أبو عبدالله الحربي
06-22-2003, 01:32 PM
لنا صديق عن ذكر سيرة الزواج عزوف، لا يحتمل ما يكون حولها من جد أو مزاح، يتملل في المجلس الذي تذكر فيه، بل ربما فارقه وزايله، وإن شارك شارك بمثل قول القائل:
إن صحّ عقلك فالتفرد نعــمةٌ"="ونوى الأوانس غاية الإيـناس
أبلست من وسواس حُليٍ خلـته"="إبليس وسوس في صدور الناس
ما شمت من شيماء قط وهل نأت"="خنـساء عن شيطانها الخنـاس
فلما كثرت عليه التساؤلات، ولاحظ من بعضنا علامات الاستغراب، كتب كاشفاً عن آفته، مبيناً علة تصرفه، فقال:
يا عاذل المشـتاق دعه فإنه"="يطوي على الزفرات غير حشاكا
لــو كان قلبك قلبه ما لمته"="حاشـــاك مما عنده حاشاكا
إخوتي: لست ممن تسطو عليه نزوته، أو تطغى عليه شهوته، فيطلب هذا الأمر نزقاً وشبقاً، فما عرف الهوى من عشق صورة، وجهل معنى الحب من تعلق بجسد، فما الملامح والقسمات إلا عرض زائل، وظاهر متغير حائل.
إن حباً للملامح ليس إلا ترهات ليس صدقاً"="في المشاعر أن تحب القسمات
ما ترى القلب بفاعل إن تقضت سنوات"="أتراه واجداً للحب بعضاً من رفات؟
كلا، فهاك أخي صفة من أهوى، وسأسهب قدر الإمكان، مفصحاً عما في القلب والجنان، مجتنباً ما يلهب غيرتي ويستثير حفيظتي، ومع ذلك سأحتفظ بجانب لا أبديه وسرٍ لا أفشيه.
بيننا عهدٌ على أن لنا"="موعداً نلقى به من نصف
غير أن الشرط في الوفاء"="إبقاؤنا للسر في الخفاء
فانظر أخي إليها؛ بل إياك إياك، أفقأ عينك وأقطع رأسك.
ها هي ذي: تخطو في تؤدة، وتجر ذيلها في سكينة، تنطق في خفاء، وتمشي على استحياء، تنظر إلى الأرض ولا تجيل طرفها في السماء
لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعها"="إذا ما مشت ولا بذات تلفُّتِ
كأنَّ لها في الأرض نسياً تقصه"="على أمِّـها وإن تكـلَّمك تبلِتِ
فنفسها تقية وطويتها نقية، أما أخلاقها:
فعدد وقل ما شئت من فضائل"="تجد خلالاً فوق وصف الواصف
تسدل ثوبها من كل جانب، وتخفي مفاتنها إخفاء غيرها للمعايب، ومع ذلك؛ يشع حسنها من وراء الحجاب، ولها من ألق الطهر هالةٌ من سحاب، تنطق فضائلها وتصرخ أن هيت لك وإن غلقت الأبواب.
ظاهرها عن باطنها ينبئ، صدف ومحار ولؤلؤ ومرجان، تسفر في خلوتها عن وجهٍ قد صبغته براءة الأطفال، وانعكست عليه محاسن النفس والجنان.
كأنّ البدر ليلة أربعٍ وعشرٍ"="عليه ناصلاً قد تهمما
قارئة للقرآن، عابدةٌ مخبتة لربها الرحمن، تحث زوجها على الطاعات وتؤزُّه إلى القربات. لم تستخفها أحلام بنات جنسها الطائشة، أو تستحوذها أعراض الدنيا الزائلة.
فهمـها في العلا والعز ناشئةً"="وهمُّ لداتها في الحُلي والذهب
فأين من كانت الزهراء قدوتها"="ممن تقفّت خطى حمالة الحطب
تُتخذ جليسة، وما كانت في يوم للصٍ من لصوص الأعراض أنيسة، حصان رزان، وقرّة الدار.
تشتاقها جاراتـها فيزرنهـــا"="وتعتل عن إتيانهن وتعـذر
وليست من اللاتي يكون حديثها على عتبات الحيِّ أمّا وإنما
همتها لا كهمة ربات الحجال (الملبس والزينة، والمركب والعِينة) بل همة نفوس ترتقي سلم الكمال، تتعلق الثريا وتراها قريبة المنال.
لها نفسٌ تحلُّ بها الروابي"="وتأبى أن تحلَّ بها الوهادا
الحياء لها سجية، والصدق فرعٌ عن شجرةٍ من الأخلاق الزكية، قنوعٌ خَضوع، وليس في صوتها خُضوع، هي لزوجها أمةٌ مطيعة، لسانها له بالشكر يلهج، قليله في نظرها كثير، وعينها عنه لا تزيغ، أبواه بمنزلة السيدين، وبنوه قرَّةُ العينين، فهو في حسِّها جنتها ونارها، تسهر على راحته، وتنصب في حاجته، وتصبر على شدته:
جعلت من الصبر الجميل غذاءها"="ورأت رضا الزوج الكريم رضاها
فـمها يرتل آي ربك بينمــا "="يدها تدير على الشعـير رحاها
بلّت وسادتهـا لآلئ دمعــها "="من طـول خشيتها ومن تقواها
فهي في رعايتها لزوجها خديجة، وفي صبرها على شدة العيش معه أسماء، وفي حسن التبعل له والفهم عنه عائشة، وفي القيام بحقه وواجبه فاطمة (رضي الله عنهن أجمعين).
إن نطقت فهي الأديبة الأريبة، أو صمتت فالوقار لها دثار، والحسن لها خمار: (والسحر في صمتٍ تدفق حرفه قـــد نمَّ عن عقلٍ وفطنة)
وحديثـها السحر الحلال لو أنه"="لم يجن قتل المسلم المتحــرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت"="ودّ المحـدَّثُ أنها لـم توجز
تفهم عني دونما كلمات، وأفهم عنها وتغنينا النظرات، تتوافق أهواؤنا، وتتحد آمالنا، بل وتتشابه في المنام أحلامنا:
روحها روحي وروحي روحها"="ولهـا قلبٌ وقلـبي قلبها
فلنا روحٌ وقـلبٌ واحــدٌ "="حسبها حسبي وحسبي حسبها
إن رأت مني ما لا يحمد؛ أحسنت الإشارة والتنبيه عليه، بأدبٍ جم وحياءٍ وفير وإشارةٍ لطيفة، وكأنها من قارف الخطأ
يا حبذا صنوٌ لروحي إن رأت"="عيباً خفياً من خصالي أو خلل
كان المقضُّ لنومها، أرقاً يساكن"="ليلها، هماً يجافيه الملل
وتشير لي أن ربما ولعلّ مــا"="وكأنها قد قارفت خطباً جلل
أما إن كانت المخطئة وحاشاها، سارعت بالاعتذار، وطلب الصفح والغفران، ولم يغمض لها جفنٌ إلا ويدها في يدي تقول: لا أذوق غمضاً ولا أهنأ بنومٍ حتى ترضى.
فيّ قصورٌ تعمل على تكميله، وفتورٌ هي عونٌ على نفيه، أجد منها حنوَّ الأم على صغيرها، وصبر الوالدة على لأواء طفلها، تشحذ همتي إلى كل فضيلة، وتسابقني إلى قطاف كل حميدة، لا ترى في الدنيا سواي، ولا يجنح لحظها طرفة عينٍ إلى غيري، فهي توأم روحي ونصفي المفقود.
هذه يا أخي هي آهة قلبي وعلة نفسي، بعضٌ من سري المكنون، وهواي المدفون
فرفقاً بنفسٍ شوقها قد شاقها"="يا حبذا الوادي الذي قد شاقها
وفي رفع الأكف بالدعاء عزاء، وفي أمل إجابته سلوةٌ ورجاء:
(رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً).
وراد مدني
إن صحّ عقلك فالتفرد نعــمةٌ"="ونوى الأوانس غاية الإيـناس
أبلست من وسواس حُليٍ خلـته"="إبليس وسوس في صدور الناس
ما شمت من شيماء قط وهل نأت"="خنـساء عن شيطانها الخنـاس
فلما كثرت عليه التساؤلات، ولاحظ من بعضنا علامات الاستغراب، كتب كاشفاً عن آفته، مبيناً علة تصرفه، فقال:
يا عاذل المشـتاق دعه فإنه"="يطوي على الزفرات غير حشاكا
لــو كان قلبك قلبه ما لمته"="حاشـــاك مما عنده حاشاكا
إخوتي: لست ممن تسطو عليه نزوته، أو تطغى عليه شهوته، فيطلب هذا الأمر نزقاً وشبقاً، فما عرف الهوى من عشق صورة، وجهل معنى الحب من تعلق بجسد، فما الملامح والقسمات إلا عرض زائل، وظاهر متغير حائل.
إن حباً للملامح ليس إلا ترهات ليس صدقاً"="في المشاعر أن تحب القسمات
ما ترى القلب بفاعل إن تقضت سنوات"="أتراه واجداً للحب بعضاً من رفات؟
كلا، فهاك أخي صفة من أهوى، وسأسهب قدر الإمكان، مفصحاً عما في القلب والجنان، مجتنباً ما يلهب غيرتي ويستثير حفيظتي، ومع ذلك سأحتفظ بجانب لا أبديه وسرٍ لا أفشيه.
بيننا عهدٌ على أن لنا"="موعداً نلقى به من نصف
غير أن الشرط في الوفاء"="إبقاؤنا للسر في الخفاء
فانظر أخي إليها؛ بل إياك إياك، أفقأ عينك وأقطع رأسك.
ها هي ذي: تخطو في تؤدة، وتجر ذيلها في سكينة، تنطق في خفاء، وتمشي على استحياء، تنظر إلى الأرض ولا تجيل طرفها في السماء
لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعها"="إذا ما مشت ولا بذات تلفُّتِ
كأنَّ لها في الأرض نسياً تقصه"="على أمِّـها وإن تكـلَّمك تبلِتِ
فنفسها تقية وطويتها نقية، أما أخلاقها:
فعدد وقل ما شئت من فضائل"="تجد خلالاً فوق وصف الواصف
تسدل ثوبها من كل جانب، وتخفي مفاتنها إخفاء غيرها للمعايب، ومع ذلك؛ يشع حسنها من وراء الحجاب، ولها من ألق الطهر هالةٌ من سحاب، تنطق فضائلها وتصرخ أن هيت لك وإن غلقت الأبواب.
ظاهرها عن باطنها ينبئ، صدف ومحار ولؤلؤ ومرجان، تسفر في خلوتها عن وجهٍ قد صبغته براءة الأطفال، وانعكست عليه محاسن النفس والجنان.
كأنّ البدر ليلة أربعٍ وعشرٍ"="عليه ناصلاً قد تهمما
قارئة للقرآن، عابدةٌ مخبتة لربها الرحمن، تحث زوجها على الطاعات وتؤزُّه إلى القربات. لم تستخفها أحلام بنات جنسها الطائشة، أو تستحوذها أعراض الدنيا الزائلة.
فهمـها في العلا والعز ناشئةً"="وهمُّ لداتها في الحُلي والذهب
فأين من كانت الزهراء قدوتها"="ممن تقفّت خطى حمالة الحطب
تُتخذ جليسة، وما كانت في يوم للصٍ من لصوص الأعراض أنيسة، حصان رزان، وقرّة الدار.
تشتاقها جاراتـها فيزرنهـــا"="وتعتل عن إتيانهن وتعـذر
وليست من اللاتي يكون حديثها على عتبات الحيِّ أمّا وإنما
همتها لا كهمة ربات الحجال (الملبس والزينة، والمركب والعِينة) بل همة نفوس ترتقي سلم الكمال، تتعلق الثريا وتراها قريبة المنال.
لها نفسٌ تحلُّ بها الروابي"="وتأبى أن تحلَّ بها الوهادا
الحياء لها سجية، والصدق فرعٌ عن شجرةٍ من الأخلاق الزكية، قنوعٌ خَضوع، وليس في صوتها خُضوع، هي لزوجها أمةٌ مطيعة، لسانها له بالشكر يلهج، قليله في نظرها كثير، وعينها عنه لا تزيغ، أبواه بمنزلة السيدين، وبنوه قرَّةُ العينين، فهو في حسِّها جنتها ونارها، تسهر على راحته، وتنصب في حاجته، وتصبر على شدته:
جعلت من الصبر الجميل غذاءها"="ورأت رضا الزوج الكريم رضاها
فـمها يرتل آي ربك بينمــا "="يدها تدير على الشعـير رحاها
بلّت وسادتهـا لآلئ دمعــها "="من طـول خشيتها ومن تقواها
فهي في رعايتها لزوجها خديجة، وفي صبرها على شدة العيش معه أسماء، وفي حسن التبعل له والفهم عنه عائشة، وفي القيام بحقه وواجبه فاطمة (رضي الله عنهن أجمعين).
إن نطقت فهي الأديبة الأريبة، أو صمتت فالوقار لها دثار، والحسن لها خمار: (والسحر في صمتٍ تدفق حرفه قـــد نمَّ عن عقلٍ وفطنة)
وحديثـها السحر الحلال لو أنه"="لم يجن قتل المسلم المتحــرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت"="ودّ المحـدَّثُ أنها لـم توجز
تفهم عني دونما كلمات، وأفهم عنها وتغنينا النظرات، تتوافق أهواؤنا، وتتحد آمالنا، بل وتتشابه في المنام أحلامنا:
روحها روحي وروحي روحها"="ولهـا قلبٌ وقلـبي قلبها
فلنا روحٌ وقـلبٌ واحــدٌ "="حسبها حسبي وحسبي حسبها
إن رأت مني ما لا يحمد؛ أحسنت الإشارة والتنبيه عليه، بأدبٍ جم وحياءٍ وفير وإشارةٍ لطيفة، وكأنها من قارف الخطأ
يا حبذا صنوٌ لروحي إن رأت"="عيباً خفياً من خصالي أو خلل
كان المقضُّ لنومها، أرقاً يساكن"="ليلها، هماً يجافيه الملل
وتشير لي أن ربما ولعلّ مــا"="وكأنها قد قارفت خطباً جلل
أما إن كانت المخطئة وحاشاها، سارعت بالاعتذار، وطلب الصفح والغفران، ولم يغمض لها جفنٌ إلا ويدها في يدي تقول: لا أذوق غمضاً ولا أهنأ بنومٍ حتى ترضى.
فيّ قصورٌ تعمل على تكميله، وفتورٌ هي عونٌ على نفيه، أجد منها حنوَّ الأم على صغيرها، وصبر الوالدة على لأواء طفلها، تشحذ همتي إلى كل فضيلة، وتسابقني إلى قطاف كل حميدة، لا ترى في الدنيا سواي، ولا يجنح لحظها طرفة عينٍ إلى غيري، فهي توأم روحي ونصفي المفقود.
هذه يا أخي هي آهة قلبي وعلة نفسي، بعضٌ من سري المكنون، وهواي المدفون
فرفقاً بنفسٍ شوقها قد شاقها"="يا حبذا الوادي الذي قد شاقها
وفي رفع الأكف بالدعاء عزاء، وفي أمل إجابته سلوةٌ ورجاء:
(رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً).
وراد مدني