العبد الفقير
08-02-2003, 07:31 PM
إليكم هذا السؤال الذي أرسلته لمركز الفتوى على موقع الإسلام اليوم...
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد..فضيلة الشيخ يتناقل الشباب هذه الأيام رسالة عبر البريد الإلكتروني تتحدث عن إعجاز الله في خلقه للبعوضة. وكان مما ذكر قولهم أن هناك حشرة تعيش فوق ظهر تلك البعوضة وعليه فإنهم في الرسالة فسروا قول الله تعالى "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ" [البقرة: 26]. سورة البقرة على أن المقصود بالآية هو تلك الحشرة الصغيرة.فضيلة الشيخ لو صدق النقل فهل الآية يمكن أن تفسر بما ذكر أعلاه..بارك الله فيكم
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.
فهذا جواب مختصر لما سألتموني عنه حول اكتشاف علمي لكائنات حية تفوق البعوضة في الضآلة والخطورة: قال الله تعالى: "إِنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ وَأَمّا الّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللّهُ بِهَـَذَا مَثَلاً يُضِلّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الْفَاسِقِينَ" [البقرة: 26], وذلك في معرض الحديث عن القرآن الكريم والذي يؤكد فيه "أَنّهُ الْحَقّ" من عند الله ويتوعد الكافرين بتلك الحقيقة ويبشر المؤمنين ويتحدى أن يأتي أحد بمثله, واستهل الحديث بقوله تعالى: "وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مّمّا نَزّلْنَا عَلَىَ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم مّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" [البقرة: 23], وهذا يعني أن ضرب المثل بالبعوضة هو من جملة المتحدى به مما يحمل علما لا يدرك أغواره أحد زمن تنزيله وأنها ذات أثر خطير في حياة المخاطبين, خاصة أن التعبير "أَنّهُ الْحَقّ" قد ورد نفسه في الإعلان المتحدي بتضمن القرآن حقائق خفية عن العالم تكشفها الأيام بينة على أنه من عند الله العليم بالخلق؛ وهو قول الله تعالى: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللّهِ ثُمّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلّ مِمّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِيَ أَنفُسِهِمْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. أَلاَ إِنّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَآءِ رَبّهِمْ أَلاَ إِنّهُ بِكُلّ شَيْءٍ مّحِيطُ" فصلت 52-54, قال الطاهر بن عاشــور: (كانت الآيات الســابقة ثناء على هذا الكتاب المبين ووصف حال المهتدين بهديه والناكبين عن صراطه وبيان إعجازه والتحدي به, ووجه ربطها بما تقدم.. إقامة الحجة على أحقية القرآن أنه معجز). الدلالة العلمية لم يكن أحد زمن نزول القرآن يدرك أسرار المخلوقات على النحو الذي كشفته اليوم بعد جهود مضنية في المجالات العلمية المتنوعة الثورة المحمومة لكشف المجهول والتي بدأت بعد نزول القرآن بأكثر من عشرة قرون, وقد جاءت الكشوف العلمية مؤيدة لعناية القرآن بالبعوضة لأهميتها في حياة البشر رغم ضآلتها في عالم الأحياء, وهذا مثل صارخ لتسامي القرآن الكريم عن النظرة النسبية في الحكم على الأشياء وتنزهه عن التصورات المحصورة بزمن فلا تخرج في تعريفها للأشياء عما هو سائد فيه, وفي بيئة التنزيل لم يعرف عن البعوضة سوى أنها غير ذات شأن؛ من جملة ما يستحيى من ذكره في المسائل العظام, ولا يجب أن تلقى أي عناية أو اهتمام, وبلغت اعتبارها المثل في الضآلة والاستحقار, لأن في منظورهم: (ليس شيء.. أصغر من البعوضة), وأنها: (نهاية في القلة والضعف), فماذا قرر القرآن الكريم؟: دفع الاستحقار بالبعوضة في منظور الحقيقة؛ فكشف العلم بأنها ذات خطورة على المخاطبين وإن لم يدركوها وأنها ليست نهاية في الضآلة كما يتصورون, بل هناك ما هو "فَوْقَهَا" في الضآلة ويفوقها في الخطورة, وذلك قبل أن تكتشف الأمراض الخطيرة التي تسببها البعوضة وعوالم الكائنات الحية الأدق والغير مرئية, ولم يكتشف المجهر ويستخدم لمعاينة الكائنات الدقيقة إلا في القرن السابع عشر الميلادي, وهكذا تجاوز القرآن الأفق الأعلى لمعارف المخاطبين لعدة قرون، ورفع أستار المجهول جملة واحدة. وفي نفي الاستحياء بالبعوضة دفع للاستهانة وبيان للأهمية والخطورة والتمكين بقدرات تتحدى المخاطبين, و(الفوقية) في اللغة العلو والزيادة في صفة يبينها السياق سيقت من أجلها المقارنة, قال الفخر الرازي: (أراد بما فوقها في الصغر أي بما هو أصغر منها والمحققون مالوا إلى هذا القول.. (لأن:) الغرض هاهنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانياً أشد حقارة من الأول.. والشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير.. وإذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغراً منه), وقال الماوردي: (فما فوقها) في الصغر لأن الغرض المقصود هو الصغر. وقال الألوسي: (والزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه هو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر.. (خاصة أن) الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشير إليه ما قبلها) , وقال الطاهر بن عاشور: (ولفظ (فوق) يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة.. ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ (أقل) ودون لفظ (أقوى) مثلا موقع من بليغ الإعجاز، والفاء عاطفة ما فوقها على بعوضة أفادت تشريكهما في ضرب المثل بهما.. (أي في الحكم مع بيان) التدرج في الرتب), وقال السعدي: (المعنى الذي ضربت فيه مثلاً هو القلة والحقارة.. ولا يقال كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟, لأن التعقيب على الآية : {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم}, وهذا يجعلهم : يتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ازداد بذلك علمهم وإيمانهم وإلا علموا أنها حق وما اشتملت عليه حق وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثاً بل لحكمة بالغة), ويقرر صاحب تفسير مراح لبيد أن نبأ ما دون البعوضة: (لا يسوغ إنكاره لأنه ليس عبثاً بل هو مشتمل على أسرار), وهكذا يشير القرآن الكريم إلى مادون البعوضة من كائنات ويدفع الاستهانة بها قبل اكتشاف الكائنات الحية المجهرية وقدرتها على إصابة الإنسان وغيره من الكائنات الأكبر منها حجما بالأمراض المهلكة. ولا يعدل القرآن في حديثه عن الحق ولا يخالف في بيانه الواقع, فيعبر بالجمع عند الحديث عن "الذباب" و"الفراش" و"الجراد" لأن العلامات الموصوفة تشمل الذكر والأنثى, ولكنه يعدل في حديثه عن البعوض إلى اللفظ المفرد المؤنث "بعوضة", والعجيب أن الأنثى هي بالفعل التي تتغذى على الدماء وتنقل الأمراض, أما الذكر فهو أكبر حجما ويتغذى فقط على رحيق الأزهار, وهكذا ناسب الاشتقاق أن البعوضة هي الأقل حجما والأخطر شأنا. فهذه إضافات علمية إذ إن المعرفة بالبعوضة والأحياء الدقيقة دونها ودورها في نقل الأمراض يستحيل أن يدركها أحد قبل اكتشاف المجهر, فلم يعرف
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد..فضيلة الشيخ يتناقل الشباب هذه الأيام رسالة عبر البريد الإلكتروني تتحدث عن إعجاز الله في خلقه للبعوضة. وكان مما ذكر قولهم أن هناك حشرة تعيش فوق ظهر تلك البعوضة وعليه فإنهم في الرسالة فسروا قول الله تعالى "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ" [البقرة: 26]. سورة البقرة على أن المقصود بالآية هو تلك الحشرة الصغيرة.فضيلة الشيخ لو صدق النقل فهل الآية يمكن أن تفسر بما ذكر أعلاه..بارك الله فيكم
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.
فهذا جواب مختصر لما سألتموني عنه حول اكتشاف علمي لكائنات حية تفوق البعوضة في الضآلة والخطورة: قال الله تعالى: "إِنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ وَأَمّا الّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللّهُ بِهَـَذَا مَثَلاً يُضِلّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الْفَاسِقِينَ" [البقرة: 26], وذلك في معرض الحديث عن القرآن الكريم والذي يؤكد فيه "أَنّهُ الْحَقّ" من عند الله ويتوعد الكافرين بتلك الحقيقة ويبشر المؤمنين ويتحدى أن يأتي أحد بمثله, واستهل الحديث بقوله تعالى: "وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مّمّا نَزّلْنَا عَلَىَ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم مّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" [البقرة: 23], وهذا يعني أن ضرب المثل بالبعوضة هو من جملة المتحدى به مما يحمل علما لا يدرك أغواره أحد زمن تنزيله وأنها ذات أثر خطير في حياة المخاطبين, خاصة أن التعبير "أَنّهُ الْحَقّ" قد ورد نفسه في الإعلان المتحدي بتضمن القرآن حقائق خفية عن العالم تكشفها الأيام بينة على أنه من عند الله العليم بالخلق؛ وهو قول الله تعالى: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللّهِ ثُمّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلّ مِمّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِيَ أَنفُسِهِمْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. أَلاَ إِنّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَآءِ رَبّهِمْ أَلاَ إِنّهُ بِكُلّ شَيْءٍ مّحِيطُ" فصلت 52-54, قال الطاهر بن عاشــور: (كانت الآيات الســابقة ثناء على هذا الكتاب المبين ووصف حال المهتدين بهديه والناكبين عن صراطه وبيان إعجازه والتحدي به, ووجه ربطها بما تقدم.. إقامة الحجة على أحقية القرآن أنه معجز). الدلالة العلمية لم يكن أحد زمن نزول القرآن يدرك أسرار المخلوقات على النحو الذي كشفته اليوم بعد جهود مضنية في المجالات العلمية المتنوعة الثورة المحمومة لكشف المجهول والتي بدأت بعد نزول القرآن بأكثر من عشرة قرون, وقد جاءت الكشوف العلمية مؤيدة لعناية القرآن بالبعوضة لأهميتها في حياة البشر رغم ضآلتها في عالم الأحياء, وهذا مثل صارخ لتسامي القرآن الكريم عن النظرة النسبية في الحكم على الأشياء وتنزهه عن التصورات المحصورة بزمن فلا تخرج في تعريفها للأشياء عما هو سائد فيه, وفي بيئة التنزيل لم يعرف عن البعوضة سوى أنها غير ذات شأن؛ من جملة ما يستحيى من ذكره في المسائل العظام, ولا يجب أن تلقى أي عناية أو اهتمام, وبلغت اعتبارها المثل في الضآلة والاستحقار, لأن في منظورهم: (ليس شيء.. أصغر من البعوضة), وأنها: (نهاية في القلة والضعف), فماذا قرر القرآن الكريم؟: دفع الاستحقار بالبعوضة في منظور الحقيقة؛ فكشف العلم بأنها ذات خطورة على المخاطبين وإن لم يدركوها وأنها ليست نهاية في الضآلة كما يتصورون, بل هناك ما هو "فَوْقَهَا" في الضآلة ويفوقها في الخطورة, وذلك قبل أن تكتشف الأمراض الخطيرة التي تسببها البعوضة وعوالم الكائنات الحية الأدق والغير مرئية, ولم يكتشف المجهر ويستخدم لمعاينة الكائنات الدقيقة إلا في القرن السابع عشر الميلادي, وهكذا تجاوز القرآن الأفق الأعلى لمعارف المخاطبين لعدة قرون، ورفع أستار المجهول جملة واحدة. وفي نفي الاستحياء بالبعوضة دفع للاستهانة وبيان للأهمية والخطورة والتمكين بقدرات تتحدى المخاطبين, و(الفوقية) في اللغة العلو والزيادة في صفة يبينها السياق سيقت من أجلها المقارنة, قال الفخر الرازي: (أراد بما فوقها في الصغر أي بما هو أصغر منها والمحققون مالوا إلى هذا القول.. (لأن:) الغرض هاهنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانياً أشد حقارة من الأول.. والشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير.. وإذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغراً منه), وقال الماوردي: (فما فوقها) في الصغر لأن الغرض المقصود هو الصغر. وقال الألوسي: (والزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه هو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر.. (خاصة أن) الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشير إليه ما قبلها) , وقال الطاهر بن عاشور: (ولفظ (فوق) يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة.. ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ (أقل) ودون لفظ (أقوى) مثلا موقع من بليغ الإعجاز، والفاء عاطفة ما فوقها على بعوضة أفادت تشريكهما في ضرب المثل بهما.. (أي في الحكم مع بيان) التدرج في الرتب), وقال السعدي: (المعنى الذي ضربت فيه مثلاً هو القلة والحقارة.. ولا يقال كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟, لأن التعقيب على الآية : {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم}, وهذا يجعلهم : يتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ازداد بذلك علمهم وإيمانهم وإلا علموا أنها حق وما اشتملت عليه حق وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثاً بل لحكمة بالغة), ويقرر صاحب تفسير مراح لبيد أن نبأ ما دون البعوضة: (لا يسوغ إنكاره لأنه ليس عبثاً بل هو مشتمل على أسرار), وهكذا يشير القرآن الكريم إلى مادون البعوضة من كائنات ويدفع الاستهانة بها قبل اكتشاف الكائنات الحية المجهرية وقدرتها على إصابة الإنسان وغيره من الكائنات الأكبر منها حجما بالأمراض المهلكة. ولا يعدل القرآن في حديثه عن الحق ولا يخالف في بيانه الواقع, فيعبر بالجمع عند الحديث عن "الذباب" و"الفراش" و"الجراد" لأن العلامات الموصوفة تشمل الذكر والأنثى, ولكنه يعدل في حديثه عن البعوض إلى اللفظ المفرد المؤنث "بعوضة", والعجيب أن الأنثى هي بالفعل التي تتغذى على الدماء وتنقل الأمراض, أما الذكر فهو أكبر حجما ويتغذى فقط على رحيق الأزهار, وهكذا ناسب الاشتقاق أن البعوضة هي الأقل حجما والأخطر شأنا. فهذه إضافات علمية إذ إن المعرفة بالبعوضة والأحياء الدقيقة دونها ودورها في نقل الأمراض يستحيل أن يدركها أحد قبل اكتشاف المجهر, فلم يعرف