أنهار
08-02-2003, 12:59 AM
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد فإن المسلم يتعرض في حياته لعدد من الحالات الطارئة ، التي يحتاج فيها لوجود جواب فوري يعمل بمقتضاه عند حصول الحالة المعينة ، وكثيراً ما يصعب أو يتعذر وقتها البحث عن الحكم الشرعي أو السؤال عنه .
وهذا يؤكد أهمية التفقه في الدين ومعرفة أحكام الشريعة حتى إذا ما احتاج المسلم للحكم وجده عنده فأنقذ نفسه أو غيره من إخوانه المسلمين من الوقوع في المحرمات أو الأخطاء، وكثيراً ما يؤدي الجهل إلى فساد العبادة أو الوقوع في الحرج ، ومن المؤسف أن يقوم إمام إلى الخامسة سهواً في صلاته بالجماعة فلا تجد في المسجد واحداً يعرف الحكم الشرعي في هذه المسألة ، أو يأتي مسافر وقت إقلاع الطائرة وهو ينوي العمرة ويكتشف فجأة أنه قد نسي لباس الإحرام ، وليس هناك وقت لتوفيره ثم لا يوجد في المطار من المسلمين من يخبره بماذا يفعل في هذه الحالة الطارئة ، ويدخل شخص المسجد وقد جمعوا للمطر وهم في صلاة العشاء وهو لم يصل المغرب فيقع في حيرة من أمره ، وقل مثل ذلك من الحالات التي يختلف المصلون فيها ويتناقشون بجهلهم ، فيقع الاضطراب والتشويش في مساجد المسلمين وجماعتهم ، وفي كثير من الأمور الشخصية والفردية ، فإن الجهل يوقع في الحرج وربما الإثم وخصوصاً إذا كان المرء في موقف يجب عليه فيه أن يتخذ قراراً وليس عنده علم يبني عليه قراراه .
وإذا كان أهل الدنيا يضعون الإجابات المسبقة للتصرف السليم في الحالات الطارئة ؛ كحصول الحريق ، وانتشال الغريق ، ولدغة العقرب ، وحوادث الاصطدام ، والنزيف والكسور ، وسائر إجراءاتهم في الإسعافات الأولية وغيرها ، يعلمون ذلك للناس ويقيمون الدورات لأجل ذلك ، فأهل الآخرة أولى أن يتعلموا ويعلموا أحكام هذا الدين .
ومما ينبغي الانتباه له هنا التفريق بين المسائل الافتراضية التي لا تقع أو نادرة الوقوع وبين المسائل الواقعة فعلاً ، التي علم من التجربة وحال الناس أنها تحدث ويقع السؤال عنها .
فأما القسم الأول : فالبحث فيه من التكلف الذي نهينا عنه شرعاً وقد حذرنا من هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، بقوله : ( ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم …) الحديث في الصحيحين واللفظ لمسلم برقم 1337 ج : 2 ص : 975 .
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث : ( فدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه .. وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء ) جامع العلوم والحكم ابن رجب 1/240 ت : الأرناؤوط .
وعلى هذا المعنى يحمل كلام جماعة من السلف كما جاء عن زيد بن ثابت ، رضي الله عنه ، أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول كان هذا ؟ فإن قالوا لا قال : دعوه حتى يكون . أورده ابن رجب المرجع السابق 1/245 وانظر آثاراً مشابهة في سنن الدارمي 1/49 ، وجامع بيان العلم لابن عبد البر 2/174 .
أما القسم الثاني : وهي المسائل التي تقع فالسؤال عنها محمود ( وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها كما قالوا له: إنّا لاقو العدو غداً وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب ؟ وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده وعن طاعتهم وقتالهم ، وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها ) جامع العلوم والحكم 1/243 فهذا يدل على جواز السؤال عما هو متوقع حصوله .
وهذا عرض لبعض المسائل الشرعية التي يتعرض لها الناس في حياتهم ، وهي من المسائل الواقعية التي حصلت وتحصل لبعض الناس مع كل مسألة جوابها مقروناً بذكر المصدر من أهل العلم الثقات ، وقد يكون في المسألة أقوال لكن جرى الاقتصار في الغالب على قول واحد معتبر بدليله مع الإيجاز طلباً للتسهيل والاختصار خشية التطويل والله أسأل أن ينفعني بهذا وإخواني المسلمين في هذه الدار ويوم يقوم الأشهاد وأن يجزي بالخير من ساهم في هذا إنه جواد كريم والله أعلم وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
أولاً : الطهارة
إذا وجد في أصابعه طلاء أثناء الوضوء فهل الاشتغال بحكه وإزالته يقطع الموالاة ويلزمه إعادة الوضوء ؟ .
الجواب : لا تنقطع الموالاة بذلك - على الراجح - ولو جفت أعضاؤه لأنه تأخر بعمل يتعلق بطهارته ، وكذلك لو انتقل من صنبور إلى صنبور لتحصيل الماء ونحو ذلك .
أما إذا فاتت الموالاة بأمر لا يتعلق بوضوئه ، كإزالة نجاسة من ثوب ، أو أكل أو شرب ونحوه ، ونشفت الأعضاء فحينئذ ينبغي عليه أن يعيد الوضوء . فتاوى ابن عثيمين 4/145-146 .
إذا كان الإنسان مجروحاً في أحد أعضاء الوضوء ولا يستطيع وضع لاصق فليتوضأ ثم يتيمم للعضو المجروح المغني مع الشرح الكبير 1/282 ، ولا يجب عليه غسل مكان الجرح مادام يتضرر بالماء .
إذا رأى في ثوبه أثر جنابة وقد صلّى عدة صلوات ولم يكن يدري فإن عليه أن يغتسل ويعيد الصلاة من أحدث نومة نامها في هذا الثوب إلا إذا عرف أن الجنابة من نومة قبلها فيعيد الصلاة من آخر نومة يظن أن الجنابة حصلت فيها ، المغني مع الشرح الكبير 1/199 . والأدلة على وجوب الاغتسال من الجنابة لأجل الصلاة كثيرة منها قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) سورة النساء /43 . وحديث علي رضي الله عنه قال : كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، أو ذكر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة فإذا فضحت الماء فاغتسل ) فضخت أي صببت والمقصود خروج المني ، رواه أبو داود رقم 206 وصححه الألباني في إرواء الغليل رقم 125 . فدل ذلك على أن المني يجب منه الغسل والمذي يكفي فيه غسل الفرج والوضوء .
إذا كان مسافراً بالطائرة في رحلة من الرحلات الطويلة فأصابته جنابة ، ولا يستطيع الاغتسال ، وليس في الطائرة شيء يجوز التيمم عليه ، ولو انتظر حتى يصل إلى البلد الآخر لخرج وقت الصلاة التي لا تجمع كالفجر أو وقت جمع الصلاتين كالظهر والعصر، لأنه قد يسافر قبل الفجر ولا يصل إلا بعد طلوع الشمس أو يسافر قبل الظهر فلا يصل إلا بعد المغرب فماذا يفعل ؟ .
الجواب : إذا سلمنا انه لا يستطيع الاغتسال في الطائرة فإن هذه المسألة تسمى عند الفقهاء بمسألة فاقد الطهورين ، وقد تباينت أقوالهم فيه ورأي الإمام أحمد وجمهور المحدثين أنه يصلي على حاله وهذه قدرته واستطاعته ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، والدليل الخاص في هذه المسألة ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أناساً لطلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء ( لعدم وجود الماء ) فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم صحيح مسلم 367 . ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولا أمرهم بإعادة ، فدل على أنها واجبة ولأن الطهارة شرط فلم تؤخر الصلاة عند عدمها . المغني مع الشرح الكبير 1/251 . ومثل هذه الحالة قد تقع لبعض المرضى الذين لا يستطيعون تحريك أعضائهم مطلقاً أو السجناء في بعض الأوضاع كالمقيد والمعلّق .
والمقصود أن يؤدي الصلاة ولا يخرجها عن وقتها بحسب حاله ولا إعادة عليه على الصحيح وما جعل الله علينا في الدين من حرج .
إذا أسقطت المرأة ونزل عليها الدم فهل تصلي أم لا ؟ .
هذه المسألة مبنية على نوع الدم هل هو نفاس أو استحاضة وقد ذكر العلماء الضابط في ذلك فقالوا : " إذا رأت الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان فهو نفاس .. وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة فليس بنفاس " المغني مع الشرح الكبير 1/361 .
وفي هذه الحالة تكون مستحاضة تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها وتصلي ، أما إذا كان الذي سقط جنيناً متخلقاً أو فيه آثار لتخطيط أحد الأعضاء كيد أو رجل أو رأس فإنه نفاس، وإن قالت إنهم أخذوه في المستشفى فرموه ولم أره فقد ذكر أهل العلم أن أقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يوماً من الحمل . مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين 4/292 . بناء على ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - فقال : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكاً يؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب عمله ورزقه وشقي أو سعيد .. ) هذا السياق في البخاري فتح 6/303 .
فمثل هذه تجتهد وتستعين بتقديرات الأطباء حتى يتبين لها حالها .
وأما الدم النازل قبيل الولادة إن كان مصحوباً بآلام الطلق فهو نفاس وإلا فلا . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ما تراه حين تشرع في الطلق فهو نفاس ، ومراده طلق يعقبه ولادة وإلا فليس بنفاس " . مجموع فتاوى ابن عثيمين 4/327 .
ثانياً : الصلاة
إذا تعرض المصلي لوسوسة الشيطان في صلاته يلبس عليه القراءة ويأتي له بالخواطر السيئة ويشككه في عدد الركعات فماذا يفعل ؟ .
لقد حصل هذا لأحد الصحابة وهو عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه ، فجاء يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول : إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليَّ ؟ { أي يخلطها ويشككني فيها } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً ) ، قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني . صحيح مسلم رقم 2203 .
فتضمن هذا الحديث أمرين لدفع شيطان الصلاة ، الأول : الاستعاذة بالله من شره فيتلفظ بها المصلي ولا حرج ، والثاني : التفل عن الشمال ثلاثاً وهو نفخ الهواء مع شيء من الريق بشرط أن لا يؤذي من بجانبه ولا يقذر المسجد .
إذا نابه شيء في صلاته ، فإذا كان رجلاً فليسبح ، وإن كان امرأة فلتصفق ، والدليل على ذلك ما جاء عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفح النساء ) رواه أبو داود ، ولفظ الصحيحين : ( التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ) . التصفيح هو التصفيق ، سنن أبي داود 941 ، وفي صحيح البخاري ط.البغا 1145 ، وفي صحيح مسلم 106 .
إذا أقيمت الصلاة وحضرت حاجة الإنسان ، فليذهب إلى الخلاء ، ويقضي حاجته ولو فاتت الجماعة .
الدليل : عن عبد الله بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء ) رواه أبو داود رقم 88 وهو في صحيح الجامع 373 .
إذا شك المصلي هل احدث أم لا ؟ أو أحس بحركة في بطنه فهل ينصرف أم يواصل ؟ .
إذا تيقن من الحدث يخرج من الصلاة ، أما إذا شك ولم يتيقن فلا يخرج إلا بيقين ، وهو سماع الصوت أو وجود الريح ، فإن وجد ذلك فلينصرف ، وإلا فلا يلتفت . والدليل : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أم لم يحدث فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) رواه أبو داود 177 وهو في صحيح الجامع 750 .
وهذا من التشريعات الإسلامية العظيمة في علاج الوسوسة .
إذا كان يصلي الوتر وأثناء صلاته أذن المؤذن لصلاة الفجر فهل يكمل وتره ؟ .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد فإن المسلم يتعرض في حياته لعدد من الحالات الطارئة ، التي يحتاج فيها لوجود جواب فوري يعمل بمقتضاه عند حصول الحالة المعينة ، وكثيراً ما يصعب أو يتعذر وقتها البحث عن الحكم الشرعي أو السؤال عنه .
وهذا يؤكد أهمية التفقه في الدين ومعرفة أحكام الشريعة حتى إذا ما احتاج المسلم للحكم وجده عنده فأنقذ نفسه أو غيره من إخوانه المسلمين من الوقوع في المحرمات أو الأخطاء، وكثيراً ما يؤدي الجهل إلى فساد العبادة أو الوقوع في الحرج ، ومن المؤسف أن يقوم إمام إلى الخامسة سهواً في صلاته بالجماعة فلا تجد في المسجد واحداً يعرف الحكم الشرعي في هذه المسألة ، أو يأتي مسافر وقت إقلاع الطائرة وهو ينوي العمرة ويكتشف فجأة أنه قد نسي لباس الإحرام ، وليس هناك وقت لتوفيره ثم لا يوجد في المطار من المسلمين من يخبره بماذا يفعل في هذه الحالة الطارئة ، ويدخل شخص المسجد وقد جمعوا للمطر وهم في صلاة العشاء وهو لم يصل المغرب فيقع في حيرة من أمره ، وقل مثل ذلك من الحالات التي يختلف المصلون فيها ويتناقشون بجهلهم ، فيقع الاضطراب والتشويش في مساجد المسلمين وجماعتهم ، وفي كثير من الأمور الشخصية والفردية ، فإن الجهل يوقع في الحرج وربما الإثم وخصوصاً إذا كان المرء في موقف يجب عليه فيه أن يتخذ قراراً وليس عنده علم يبني عليه قراراه .
وإذا كان أهل الدنيا يضعون الإجابات المسبقة للتصرف السليم في الحالات الطارئة ؛ كحصول الحريق ، وانتشال الغريق ، ولدغة العقرب ، وحوادث الاصطدام ، والنزيف والكسور ، وسائر إجراءاتهم في الإسعافات الأولية وغيرها ، يعلمون ذلك للناس ويقيمون الدورات لأجل ذلك ، فأهل الآخرة أولى أن يتعلموا ويعلموا أحكام هذا الدين .
ومما ينبغي الانتباه له هنا التفريق بين المسائل الافتراضية التي لا تقع أو نادرة الوقوع وبين المسائل الواقعة فعلاً ، التي علم من التجربة وحال الناس أنها تحدث ويقع السؤال عنها .
فأما القسم الأول : فالبحث فيه من التكلف الذي نهينا عنه شرعاً وقد حذرنا من هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، بقوله : ( ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم …) الحديث في الصحيحين واللفظ لمسلم برقم 1337 ج : 2 ص : 975 .
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث : ( فدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه .. وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء ) جامع العلوم والحكم ابن رجب 1/240 ت : الأرناؤوط .
وعلى هذا المعنى يحمل كلام جماعة من السلف كما جاء عن زيد بن ثابت ، رضي الله عنه ، أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول كان هذا ؟ فإن قالوا لا قال : دعوه حتى يكون . أورده ابن رجب المرجع السابق 1/245 وانظر آثاراً مشابهة في سنن الدارمي 1/49 ، وجامع بيان العلم لابن عبد البر 2/174 .
أما القسم الثاني : وهي المسائل التي تقع فالسؤال عنها محمود ( وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها كما قالوا له: إنّا لاقو العدو غداً وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب ؟ وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده وعن طاعتهم وقتالهم ، وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها ) جامع العلوم والحكم 1/243 فهذا يدل على جواز السؤال عما هو متوقع حصوله .
وهذا عرض لبعض المسائل الشرعية التي يتعرض لها الناس في حياتهم ، وهي من المسائل الواقعية التي حصلت وتحصل لبعض الناس مع كل مسألة جوابها مقروناً بذكر المصدر من أهل العلم الثقات ، وقد يكون في المسألة أقوال لكن جرى الاقتصار في الغالب على قول واحد معتبر بدليله مع الإيجاز طلباً للتسهيل والاختصار خشية التطويل والله أسأل أن ينفعني بهذا وإخواني المسلمين في هذه الدار ويوم يقوم الأشهاد وأن يجزي بالخير من ساهم في هذا إنه جواد كريم والله أعلم وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
أولاً : الطهارة
إذا وجد في أصابعه طلاء أثناء الوضوء فهل الاشتغال بحكه وإزالته يقطع الموالاة ويلزمه إعادة الوضوء ؟ .
الجواب : لا تنقطع الموالاة بذلك - على الراجح - ولو جفت أعضاؤه لأنه تأخر بعمل يتعلق بطهارته ، وكذلك لو انتقل من صنبور إلى صنبور لتحصيل الماء ونحو ذلك .
أما إذا فاتت الموالاة بأمر لا يتعلق بوضوئه ، كإزالة نجاسة من ثوب ، أو أكل أو شرب ونحوه ، ونشفت الأعضاء فحينئذ ينبغي عليه أن يعيد الوضوء . فتاوى ابن عثيمين 4/145-146 .
إذا كان الإنسان مجروحاً في أحد أعضاء الوضوء ولا يستطيع وضع لاصق فليتوضأ ثم يتيمم للعضو المجروح المغني مع الشرح الكبير 1/282 ، ولا يجب عليه غسل مكان الجرح مادام يتضرر بالماء .
إذا رأى في ثوبه أثر جنابة وقد صلّى عدة صلوات ولم يكن يدري فإن عليه أن يغتسل ويعيد الصلاة من أحدث نومة نامها في هذا الثوب إلا إذا عرف أن الجنابة من نومة قبلها فيعيد الصلاة من آخر نومة يظن أن الجنابة حصلت فيها ، المغني مع الشرح الكبير 1/199 . والأدلة على وجوب الاغتسال من الجنابة لأجل الصلاة كثيرة منها قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) سورة النساء /43 . وحديث علي رضي الله عنه قال : كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، أو ذكر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة فإذا فضحت الماء فاغتسل ) فضخت أي صببت والمقصود خروج المني ، رواه أبو داود رقم 206 وصححه الألباني في إرواء الغليل رقم 125 . فدل ذلك على أن المني يجب منه الغسل والمذي يكفي فيه غسل الفرج والوضوء .
إذا كان مسافراً بالطائرة في رحلة من الرحلات الطويلة فأصابته جنابة ، ولا يستطيع الاغتسال ، وليس في الطائرة شيء يجوز التيمم عليه ، ولو انتظر حتى يصل إلى البلد الآخر لخرج وقت الصلاة التي لا تجمع كالفجر أو وقت جمع الصلاتين كالظهر والعصر، لأنه قد يسافر قبل الفجر ولا يصل إلا بعد طلوع الشمس أو يسافر قبل الظهر فلا يصل إلا بعد المغرب فماذا يفعل ؟ .
الجواب : إذا سلمنا انه لا يستطيع الاغتسال في الطائرة فإن هذه المسألة تسمى عند الفقهاء بمسألة فاقد الطهورين ، وقد تباينت أقوالهم فيه ورأي الإمام أحمد وجمهور المحدثين أنه يصلي على حاله وهذه قدرته واستطاعته ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، والدليل الخاص في هذه المسألة ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أناساً لطلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء ( لعدم وجود الماء ) فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم صحيح مسلم 367 . ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولا أمرهم بإعادة ، فدل على أنها واجبة ولأن الطهارة شرط فلم تؤخر الصلاة عند عدمها . المغني مع الشرح الكبير 1/251 . ومثل هذه الحالة قد تقع لبعض المرضى الذين لا يستطيعون تحريك أعضائهم مطلقاً أو السجناء في بعض الأوضاع كالمقيد والمعلّق .
والمقصود أن يؤدي الصلاة ولا يخرجها عن وقتها بحسب حاله ولا إعادة عليه على الصحيح وما جعل الله علينا في الدين من حرج .
إذا أسقطت المرأة ونزل عليها الدم فهل تصلي أم لا ؟ .
هذه المسألة مبنية على نوع الدم هل هو نفاس أو استحاضة وقد ذكر العلماء الضابط في ذلك فقالوا : " إذا رأت الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان فهو نفاس .. وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة فليس بنفاس " المغني مع الشرح الكبير 1/361 .
وفي هذه الحالة تكون مستحاضة تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها وتصلي ، أما إذا كان الذي سقط جنيناً متخلقاً أو فيه آثار لتخطيط أحد الأعضاء كيد أو رجل أو رأس فإنه نفاس، وإن قالت إنهم أخذوه في المستشفى فرموه ولم أره فقد ذكر أهل العلم أن أقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يوماً من الحمل . مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين 4/292 . بناء على ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - فقال : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكاً يؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب عمله ورزقه وشقي أو سعيد .. ) هذا السياق في البخاري فتح 6/303 .
فمثل هذه تجتهد وتستعين بتقديرات الأطباء حتى يتبين لها حالها .
وأما الدم النازل قبيل الولادة إن كان مصحوباً بآلام الطلق فهو نفاس وإلا فلا . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ما تراه حين تشرع في الطلق فهو نفاس ، ومراده طلق يعقبه ولادة وإلا فليس بنفاس " . مجموع فتاوى ابن عثيمين 4/327 .
ثانياً : الصلاة
إذا تعرض المصلي لوسوسة الشيطان في صلاته يلبس عليه القراءة ويأتي له بالخواطر السيئة ويشككه في عدد الركعات فماذا يفعل ؟ .
لقد حصل هذا لأحد الصحابة وهو عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه ، فجاء يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول : إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليَّ ؟ { أي يخلطها ويشككني فيها } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً ) ، قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني . صحيح مسلم رقم 2203 .
فتضمن هذا الحديث أمرين لدفع شيطان الصلاة ، الأول : الاستعاذة بالله من شره فيتلفظ بها المصلي ولا حرج ، والثاني : التفل عن الشمال ثلاثاً وهو نفخ الهواء مع شيء من الريق بشرط أن لا يؤذي من بجانبه ولا يقذر المسجد .
إذا نابه شيء في صلاته ، فإذا كان رجلاً فليسبح ، وإن كان امرأة فلتصفق ، والدليل على ذلك ما جاء عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفح النساء ) رواه أبو داود ، ولفظ الصحيحين : ( التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ) . التصفيح هو التصفيق ، سنن أبي داود 941 ، وفي صحيح البخاري ط.البغا 1145 ، وفي صحيح مسلم 106 .
إذا أقيمت الصلاة وحضرت حاجة الإنسان ، فليذهب إلى الخلاء ، ويقضي حاجته ولو فاتت الجماعة .
الدليل : عن عبد الله بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء ) رواه أبو داود رقم 88 وهو في صحيح الجامع 373 .
إذا شك المصلي هل احدث أم لا ؟ أو أحس بحركة في بطنه فهل ينصرف أم يواصل ؟ .
إذا تيقن من الحدث يخرج من الصلاة ، أما إذا شك ولم يتيقن فلا يخرج إلا بيقين ، وهو سماع الصوت أو وجود الريح ، فإن وجد ذلك فلينصرف ، وإلا فلا يلتفت . والدليل : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أم لم يحدث فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) رواه أبو داود 177 وهو في صحيح الجامع 750 .
وهذا من التشريعات الإسلامية العظيمة في علاج الوسوسة .
إذا كان يصلي الوتر وأثناء صلاته أذن المؤذن لصلاة الفجر فهل يكمل وتره ؟ .