المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة : فوائد وفرائد في إطالة العمر



المشكدانة
07-04-2003, 11:23 PM
سلسلة : فوائد وفرائد في إطالة العمر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد ،،،،
فأقدم لقراء المنتدى الكرام هذه السلسلة باقتراح مبارك من الأخ المشرف أبي عبد الله الحربي ، وهي عبارة عن :
ملخص لكتاب : كيف تطيل عمرك الإنتاجي ؟
تأليف محمد بن إبراهيم النعيم
قدم له فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن غانم السدلان
والشيخ عبدالرحيم بن إبراهيم الهاشم ،،،
فأرجو من الله التوفيق في عملي هذا وأن ينفع به الجميع في الدنيا والآخرة .
وأرجو من القراء الكرام ملاحظة أني حال تخريج الأحاديث فإني اختصرت تخريج المؤلف كذلك فلم أذكر إلا مصدر أو اثنين مما ذكر


* والكتاب المذكور يتكون من ثلاثة فصول ، بدأ المؤلف – وفقه الله – ببيان أهمية الموضوع وأن الهدف الذي من أجله خلق الإنسان هو عبادة الرحمن وعصيان الهوى والشيطان والحرص على استثمار الأوقات المحدودة بالعمل الصالح الذي يرفع من درجاته في الجنة وكسب أكبر قدر ممكن من الحسنات فإذا كان كذلك دعا الله جل وعلا أن يطيل عمره وأن يحسن عمله فقد قال صلى الله عليه وسلم لرجل سأله : أي الناس خير ؟ فقال صلى الله عليه وسلم " من طال عمره وحسن عمله " [ صححه الألباني في صحيح الجامع 3297] .
وأما إذا خشي في حياته الفتنة فيدعو بدعائه صلى الله عليه وسلم " اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك " [ صحيح الجامع 59 ] .
وهذا لا يعارض قوله صلى الله عليه وسلم " لا يتمنى أحدكم الموت ، إما محسنا فلعله يزداد ، وإما مسيئا فلعله يستعتب " [رواه البخاري] ، فتمني الموت مباح عند حصول ضرر يفتن في الدين ، قال صلى الله عليه وسلم " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لابد متمنيا للموت فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي [ متفق عليه]
· ثم بين المؤلف أن متوسط الزمن الإنتاجي للإنسان قد لا يتجاوز عشرين سنة من عمره الكلي لأن متوسط أعمار أمة محمد ما بين ستين إلى سبعين ، فثلث العمر يقضيه ابن آدم في النوم وخمسة عشر سنة من عمره غير مكلف غالبا بالإضافة إلى ما يمضي من عمره في المباحات والأمور الملحة ، فلا يبقى إلا الثلث من عمره تقريبا فأصبح من الضرورة الأخذ بالأسباب المطيلة للعمر لزيادة عمره الإنتاجي .

" وهنا لي وقفة .. وهي التذكير بأن الإنسان يمكنه أن يسعى في الحفاظ على عمره وذلك بإصلاح النية واحتساب الأجر حتى في النوم وسائر أموره المباحة وإن كانت شهوات كما دلت على ذلك السنة وقد كان من السلف من يقول إني لأحتسب نومتي وقومتي ، وذلك بأن يجعل له فيها نية صالحة فإن النية شأنها عظيم وقدرها جليل ، وبذلك يكون عمره كله له لا عليه بإذنه تعالى " [ هذه الفقرة من إضافتي ]
* ثم شرع المؤلف في بيان مفهوم إطالة العمر وذكر قوله صلى الله عليه وسلم " من أحب أن يُبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " [ متفق عليه ]
ثم سرد أقوال العلماء في معنى إطالة العمر الواردة في الحديث وهي كما يلي :
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى " والأثر : الأجل ، لأنه تابع للحياة في أثرها وبسط الرزق : توسيعه وكثرته ، وقيل : البركة فيه ، وأما التأخير في الأجل ففيه سؤال مشهور ، وهو أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " [ الأعراف 34] وأجاب العلماء بأجوبة الصحيح منها : أن هذه الزيادة بالبركة في عمره ، والتوفيق للطاعات ، وعمارة أوقاته بما ينفعه بما ينفعه في الآخرة ، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك .
والثاني : أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك ، فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه ، فإن وصلها زيد له أربعون وقد علم الله سبحانه وتعالى ما سيقع له من ذلك وهو من معنى قوله تعالى " يمحو الله ما يشاء ويثبت " [الرعد 39] فيه النسبة إلى علم الله تعالى وما سبق به قدره ولا زيادة بل هي مستحيلة ، وبالنسبة إلى ماظهر للمخلوقين تتصور الزيادة وهو مراد الحديث .
والثالث : أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت ، حكاه القاضي وهو ضعيف أو باطل والله أعلم " [ صحيح مسلم بشرح النووي 16/114]
وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى : وأما قوله تعالى : " وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ...." [فاطر 11] فقد قيل أن المراد الجنس أي ما يعمر من عمر إنسان ولا ينقص من عمر إنسان ، ثم التعمير والتقصير يراد به شيئان : أحدهما أن هذا يطول عمره وهذا يقصر عمره ، فيكون تقصيره نقصا له بالنسبة إلى غيره كما أن التعمير زيادة بالنسبة إلى آخر
وقد يراد بالنقص : النقص من العمر المكتوب ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" وقد قال بعض الناس : أن المراد به البركة في العمر بأن يعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيره في الكثير ، قالوا لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان فيقال لهؤلاء تلك البركة ـ وهي الزيادة في العمل والنفع ـ هي أيضا مقدرة مكتوبة وتتناول لجميع الأشياء ، والجواب المحقق : أن الله يكتب للعبد أجلا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه إياهم فرأى فيهم رجلا له بصيص ، فقال : من هذا يا رب ؟ فقال ابنك داود ، قال : فكم عمره ؟ قال : أربعون سنة ، قال : وكم عمري ؟ قال : ألف سنة ، قال فقد وهبت له من عمري ستين سنة ، فكُتب عليه كتاب وشهدت عليه الملائكة ، فلما حضرته الوفاة قال : قد بقي من عمري ستون سنة ، قالوا : وهبتها لابنك داود ، فأنكر ذلك فأخرجوا الكتاب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته " [صححه الألباني في صحيح الجامع 5209]
وروي أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره ، فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين ، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال " اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت " والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله ، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها فلهذا قال العلماء أن المحو والإثبات في صحف الملائكة ، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالما به فلا محو فيه ولا إثبات ... ا. هـ ، وقال في موضع آخر " والأجل أجلان : أجل مطلق يعلمه الله وأجل مقيد ، وبهذا يتبين معنى قوله صلى الله عليه وسلم " من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلا وقال " إن وصل رحمه زدته كذا وكذا " والملك لا يعلم أيزداد أم لا لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر " ا . هـ [ مجمع الفتاوى لابن تيمية ]
وقال ابن حجر رحمه الله تعالى : " قال ابن التين : ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " [سورة الأعراف 34] والجمع بينهما من وجهين :
أحدهما أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفع في الآخرة ، وصيانته عن تضييعه في غير ذلك .
ومثل هذا ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم فأعطاه الله ليلة القدر ، وحاصله أن صلة الرحم تكون سببا للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل ، فكأنه لم يمت ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده والصدقة الجارية عليه والخلف الصالح .
ثانيهما : أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر ، أما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى كأن يقال للملك مثلا : إن عمر فلان مائة مثلا إن وصل رحمه وستون إن قطعها وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر ، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة و النقص ، وإليه الإشارة بقوله تعالى " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب [الرعد 39] فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى فلا محو فيه البتة ، ويقال له القضاء المبرم ، ويقال للأول القضاء المعلق ، والوجه الأول أليق بلفظ حديث الباب ، فإن الأثر ما يتبع الشيء ، فإذا أخر حسُن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور ، وقال الطيبي : الوجه الأول أظهر ... الخ ، ا هـ [ فتح الباري 10/429]
هذا ما يسر الله لي ، وكونوا معي لنعرف رأي العلماء المعاصرين في هذه المسألة بعد أن علمنا رأي الأوائل منهم ،،،،
أترككم في حفظ الله ورعايته ،،، وإلى لقاء قريب ،،، السلام عليكم

أبو عبدالله الحربي
07-05-2003, 01:42 PM
يثبت الموضوع لعظم الفائدة

جزاكم الله خيرا واصلوا سلمكم الله

أبو محمد جميل
07-06-2003, 03:06 AM
الأخت الفاضلة : المشكدانة

جزاك الله خيراً وجعله في ميزان حسانتك

ونفعنا بما تكتبي ... ورزقنا وإياك العمل الصالح

المشكدانة
07-10-2003, 01:39 PM
السلام عليكم ،،،
جزيتما أخواي الكريمان كل خير ، أسأل الله لي ولكما الثبات على الحق حتى آخر العمر ، وإليكما وإلى جميع أعضاء المنهج ...
الحلقة الثانية :
***************
الحمد لله والصلاة والسلام على حبيبه ومصطفاه أما بعد ، فنكمل ما قد بدأناه من تلخيص الكتاب وقد وعدناكم في ذكر أقوال العلماء المعاصرين في معنى قوله صلى الله عليه وسلم " من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه "
وممن كتب منهم في هذه المسألة علامة الشام الألباني ، قال رحمه الله " فالحديث على ظاهره ، أي أن الله جعل بحكمته صلة الرحم سببا شرعيا لطول العمر وكذلك حسن الخلق وحسن الجوار كما في بعض الأحاديث الصحيحة ، ولا ينافي ذلك ما هو معلوم من الدين بالضرورة أن العمر مقطوع به لأن هذا بالنظر للخاتمة تماما كالسعادة والشقاوة فهما مقطوعتان بالنسبة للأفراد فشقي أو سعيد ، فمن المقطوع به أن السعادة والشقاوة منوطتان بالأسباب شرعا كما قال صلى الله عليه وسلم " اعملوا فكل ميسر لما خلق له فمن كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة " ثم قرأ صلى الله عليه وسلم " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى " فكما أن الايمان يزيد وينقص وزيادته الطاعة ونقصانه المعصية وأن ذلك لا ينافي ما كتب في اللوح المحفوظ فكذلك العمر يزيد وينقص بالنظر إلى الأسباب فهو لا ينافي ما كتب في اللوح المحفوظ أيضا ، فتأمل هذا فإنه مهم جدا في حل مشاكل كثيرة ولهذا جاء في الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة الدعاء بطول العمر" ا.هـ ( صحيح الأدب المفرد )
أما الشيخ محمد العثيمين فقد قال : " ليس معنى ذلك أن الانسان يكون له عمران : عمر إذا وصل رحمه وعمر إذا لم يصل ، بل العمر واحد والمقدر واحد ، والانسان الذي قدر الله له أن يصل رحمه سوف يصل رحمه ، والذي قدر الله أن يقطع رحمه سوف يقطع رحمه ولا بد ، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام ؟أراد أن يحث الأمة على فعل ما فيه الخير ، كما تقول من أحب أن يأتيه ولد فليتزوج ، فالزواج مكتوب والولد مكتوب فإذا كان الله قد أراد أن يحصل لك ولد أراد لك أن تتزوج ومع هذا فإن الزواج والولد كلاهما مكتوب ، كذلك هذا الرزق مكتوب من الأصل ومكتوب أنك ستصل رحمك ، لكنك أنت لا تعلم عن هذا فحثك النبي صلى الله عليه وسلم عليه وبين لك أنك إذا وصلت الرحم فإن الله يبسط لك في الرزق ، وينسأ لك في الأثر وإلا فكل شيء مكتوب لكن لما كانت صلة الرحم أمرا ينبغي للإنسان أن يقوم به ، حث النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك بأن الانسان إذا أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره فليصل رحمه ، وإلا فإن الواصل قد كتبت صلته وكتب أن يكون عمره إلى حيث أراد الله عزوجل ، ثم اعلم أن امتداد الأجل وبسط الرزق أمر نسبي ولهذا نجد بعض الناس يصل رحمه ويبسط له في رزقه بعض الشيء ولكن عمره يكون قصيرا وهذا مشاهد ، فنقول هذا الذي كان عمره قصيرا مع كونه واصلا للرحم لو لم يصل رحمه لكان عمره أقصر ، ولكن الله قد كتب في الأزل أن هذا الرجل سيصل رحمه وسيكون منتهى عمره في الوقت الفلاني " ا.هـ ( المجموع الثمين من فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين )
فنخلص مما سبق إلى أن أقوال العلماء في تفسير معنى الإطالة في العمر ثلاثة أقوال * البركة * الإطالة الحقيقية * الذكر الجميل بعد الموت .
ثم تطرق المؤلف إلى مسألة أخرى وهي هل يجوز الدعاء بطول العمر ؟ وبين اختلاف رأي العلماء فيها على قولين : الإباحة والمنع ومن أهم أدلة المانعين ماروته أم حبيبة رضي الله عنها أنها قالت : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة لن يعجل شيئا منها قبل حله أو يؤخر شيئا عن حله ، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل .." رواه مسلم والامام أحمد ، وغير ذلك من آراء العلماء وأقوال أئمة السلف المأثورة في عدم استحباب الدعاء بإطالة العمر.
وأما المبيحون فدليلهم ما رواه البخاري عن أنس قال ، قالت أمي : يا رسول الله ، خادمك أنس ادع الله له ، قال " اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما أعطيته " وبوب له بلفظ :" باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله " ، وذلك على الصحيح إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه ، ثم نقل من أقوال أهل العلم المبيحين لذلك أذكر منها قول الإمام الألباني والعلامة العثيمين إتماما للفائدة
قال الألباني رحمه الله عند تعليقه على حديث أنس : ففيه جواز الدعاء للإنسان بطول العمر ، كما هي العادة في بعض البلاد العربية خلافا لقول بعض العلماء ، ويؤيده أنه لا فرق بينه وبين الدعاء بالسعادة ونحوها ، إذ أن كل ذلك مقدر ، فتأمل . ا . هـ (سلسلة الأحاديث الصحيحة 5 / 288) .
وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن حكم قول : " أطال الله بقاءك ، طال عمرك " ؟ فأجاب قائلا : لا ينبغي أن يطلق القول بطول البقاء ، لأن طول البقاء قد يكون خيرا وقد يكون شرا ، فإن شر الناس من طال عمره وساء عمله ، وعلى هذا فلو قال أطال الله بقاءك على طاعته ونحوه فلا بأس بذلك .ا.هـ ( المناهي اللفظية ص 9 ،10 )
ثم لخص المؤلف القول في المسألة بجواز الدعاء بطول العمر وأنّ الأولى تركه واقتصار الدعاء على النجاة من النار وعذاب القبر والفوز بالجنة ، وإذا ما دعا المسلم بطول العمر ضم إلى ذلك طلب البركة فيه والصيانة كما قرره العلماء ، والله أعلم ، ثم شرع في الفصل الثاني من الكتاب في بيان الأعمال المطيلة للعمر ، وهذا هو موضوع الحلقة القادمة بإذن الله تعالى فكونوا معنا ،،، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،

المشكدانة
07-17-2003, 10:53 AM
الحلقة الثالثة :

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأصلي وأسلم على رسوله وآله وصحبه أجمعين وبعد فنكمل أيها الأخوة والأخوات ما وقفنا عنده في الحلقة الماضية وهو أن المؤلف بدأ ببيان الأعمال المطيلة للأعمار ، وقسم هذا الفصل إلى أربعة مباحث وجعل المبحث الأول في : إطالة العمر بالأخلاق الفاضلة ،،، بيّن فيه أن المسلم يمكنه إطالة عمره بالحرص على بعض خصال البر والخير التي تدور حول فن التعامل مع الناس وأخبر صلى الله عليه وسلم أنها تطيل العمر وهي :
أولا : صلة الرحم :
دلل عل ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم " من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه " [ ومعنى يُنسأ : يؤخر ]
وقوله صلى الله عليه وسلم " صلة الرحم تزيد في العمر "[صححه الألباني في صحيح الجامع 3766]
ثم بين أن الله جل وعلا دعا عباده إلى صلة أرحامهم في تسع عشرة آية من كتابه الكريم ، وأنذر من قطع رحمه باللعن والعذاب في ثلاث آيات لذا دأب السلف على صلة أرحامهم بينما قصر الناس في ذلك الآن مع أن أدنى الصلة السلام ، قال صلى الله عليه وسلم " بلّوا أرحامكم ولو بالسلام " [حسنه الألباني في صحيح الجامع 2838]
ثم تطرق لبيان سبب انشغال الناس اليوم عن صلة أرحامهم وأن ذلك يرجع إلى سوء إدارة الوقت وعدم تنظيمه ، وعدم الإحاطة بعظم إثم قاطع الرحم ، وكثرة الانشغال بالزائد من الدنيا ، وأن ذلك كله ينبغي ألا يشغل المسلم عن صلة رحمه فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله .
ثانيا : حسن الخلق :
ودلل على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها "إنه من أعطي الرفق فقد أعطي حظه من الدنيا والآخرة ، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار" [صححه الألباني في صحيح الجامع 3767] ، فحسن الخلق صفة سامية ترتقي بالمسلم إلى مرتبة الإحسان مع خالقه ومع سائر الناس ، ومن تفاسير السلف لحسن الخلق قول ابن المبارك "هو طلاقة الوجه وبذل المعروف وكف الأذى " ، وقال الواسطي " هو أن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى " وقال أيضا " هو إرضاء الخلق في السراء والضراء " وقال سهل " أدنى حسن الخلق الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه "
فكيف لا يتحلى به المسلم وقد بعث صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق ، ومنح الله جل وعلا لصاحب الخلق الحسن أثقل الحسنات يوم القيامة وبيت في أعلى الجنة قال صلى الله عليه وسلم " ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ليبغض الفاحش البذيء" [صححه الألباني في صحيح الجامع5726] وقال "أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا ، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه " [حسنه الألباني في صحيح الجامع1464]
ومن أراد أن يصل إلى درجة الصائم القائم في الجنة مختزلا النصب والمصابرة على الصيام والقيام فما عليه إلا أن يحسن خلقه ، قال صلى الله عليه وسلم " إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم " [صححه الألباني في صحيح الجامع 1932
ثالثا : حسن الجوار :
ودلل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم السابق " صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار" ، وقال صلى الله عليه وسلم مبينا عظم حق الجار " مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " [متفق عليه] وبين المؤلف تقصير الناس اليوم في حقوق جيرانهم موضحا أن أكثر أسباب ذلك هو ترك صلاة الجماعة في المسجد ، ثم حث على تحري حق الجار والإحسان إليه مستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره " [رواه مسلم ] وسؤال أم المؤمنين عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقولها " يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال صلى الله عليه وسلم " إلى أقربهما منك بابا " [ رواه البخاري]

المبحث الثاني من هذا الفصل : إطالة العمر بالأعمال ذات الأجور المضاعفة
ويضم عشرة فروع :
طرح قبل استعراض هذه الفروع هذا السؤال :
كيف يمكن أن تكسب ثواب أعمال يفترض أن يستغرق أداؤها زمنا يفوق عمرك المحدود ؟ فكيف يمكن أن تستغل عمرك على افتراض أنه سيكون ستين سنة ليصبح كأنه بلغ ألف سنة أو أكثر من ذلك بكثير ؟
وأجاب بما يلي :
يمكن لك ذلك بأن تسلك سبيلين اثنين هما :
(1) الحرص على الأعمال ذات الأجور المضاعفة .
(2) الحرص على الأعمال الجاري ثوابها إلى ما بعد الممات .
وهذا ما سيستعرضه في هذا المبحث والذي يليه ، وأول فرع بدأ به :
الصلاة :
(1) الإكثار من الصلاة في الحرمين الشريفين
قال صلى الله عليه وسلم " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه " [ صحيح الجامع رقم 3838] فركعتين في الحرم بمائتي ألف ركعة فيما سواه ، فلو أراد المسلم أن يكسب ثواب مائتي ألف ركعة من السنن الرواتب في بلده لاحتاج إلى ست وأربعين سنة وثلاثة أشهر تقريبا يصلي فيها النوافل كاملة كل يوم .. فتأمل رعاك الله هذا الفضل العظيم كيف يفرط فيه مسلم وكيف لا يحافظ عليه من أكرمه الله بزيارة المسجد الحرام .؟!
(2) المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد :
قال صلى الله عليه وسلم " صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده " [رواه مسلم ] وقال صلى الله عليه وسلم " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " [متفق عليه ] فلو توفي رجلان في عمر واحد أحدهما يؤدي صلاته منفردا طول عمره والآخر يؤديها جماعة لكان ثواب الثاني أكثر من ثواب الأول بخمس وعشرين أو سبع وعشرين مرة .
ولا تظن المرأة المسلمة أنها محرومة من هذا الثواب المضاعف ، فإن صلاتها في بيتها أفضل لها من صلاتها في المسجد ولو كان المسجد النبوي ، لما ورد عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي رضي الله عنها أنها جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أحب الصلاة معك ، قال " قد علمت أنك تحبين الصلاة معي ، وصلاتك في بيتك خيرلك من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي " قالت فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل [رواه الإمام أحمد]
لو تأملت المرأة المسلمة الصادقة مع نفسها هذا الحديث والتمست منه هذه الحكمة البالغة لعلمت أن قرارها في بيتها هو مرضاة لربها وأمن لمجتمعها ، وإطالة لعمرها الإنتاجي .
(3) أداء النافلة في البيت
قال صلى الله عليه وسلم " صلاة الرجل تطوعا حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس خمسا وعشرين " [صحيح الجامع رقم 3821]
وفي حديث آخر مرفوع عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع " [صحيح الترغيب والترهيب441]
فصلاة رجل النافلة في بيته في سنة واحدة فقط تعدل صلاة آخر صلاها في المسجد خمسا وعشرين سنة ،،،
وكلما كان العمل خالصا لله كان الثواب عليه عظيما ، قال صلى الله عليه وسلم " صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمسا وعشرين درجة ، فإذا صلاها بأرض فلاة فأتم وضوءها وركوعها وسجودها ، بلغت صلاته خمسين درجة " [صحيح الجامع 3824] لأنه ما صلاها إلا خوفا من الله وحده .
وصلاة النافلة في البيت أقرب للإخلاص لذا كانت أفضل كما قال صلى الله عليه وسلم " صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" [رواه أحمد والبخاري ومسلم]
(4) التحلي ببعض آداب الجمعة :
" من غسّل يوم الجمعة واغتسل ثم بكّر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام ، فاستمع ولم يلغ ، كان له بكل خطوة عمل سنة ، أجر صيامها وقيامها " [صحيح الجامع 6405]
ومعنى غسّل : جامع أهله فهو السبب في اغتسالهم فكأنه غسّلهم ، وقيل معنى غسّل أي غسل رأسه "
ومعنى بكّر أي راح في أول الوقت
ومعنى ابتكر : أي أدرك أول الخطبة
ومعنى مشى ولم يركب : أي لم يستخدم دابة ولا سيارة للذهاب إلى الجامع
والمرأة يمكنها مشاركة الرجل في نيل هذا الثواب العظيم بحثها زوجها كل أسبوع على التحلي بآداب الجمعة ، فإن الدال على الخير كفاعله فكيف إذا عرفت أن من ترك الجمعة ثلاثا طمس الله على قلبه قال صلى الله عليه وسلم " من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه " [صحيح الجامع6143]
(5) المواظبة على صلاة الضحى
قال صلى الله عليه وسلم " ابن آدم ستون وثلاثمائة مفصل ، على كل واحد منها في كل يوم صدقة ، فالكلمة الطيبة يتكلم بها الرجل صدقة وعون الرجل أخاه على الشيء صدقة ، والشربة من الماء يسقيها صدقة ، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة " [صحيح الجامع 42]
وبأداء ركعتي الضحي يتمكن المسلم من تقديم صدقة عن كل مفصل من مفاصله شكرا لله تعالى فيا له من فضل عظيم ، قال صلى الله عليه وسلم "يصبح على كل سلامى ( أي مفصل ) من أحدكم صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى " رواه مسلم وأبو داود
وأفضل وقت لأدائها عند اشتداد الحر وارتفاع الضحى ، قال صلى الله عليه وسلم "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال " رواه مسلم
والفصال جمع فصيل وهو الصغير من الإبل ، وترمض الفصال أي حينما تبرك الفصال من شدة الحر لاحتراق أخفافها .


* أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لنيل هذه الأجور العظيمة ،،، وأود أن تكونوا معي لنكمل إن شاءالله وكي لا تملوا أترككم الآن على أمل أن ييسر الله إكمال هذه السلسلة وألتقي بكم من جديد ،،، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،

المشكدانة
07-24-2003, 05:21 AM
السلام عليكم

الحلقة الرابعة :
الفرع الثاني ـ الحج والعمرة :
للحصول على ثواب الحج والعمرة يحرص المسلم على الأعمال التي ثوابها يعدل الحج والعمرة مثل ما يلي :
(1) تحجيج عدد من الناس بمالك كل عام قدر الإمكان :
فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الحج والعمرة إذ قال صلى الله عليه وسلم " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة " [صححه الألباني في صحيح الترمذي 650
فمن كان حريصا على زيادة عدد حجاته ولو بدون ذهابه بنفسه للحج فليؤثر غيره من الفقراء أو غيرهم ممن لم يحج و قصرت بهم النفقة عن أداء هذا الركن كما كان يفعل ذلك كثير من السلف الصالح ومنهم مسلم بن يسار وعبدالله بن المبارك وقد كان أمره عجبا !
(2) صلاة الإشراق :
قال صلى الله عليه وسلم " من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة " [حسنه الألباني في صحيح الترمذي ] فحري بالمسلم الحرص على الأسباب التي تعينه على ذلك ومنها النوم مبكرا ، ولو كان هذا لمرة واحدة في نهاية الأسبوع حيث لا يشغله شاغل في هذا الوقت غالبا ليفوز بأجر حجة وعمرة .
(3) حضور دروس العلم والمحاضرات في المساجد :
قال صلى الله عليه وسلم " من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاما حجته " [صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم 82] ، فيستحضر المسلم هذه النية عند حضور الدروس ويحرص المحاضر على إقامتها في المسجد لنيل هذا الثواب العظيم له ولمن يستمع لمحاضرته .
(4) الاعتمار في شهر رمضان :
قال صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار يقال لها أم سنان " ما منعك أن تكوني حججت معنا ؟ قالت : ناضحان كانا لأبي فلان ـ زوجها ـ حج هو وابنه على أحدهما ، وكان الآخر يسقي عليه غلامنا ، قال " فعمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي " رواه البخاري كتاب جزاء الصيد باب حج النساء .
(5) أداء الصلاة المكتوبة في المسجد :
قال صلى الله عليه وسلم " من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة فهي كحجة ، ومن مشى إلى صلاة تطوع (يعني صلاة الضحى ) فهي كعمرة نافلة " [حسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 6556] وفي رواية أبي داود " من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر ، وصلاة على إثر صلاة لا لغوٌ بينهما كتاب في عليين " [صححه الألباني في صحيح أبي داود رقم 522]
فمن حرص على التطهر قبل خروجه للصلاة وداوم على أداء المكتوبة جماعة في المسجد حصل بإذن الله ثواب خمس حجج كل يوم أي ألف وثمانمائة حجة كل عام ، فتخيل العدد كم يكون في عشر سنوات أو أكثر بكثير !
فمن استحضر ثواب الله للمصلين وعقابه لغير المصلين ما ترك صلاة واحدة فإن المصلي ما إن يخرج من بيته متطهرا قد غسل الوضوء ذنوبه إلا وقد وكل له ملائكة تصلي عليه وتستغفر له ، وخطواته إلى المسجد إحداها ترفعه درجة والأخرى تمحو عنه سيئة ، ويفوز بثلاث استغفارات له من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان من أهل الصف الأول* ويفوز بالصلاة عليه من الله تعالى وملائكته ، ويحصل على أربع كفارات على أقل تقدير داخل الصلاة الواحدة ( وذلك متى وافق تأمينه وتسميعه تأمين الإمام والملائكة)* ويفوز بثواب حجة وغيرها من أجور وبركات لا نعلمها فمن فرط بكل ذلك فحاله أعظم من تفريط السفيه بماله .
* ملحوظة : ذكر المؤلف الأدلة من السنة على ما سبق في الهامش فمن أرادها يراجع الكتاب .
(6) الصلاة في مسجد قباء :
قال صلى الله عليه وسلم " من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه كان له كأجر عمرة " وفي رواية للنسائي " من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء فصلى فيه كان له عدل عمرة " [صححه الألباني في صحيح الجامع 6154]

الفرع الثالث: أن تكون مؤذنا أو تقول كما يقول المؤذن
فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلا قال : يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قل كما يقولون ، فإذا انتهيت فسل تعطه " [صححه الألباني في صحيح الجامع 4403]
ثم علق المؤلف قائلا : وكأن الصحابي الجليل يسأل فما تأمرنا به من عمل نلحقهم بسببه ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " قل كما يقولون " أي ـ إلا عند الحيعلتين ـ فتقول لاحول ولا قوة إلا بالله ـ فيحصل لك الثواب مثلهم ، ثم أفاد زيادة على الجواب بقوله " فإذا انتهيت فسل تعطه " أي إذا فرغت من الإجابة فسل تعطه أي يقبل الله دعاءك . [ نقله عن عون المعبود وغيره بتصرف ]
وقال صلى الله عليه وسلم " إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم والمؤذن يغفر له مدى صوته ويصدقه من سمعه من رطب ويابس ، وله أجر من صلى معه " [صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 230 ، 231 ]
فلو تأمل المسلم ما في هذا الحديث من الثواب إضافة إلى ثواب الجماعة وثواب خطواته إلى المسجد وذهابه إليه وغير ذلك لكان فضلا عظيما العجب كل العجب في تضييعه مع القدرة عليه وقد قال صلى الله عليه وسلم " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ( أي اقترعوا) ولو يعلمون ما في التهجير ( أي التبكير ، وقيل الاتيان إلى صلاة الظهر أول الوقت) لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة ( أي العشاء ) والصبح لأتوهما ولو حبوا " [متفق عليه ]
وكذلك المرأة المسلمة لها نصيبها من هذا الفضل العظيم فإذا قالت مثل ما قال المؤذن فإنها تكسب ما يكسبه المؤذن ، أي فتكسب بعدد المصلين في المسجد حجات ، ولو لم تصل مع الرجال في المسجد ، ولو كانت في فترة الحيض والنفاس ، فلله الحمد والمنة على فضله الواسع .
أترككم هنا على أمل أن ييسر الله لنا اللقاء بكم من جديد مع حلقة جديدة من السلسلة ،،،، والسلام عليكم ورحمة الله .

المشكدانة
07-31-2003, 06:06 AM
الحلقة الخامسة :
السلام عليكم ورحمة الله ،،،
والحمد لله الذي يسر لنا الاجتماع بكم من جديد ،،، فأهلا بكم ومرحبا ،،، ونكمل بإذن الله ،،،
الفرع الرابع ( الصيام )
(1) صيام أيام مخصوصة
لكي تنال ثواب من يصوم الدهر بأقل جهد ودون الوقوع في النهي الوارد فما عليك إلا أن تقوم بالآتي :
أ ـ المحافظة على صيام ست من شوال بعد رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر " [رواه مسلم بهذا اللفظ]
ب ـ المحافظة على صيام أيام البيض من كل شهر عربي وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ، قال صلى الله عليه وسلم " صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر ، وأيام البيض : صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة " [حسنه الألباني في صحيح الجامع 3849] ، أو صيام أي ثلاثة أيام شئت لقوله صلى الله عليه وسلم " من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر ، فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك في كتابه * من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها * اليوم بعشرة أيام " [صححه الألباني في صحيح الترمذي رقم 609]
تأمل كيف إذا حافظت على صيام ست من شوال يسجل لك صيام الدهر كله ، وإن واصلت العمل وقمت بصيام ثلاثة أيام من كل شهر سُجل لك فوق ذلك ثواب صيام دهر آخر ، فتحصل في نهاية الأمر على ثواب صيام أيام تفوق عدد سنوات عمرك ، فتأمل فضل الله .
(2) تفطير الصائمين :
لتكسب ثواب صيام عدة أيام في أقل من ساعة فعليك بتفطير الصائمين لقوله صلى الله عليه وسلم " من فطر صائما كان له مثل أجره ، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا " [صححه الألباني في صحيح الجامع 6415]
فيمكن للمسلم أن يحصل على أجر صيام داود وإن لم يصم بتفطيره مائة وثمانين صائما كل عام فكأنه صام مائة وثمانين يوما في السنة وهو ما يساوي نصفها ، وبتفطيره صائما كل يوم فكأنما صام الدهر كله ، فأكثر لنفسك ما شئت أو أقلل فإنه فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

الفرع الخامس : قيام ليلة القدر
فقيام ليلة القدر تجارة عظيمة لا تعوض ، هي أفضل عند الله من عبادة ألف شهر ، قال سبحانه " ليلة القدر خير من ألف شهر " ، أي ثواب قيامها أفضل من ثواب العبادة لمدة ثلاث وثمانين سنة وثلاثة أشهر تقريبا ،،، فكيف يفرط مسلم عاقل بمثل هذا الأجر العظيم ؟ إنما عليه أن يحرص على أن يكون فيها ذاكرا لله ومسبحا له أو قارئا للقرآن أو قانتا لله يسأله السعادة في الدنيا والآخرة ،،، فالمحروم من حرم خير هذه الليلة وغفل عن هذا الفضل العظيم .


الفرع السادس : الجهاد
كيف يكون للجهاد في سبيل الله نصيب في إطالة العمر الإنتاجي ؟
تتضح الإجابة بقراءتك لهذه الأحاديث :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة رجل ستين سنة " [صححه الألباني في صحيح الجامع 5151]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : مر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته لطيبها ، فقال : لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة ؟ اغزوا في سبيل الله ، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة " [حسنه الألباني في مشكاة المصابيح رقم 3830] ومعنى فواق ناقة أي ما بين الحلبتين .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى فقال : دلني على عمل يعدل الجهاد ، قال : " لا أجده ، قال : هل تستطيع إذا خرج المجاهد تدخل مسجدا فتقوم لا تفتر وتصوم لا تفطر ؟ " قال : ومن يستطيع ذلك ؟ [رواه البخاري ومسلم والنسائي واللفظ له ]
وقال صلى الله عليه وسلم " من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان له كأجر صيام شهر وقيامه ، ومن مات مرابطا جرى له مثل ذلك من الأجر وأجري عليه الرزق وأمن الفتان " [رواه مسلم والنسائي واللفظ له والحاكم]
وعندما سئل ابن تيمية رحمه الله تعالى ، هل الأفضل المجاورة بمكة أو بمسجد النبي صلى اللله عليه وسلم أو المسجد الأقصى أو بثغر من الثغور لأجل الغزو ؟ فأجاب بقوله : الحمد لله رب العالمين ، المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة ، كما نص على ذلك أئمة الإسلام عامة ، بل قد اختلفوا في المجاورة : فكرهها أبو حنيفة واستحبها مالك وأحمد وغيرهما ، ولكن المرابطة عندهم أفضل من المجاورة ، وهذا متفق عليه بين السلف ، حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه " لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود " وذلك أن الرباط من جنس الجهاد ، وجنس الجهاد مقدم على جنس الحج ، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له أي العمل أفضل ؟ قال : " الايمان بالله ورسوله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : جهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور " وقد قال تعالى " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله " إلى قوله " إن الله عنده أجر عظيم " (التوبة 19 ـ 21) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام 27/24]
ومن لم يستطع الجهاد بنفسه جاهد بماله ، فإن الله جل وعلا قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس فقال سبحانه " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون " (الصف آية 9 ـ 10)
فإذا وفقك الله للجهاد فاحرص على الحفاظ على أجره العظيم وتجنب الكبائر المحبطة له كالربا ، لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها سألتها امرأة فقالت : يا أم المؤمنين إني ابتعت غلاما من زيد ابن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة ، وإني ابتعته ( أي اشتريته ) بستمائة درهم نقدتها ، فقالت عائشة : بئسما اشتريت وبئسما شريت ، إن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلا أن يتوب [جامع العلوم والحكم (1/438) ومجموع فتاوى ابن تيمية (29/430)]


نقف هنا ،،، ولنا لقاء آخر إن كان في العمر بقية إن شاء الله تعالى

المشكدانة
08-07-2003, 05:06 AM
السلام عليكم ،،،
وها هي ،،،

الحلقة السادسة :
الفرع السابع : العمل الصالح في عشر ذي الحجة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ، فقالوا : يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ، ولم يرجع من ذلك بشيء " [رواه أحمد والبخاري والترمذي واللفظ له وأبو داود]
وهنا ذكر المؤلف في هامش الكتاب أقوال العلماء في الجمع بين هذا الحديث وما سبق ذكره من أن الجهاد لا يعدله شي ، ثم ذكر كلاما نفيسا لابن القيم في تباين أقوال العلماء في تعريف الميزان الصحيح لأفضلية العبادة ، فمن أراده يراجع الكتاب (هامش ص 38 ومابعدها)
ومع ما ذكر فكثير من الناس يجهل فضل هذه الأيام وأنها أفضل حتى من أيام رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم " أفضل أيام الدنيا أيام العشر " ، والصواب كما قال ابن القيم أن يقال " ليالي العشر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة ، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ، ويدل عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فضلت باعتبار ليلة القدر ، وهي من الليالي ، وعشر ذي الحجة إنما فضل باعتبار أيامه ، إذ فيه يوم النحر ويوم عرفة ويوم التروية " [نقله عن زاد المعاد 1/ 57]
ويحتاج المسلم إلى مجاهدة في أيام العشر لاستغلالها في طاعة الله إذ الشياطين فيها ليست مسلسلة كما في رمضان ويجتهد في أداء الأعمال الصالحة فيها حتى لا يفوتهم ذلك الأجر العظيم وقد كان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يُقدر عليه
ومن الأعمال المستحبة في هذه العشر المباركة ما يلي :
(1) أداء الحج ، وهذا أفضل أعمالها .
(2) رواه مالك والبخاري واللفظ له الصيام وبالأخص يوم عرفة لغير الحاج ، فمن صامه كفرت عنه ذنوب سنتين .
(3) صرف معظم الوقت في التهليل والتكبير والتحميد ، لقوله صلى الله عليه وسلم " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد " [رواه الإمام أحمد ]
(4) الأضحية .
(5) تجنب تضييع الأوقات فيما لا ينفع .

الفرع الثامن : تكرار بعض سور القرآن
قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟ فشق ذلك عليهم ، وقالوا : أينا يطيق ذلك يا رسول الله ؟ فقال : " الله الواحد الصمد ثلث القرآن " [ رواه مالك والبخاري واللفظ له وأحمد وأبوداود والنسائي ]
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم " قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن " [صحح الألباني في صحيح الجامع رقم 4405]
فهل فكر المسلم في اقتناص هذا الأجر العظيم والحصول على ثواب ختم القرآن في اليوم الواحد عشرات المرات في زمن لا يتجاوز بضع دقائق ، فكم هي فترات الانتظار التي تمر على المسلم في سيارته أو أثناء زيارته الطبيب أو غير ذلك فهل فكرنا في استغلالها بعمل قليل ننال به الأجر الكبير .
وهنا للمؤلف تنبيه جميل على الحرص على نيل ثواب ختم القرآن مرات عديدة سواء كان في رمضان أوغيره بقراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات وتكرارها وجعل قراءة القرآن العظيم قراءة تأن وتدبر وهذا هو مقصود الباري جل وعلا من تنزيله إذ قال سبحانه " وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا " وقوله تبارك وتعالى " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب " ، آخذا بوصية ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال " لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذّوه هذّ الشعر ، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة " [أخلاق حملة القرآن للآجري ص 112] ومقتديا بحبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه حينما قال " لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله " [شعب الايمان للبيهقي والتبيان في آداب حملة القرآن ]
ولتنال أجرا مضاعفا أكثر فأخبر بهذا الفضل العظيم الأميين من الناس الذين يتمنون ختم القرآن ومنّ الله عليهم بحفظ سورة الإخلاص فليقرأوها وليكرروا قراءتها ليجدوا في صحائفهم إن شاء الله تعالى ذلك الأجر العظيم .
ثم ليعلم المسلم أن تكراره لهذه السورة وحبه لها يدخله الجنة إن شاء الله تعالى كما حصل ذلك لأحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال يارسول الله إني أحب هذه السورة " قل هو الله أحد " ، قال : " إن حبك إياها يدخلك الجنة " [ صححه الألباني في صحيح الترمذي 2323]
فيا أخوتي وأخواتي لا تحرموا أنفسكم هذا الفضل العظيم وبادروا به الآن ،،،
وإلى لقاء قريب بإذن الله ،،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المشكدانة
08-10-2003, 07:21 AM
الحلقة السابعة :
الفرع التاسع : الذكر المضاعف
النوع الأول : التسبيح المضاعف
* عن جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال : " مازلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ قالت : نعم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده ، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته " [رواه مسلم واللفظ له وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي]
فانظر إلى فضل الله على هذه الأمة إذ دلها على كلمات قصيرة جامعة يكتب بها سبحلنه ثوابا لايحصيه العاد ، فتخيل عدد خلق الله في هذا الكون من الملائكة والإنس والجن والنجوم والبهائم وغيرها كثير لا يمكن أن يحصيهم بشر ولكن الله يعطيك بعددهم حسنات إذا قلت ثلاث مرات سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، فكيف بزنة عرش الرحمن ومداد كلماته ، وقد قال صلى الله عليه وسلم " ماالسموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس " [رواه ابن جرير وابن أبي شيبة والبيهقي مرفوعا] وقد جاء في وصف كرسيه سبحانه قوله تعالى " وسع كرسيه السماوات والأرض " وقال صلى الله عليه وسلم " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في صحراء " [رواه ابن جرير وابن أبي شيبة والبيهقي] فتخيل بعد كل هذا عظم الثواب المأمول إذا قلت هذه الكلمات ثلاث مرات فقط ، وأضف إلى ذلك أن من فوائد هذا الحديث العظيم ( حديث جويرية ) أنه يعينك على التفكر في عظم مخلوقات الله وحقارة ابن آدم أمامها ، ومن ثم التفكر في عظمة الله الذي خلق هذا الخلق المتناسق فلا غرابة أن الله تبارك وتعالى أمرنا أن نكبره في الأذان وفي داخل الصلاة ودبرها أكثر من مائتين وثمانين مرة في اليوم والليلة حتى لا يعظم في نفوسنا غيره ولئلا نطلب النصرة إلا منه جل وعلا .
· وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أحرك شفتي ، فقال : ما تقول يا أبا أمامة ؟ قلت : أذكر الله ، قال : " أفلا أدلك على ما هو أكثر من ذكر الله الليل مع النهار ؟ تقول : الحمد لله عدد ما خلق والحمد لله ملء ما خلق ، والحمد لله عدد ما في السماوات والأرض ، والحمد لله عدد ما أحصى كتابه ، والحمد لله ملء ما أحصى كتابه ، والحمد لله عدد كل شيء والحمد لله ملء كل شيء ، وتسبح الله مثلهن ، ثم قال : تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك " [ صححه الألباني في صحيح الجامع 2615]
فتصور مقدار الثواب الذي تكسبه من هذا الذكر لعلك تتعلمه وتعلمه عقبك من بعدك استجابة لأمر نبيك محمد صلى الله عليه وسلم .

النوع الثاني : الاستغفار المضاعف .
لتكسب في اليوم الواحد على الأقل ألف مليون حسنة فاعمل بهذا الحديث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم " من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات ، كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة " [حسنه الألباني في صحيح الجامع 6026]
ومن الدروس المستفادة من هذا الحديث :
(1) عمق رابطة الأخوة الايمانية بين المسلمين ، فالإسلام يحث كل المسلمين أن يدعو بعضهم لبعض في ظهر الغيب ، الأمر الذي قد لا نجده في دين آخر ومتى استشعر المسلم ذلك زالت الأحقاد التي يثيرها الشيطان في النفوس بين آونة وأخرى ، إذ كيف يعقل أن يحقد المسلم على أخيه وهو يستغفر له في ظهر الغيب ؟
(2) إن الذي يحتجز الدعاء لنفسه ولا يذكر إلا ذاته ويتناسى إخوانه المسلمين إنسان أناني قد حرم نفسه من كثير من الخير والحسنات.
(3) من دعا لأخيه بظهر الغيب ، ضمن الإجابة من الله تعالى بإذن الله فإن النبي صلى الله عليه يقول " دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ، عند رأسه ملك موكل ، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به : آمين ولك بمثل " [رواه مسلم]
وروت أم الدرداء رضي الله عنها قالت :" كان لأبي الدرداء ستون وثلاثمائة خليل في الله يدعو لهم في الصلاة ، فقلت له في ذلك ، فقال : إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب إلا وكل الله به ملكين يقولان : ولك بمثل ، أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة " [نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء] .
وروت أيضا أنها قالت : بات أبو الدرداء الليلة يصلي فجعل يبكي ويقول " اللهم أحسنت خلقي فأحسن خُلقي حتى أصبح ، فقلت : يا أبا الدرداء ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق ؟ قال : يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة ، ويسوء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار وإن العبد المسلم ليغفر له وهو نائم ، قال : قلت : وكيف ذاك يا أبا الدرداء ؟ قال : يقوم أخوه من الليل فيتهجد فيدعو الله فيستجيب له ويدعو لأخيه فيستجيب له " [الزهد لأحمد ابن حنبل]
وكان لحمدون الدلال صحيفة مكتوب فيها ثلاثمائة من أصدقائه وكان يدعو لهم كل ليلة ، فتركهم ليلة فنام ، فقيل له في نومه : يا أبا حمدون لم تسرج مصابيحك الليلة ؟ فقعد وأسرج وأخذ الصحيفة فدعا لواحد واحد حتى فرغ [صفة الصفوة لابن الجوزي]
فلا تنسوا إخوانكم وأحبتكم من صالح دعائكم .

المشكدانة
08-14-2003, 05:23 AM
الحلقة الثامنة :

الفرع العاشر : قضاء حوائج الناس

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحب الناس إلى الله أنفعهم ، وأحب الأعمال إلى الله عزوجل سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أعتكف في المسجد شهرا ، ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام ، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل " [حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة 906 ، وفي صحيح الجامع 176]
فمن قضى لمسلم حاجة نال ثواب اعتكاف شهر كامل وإن لم يتجاوز قضاؤه لها دقائق معدودة ، ولو استحضر كل موظف هذا الحديث واحتسب عمله فكم سينال من الأجر والثواب يوميا ، فعلينا أن نتعلم حسن مساعدة الناس وقضاء حوائجهم فكلما تعدى نفع العبادة إلى الغير كان أجرها أعظم إذا احتسبها عند الله جل وعلا .
ولنا في سلفنا الصالح أسوة فكانوا أحرص الناس على قضاء حوائج إخوانهم ومن ذلك ما يلي :
· كان أبو بكر الصديق يحلب للحي أغنامهم ، فلما استخلف قالت جارية منهم : الآن لا يحلبها ، فقال أبو بكر بلى ، وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله . [جامع العلوم والحكم 2/295]
· وكان عمر بن الخطاب يتعاهد بعض الأرامل فيستسقي لهن الماء بالليل ، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة فدخل إليها طلحة نهارا فإذا عجوز عمياء مقعدة ، فسألها : ما يصنع هذا الرجل عندك ؟ قالت : هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني ، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى ، فقال : ثكلتك أمك يا طلحة ، عثرات عمر تتبع ؟ [المصدر السابق 2/ 295]
· وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهم كل يوم ، فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن [المصدر السابق 2 / 295]
· وقال مجاهد : صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني أكثر [المصدر السابق وصفة الصفوة والزهد لأحمد بن حنبل]
· ولما مات علي بن الحسين رضي الله عنه وجدوا بظهره أثرا مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل . [نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء]
· وكان زبيد بن الحارث إذا كانت الليلة مطيرة ، أخذ شعلة من النار فطاف على عجائز الحي فقال : أو كف عليكم بيت ؟ أتريدون نارا ؟ فإذا أصبح طاف على عجائز الحي فقال : ألكم في السوق حاجة ؟ أتريدون شيئا ؟ [صفة الصفوة لابن الجوزي وغيره ]
· وكان حكيم بن حزام يحزن على اليوم الذي لا يجد فيه محتاجا ليقضي له حاجته ، فيقول : ما أصبحت وليس ببابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها [نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء]
· وقال سهل بن بشر رحمه الله تعالى : مر بي إبراهيم بن أدهم وأنا أكسر عود حطب قد أعياني ، فقال لي يامحمد قد أعياك ؟ قلت : نعم ، قال : فتأمر لنا به ؟ قلت : نعم ، قال : فأخذ العود ووضعه على رقبته وأخذ الفأس ومضى ، فبينا أنا على ذلك إذا أنا بالباب قد فتح ، والحطب يطرح في الباب مكسرا وألقى الفأس وأغلق الباب ومضى ، قال : وكان إبراهيم إذا صلى العشاء وقف بين يدي الدور فنادى بأعلى صوته : من يريد يطحن ؟ فكانت المرأة تخرج القفة والشيخ الكبير ، فينصب الرحى بين رجليه ، فلا ينام حتى يطحن بلا كراء [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء]
· وبعد هذا فليحرص المسلم كل الحرص على احتساب أجر خدمته لإخوانه ولا ينتظر مقابل لذلك إلا من الله جل وعلا
· عندما كلم عقبة بن عمرو لرجل في حاجة ، رجع إلى أهله فرأى هدية ، قال الراوي : أظنه قال بطا ودجاجا ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : أرسل به الرجل الذي كلمت له ، فقال : أخرجوه ، آخذ أجر شفاعتي في الدنيا !! [الزهد لأحمد بن حنبل ]
· وقضى ابن شبرمة رحمه الله حاجة كبيرة لبعض إخوانه ، فجاء يكافئه بهدية ، فقال : ماهذا ؟ قال : لما أسديته إلي ، فقال : خذ مالك عافاك الله ، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها ، فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده من الموتى [إحياء علوم الدين (2/ 195) بتصرف ]
· ولا ينس المسلم أن هذا الفضل العظيم لمن خدم أخاه المسلم وهو له سنة فاضلة فكيف بمن خدم والديه وقضى حوائجهما وهو عليه واجب فلا شك أن من قصر في ذلك كان هذا عقوقا منه ولا شك أن ذلك عقوبته وخيمة في الدنيا قبل الآخرة تتمثل في تعجيل العقوبة وإنقاص العمر ، قال صلى الله عليه وسلم " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم " [صححه الألباني في صحيح الترمذي 2039]
· هنا ،،، نقف ،،، ولنا لقاء إن شاء الله تعالى

المشكدانة
08-21-2003, 02:58 PM
الحلقة التاسعة :
المبحث الثالث : إطالة العمر بالأعمال الجاري ثوابها إلى ما بعد الممات:
رغم ما سبق من عظيم الفضل للأعمال السابقة إلا أن ثوابها ينقطع بمجرد موت صاحبها ، ومن أراد أن تجري عليه الحسنات بعد موته إن شاء الله تعالى فعليه أن يحرص أن يكون له نصيب من الأعمال الجاري ثوابها إلى ما بعد الممات والتي تتلخص في قوله صلى الله عليه وسلم "أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت : رجل مات مرابطا في سبيل الله ، ورجل علم علما فأجره يجري عليه ما عُمل به ، ورجل أجرى صدقة فأجرها يجري عليه ما جرت عليه ،
(أي مدة بقائها جارية ) ، ورجل ترك ولدا صالحا يدعو له " [حسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 877]
فمن هذا الحديث الجامع يمكن تقسيم الأعمال الجاري ثوابها إلى ما بعد الممات إلى أربعة فروع ، هي كالتالي :
الفرع الأول : الموت في الرباط
عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان له كأجر صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا جرى له مثل ذلك من الأجر وأجري عليه الرزق وأمن الفتان " [رواه مسلم والنسائي والحاكم ]
قال الصديقي في تعريف الرباط : هو ملازمة المكان بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم ، وقال العيني : الرباط هو المرابطة وهي ملازمة ثغر الحدود ، قال ابن قتيبة : أصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في الثغر كل يعد لصاحبه ، واشترط ابن التين أن يكون غير وطنه ، ونقله عن ابن حبيب عن مالك ، ونظر فيه العيني بأنه قد يكون بوطنه ، وينوي بالإقامة فيه دفع العدو ، ويقال الرباط المرابطة في نحور العدو وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين [دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين]
ومما بشر به صلى الله عليه وسلم المرابطين لعلك تكون منهم ولو بصرف بعض زكاتك وصدقاتك لهم ، قوله عليه الصلاة والسلام : "كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله ، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ، ويأمن من فتنة القبر " [صححه الألباني في صحيح الجامع 4562]
قال المناوي في فيض القدير : الثواب المترتب على رباط اليوم والليلة يجري له دائما ولا يعارضه حديث " إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث " إما لأنه لا مفهوم للعدد في الثلاث وأما يرجع هذا إلى إحدى الثلاث هنا وهو صدقة جارية " ا.هـ
وقال صلى الله عليه وسلم " كل عمل منقطع عن صاحبه إذا مات ، إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله ويجري عليه رزقه إلى يوم القيامة " [صححه الألباني في صحيح الجامع 4539]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان في المرابطة ففرغوا إلى الساحل ، ثم قيل لا بأس فانصرف الناس وأبو هريرة واقف ، فمر به إنسان فقال : ما يوقفك يا أبا هريرة ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود " [صححه الألباني في صحيح الجامع رقم 6636]
ومر سلمان الفارسي رضي الله عنه بشرحبيل بن السمط وهو في مرابط له وقد شق عليه وعلى أصحابه قال : " ألا أحدثك ياابن السمط بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : بلى : قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " رباط يوم في سبيل الله أفضل وربما قال : خير من صيام شهر وقيامه ، ومن مات فيه وقي فتنة القبر ونمّي عمله إلى يوم القيامة " [صححه الألباني في صحيح الترمذي 1361]

الفرع الثاني : الصدقة الجارية
وهي الصدقة الدارة المتصلة كالوقوف المرصدة لأبواب البر إذ تستمر منفعتها وريعها لما بعد الموت ، وأنواعها كثيرة جدا مثل حفر الآبار وبناء الملاجئ وغرس الأشجار إلى غير ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره ، وولدا صالحا تركه ، ومصحفا ورثه ، أو مسجدا بناه ، أو بيتا لابن السبيل بناه ، أو نهرا أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته " [ حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترغيب رقم 74 ]
وما تصدق به الإنسان هو الباقي له عند الله في الآخرة ، قال تعالى " ما عندكم ينفد وما عند الله باق " ، ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عائشة عن لحم شاة وزعتها على الفقراء فقال : " ما بقي منها ؟ " قالت : ما بقي منها إلا كتفها ، فقال صلى الله عليه وسلم " بقي كلها غير كتفها " [صححه الألباني في صحيح الترمذي 2009]
ويقول صلى الله عليه وسلم " يقول العبد مالي مالي ،إنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى أو أعطى فاقتنى ( أي ادخر ثوابه في الآخرة ) وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس " [ رواه مسلم ]
وقال صلى الله عليه وسلم " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟ قالوا : يا رسول الله ما منا إلا ماله أحب إليه ! قال : فإن ماله ماقدم ومال وارثه ما أخّر " [ رواه البخاري والنسائي ]
ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس من بني سلمة فقال : يا بني سلمة : ما الرقوب فيكم ؟ قالوا : الذي لا ولد له ، قال : بل هو الذي لا فرط له ، قال : ما المعدم فيكم ؟ قالوا : الذي لا مال له ، قال : بل الذي يقدم وليس له عند الله خير " [رواه أبو يعلى والبزار ورواه مسلم ولم يذكر المعدم وإنما ذكر فما تعدون الصرعة فيكم ]
فعلى من أنعم الله عليه بالمال أن ينتفع به قبل أن يأتيه الموت كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم عثمان رضي الله عنه الذي اشترى بماله الجنة ثلاث مرات حتى قال عنه صلى الله عليه وسلم " ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم "قالها مرتين [حسنه الألباني في صحيح الترمذي 2920] خاصة وقد جعل الله للمسلم أن يجعل الثلث من ماله صدقة كما قال صلى الله عليه وسلم " إن الله عز وجل أعطاكم عند وفاتكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم " [حسنه الألباني في صحيح الجامع 1721]
فلما أدرك الصحابة أهمية الوقف وأنه مما يستديم حسناتهم بعد وفاتهم ولا يقطعها سارعوا إليه حتى قال جابر " لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف " [المغني لابن قدامة] ، فليبادر المسلم الغني ليجعل لنفسه وقفا قبل حضور الأجل فلا يستوي من قدم لنفسه وهو في صحته كمن يقدم إذا أشرف على الموت وقد قال صلى الله عليه وسلم لرجل سأله : يا رسول الله أي الصدقة أفضل ؟ قال : أن تصدق وأنت صحيح حريص ، تأمل الغنى وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " [رواه البخاري و النسائي ]
ثم بعد أن يوفقك الله للوقف احرص على تنفيذ مشروع الوقف في مكان تمس الحاجة إلى الوقف فيه زيادة لثوابك واستعن بالهيئات الخيرية في بلدك ليدلوك على مثل تلك الأماكن فكثير من بلاد المسلمين تفتقر إلى مثل تلك الأوقاف فيها بينما هناك أماكن تكثر فيها مثل هذه الأوقاف مما يكون سببا في قلة الاستفادة منها ومن ثم قلة الثواب المترتب عليها ، فلتحرص على ما فيه زيادة الأجر والثواب لك و وليكن منك على بال قوله تعالى " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم " المزمل
ونكتفي اليوم بهذا القدر ، على امل اللقاء من جديد بإذنه تعالى

المشكدانة
08-28-2003, 06:54 AM
الحلقة العاشرة :
يتبع :
المبحث الثالث : إطالة العمر بالأعمال الجاري ثوابها إلى ما بعد الممات
الفرع الثالث : تربية الولد على الصلاح
ليعلم المسلم أن الولد الصالح عمر إضافي له وامتداد لحسنتاه بعد موته فليحرص على الإكثار منه من زوجة صالحة ثم على تربيته وتنشئته على طاعة الله ، فمن كان هذا حاله واصل بر والده والدعاء له حتى بعد موته وبذا فلن تنقطع عنه الحسنات بعد موته ، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " وذكر منها " وولد صالح يدعو له " ، كما يرفع الله درجته في الجنة بدعاء ابنه له كما قال صلى الله عليه وسلم " إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول أي رب أنى لي هذه ؟ فيقول : باستغفار ولدك لك " [صححه الألباني في صحيح الجامع 1617]
وليحرص إذن على تربية الأبناء على طاعة الله ليكونوا من الصالحين فيظفر ببرهم ودعاءهم له وهو في قبره وليحذر من إهمال تربيتهم وتركهم هملا فإنه إن فعل ذلك خسر أبناءه وهم أحياء بين يديه فيتحمل وزره ووزرهم ويقطع عن نفسه رافدا من الحسنات ورفع الدرجات كان بالإمكان أن يستفيد منه بعد وفاته .

الفرع الرابع : تعليم الناس الخير
فهو من الأعمال الجاري ثوابها إلى ما بعد الممات ، ويكون ذلك بطريقين اثنين :
( أ ) نشر العلم وكتابته :
فتعلم دين الله وتعليمه من خير العبادات المُتقرب بها إلى الله جل وعلا ، بعد الفرائض ، وقد رغب الاسلام في نشر العلم وحذر من كتمانه لذا دأب أهل العلم على تعليم الناس أمور دينهم وتدوين ما تعلموه للأجيال القادمة مبتغين دوام الأجر لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له " [رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي] فيستفاد من هذا الحديث فضيلة العلم والترغيب في توريثه بالتعليم والتأليف .
فلو تفكرنا قليلا في أبي هريرة رضوان الله عليه الذي روى ألاف الأحاديث يقرأها الناس حتى الآن وإلى ما شاء الله وغيره من أئمة الإسلام وعلمائه ماتوا منذ مئات السنين ولكن بقيت حسناتهم مستمرة بعدهم ما عُمل بذلك العلم ، وصدق ابن الجوزي حين قال " كتاب العالم ولده المخلد " وتخليد العلم يكون بتدوينه ونشره ومن لم يستطع ذلك ساهم في نشره بما يستطيع كالمساهمة المالية في نشر الكتب والأشرطة وإهدائها بين الناس .
( ب ) الدعوة إلى الله :
من طرق نشر العلم ومن أجل العبادات المتقرب بها إلى الله سبحانه فهي وظيفة الأنبياء والرسل ، قال تعالى " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين " (فصلت 33 )
فالداعي إلى الله إذا اهتدى أحد على يديه كان له أجر كل عمل صالح يعمله ولو كان هذا المهتدي داعية إلى الخير واهتدى على يديه أحد كان للأول والثاني أجرهم ولو كانوا في قبورهم كما قال صلى الله عليه وسلم " من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإثم ، مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئا " [رواه الإمام مسلم وأبو داود والترمذي ]
فاعلم أخي المسلم أن دعوة غيرك إلى الله عمر إضافي لك فهو أكبر وأخصب مجال يمكن أن تطيل فيه عمرك الانتاجي فاحرص عليه جعلني الله وإياك من الدعاة إلى الله ،، اللهم آمين
ولنا لقاء إن شاء الله تعالى

المشكدانة
09-03-2003, 05:21 AM
الحلقة الحادية عشر
المبحث الرابع : إطالة العمر باستغلال الوقت
فمن وسائل إطالة العمر استغلال الوقت بالعمل الصالح ، فوقتك هو حياتك ورأس مالك فإياك أن تضيع منه دقيقة واحدة في غير طاعة ، فلو أحرق رجل كل يوم مبلغا من المال لعددناه من السفهاء فكيف بمن ضيع عمره فيما لا ينفع ، فهو لا شك أعظم سفها ممن أحرق ماله لأن المال يمكن أن يعوض لكن العمر لا ، فالمؤمن الصادق يعلم أن الساعة التي تمر عليه ولا يغنم فيها حسنات فإنه مغبون فيها ولهذا كان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول " ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه ، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي " وذلك لأن المسلم لا يتحسر يوم القيامة إلا على ساعة مضت من عمره في غير طاعة الله مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم " ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة ( أي نقص أو حسرة) وما من رجل مشى طريقا فلم يذكر الله عز وجل إلا كان عليه ترة ، وما من رجل أوى إلى فراشه فلم يذكر الله إلا كان عليه ترة " [رواه أحمد وحسن إسناده الأرنؤوط في جامع الأصول 4 / 472]
ومن عجائب الصالحين في استغلال وقتهم بالطاعة ما رواه أبو نعيم في حلية الأولياء أن داود الطائي كان يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز ، فقيل له في ذلك ، فقال : بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية .
وكان من استغلال بعض السلف للوقت أنهم كانوا يكثرون من تلاوة القرآن أثناء تجوالهم وترحالهم حتى قاسوا المسافات والأوقات بعدد آيات القرآن .
وكان مجد الدين أبو البركات جد الإمام ابن تيمية إذا أراد دخول الخلاء طلب أن يقرأ عليه من أحد كتب العلم بصوت مرتفع حتى لا يمر عليه الوقت إلا بفائدة يجنيها .
وكان الحسن البصري المعروف باجتهاده وعبادته لا يدع دقيقة من حياته تضيع سدى فكان إذا وجد فراغا ولم يجد لديه شغلا حرّك لسانه بالتسبيح .
وإن من استغلال الوقت في وقتنا المعاصر سماع الأشرطة الإسلامية أثناء قيادة السيارة أو دخول الخلاء لتزداد ايمانا وعلما في وقت ومكان يغفل عن استغلاله كثير من الصالحين فضلا عن غيرهم .
يقول أبو الدرداء رضي الله عنه " ما من أحد إلا وفي عقله نقص عن حلمه وعلمه ، وذلك أنه إذا أتته الدنيا بزيادة مال ظل فرحا مسرورا ، والليل والنهار دائبان في هدم عمره لا يحزنه ذلك ، ضل ضلالة ، ما ينفع مال يزيد وعمر ينقص ؟ ، وكان سري السقطي يقول : إن اغتممت بما ينقص من مالك فابك على ما ينقص من عمرك ، وقال أبو بكربن عياش : إن أحدهم لو سقط منه درهم لظل يومه يقول :إنا لله ذهب درهمي ولا يقول ذهب يومي ماعملت فيه .
كن مثاليا في استثمار وقتك ، بأن لا تعطل سمعك أو لسانك عن فعل الخير ما دمت مستيقظا ، فإنك لا تدري متى تقف دقات قلبك ، حتى وإن كان ما تقوم به من قبيل المباحات كالنوم والأكل والشرب وغيرها ، فاجعل لك فيه نية صالحة واحتسبها عند الله بنية التقوي بها على الطاعة لتحسب لك أيضا في ميزان حسناتك إن شاء الله .
قال ابن رجب : ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوي على الطاعة كانت شهواته له طاعة يثاب عليها ، كما قال معاذ بن جبل : إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ، يعني أنه ينوي بنومته التقوي على القيام في آخر الليل فيحتسب ثواب نومه كما يحتسب ثواب قيامه .
ويقول ابن الشاط " إذا قصد بالمباحات التقوي على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة كالأكل والنوم واكتساب المال . وقال الدكتور الأشقر : فالمسلم إذا قصد بنومه وأكله وشربه أن يتقوى بها على طاعة الله ، كي يتمكن من قيام الليل والجهاد في سبيل الله ، فهذا مثاب على هذه الأعمال بهذه النية " .
فعلى المسلم أن يغتنم حياته قبل موته فإن تفاوت أعمار البشر من أسرار الله في خلقه ، وإذا ما سبقه أحد من أحبابه إلى الله فليجدد لله التوبة وليعرف نعمته عليه سبحانه حين جعله أطول عمرا منه ، فهذا خبر رجلين توفيا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرويه لنا أبا هريرة فيقول : كان رجلان من بلي (اسم منطقة أو حي ) من قضاعة ، أسلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد أحدهما وأُخّر الآخر سنة ، فقال طلحة بن عبيد الله : فرأيت المؤخر منهما أُدخل الجنة قبل الشهيد ، فتعجبت لذلك فأصبحت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، أو ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة وكذا وكذا ركعة صلاة سنة " [صححه الألباني في صحيح الترغيب رقم 368] ومنه يتبين فضل طول العمر في طاعة الله جل وعلا .
فإذن على العاقل المسارعة إلى الله بالطاعة استجابة لأمر الله جل وعلا " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين " فليس من أسرع إلى الله كمن أبطأ عنه .
كما يحرص على عدم إهدار وقته في المباحات والغلو فيها ويعتبر ذلك معصية في حق نفسه ينبغي عليه المسارعة للتوبة منها وهي توبة الخواص يقول ابن القيم رحمه الله " وتوبة الخواص تكون من تضييع الوقت في لغو أو لهو ، فإنه يفضي إلى درك النقيصة ويطفئ نور المراقبة ، وأما الحافظ لوقته فهو مترق على درجات الكمال ، فإذا أضاعه لم يقف موضعه ، بل ينزل إلى درجات من النقص ، فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولابد فالعبد سائر لا واقف فإما إلى فوق وإما إلى أسفل ، إما إلى أمام وإما إلى وراء ، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة ، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار ، فمسرع ومبطئ ، ومتقدم ومتأخر ، وليس في الطريق واقف البتة ، وإنما يتخالفون في جهة السير وفي السرعة والبطئ " إنها لإحدى الكبر * نذيرا للبشر * لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر " ولم يذكر واقفا ، إذ لا منزل بين الجنة والنار ، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة . [تهذيب مدارج السالكين ]
نقف هنا وإلى لقاء قريب بإذنه تعالى

المشكدانة
09-10-2003, 05:19 AM
اليوم بإذن الله أختم هذا الموضوع وكلي أمل أن أكون وفقت فيه ، وأن ينفعني الله به وإياكم في الدنيا والآخرة ،،،، فإليكم أخوتي وأخواتي ،،،
الحلقة الأخيرة :
الفصل الثالث : كيف تحافظ على عمرك الإنتاجي ؟
على المسلم الحذر من أربعة أمور للمحافظة على حسناته يوم القيامة :
أولا : محبطات الحسنات
فعلى المسلم معرفة الذنوب التي يحبط اقترافها عمل المسلم وإن كان أمثال الجبال ليحذر من الوقوع فيها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لأعلمنّ أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا "، قال ثوبان : يارسول الله صفهم لنا جلّهم لنا ، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم ، قال : " أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها " [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 550 وفي صحيح ابن ماجة 2423]
ثانيا : العجب والغرور بالعمل
والعجب أن تستكثر عملك وتمن به على الله جل وعلا وفي ذلك هلاك المرء ، وقد نهى الله عز وجل عنه بقوله " ولا تمنن تستكثر " ومع ذلك ينسى معصيته ويستقلها أمام ما يرى له من الحسنات ويظن أنها ستدخله الجنة ، وأنا له ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول " لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة " [رواه البخاري ومسلم]
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " النجاة في اثنين التقوى والنية ، والهلاك في اثنين القنوط والإعجاب "
وقال مطرف بن عبد الله رحمه الله : " لأن أبيت نائما ـ أي عن قيام الليل ـ وأصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائما وأصبح معجبا "
وقال سفيان الثوري " التاجر الراجي لرحمة الله أقرب إلى الله من العابد الذي يرى أنه لا ينال ما عند الله إلا بعمله "
قال سلمة بن دينار رحمه الله " إن العبد ليعمل الحسنة تسره حين يعملها ، وما خلق الله من سيئة أضر له منها ، وإن العبد ليعمل السيئة حتى تسوؤه حين يعملها وما خلق الله من حسنة أنفع له منها ، وذلك أن العبد ليعمل الحسنة تسره حين يعملها فيستجبر فيها ويرى أن له بها فضلا على غيره ولعل الله تعالى أن يحبطها ويحبط معها عملا كثيرا ، وإن العبد حين يعمل السيئة تسوؤه حين يعملها ، ولعل الله تعالى يحدث له بها وجلا يلقى الله تعالى وإن خوفها لفي جوفه باق "
فمن وسائل علاج العجب بكثرة الأعمال الصالحة :
(أ) أن تعلم أن ما وفقت إليه من عمل صالح إنما هو بفضل الله ، وذلك لقوله تبارك وتعالى " وما بكم من نعمة فمن الله "
(ب) وأن تعلم أن هناك من العباد من يكسب أكثر منك ثوابا كأصحاب البلاء الصابرين عليه فإنهم يثابون عليه بغير حساب ، قال تعالى " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " فلا تغتر بكثرة عملك الصالح فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة .
(ج) أن تعلم أنك مهما كسبت من ثواب فإنك ستحقره يوم القيامة ، قال محمد بن أبي عميرة رضي الله عنه " لو أن عبدا جر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله ، لحقره ذلك اليوم ، ولود أنه يرد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب " ، وقال صلى الله عليه وسلم " لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله تعالى لحقره يوم القيامة " [صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 446]
قال ابن قيم الجوزية : ومن عرف الله وحقه وما ينبغي لعظمته من العبودية تلاشت حسناته عنده وصغرت جدا في عينه وعلم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه ، وإن الذي يليق بعزته ويصلح له من العبودية أمر آخر وكلما استكثر منها استقلها واستصغرها ، لأنه كلما استكثرها فتحت له أبواب المعرفة بالله والقرب منه ، فشاهد قلبه من عظمته سبحانه وجلاله ما يستصغر معه جميع أعماله ولو كانت أعمال الثقلين وإذا كثرت في عينه وعظمت دل على أنه محجوب عن الله غير عارف به وبما ينبغي له .. الخ [تهذيب مدارج السالكين ]
(د) أن لا تثق بكثرة عملك لأنك لا تدري قبل أم لا ، قال ابن عون : " لا تثق بكثرة العمل فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا ، ولا تأمن ذنوبك فإنك لا تدري كُفرت عنك أم لا ، إن عملك مغيب عنك كله .
فالمؤمل منك أن تكون دائما على وجل وخوف من أن ترد عليك أعمالك ، قالت عائشة رضي الله عنها : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قالت عائشة :هم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : لا يا بنت الصديق ، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات [صححه الألباني في صحيح الترمذي 2537 وصحيح ابن ماجة 3384]
ثالثا : الاعتداء على حقوق الناس
فإنك إن آذيت المسلمين بغيبة أو نميمة أو شتم أو بخس لحقوقهم ، أخذوا حسناتك ليستوفوا حقهم منك وإن لم تكف طرحت عليك أوزارهم كما قال صلى الله عليه وسلم " أتدرون ما المفلس ؟ ، قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال " إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار " [رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي]
رابعا : السيئات الجارية :
فكما تحرص أخي المسلم على الحسنات الجارية فاحذر السيئات الجارية إلى ما بعد الممات كتخذيل المسلم عن الالتزام أو الفتوى دون علم أو توزيع أشرطة الغناء والأفلام فقد قال صلى الله عليه وسلم " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا " [رواه مسلم والترمذي والنسائي]
وقال صلى الله عليه وسلم " لا تُقتل نفس ظُلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه أول من سن القتل " [رواه البخاري ومسلم]
فاحرص على أن لا تورث ذنبا بعد وفاتك لأحد ، وكن ممن إذا مات ماتت ذنوبه معه ، قال الشاطبي : وطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة ومائتي سنة ، يعذب بها في قبره ويُسأل عنها إلى انقراضها ، وقال حبيب أبو محمد : إن من سعادة المرء إذا مات ماتت معه ذنوبه
ومن السيئات الجارية أعمال الممثلين الذين تسجل أعمالهم وتبقى لإفساد الناس سنين طويلة ومنها وضع الدش لاستخدامه فيما حرم الله فواضعه يفتح على نفسه قناة تجري له السيئات حتى في قبره ما استخدم هذا الدش فيما حرم الله ،،،
فالحذر الحذر من مثل تلك الأعمال ولنكن من الذين يورثون الأخلاق والأعمال الحميدة لأبنائهم ومجتمعهم وممن إذا مات ماتت ذنوبه معه .

ثم ختم المؤلف مشكورا ـ مأجورا بإذن الله ـ كتابه بملخص لما جاء فيه ثم خاتمة ، ينبه فيها على ضرورة الاستمرار على الطاعة واغتنام فرص الحياة فيها مع الدعاء لنفسه ولمن أعانه وسائر المسلمين ،،،،
نسأل الله أن يكتب لنا وله الأجر وأن يوفقنا لما يحب ويرضى من القول والعمل وأن يغفر لنا التقصير والزلل ،،،
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك