، ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نوفل يُدعى أسد قريش، ولذلك سُمّي أبو بكر وطلحة القرينين (8), هذا وقد أوذي طلحة في الله، ولقي أذى كبيرًا من المشركين، ومن عشيرته الأقربين، وبقي طلحة – رضي الله عنه – صابرًا على الأذى والعذاب حتى أذن الله عز وجل بالهجرة، ولما ارتحل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مهاجرًا إلى المدينة لقيه طلحة قادمًا من الشام في عير، فكسا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب الشام، ثم مضى طلحة إلى مكة حتى فرغ من تجارته، ثم خرج بعد ذلك بآل أبي بكر؛ فهو الذي قدم بهم المدينة، فطلحة من المهاجرين الأوّلين – رضي الله عنهم- (9), ولما قدم المدينة آخى رسول الله بينه وبين أبي أيوب الأنصاري(10), وقيل كعب بن مالك الأنصاري، حين آخى بين المهاجرين والأنصار(11).
2- في غزوة بدر: كان طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، قد كُلف بتحسس عير قريش، وذلك لما تحيّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصول عير من الشام لقريش، فقد بعث صلى الله عليه وسلم طلحة وسعيد بن زيد، رضي الله عنهما، يأتيانه بالأخبار، فخرجا وبلغا الحوراء، فلم يزالا مقيمين هناك حتى مرّت العير، فتساحلت، فعادى إلى المدينة بالأخبار، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد خرج بالمسلمين في غزوة بدر فأسرعا لينضما إلى الجيش، إلاّ أنهما لم يدركا المعركة، وضرب لهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسهمهما وأجورهما، سهمًا كالمقاتلين، وأجرًا كالمجاهدين (12).
3- في غزوة أحد، أوجب طلحة رضي الله عنه: عن جابر قال: لما كان يوم أحد وولّى الناس كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ناحية في اثني عشر رجلاً منهم طلحة، فأدركه المشركون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن لِلقوم؟ قال طلحة: أنا. قال: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا، فقاتل حتى قُتل. ثم التفت صلى الله عليه وسلم، فإذا المشركون، فقال: مَن لهم؟ قال طلحة: أنا. قال: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا. قال: أنت، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله (طلحة) فقال: مَن لِلقوم؟ قال طلحة: أنا. فقاتل طلحة قتال الأحد عشر، حتى قُطعت أصابعه فقال: حسبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون». ثم رد الله المشركين (13) , وعند أحمد: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلت بسم الله لرأيت يُبنى لك بها بيت في الجنة وأنت حيّ في الدنيا»(14) , وعن قيس بن حازم قال: رأيت يد طلحة شلاّء وقى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد(15), وجُرح في تلك الغزوة تسعاً وثلاثين، أو خمساً وثلاثين وشُلّت إصبعه – أي السبابة والتي تليها -(16), وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة (17), وعن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا: جُرح أبونا يوم أُحد أربعًا وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شجةٌ مربعة، وقُطع نساه – يعني العرق – وشُلَّت إصبعه، وكان سائر الجراح في جسده وغلبه الغَشيُ – الإغماء – ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرجع به القهقرى؛ كلما أدركه أحد من المشركين، قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب(18), حتى قال عنه صلى الله عليه وسلم: «أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع» (19) .
4- شهيد يمشي على الأرض: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء، فتحرك. فقال رسول الله: «اسكنْ حراء فما عليك إلاّ نبي أو صديق أو شهيد»، وعليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص – رضي الله عنهم(20) – فلما علم طلحة بأنه سيموت شهيدًا وذلك بعد أن سمع تلك البشرى من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ظل يبحث عن شهادته في مظانها، فشهد المشاهد كلها مع النبي -صلى الله عليه وسلم- عدا غزوة بدر(21), فقد كان في مهمة كلفه بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما مرّ معنا، وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله»(22).
5- من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه: عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا لأعرابي جاء يسأل رسول الله عمن قضى نحبه من هو؟ فكانوا لا يجترئون على مسألته، يوقّرونه ويهابونه، قال: فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد – يعني طلحة – وعليّ ثياب خضر، فلما رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أين السائل عمّن قضى نحبه؟» قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. قال: «هذا ممن قضى نحبه» (23).
6- دفاعه عن إخوانه وإحسان الظن بهم: عن مالك بن أبي عامر، قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني، هو أعلم لحديث رسول الله منكم- يعني أبا هريرة – نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، قال: أما أن قد سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم نسمع، فلا أشك، وسأخبرك؛ إنّا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله غُدوة وعشية، وكان مسكينًَا لا مال له – أبو هريرة – إنما هو باب رسول الله، فلا أشك أنه قد سمع ما لم نسمع، وهل تجد أحدًا فيه خير يقول على رسول الله ما لم يَقُلْ (24) .
7- إنفاقه في سبيل الله: عن قبيصة بن جابر قال: صحبت طلحة، فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه(25) , وعن موسى عن أبيه طلحة أنه أتاه ماله من حضرموت سبعمائة ألف، فبات ليلته يتململ. فقال: ما ظنّ رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته؟ قالت: فأين أنت عن بعض أخلائك، فإذا أصبحت فادع بجفان وقصاع فقسّمه. فقال لها: رحمك الله إنك موفقة بنت موفق، وهي أم كلثوم بنت الصديق، فلما أصبح دعا بجفان، فقسّمها بين المهاجرين والأنصار، فبعث إلى عليّ منها بجفنة، فقالت له زوجته: أبا محمد، أما كان لنا في هذا المال من نصيب؟ قال: فأين كنت منذ اليوم؟ فشأنك بما بقي: قالت: فكانت صرة فيها نحو ألف درهم(26). وعن سُعدى بنت عوف المرية، قالت: دخلت على طلحة يومًا وهو خاثر (27)، فقلت: ما لك؟ لعل رابك من أهلك شيء؟ قال: لا والله، نعم خليلة المسلم أنتِ، ولكن مالٌ عندي قد غمنَّي. فقلت: ما يغُمُّك؟ عليك بقومك، قال: يا غلام ادعُ لي قومي، فقسّمه فيهم، فسألت الخازن، كم أعطى؟ قال: أربعمائة ألف (28), وعن الحسن البصري أن طلحة بن عبُيد الله باع أرضًا له بسبعمائة ألفٍ فبات أرقًا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرّقه (29), وعن عليّ بن زيد قال: جاء أعرابي إلى طلحة يسأله، فتقرب إليه برحم فقال: إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضًا قد أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف فاقبضها، وإن شئت بعتها من عثمان، ودفعت إليك الثمن فقال: الثمن، فأعطاه وكان رضي الله عنه لا يدع أحدًا من بنى تيم عائلاً إلاّ كفاه وقضى دينه، وكان يرسل لعائشة أم المؤمنين كل سنة بعشرة آلاف (30)، إنه طلحة الخير، وطلحة الفياض، وطلحة الجود(31) ، وقد سماه رسول الله بالفياض لسعة عطائه وكثرة إنفاقه في وجوه الخير، فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى موسى بن طلحة أن طلحة نحر جزورًا وحفر بئرًا يوم ذي قرد(32) ، فأطعمهم وسقاهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا طلحة الفياض». فسُمّي طلحة الفياض(33).
8- من فرائد أقواله ودُرَر جواهر كلامه: فمن أقواله: إن أقلّ عيب الرجل جلوسه في بيته (34)، ومما حفظ عنه قوله: الكسوة تظهر النّعمة، والإحسان إلى الخادم يكبت الأعداء (35). ولطلحة – رضي الله عنه – آراء ثاقبة وصحيحة في الناس، فكان لا يشاور بخيلاً في صلة ولا جبانًا في حرب (36) .
9- شهادة طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: لما حضر يوم الجمل واجتمع به عليّ فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف، فجاءه سهم غرب فوقع على ركبته، وقيل في رقبته، والأول أشهر، وانتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كاد يلقيه، وجعل يقول: إليّ عباد الله، فأدركه مولى له فركب وراءه، وأدخله البصرة فمات بدار فيها، ويُقال: إنه مات بالمعركة، وإن عليًا لمّا دار بين القتلى رآه فجعل يمسح عن وجهه التراب(37) ، ثم قال: عزيز عليّ أبا محمد أن أراك مُجندلاً في الأودية، ثم قال: إلى الله أشكو عُجري وبُجري(38)، وترحّم عليه وقال: ليتني مِتُّ قبل هذا بعشرين سنة (39)، ولا شك أن طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، من أهل الجنة، فقد روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعليّ في الجنة، وطلحة وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، والزبير وعبد الرحمن بن عوف في الجنة».ثم قال: وقد رُوي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو هذا (40)، ففي هذا الحديث منقبة واضحة لطلحة، رضي الله عنه؛ إذ شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل الجنة، وأكرِمْ بها من شهادة؛ فإنها تضمّنت الإخبار بسعادته في الدنيا والآخرة (41).
10- حفظ الله له بعد موته: إن الله حفظ جسد طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، بعد موته، فقد فُتح قبره بعد أكثر من ثلاثين عامًا، ونقلوه إلى مكان آخر، فلم يتغير منه إلاّ شعيرات في أحد شِقّي لحيته، فعن المثنى بن سعيد قال: أتى رجلٌ عائشة بنت طلحة فقال: رأيت طلحة في المنام فقال: قل لعائشة تحولني من هذا المكان، فإن النَّزَّ – الرطوبة أو الماء – قد آذاني. فركبت في حشمها، فضربوا عليه بناء واستثاروه. قال: فلم يتغير منه إلاّ شعيرات في أحد شِقّي لحيته، أو قال: رأسه، وكان بينهما بضع وثلاثون سنة (42)، فرضي الله عن طلحة وسائر الصحابة أجمعين.
11- سعد بن أبي وقاص يدعو على من يقع في عثمان وعليّ وطلحة والزبير رضي الله عنهم: عن سعيد بن المسيب أن رجلاً كان يقع في طلحة والزبير وعثمان وعليّ -رضي الله عنهم- فجعل سعد ينهاه ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى، فقام فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إن كان سخطًا لك فيما يقول، فأرني فيه اليوم آية واجعله عبرة، فخرج الرجل فإذا ببختي يشق الناس، فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته (43)والبلاط، فسحقه حتى قتله. قال سعيد بن المسيب: فأنا رأيت الناس يتبعون سعدًا ويقولون: هنيئًا لك أبا إسحاق. أُجيبت دعوتك (44) .
يتبع بإذن الله ...