المشكدانة
07-25-2003, 06:03 AM
الخاتم المسك
***عش دقائق مع حياة خير البشر***
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد
فهذا موضوع كتبته في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، محبة له ، وتحريكا للنفوس للاقتداء به ، آملة أن تصبروا أنفسكم معي هذه الدقائق فإن سيرته عطرة ، وحياته تعبق بالدرر والعبر .. والمسك والعنبر ..
(ومن وجد فيما جمعت خطأ فلينبه عليه وليصححه شاكرة لفضله معترفة بتقصيري )
* قد أكرمنا الله سبحانه ومن علينا بأن جعلنا من أمة حبيبه وصفيه من خلقه * محمد بن عبدالله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي * يقول جل وعلا " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " [ آل عمران 164 ] فهو النبي الخاتم أرسله جل وعلا بما أرسل الأنبياء من قبله " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " أي اعبدوا الله وحده واتركوا عبادة ما سواه كما قال تعالى " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " وهذا معنى لا إله إلا الله فإنها العروة الوثقى ، قال العماد ابن كثير في هذه الآية " كلهم ـ أي الرسل ـ يدعو إلى عبادة الله وينهى عن عبادة ما سواه . فلم يزل سبحانه يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فكانت دعوته عامة إلى الخلق كافة ، بعثه الله جل وعلا رحمة للعالمين ، شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا .
· وقد كانت جزيرة العرب على دين إسماعيل حين دعاهم إلى دين أبيه إبراهيم وهو دين التوحيد حتى طال عليهم الأمد ونسوا حظا مما ذكروا به ودخل الشرك أرض التوحيد ، أدخله رجل يدعى عمرو بن لحى رئيس خزاعة ، حيث سافر إلى الشام فرآهم يعبدون الأوثان فاستحسن ذلك وظنه حقا لأن الشام محل الرسل والكتب فقدم معه بهبل وجعله في جوف الكعبة ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله فأجابوه ، ثم انتشر بعد ذلك الشرك في مكة وما حولها من القرى حتى بعث الله جل وعلا خير البشرية بلا إله إلا الله وطهر أرض التوحيد من الشرك والمشركين ، فعلى عجالة نستعرض شيئا من سيرته عليه الصلاة والسلام :
· وُلد صلى الله عليه وسلم في شعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الأثنين التاسع من شهر ربيع الأول عام الفيل ، يوافق العشرين أو الثاني والعشرين من شهر إبريل 571 م
· أمه هي آمنة بنت وهب ، وجده عبد المطلب ، هو من سماه محمدا ، وكان والده قد توفي ولم يخرج إلى الدنيا بعد ، وفقد كذلك أمه بعد ست سنوات فانتقل إلى حضانة جده عبد المطلب ، ولثمان سنوات من عمره تقريبا توفي جده ، وعهد بكفالته إلى عمه أبي طالب ، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة ارتحل به أبو طالب تاجرا إلى الشام ، وقد أكرمه الله جل وعلا بكرامات قبل النبوة ، نذكر منها واحدة ذكرها أهل السير وهي ما أخرجه ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال : قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش : يا أبا طالب ! أقحط الوادي وأجدب العيال فهلمّ فاستسق فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن ، تجلت عنه سحابة قثماء حوله اغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ باصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من ههنا وههنا وأغدق واغدودق وانفجر الوادي وأخصب النادي والبادي وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل .
· ثم تاجر بمال خديجة رضي الله عنها كما هو معروف وعندما كان في الخامسة والعشرين من عمره و تزوجها فهي أول زوجاته ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت وكل أولاده منها سوى إبراهيم ، ولدت له القاسم وبه كان يكنى ثم زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وعبدالله .
· ولما قارب عمره الأربعين حبب إليه الخلاء فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على بعد ميلين من مكة فيقيم فيه شهر رمضان يقضي وقته في العبادة والتفكر في خلق الله وكان هذا تدبيرا من الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم فهو يعده لحمل الأمانة الكبرى ، ولما تكامل له أربعون سنة بدأت تحدث له آثار النبوة وأولها الرؤية الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا كانت مثل فلق الصبح حتى مضت على ذلك ستة أشهر فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وسلم بحراء ، شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض فأكرمه بالنبوة وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن ومعروف أنها أول خمس آيات من سورة العلق .
· وقد بدأت دعوته سرية واستمرت كذلك ثلاث سنوات وكان أول من آمن به زوجته خديجة رضي الله عنها ومن الرجال صديقه الحميم أبو بكر رضي الله عنه ومن الصبية علي بن أبي طالب ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة ، ثم بدأ الإسلام ينتشر سرا طوال هذه المدة حتى أمر صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة ، دعوة التوحيد ، وقد لاقى صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه ألوان شتى من الأذى والاضطهاد حتى اضطر أصحابه صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة بدينهم أما الرسول صلى الله عليه وسلم فكان ينتظر أمر ربه له بالهجرة ، وقبل ذلك ، بعدما رأى من قومه الأذى والمعاداة ذهب إلى الطائف يرجو منهم نصرته فرد عليه أهلها ردا قبيحا حتى أرسلوا سفهاءهم وغلمانهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبه صلى الله عليه وسلم فتضرع إلى الله جل وعلا قائلا " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي" وأتى إليه جبريل برسالة من الله جل جلاله وقال " إن الله أمرني أن أطيعك في قومك لما صنعوه معك ، فقال عليه الصلاة والسلام " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " فقال جبريل : " صدق من سماك الرؤوف الرحيم " .
· وروى البخاري ومسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد ؟ ، قال : لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال : يا محمد ، قد بعثني الله ، إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت ، إن شئت أطبق عليهم الأخشبين الجبلين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا "
· كان هذا حاله صلى الله عليه وسلم جهاد ومعاناة ، وكان أكمل الخلق صبرا ويقينا بنصر الله وتأييده ، وقد أكرمه الله جل وعلا قبل الهجرة بحادثة الإسراء والمعراج ، وفيها فرضت الصلوات الخمس ،،، وبعد أن بلغ عمر الدعوة ثلاثة عشر عاما في مكة أذن الله له بالهجرة إلى المدينة بعد أن انتشر فيها الإسلام وأصبحت مستعدة لاستقبال الرسول صلى الله عليه وسلم ، وصحبه في هجرته الصديق رضوان الله عليه وقد تميزت الدعوة في المدينة بالقوة إذ فيها بدأ الجهاد الحربي وكذلك بدأ بيان شرائع الإسلام وأحكامه وتنظيم المجتمع المسلم والعناية بالتربية الاجتماعية .
· كان هذا مرورا سريعا على حياته صلى الله عليه وسلم ولا تكفي هذه الدقائق للإحاطة بسيرته العطرة وإنما نرتشف منها ارتشافا ،،،
كان صلى الله عليه وسلم كامل الخَلق والخُلق ، ومن أجمل ما قرأت في بيان جمال خَلقه صلى الله عليه وسلم وصف أم معبد له إذ قالت تصفه لزوجها :
" رأيت رجلا ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ( أي مشرق الوجه مضيئه ) لم تعبه نُحلة (أي نحول جسم ) ولم تُزر به صُقلة (تريد أنه ليس بناحل ولا منتفخ)، وسيم قسيم ، في عينيه دعج (سواد) وفي أشفاره وطف ( أي طويل شعر العين) ، وفي صوته صهل ( بُحة وحسن ) ، وفي عنقه سطع (أي طول) وفي لحيته كثاثة ( كثرة الشعر) أزج أقرن (حاجباه طويلان ومقوسان ومتصلان) إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سما وعلاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد ، وأجلاهم وأحسنهم من قريب ، حلو المنطق ، فصلٌ لا نزر ولا هذر (أي كلامه بين وسط ليس بالقليل ولا بالكثير ) كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة لايأس من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر (أي ربعة ليس بالطويل البائن ولا القصير) غصن بين غصنين ، فهو أنظر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا ، له رفقاء يحفون به ، إن قال أنصتوا لقوله ، وإن أمر تبادروا لأمره محشود محفود (أصحابه يطيعونه) لا عابس ولا مفند (غير عابس الوجه وكلامه خال من الخرافة ) ،،،
فيا لله ماأجمله من وصف ، وأشهد أنه من صفوة الله من خلقه ، بأبي هو وأمي عليه أفضل الصلاة والسلام ، كان كما قال القائل في وصفه صلى الله عليه وسلم " من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم "
· وكان صلى الله عليه وسلم طيب الريح والعرق ، نظيفا متنزها عن الأقذار ، خصه الله بخصائص لم توجد في غيره ، قال أنس " ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم" وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام مسح خده ، قال : فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطار .
والجونة هي التي يعد فيها الطيب ويحرز
· أما خُلقه فكما قالت عائشة عندما سئلت عن ذلك " كان خلقه القرآن " ويكفينا من ذلك ثناء الله جل وعلا عليه بقوله " وإنك لعلى خلق عظيم" ، وقال عن نفسه صلوات ربي وسلامه عليه " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، وقد كان متصفا بها بنفسه كما ربى أصحابه رضوان الله عليهم عليها ، ولنا به وبهم أسوة حسنة ، فمر علينا كيف كان صبره صلى الله عليه وسلم في دعوته واحتماله الأذى بل عفوه بعد قدرته عمن آذاه صلوات ربي وسلامه عليه .
· قال عنه تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " ، وأنقل لكم من حياته هذه المواقف التي تبين رفقه صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله ، هذه الصفة التي يحتاجها كل داعية ويفتقدها الكثير منا اليوم ، فتأملوا كيف كان رفيقا حليما ، وكيف احتماله الأذى وصبره على الجاهل ،، إليكم أخلاق حبيبكم وإن كنتم تحبون الله فاتبعوه يحببكم الله ،،،
·
***عش دقائق مع حياة خير البشر***
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد
فهذا موضوع كتبته في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، محبة له ، وتحريكا للنفوس للاقتداء به ، آملة أن تصبروا أنفسكم معي هذه الدقائق فإن سيرته عطرة ، وحياته تعبق بالدرر والعبر .. والمسك والعنبر ..
(ومن وجد فيما جمعت خطأ فلينبه عليه وليصححه شاكرة لفضله معترفة بتقصيري )
* قد أكرمنا الله سبحانه ومن علينا بأن جعلنا من أمة حبيبه وصفيه من خلقه * محمد بن عبدالله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي * يقول جل وعلا " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " [ آل عمران 164 ] فهو النبي الخاتم أرسله جل وعلا بما أرسل الأنبياء من قبله " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " أي اعبدوا الله وحده واتركوا عبادة ما سواه كما قال تعالى " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " وهذا معنى لا إله إلا الله فإنها العروة الوثقى ، قال العماد ابن كثير في هذه الآية " كلهم ـ أي الرسل ـ يدعو إلى عبادة الله وينهى عن عبادة ما سواه . فلم يزل سبحانه يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فكانت دعوته عامة إلى الخلق كافة ، بعثه الله جل وعلا رحمة للعالمين ، شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا .
· وقد كانت جزيرة العرب على دين إسماعيل حين دعاهم إلى دين أبيه إبراهيم وهو دين التوحيد حتى طال عليهم الأمد ونسوا حظا مما ذكروا به ودخل الشرك أرض التوحيد ، أدخله رجل يدعى عمرو بن لحى رئيس خزاعة ، حيث سافر إلى الشام فرآهم يعبدون الأوثان فاستحسن ذلك وظنه حقا لأن الشام محل الرسل والكتب فقدم معه بهبل وجعله في جوف الكعبة ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله فأجابوه ، ثم انتشر بعد ذلك الشرك في مكة وما حولها من القرى حتى بعث الله جل وعلا خير البشرية بلا إله إلا الله وطهر أرض التوحيد من الشرك والمشركين ، فعلى عجالة نستعرض شيئا من سيرته عليه الصلاة والسلام :
· وُلد صلى الله عليه وسلم في شعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الأثنين التاسع من شهر ربيع الأول عام الفيل ، يوافق العشرين أو الثاني والعشرين من شهر إبريل 571 م
· أمه هي آمنة بنت وهب ، وجده عبد المطلب ، هو من سماه محمدا ، وكان والده قد توفي ولم يخرج إلى الدنيا بعد ، وفقد كذلك أمه بعد ست سنوات فانتقل إلى حضانة جده عبد المطلب ، ولثمان سنوات من عمره تقريبا توفي جده ، وعهد بكفالته إلى عمه أبي طالب ، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة ارتحل به أبو طالب تاجرا إلى الشام ، وقد أكرمه الله جل وعلا بكرامات قبل النبوة ، نذكر منها واحدة ذكرها أهل السير وهي ما أخرجه ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال : قدمت مكة وهم في قحط فقالت قريش : يا أبا طالب ! أقحط الوادي وأجدب العيال فهلمّ فاستسق فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن ، تجلت عنه سحابة قثماء حوله اغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ باصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من ههنا وههنا وأغدق واغدودق وانفجر الوادي وأخصب النادي والبادي وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل .
· ثم تاجر بمال خديجة رضي الله عنها كما هو معروف وعندما كان في الخامسة والعشرين من عمره و تزوجها فهي أول زوجاته ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت وكل أولاده منها سوى إبراهيم ، ولدت له القاسم وبه كان يكنى ثم زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وعبدالله .
· ولما قارب عمره الأربعين حبب إليه الخلاء فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على بعد ميلين من مكة فيقيم فيه شهر رمضان يقضي وقته في العبادة والتفكر في خلق الله وكان هذا تدبيرا من الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم فهو يعده لحمل الأمانة الكبرى ، ولما تكامل له أربعون سنة بدأت تحدث له آثار النبوة وأولها الرؤية الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا كانت مثل فلق الصبح حتى مضت على ذلك ستة أشهر فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وسلم بحراء ، شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض فأكرمه بالنبوة وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن ومعروف أنها أول خمس آيات من سورة العلق .
· وقد بدأت دعوته سرية واستمرت كذلك ثلاث سنوات وكان أول من آمن به زوجته خديجة رضي الله عنها ومن الرجال صديقه الحميم أبو بكر رضي الله عنه ومن الصبية علي بن أبي طالب ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة ، ثم بدأ الإسلام ينتشر سرا طوال هذه المدة حتى أمر صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة ، دعوة التوحيد ، وقد لاقى صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه ألوان شتى من الأذى والاضطهاد حتى اضطر أصحابه صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة بدينهم أما الرسول صلى الله عليه وسلم فكان ينتظر أمر ربه له بالهجرة ، وقبل ذلك ، بعدما رأى من قومه الأذى والمعاداة ذهب إلى الطائف يرجو منهم نصرته فرد عليه أهلها ردا قبيحا حتى أرسلوا سفهاءهم وغلمانهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبه صلى الله عليه وسلم فتضرع إلى الله جل وعلا قائلا " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي" وأتى إليه جبريل برسالة من الله جل جلاله وقال " إن الله أمرني أن أطيعك في قومك لما صنعوه معك ، فقال عليه الصلاة والسلام " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " فقال جبريل : " صدق من سماك الرؤوف الرحيم " .
· وروى البخاري ومسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد ؟ ، قال : لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال : يا محمد ، قد بعثني الله ، إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت ، إن شئت أطبق عليهم الأخشبين الجبلين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا "
· كان هذا حاله صلى الله عليه وسلم جهاد ومعاناة ، وكان أكمل الخلق صبرا ويقينا بنصر الله وتأييده ، وقد أكرمه الله جل وعلا قبل الهجرة بحادثة الإسراء والمعراج ، وفيها فرضت الصلوات الخمس ،،، وبعد أن بلغ عمر الدعوة ثلاثة عشر عاما في مكة أذن الله له بالهجرة إلى المدينة بعد أن انتشر فيها الإسلام وأصبحت مستعدة لاستقبال الرسول صلى الله عليه وسلم ، وصحبه في هجرته الصديق رضوان الله عليه وقد تميزت الدعوة في المدينة بالقوة إذ فيها بدأ الجهاد الحربي وكذلك بدأ بيان شرائع الإسلام وأحكامه وتنظيم المجتمع المسلم والعناية بالتربية الاجتماعية .
· كان هذا مرورا سريعا على حياته صلى الله عليه وسلم ولا تكفي هذه الدقائق للإحاطة بسيرته العطرة وإنما نرتشف منها ارتشافا ،،،
كان صلى الله عليه وسلم كامل الخَلق والخُلق ، ومن أجمل ما قرأت في بيان جمال خَلقه صلى الله عليه وسلم وصف أم معبد له إذ قالت تصفه لزوجها :
" رأيت رجلا ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ( أي مشرق الوجه مضيئه ) لم تعبه نُحلة (أي نحول جسم ) ولم تُزر به صُقلة (تريد أنه ليس بناحل ولا منتفخ)، وسيم قسيم ، في عينيه دعج (سواد) وفي أشفاره وطف ( أي طويل شعر العين) ، وفي صوته صهل ( بُحة وحسن ) ، وفي عنقه سطع (أي طول) وفي لحيته كثاثة ( كثرة الشعر) أزج أقرن (حاجباه طويلان ومقوسان ومتصلان) إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سما وعلاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد ، وأجلاهم وأحسنهم من قريب ، حلو المنطق ، فصلٌ لا نزر ولا هذر (أي كلامه بين وسط ليس بالقليل ولا بالكثير ) كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة لايأس من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر (أي ربعة ليس بالطويل البائن ولا القصير) غصن بين غصنين ، فهو أنظر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا ، له رفقاء يحفون به ، إن قال أنصتوا لقوله ، وإن أمر تبادروا لأمره محشود محفود (أصحابه يطيعونه) لا عابس ولا مفند (غير عابس الوجه وكلامه خال من الخرافة ) ،،،
فيا لله ماأجمله من وصف ، وأشهد أنه من صفوة الله من خلقه ، بأبي هو وأمي عليه أفضل الصلاة والسلام ، كان كما قال القائل في وصفه صلى الله عليه وسلم " من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم "
· وكان صلى الله عليه وسلم طيب الريح والعرق ، نظيفا متنزها عن الأقذار ، خصه الله بخصائص لم توجد في غيره ، قال أنس " ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم" وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام مسح خده ، قال : فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطار .
والجونة هي التي يعد فيها الطيب ويحرز
· أما خُلقه فكما قالت عائشة عندما سئلت عن ذلك " كان خلقه القرآن " ويكفينا من ذلك ثناء الله جل وعلا عليه بقوله " وإنك لعلى خلق عظيم" ، وقال عن نفسه صلوات ربي وسلامه عليه " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ، وقد كان متصفا بها بنفسه كما ربى أصحابه رضوان الله عليهم عليها ، ولنا به وبهم أسوة حسنة ، فمر علينا كيف كان صبره صلى الله عليه وسلم في دعوته واحتماله الأذى بل عفوه بعد قدرته عمن آذاه صلوات ربي وسلامه عليه .
· قال عنه تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " ، وأنقل لكم من حياته هذه المواقف التي تبين رفقه صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله ، هذه الصفة التي يحتاجها كل داعية ويفتقدها الكثير منا اليوم ، فتأملوا كيف كان رفيقا حليما ، وكيف احتماله الأذى وصبره على الجاهل ،، إليكم أخلاق حبيبكم وإن كنتم تحبون الله فاتبعوه يحببكم الله ،،،
·