محب العثيمين
07-22-2003, 01:34 PM
رفعت الإقلام.. وجفت الصحف
في رثاء العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله
للشيخ محمد إبراهيم شقرة
نعم لقد جفت الصحف، ورُفعت الأقلام، وثبتت الأقدار في مستقرها، بعد أن قطعت الأشواط الزمانية التي قُدرت لها فوق صعيد الحياة، وألمّ بها الوهنُ، وأقعدها العجز، وأسلمها إلى النهاية، الصائرة إليها الأشياء كلها، ومنها، وعليها، حين غاب عنها صاحبها، وآثر اللحاق بالملأ الأعلى.
وما كان يكون للأقدار أن تتخلف عن مواقعها، وقد أوثقها الله إليه بإرادته الحكيمة مذ كانت إرادته، مذ كان ولم يكن شيء، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو الحكيم الخبير، فلا راد لها إلا بأقدار أخرى تقضي إرادته الحكيمة بغير الذي قضت به، فأين المهرب من قدرٍ، وقد سيقت معه وإليه إرادات المخلوقات كلها بقوتها، وضعفها والقت عنده راحلة العمر حبلها، توثق به إلى النهاية الحتم التي لا تختلف عليها إرادات البشر جميعها، إلا بما يكون منها من طواعيةٍ راضية، وتسليم لابث، رضيت ذلك أم كرهت !؟! ذلكم أنه كائن لا محالة.
وأَجاء الله قدره إلى الروح القوية، التي ظلت زهاء ستة عقود تحتضن لواء السنة في عزيمةٍ لا تعرفُ التردد، وصبر لا يعرف الضجر، وإقدامٍ لا يعرف النكوص، ودأب موصول لا يعرف الوهن، وسهر عُمّيت الطرائق على الإجهاد إليه، ودقّة صبور تقاصر عنها الهمم، وأمانة واعية أذكرت أهل العلم بما يجب عليهم من حقوقها، واستقصاء أحاط علماً بكل ما ندّ من قواعدها وخفي من أصولها، وشغف ظلّ مشبوبا به قلبه حتى سقط القلم من بين أصابعه، واستحضار للنصوص والآثار والسنن والبلاغات بأحكامها، وعزوها إلى مظانِّها، والتأليف بينها، والناسخ والمنسوخ منها، والاستنباطات الفقهية الحسنة، إلى غير ذلك من علوم السنة التي وضع لها خدّه وعشقها قلبُه، وأناخ على صدره منه همُّها واستوى عليه سوقها، وأصاب كلّ طالب علم محب للسنة ما قدر عليه من ثمرها. ولم تعرف السنة النبوية في شطر عمرها الثاني مثله في قوة سَبرِه، واستدراكه على السابقين، وتيسرٍ وتسهيلٍ للاحقين، واختصار للمتون وتوليف بينها وإعمال دقيق محكم لقواعدها وأحكامها وتتميم للنقص الذي بدا عُواره فيها ورد وضبطٍ وتقويم للخلل الذي وقع عليها، وتبيان لعلل التي حلّت بها، وتصويب للأخطاء التي عكَّتها، وثبتت زماناً مديداً لها، وسلّم بها العلماء تسليما مطلقاً لطول العهد بها، لخفاء عللها على السابقين وكان علم السُّنة قد صار إلى غياهب النسيان، وانقطع به عقوداً طويلة، حتى صار الاشتغال به ضرباً من المستحيل، بل وصار يكاد أن يعاب من يهمُّ بالاشتغال به إلا ما يكون من طباعة كتبها، والاهتمام بحفظ نصوصها بأسانيدها أو مجّردة منها، حفظاً يكون الحافظ به نسخة جاد بها حفظ الحافظ على النسخ التي أخرجتها المطبعة من تحت أضراسها لكتاب من كتبها ليظل الكتاب محفوظاً كما هو بأخطائه وأغاليطه التي علقت بصحائفه من أول مرة طبع فيها فقد أكتسب هذا الكتاب قدسيةً، تسمو إلى قدسية المصحف، على أن ليس في آياته خطأ ينفي عنه الصواب ولم يعدُ الحفظ هذا بل لربما شُهِر الحافظ حتى ليقال فيه لقد أدرك بركةً عزّ على الناس نوالها، وهذا حقٌ لا ريب فيه وبخاصة وإن كان الحفظ أخذاً بإجازة، ولكن أن يبقى عند حدود الحفظ فذلك يقبل حتى من العوام الذين يجيدون حفظ القرآن.
فلما طلع النجم الأكبر وسطع ضوؤه، وتلألأ في سماء الشام سناه قال قائل السُّوءى : أأعجميٌّ وعربيٌ، وتناحلت الذّم عليه السنٌ بأسوأ من هذه القالة فيه وتلاحت مقاول الحسد تصد بالكلام عنه، ولكأنما حُبست عن الخير كله قولاً وفهما لأسبابه، وناءت بعجزٍ أصمّها عن سماع شيء مما وهبه الله سبحانه ورضيه له مباركاً فيه، وأسلس له قياده.
وقد عرفت ديار الشام نفراً من أهل العلم كانوا يعنون بالسّنة لكنها عناية لم تخرجهم عن قيد المذهبية التي كانوا قد وجدوا آبائهم عليها فكانت مذهبيتهم تقهرهم على ليِّ أعناق النصوص التي يحفظونها ليّاً يدينها من المذاهب التي صارت لها قدسية تعلو قدسية السنن والآثار ليكون المذهب الذي نشأ عليه أحدهم هو الأول قبل الآخر، والآخر بعد الأول لا يطاول بحق، إلا أن يتحول المتمذهب عن مذهبه الذي لم تستطع قدسيته أن تحول دون تحوله عنه، وذلكم حين يصعب جداً عليه أن يسيغ بعض المسائل التي كان التسليم بها قبلُ هو النجاة والمرقاة، كالشيخ القاسمي رحمه الله، وغالبية أهل بلاد الشام على المذهب الشافعي.
فلما أن طلع نجم ذلك (الأعجمي) زعموا، وزعموا مطيّة الكذب، ومرتع الهوى وسوق الدّقل ! ومباءة العجز الباهظ فيا حسرة على المسلمين، ما يأتيهم من عالم أفاء الله عليه بعلم الكتاب والسنة إلا كانوا عنه معرضين، وله مُعادين، وعن قوس واحدة له رامين، ولكأني به رحمه الله على حياءٍ سابغ حين يعرض لذكر قوله عليه السلام : "إن الله لا ينزع العلم منكم بعد ما أعطاكموه انتزاعاً ولكن يقبض العلماء بعلمهم ويبقى جهّال، فيُسألون فيُفتون، فيَضلُّون ويٌضِلٌّون " وهو ممن نقطع من تلكم الطائفة التي بموتها يموت العلم وتنقطع مادته الصالحة وذلكم من خشية أن يقول الأفَّاكون الخرَّاصون المبطلون أنه إنما يعني نفسه.
وحتى لو أنه أراد أن يريد نفسه لما جاوز عتبة الحق والصدق والحقيقة، ويكون تحديثاً منه بنعمة الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولقد عهدنا منه حين كان يثني أحد عليه بعلمه يقول : ما أنا إلا طويلب علم صغير ثم كلمة الصِّدِّيق على لسانه : " اللهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون "، وكثيراً ما كانت دموعه تخالط كلماته فتقطع حروفها ولا يكاد يبين عن كلماته إلا من بعد انقطاع دموعه ولقد لقي رحمه الله من المشايخ المذهبيين ما لقي العلماء الربانيون من قبله من سوء الظن بكل مُؤثِّمة من القول والرَّمي بسابغات التُّهم، والزمان يتداعى حاضره بماضيه وأوله بأخره وشاهده بغائبه، حتى يكون كأنما هو كله بكل ما حواه مخلوقاً ليكون شاهداً على نفسه أنه زمان واحد يذكر بخلق السماوات والأرض { أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون } وأن كثيراً مما خلق الله في أجزاء هذا الزمان العتيد الطويل الممتد فوق رقعة الأرض والسماء يتساوون في الأذواق والعقول، وإن تفاوتوا في صورهم وأشكالهم وأن أسوأ الأذواق وأردأ العقول عقول الذين تلطخوا بمنابذة السنة المطهرة وأذواق الذين باتوا على جمر العداوة لأحكامها وآدابها فناءوا جميعاً بأوزار الناس الظَّانِّين فيهم الظَّن الحسن وما هم إلا من خبال الأوهام المُوَشَّاة بضلال الرَيب ورِيَب الضلال، لا يُليذُهم مكرمهم السيء إلا إلى مكر مثله أو أسوأ.
وكان للشيخ حظ من مثل هذا، نودي به في الناس أنه " الإمام " بلا منازع ناخت ببابه رواحل علم السنة فندب الله لها من أراد به خيراً ليأخذ من أوقارها ما يقدر على أخذه فما نقص منها شيء إلا وصار إليها أضعاف أضعاف ما نقص -- بدأب الشيخ وصبره وإحاطته - ومن دخل مكتبته التي أنشأها بقلمه لا يكاد يصدق أن تلك المخطوطات المنضودة فوق رفوفها، وسطَّرها قلمه واجتناها عقله ورصفها بجَلَدِه هي صنعته وَحدَه " وبخاصةٍ منها "سلسلته الذهبية " الصحيحة والضعيفة التي تنعم الأمة إلا بأقل من نصفها قبل موته ولو أني حلفت يميناً فيها أنه ما من حرف ولا كلمه فيما صنف إلا وهو من خطه هو، لذا كانت البركة الخالدة فيما مَنَّ الله عليه من علم أفاض به معرفة باقية في عقبة إلى ما شاء الله ولو أنه سلك طريق التأليف التي أمعن في سلوكها الحاطبون في ظلمات الخَتلِ، والنهب والسطو، وسخَّر طوائف من الجهلاء بأجر حسن يبغون التكسب الرخيص من وراء الأردية الفضفاضة أو الحازقة الحاقبة التي يودون أن يستروا بها عوراتهم، وقبيح فعلاتهم وما هم بفاعلين،وما أقبحها من عورات سمّنها الجشع الطُّلَعة، وأهزلها من بعد تجشُمُها محولات الإبقاء على ظنون الناس المخدوعين فيها فما أصابت إلا حزنًا على ما فاتها، وإلا هلعاً من خوف على ما حسبته أنه خالد محبوس عليها، فهي بينهما على وجل غير مجذوذ، وأني يكون لها أن تضع خفافها إلا حيث يقضي به عليها هواها ؟.
ولقد طوَّفت السنة بآفاق الأرض، وتبحث عن مستقر لها فما وجدت في هذا القرن الجائلة فيه الفتن آمن لها منه، ولا أعطف لها من قلبه، ولا أحفظ لها من صدره فوهبت له نفسها في ثقة راضية، ورضيته أن يكون لواءها العالي الرفيع تحمله في قوة وجلادة ينتاب به ليل نهار نوادي العلم وتغشى به جموع طلابه وترتاد به ثَنيّات المعارف وتطلع بشارفة شوارفها فترد إليه شواردها وشواهدها كيلا يكون لغيره ما أرادته له من شرف شارف به من شرّفة الله من قبل أن يكون من أشرف شرفائها كالبخاري ومسلم وغيرهما من نبلاء الحفظة والمحدثين فزهت به أرض الشام غوطتها وبلقائها حيث منشؤه، ومُهاجَره، ومُقامه الذي كرّمه، وثواؤه، وتغنت بذكره أرض الكنانة، وفتحت له ذراعيها أرض الجزيرة والفراتين وتساعت إلى بابه في جهار ( وخفاء) دور النشر تطلب ود قلم بصبيب عطائه.
وأحمد الله ربي سبحانه أن أولاني صحبة كريمة فائقة له دامت نحواً من خمس وثلاثين سنة، ما كانت لتدوم على صفاء وبرور لولا ما أوقرت له فيها من صادق المودة والرعاية وشجاعة النصرة والحماية ما لم يكن لأحد سواي، لم أر لي عليه بهذا كله حقاً يؤمّل إلا ما أرتجيه من حسن ثواب الآخرة.
وطلاب العلم في زماننا يصدُق فيهم قول نبينا صلى الله عليه وسلم " والناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة " وقد أوشك الناس أن يدركوا بطلاب العلم وما ينشرون في الناس من كفاف الحروف والمعاني علامة من علامات الساعة وهي :"فشوّ القلم " وليس أدلّ على وجود هذه العلامة أن طلاب العلم أنفسهم في زماننا -على أنهم طلاب علم - ليسوا عالمين بأنهم هم أنفسهم، فهي هم وهم هي، وبأنها علامة قائمة فيهم وأنهم هم نتف متفرقة منها وأن الاكثار من الكتابة والتأليف وإن ظُن أنه سيكون به ومنه ومعه علم يعني (فشو القلم ) أوسع فيهم جهلاً وغروراً.
ملاحظة هامة : أرجو طلاب العلم واحداً واحداً في أقطار الأرض وجهاتها أن لا يشير أحدهم لنفسه بأصبع الاتهام (بأنه المعني بذلك ) إلا إن علم من نفسه علم اليقين (بأنه كذلك) والواحد فرد شائع كما يقال، وذلك خشيةً من أن يكون الظن منهم لا يوافق ( مَطرحَه أو مُطّرَحه ) فيرتد إليه سهم ظّنه مُصِمّاً " والعهد بنا بمثله قريب.
واحسبني صادقاً والناس معي بصدقهم أن كانوا مصدّقيّ فيما أقول : مصدقاً لما بين يديّ من شهادة ستين سنة، صدّقت بهيمنة دعواها صدقها، وبتصديق الشيخ لها بما شهدت كتبه بصدق ما حوته من علم صادق مصدق، ما نطق به لسان الأيام عدلاً وصدقاً لا لَبس فيه ولا ريب بأخذ العهد الصادق الموروث عن النبي الصادق المصدق فلكأنما كان وعد صدق من الشيخ أو مع الشيخ في حياته أو من بعد موته أن يظل منهجه في عقبه ثلجاً، يُحدّث الناس أنه سيبقى صادقاً (بكلّه) و (بأجزائه كلها ) لما أصدق بظاهر رسمه وشكله وبما أخفى من فحواه ووحيه، وبما أرتع القلوب والعقول في شجره ونجمه وبما سقاها من نمير ينعه ورضاب ثمره حتى أضحى الدليل من آي الكتاب، ونصوص السنة، وآثار علماء سلف الأمة مطلب العالم، وبغية المتعلم، ونشدان المتأدب، والتمست طرائق البحث الاستقرائي، والنظر الرَّويّ، والسبر الدُّريّ، ولم يعد لطالب العلم مكان إلا بذلك، وصار الدليل من هذه كلها أو من بعضها يطلب من قبل أن تساق المسألة من مسائل الفقه، كبيرة كانت أم صغيرة، فإما إثباتٌ بدليل، وإما نفي بدليل لتحيا التي تحيا منها عن بيّنة، ولتزول التي تزول منها عن بيّنة فيبقى علم الكتاب والسنة على جلاء المحجة، فصارت المسائل تباهي بادلتها أخواتها من المسائل الكاثرة على جُنح الظلام وفوق أريج الصبا وعلى متن عافية النهار في تسابق بين المهرة البهرة الخُلّص البررة، الذين أصابوا من كرائم العلم، وطرائف الحكمة، وأنشدوا أنفسهم الله سبحانه أن يكونوا على سواء القصد في إيراد المسائل العلمية بأجلى وأحلى وأغلى صفة الإيراد.
في رثاء العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله
للشيخ محمد إبراهيم شقرة
نعم لقد جفت الصحف، ورُفعت الأقلام، وثبتت الأقدار في مستقرها، بعد أن قطعت الأشواط الزمانية التي قُدرت لها فوق صعيد الحياة، وألمّ بها الوهنُ، وأقعدها العجز، وأسلمها إلى النهاية، الصائرة إليها الأشياء كلها، ومنها، وعليها، حين غاب عنها صاحبها، وآثر اللحاق بالملأ الأعلى.
وما كان يكون للأقدار أن تتخلف عن مواقعها، وقد أوثقها الله إليه بإرادته الحكيمة مذ كانت إرادته، مذ كان ولم يكن شيء، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو الحكيم الخبير، فلا راد لها إلا بأقدار أخرى تقضي إرادته الحكيمة بغير الذي قضت به، فأين المهرب من قدرٍ، وقد سيقت معه وإليه إرادات المخلوقات كلها بقوتها، وضعفها والقت عنده راحلة العمر حبلها، توثق به إلى النهاية الحتم التي لا تختلف عليها إرادات البشر جميعها، إلا بما يكون منها من طواعيةٍ راضية، وتسليم لابث، رضيت ذلك أم كرهت !؟! ذلكم أنه كائن لا محالة.
وأَجاء الله قدره إلى الروح القوية، التي ظلت زهاء ستة عقود تحتضن لواء السنة في عزيمةٍ لا تعرفُ التردد، وصبر لا يعرف الضجر، وإقدامٍ لا يعرف النكوص، ودأب موصول لا يعرف الوهن، وسهر عُمّيت الطرائق على الإجهاد إليه، ودقّة صبور تقاصر عنها الهمم، وأمانة واعية أذكرت أهل العلم بما يجب عليهم من حقوقها، واستقصاء أحاط علماً بكل ما ندّ من قواعدها وخفي من أصولها، وشغف ظلّ مشبوبا به قلبه حتى سقط القلم من بين أصابعه، واستحضار للنصوص والآثار والسنن والبلاغات بأحكامها، وعزوها إلى مظانِّها، والتأليف بينها، والناسخ والمنسوخ منها، والاستنباطات الفقهية الحسنة، إلى غير ذلك من علوم السنة التي وضع لها خدّه وعشقها قلبُه، وأناخ على صدره منه همُّها واستوى عليه سوقها، وأصاب كلّ طالب علم محب للسنة ما قدر عليه من ثمرها. ولم تعرف السنة النبوية في شطر عمرها الثاني مثله في قوة سَبرِه، واستدراكه على السابقين، وتيسرٍ وتسهيلٍ للاحقين، واختصار للمتون وتوليف بينها وإعمال دقيق محكم لقواعدها وأحكامها وتتميم للنقص الذي بدا عُواره فيها ورد وضبطٍ وتقويم للخلل الذي وقع عليها، وتبيان لعلل التي حلّت بها، وتصويب للأخطاء التي عكَّتها، وثبتت زماناً مديداً لها، وسلّم بها العلماء تسليما مطلقاً لطول العهد بها، لخفاء عللها على السابقين وكان علم السُّنة قد صار إلى غياهب النسيان، وانقطع به عقوداً طويلة، حتى صار الاشتغال به ضرباً من المستحيل، بل وصار يكاد أن يعاب من يهمُّ بالاشتغال به إلا ما يكون من طباعة كتبها، والاهتمام بحفظ نصوصها بأسانيدها أو مجّردة منها، حفظاً يكون الحافظ به نسخة جاد بها حفظ الحافظ على النسخ التي أخرجتها المطبعة من تحت أضراسها لكتاب من كتبها ليظل الكتاب محفوظاً كما هو بأخطائه وأغاليطه التي علقت بصحائفه من أول مرة طبع فيها فقد أكتسب هذا الكتاب قدسيةً، تسمو إلى قدسية المصحف، على أن ليس في آياته خطأ ينفي عنه الصواب ولم يعدُ الحفظ هذا بل لربما شُهِر الحافظ حتى ليقال فيه لقد أدرك بركةً عزّ على الناس نوالها، وهذا حقٌ لا ريب فيه وبخاصة وإن كان الحفظ أخذاً بإجازة، ولكن أن يبقى عند حدود الحفظ فذلك يقبل حتى من العوام الذين يجيدون حفظ القرآن.
فلما طلع النجم الأكبر وسطع ضوؤه، وتلألأ في سماء الشام سناه قال قائل السُّوءى : أأعجميٌّ وعربيٌ، وتناحلت الذّم عليه السنٌ بأسوأ من هذه القالة فيه وتلاحت مقاول الحسد تصد بالكلام عنه، ولكأنما حُبست عن الخير كله قولاً وفهما لأسبابه، وناءت بعجزٍ أصمّها عن سماع شيء مما وهبه الله سبحانه ورضيه له مباركاً فيه، وأسلس له قياده.
وقد عرفت ديار الشام نفراً من أهل العلم كانوا يعنون بالسّنة لكنها عناية لم تخرجهم عن قيد المذهبية التي كانوا قد وجدوا آبائهم عليها فكانت مذهبيتهم تقهرهم على ليِّ أعناق النصوص التي يحفظونها ليّاً يدينها من المذاهب التي صارت لها قدسية تعلو قدسية السنن والآثار ليكون المذهب الذي نشأ عليه أحدهم هو الأول قبل الآخر، والآخر بعد الأول لا يطاول بحق، إلا أن يتحول المتمذهب عن مذهبه الذي لم تستطع قدسيته أن تحول دون تحوله عنه، وذلكم حين يصعب جداً عليه أن يسيغ بعض المسائل التي كان التسليم بها قبلُ هو النجاة والمرقاة، كالشيخ القاسمي رحمه الله، وغالبية أهل بلاد الشام على المذهب الشافعي.
فلما أن طلع نجم ذلك (الأعجمي) زعموا، وزعموا مطيّة الكذب، ومرتع الهوى وسوق الدّقل ! ومباءة العجز الباهظ فيا حسرة على المسلمين، ما يأتيهم من عالم أفاء الله عليه بعلم الكتاب والسنة إلا كانوا عنه معرضين، وله مُعادين، وعن قوس واحدة له رامين، ولكأني به رحمه الله على حياءٍ سابغ حين يعرض لذكر قوله عليه السلام : "إن الله لا ينزع العلم منكم بعد ما أعطاكموه انتزاعاً ولكن يقبض العلماء بعلمهم ويبقى جهّال، فيُسألون فيُفتون، فيَضلُّون ويٌضِلٌّون " وهو ممن نقطع من تلكم الطائفة التي بموتها يموت العلم وتنقطع مادته الصالحة وذلكم من خشية أن يقول الأفَّاكون الخرَّاصون المبطلون أنه إنما يعني نفسه.
وحتى لو أنه أراد أن يريد نفسه لما جاوز عتبة الحق والصدق والحقيقة، ويكون تحديثاً منه بنعمة الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولقد عهدنا منه حين كان يثني أحد عليه بعلمه يقول : ما أنا إلا طويلب علم صغير ثم كلمة الصِّدِّيق على لسانه : " اللهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون "، وكثيراً ما كانت دموعه تخالط كلماته فتقطع حروفها ولا يكاد يبين عن كلماته إلا من بعد انقطاع دموعه ولقد لقي رحمه الله من المشايخ المذهبيين ما لقي العلماء الربانيون من قبله من سوء الظن بكل مُؤثِّمة من القول والرَّمي بسابغات التُّهم، والزمان يتداعى حاضره بماضيه وأوله بأخره وشاهده بغائبه، حتى يكون كأنما هو كله بكل ما حواه مخلوقاً ليكون شاهداً على نفسه أنه زمان واحد يذكر بخلق السماوات والأرض { أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون } وأن كثيراً مما خلق الله في أجزاء هذا الزمان العتيد الطويل الممتد فوق رقعة الأرض والسماء يتساوون في الأذواق والعقول، وإن تفاوتوا في صورهم وأشكالهم وأن أسوأ الأذواق وأردأ العقول عقول الذين تلطخوا بمنابذة السنة المطهرة وأذواق الذين باتوا على جمر العداوة لأحكامها وآدابها فناءوا جميعاً بأوزار الناس الظَّانِّين فيهم الظَّن الحسن وما هم إلا من خبال الأوهام المُوَشَّاة بضلال الرَيب ورِيَب الضلال، لا يُليذُهم مكرمهم السيء إلا إلى مكر مثله أو أسوأ.
وكان للشيخ حظ من مثل هذا، نودي به في الناس أنه " الإمام " بلا منازع ناخت ببابه رواحل علم السنة فندب الله لها من أراد به خيراً ليأخذ من أوقارها ما يقدر على أخذه فما نقص منها شيء إلا وصار إليها أضعاف أضعاف ما نقص -- بدأب الشيخ وصبره وإحاطته - ومن دخل مكتبته التي أنشأها بقلمه لا يكاد يصدق أن تلك المخطوطات المنضودة فوق رفوفها، وسطَّرها قلمه واجتناها عقله ورصفها بجَلَدِه هي صنعته وَحدَه " وبخاصةٍ منها "سلسلته الذهبية " الصحيحة والضعيفة التي تنعم الأمة إلا بأقل من نصفها قبل موته ولو أني حلفت يميناً فيها أنه ما من حرف ولا كلمه فيما صنف إلا وهو من خطه هو، لذا كانت البركة الخالدة فيما مَنَّ الله عليه من علم أفاض به معرفة باقية في عقبة إلى ما شاء الله ولو أنه سلك طريق التأليف التي أمعن في سلوكها الحاطبون في ظلمات الخَتلِ، والنهب والسطو، وسخَّر طوائف من الجهلاء بأجر حسن يبغون التكسب الرخيص من وراء الأردية الفضفاضة أو الحازقة الحاقبة التي يودون أن يستروا بها عوراتهم، وقبيح فعلاتهم وما هم بفاعلين،وما أقبحها من عورات سمّنها الجشع الطُّلَعة، وأهزلها من بعد تجشُمُها محولات الإبقاء على ظنون الناس المخدوعين فيها فما أصابت إلا حزنًا على ما فاتها، وإلا هلعاً من خوف على ما حسبته أنه خالد محبوس عليها، فهي بينهما على وجل غير مجذوذ، وأني يكون لها أن تضع خفافها إلا حيث يقضي به عليها هواها ؟.
ولقد طوَّفت السنة بآفاق الأرض، وتبحث عن مستقر لها فما وجدت في هذا القرن الجائلة فيه الفتن آمن لها منه، ولا أعطف لها من قلبه، ولا أحفظ لها من صدره فوهبت له نفسها في ثقة راضية، ورضيته أن يكون لواءها العالي الرفيع تحمله في قوة وجلادة ينتاب به ليل نهار نوادي العلم وتغشى به جموع طلابه وترتاد به ثَنيّات المعارف وتطلع بشارفة شوارفها فترد إليه شواردها وشواهدها كيلا يكون لغيره ما أرادته له من شرف شارف به من شرّفة الله من قبل أن يكون من أشرف شرفائها كالبخاري ومسلم وغيرهما من نبلاء الحفظة والمحدثين فزهت به أرض الشام غوطتها وبلقائها حيث منشؤه، ومُهاجَره، ومُقامه الذي كرّمه، وثواؤه، وتغنت بذكره أرض الكنانة، وفتحت له ذراعيها أرض الجزيرة والفراتين وتساعت إلى بابه في جهار ( وخفاء) دور النشر تطلب ود قلم بصبيب عطائه.
وأحمد الله ربي سبحانه أن أولاني صحبة كريمة فائقة له دامت نحواً من خمس وثلاثين سنة، ما كانت لتدوم على صفاء وبرور لولا ما أوقرت له فيها من صادق المودة والرعاية وشجاعة النصرة والحماية ما لم يكن لأحد سواي، لم أر لي عليه بهذا كله حقاً يؤمّل إلا ما أرتجيه من حسن ثواب الآخرة.
وطلاب العلم في زماننا يصدُق فيهم قول نبينا صلى الله عليه وسلم " والناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة " وقد أوشك الناس أن يدركوا بطلاب العلم وما ينشرون في الناس من كفاف الحروف والمعاني علامة من علامات الساعة وهي :"فشوّ القلم " وليس أدلّ على وجود هذه العلامة أن طلاب العلم أنفسهم في زماننا -على أنهم طلاب علم - ليسوا عالمين بأنهم هم أنفسهم، فهي هم وهم هي، وبأنها علامة قائمة فيهم وأنهم هم نتف متفرقة منها وأن الاكثار من الكتابة والتأليف وإن ظُن أنه سيكون به ومنه ومعه علم يعني (فشو القلم ) أوسع فيهم جهلاً وغروراً.
ملاحظة هامة : أرجو طلاب العلم واحداً واحداً في أقطار الأرض وجهاتها أن لا يشير أحدهم لنفسه بأصبع الاتهام (بأنه المعني بذلك ) إلا إن علم من نفسه علم اليقين (بأنه كذلك) والواحد فرد شائع كما يقال، وذلك خشيةً من أن يكون الظن منهم لا يوافق ( مَطرحَه أو مُطّرَحه ) فيرتد إليه سهم ظّنه مُصِمّاً " والعهد بنا بمثله قريب.
واحسبني صادقاً والناس معي بصدقهم أن كانوا مصدّقيّ فيما أقول : مصدقاً لما بين يديّ من شهادة ستين سنة، صدّقت بهيمنة دعواها صدقها، وبتصديق الشيخ لها بما شهدت كتبه بصدق ما حوته من علم صادق مصدق، ما نطق به لسان الأيام عدلاً وصدقاً لا لَبس فيه ولا ريب بأخذ العهد الصادق الموروث عن النبي الصادق المصدق فلكأنما كان وعد صدق من الشيخ أو مع الشيخ في حياته أو من بعد موته أن يظل منهجه في عقبه ثلجاً، يُحدّث الناس أنه سيبقى صادقاً (بكلّه) و (بأجزائه كلها ) لما أصدق بظاهر رسمه وشكله وبما أخفى من فحواه ووحيه، وبما أرتع القلوب والعقول في شجره ونجمه وبما سقاها من نمير ينعه ورضاب ثمره حتى أضحى الدليل من آي الكتاب، ونصوص السنة، وآثار علماء سلف الأمة مطلب العالم، وبغية المتعلم، ونشدان المتأدب، والتمست طرائق البحث الاستقرائي، والنظر الرَّويّ، والسبر الدُّريّ، ولم يعد لطالب العلم مكان إلا بذلك، وصار الدليل من هذه كلها أو من بعضها يطلب من قبل أن تساق المسألة من مسائل الفقه، كبيرة كانت أم صغيرة، فإما إثباتٌ بدليل، وإما نفي بدليل لتحيا التي تحيا منها عن بيّنة، ولتزول التي تزول منها عن بيّنة فيبقى علم الكتاب والسنة على جلاء المحجة، فصارت المسائل تباهي بادلتها أخواتها من المسائل الكاثرة على جُنح الظلام وفوق أريج الصبا وعلى متن عافية النهار في تسابق بين المهرة البهرة الخُلّص البررة، الذين أصابوا من كرائم العلم، وطرائف الحكمة، وأنشدوا أنفسهم الله سبحانه أن يكونوا على سواء القصد في إيراد المسائل العلمية بأجلى وأحلى وأغلى صفة الإيراد.