المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قبسات من الإعجاز البياني في القرآن الكريم 2



ولد الحرمين
11-27-2005, 01:03 AM
6) دلالة تكرار الاسم في نفس الموضع
عندما يكون الاسمان المكرران معرفتين.. دل على أن الأول هو نفس الثاني ـ غالبا ـ ليدل على المعهود.
مثال ذلك قوله تعالى في سورة الفاتحة: " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ .. ".
فالصراط في المَوضع الأول معرفة بأل.. وبالثاني معرفة بالإضافة ..
والمراد بالاسم الأول الاسم الثاني.. فصراط الذين أنعم الله عليهم هو نفس الصراط المستقيم.
وانظر: الصافات 158 ، والزمر2-3 ، وغافر 9.
أما إذا كان الاسمان المكرران نكرة .. فإن الأول غير الثاني ـ غالبا ـ لأن تكرار النكرة يدل على تعددها.. فالنكرة الأولى غير النكرة الثانية.
مثال ذلك قوله تعالى في سورة سبأ: " وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ... ".
فالشهر الثاني غير الشهر الأول.. ويكون المجموع شهران.
كل هذا مقدمة لتوضيح الإعجاز البياني في سورة الشرح عند تفسير قوله تعالى : " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6) ".
" العُسر " مكرر وهو عسر واحد ( العسر الأول هو العسر الثاني فكلاهما معرفة ).
" يُسر " مكرر ولكنهما يسران ( اليسر الأول غير اليسر الثاني فكلاهما نكرة ).
إن السورة الكريمة تأتي في سياق يتحدث عن تبشير أصحاب الابتلاء والمحنة والضيق والعسر.. بأن ذلك كله سيزول .. وسيحل اليسر مكانه مضاعفا..
إن مقصد هذه السورة بعث الأمل في صدر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه من الدعاة المبتلين وتخفيفا عنهم وبعث الأمل في نفوسهم.
ولذلك جاءت نسبة العسر إلى اليسر واحد إلى اثنين ( 2:1 ) حتى ينتظر المسلم المبتلى اليسرَ بأمل عريض وصبر جميل.
وقد ورد في الأثر " لن يغلب عسر يسرين ".
قال الشاعر العتبي:
ألا يا أيـها المـرء الذي الهـم بـه برح
إذا اشتدت بك البلوى ففكر في " ألم نشرح "
فعسـر بين يسـرين إذا أبصـرته فافرح
وهذا دليل على فهم العرب للإعجاز البياني في القرآن الكريم على السليقة.
-----------------------------
7) " تسطع " و " تسطع " ، " اسطاعوا " و " استطاعوا"
ذكر الله تعالى في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الخضر في سورة الكهف ثلاثةأحداث أثارت اعتراض سيدنا موسى وهي خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار بدونأجر.. وقبل أن يفارق الخضر سيدنا موسى ذكر له الحكمة من الثلاثة أفعال... ولكنه قبلأن يؤوِّل سببها قال له: " هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَسَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(78)".
وبعدما أول لسيدنا موسى الأحداث قال له: " ذَلِكَ تَأْوِيلُمَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(82) "
أثبت الفاء في " تستطع" وحذفها في " تسطع " فما الحكمة من ذلك ؟؟
لقد راعى السياق القرآني الحالةالنفسية لسيدنا موسى عليه السلام قبل أن يعرف تأويل سبب تلك الأفعال التي أنكرهافناسَب إظهار التاء في " تستطع " لبيان ثقل هذا الأمر عليه بسبب الهم والفكرالحائر. فصار بناء الفعل ثقيلا ( خمسة أحرف ) فناسب ثقل الهم ثقل بناءالفعل.
وحذف التاء من كلمة " تسطع " مما جعل بناء الفعل مخففا ( أربعة أحرف) وهذا التخفيف مناسب للتخفيف في مشاعر سيدنا موسى بعد أن علم الحكمة من أفعال الخضرفارتاحت نفسه وزال ثقلها.
ومثل ذلك في نفس السورة الكريمة عند الحديث عن سدذي القرنين الذي بناه ليمنع خروج يأجوج ومأجوج قال تعالى: " فَمَااسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(97) ".
معنى يظهروه: يتسلقوه .... ومعنى نقباً : نقضه بالحفر.
حذفت التاءفي " فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ " لأن المعنى هو عدم استطاعتهم تسلق السدلكونه أملسا وخاليا من أي نتوء يمكن الإمساك به.
وبما أن التسلق يحتاج خفةورشاقة ومهارة ... وكلما كان الشخص أخف كان تسلقه أسهل.. جاء تخفيف بناء الفعل كأنهيشارك المتسلق في تحمل بعض أحماله.
أما " مَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا " أثبتالتاء لأن ثقب الجدار يحتاج معدات ثقيلة فكلما كانت المعدات أثقل كان النقب في السدأيسر.. وكذلك لأن النقب يحتاج إلى جهد عضلي أكبر.
وهنالك قاعدة بلاغية تقول" الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى".
-----------------------------
8) نبغِونبغي:
قال تعالى في سورة يوسف: " وَلَمَّا فَتَحُوامَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَانَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُأَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ(65)".
ولكنهقال في سورة الكهف: " قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَىالصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُأَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا(63)قَالَ ذَلِكَ مَاكُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا(64)فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْعِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّاعِلْمًا(65)".
فما الحكمة من إثبات ياء نبغي في سورة يوسف وحذفها فيسورة الكهف ؟؟
في سورة يوسف جاء إثباتها على الأصل.. وذلك لبيان أن ذلك هو غايةما يريدونه ويطلبونه.. فالطعام الذي أحضروه من مصر هو المُراد لذاته... كمال تمامالحرف ناسب كمال تمام الغاية.
( ما ) هنا استفهامية ... و ( ما ) في سورة الكهفاسم موصول.
أما في سورة الكهف فلم يكن فقدان الحوت هو الغاية والهدف الرئيس ،لأن غايته هي الالتقاء بالخضر فكان الفقدان وسيلة وليس غاية... فناسب نقصان تمامالحرف نقصان تمام الغاية.
-----------------------------