الزهراء
08-04-2003, 02:59 PM
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية
جريدة الأهرام 20/07/2003
من أسرار القرآن
فنبذناه بالعراء وهو سقيم* وأنبتنا عليه شجرة من يقطيـن* (الصافات:145 ـ146)
بقلم الدكتور: زغـلول النجـار
هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في الخمس الأخير من سورة الصافات, وهي سورة مكية, وآياتها182 بعد البسملة, وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بقسم بالملائكة الأطهار الذين لاينفكون عن عبادة الله( تعالي), ويصطفون في طاعته بأفضل مما يصطف كثير من عباد الله المكلفين من الإنس والجن في الصلاة.
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من القواعد الرئيسية للعقيدة الإسلامية, وفي مقدمتها الإيمان بالله, وتوحيده التوحيد الخالص, وتنزيهه( سبحانه وتعالي) عن كل وصف لايليق بجلاله[ من قبيل نسبة الشريك, أو الشبيه, أو المنازع, أو الصاحبة, أو الولد إلي الله( تعالي), وغير ذلك من صفات المخلوقين والله( تعالي) منزه عن صفات خلقه], والإيمان بملائكة الله, وبكتبه, ورسله, وباليوم الآخر, وبالقدر خيره وشره; والإيمان بالوحي وحقيقته, وبالبعث بعد الموت وبحتميته وضرورته, وبالخلود في الآخرة إما في الجنة أو في النار, وإنها لجنة أبدا, أو نار أبدا كما أخبر بذلك خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين).
وفي سبيل الدعوة إلي الإيمان بهذه الركائز الإسلامية, والعمل علي ترسيخها في العقول والقلوب أشارت سورة الصافات إلي العديد من أشياء الكون وظواهره, ووظفتها في الاستدلال علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق, والشاهدة للخالق( سبحانه وتعالي) بالألوهية, والربوبية, والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه, وبالقدرة علي البعث, وتقيم الحجة علي أهل العلم في زمن تفجر المعارف العلمية الذي نعيشه بأن القرآن الكريم لايمكن أن يكون صناعة بشرية, بل هو كلام الله الخالق, وبأن الرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض.
وفي نفس الوقت, وظفت سورة الصافات هذه الإشارات الكونية في تفنيد دعاوي المبطلين من أهل الكفر والشرك والضلال, وفي تطهير العقول والنفوس من هذا الكم الهائل من الخرافات والأساطير التي نسجتها أنماط عديدة من العقول المريضة عبر التاريخ, انطلاقا من همزات شياطين الإنس والجن, وتخرصات المبطلين, وشهوات الطامعين في شئ من حطام هذه الدنيا الفانية..!!
وقد استهلت سورة الصافات بقسم من الله( تعالي) بملائكته الكرام, وبعدد من الوظائف التي أمروا بها ـ والله( سبحانه وتعالي) غني عن القسم ـ ثم يأتي جواب القسم بقول الحق( تبارك وتعالي):
إن إلهكم لواحد*( الصافات:4).
وهو قرار إلهي يقتلع كل جذور الكفر والشرك والضلال من العقول والقلوب التي عششت فيها تلك الانحرافات الفكرية, وما أكثرها في تاريخ البشرية الطويل, خاصة في زمن الفتن التي تظلل أغلب أهل الأرض في هذه الأيام..!!
وتشير السورة الكريمة إلي محاولات مردة الجن وشياطينهم من أجل استراق السمع علي أهل السماء, وأكدت أن الله( تعالي) قد سخر الشهب الثاقبة لتتبعهم ودحرهم, وأنه( تعالي) قد توعدهم بعذاب شديد.
ثم يتوجه الخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين) بالأمر الإلهي أن يسأل منكري البعث, المستبعدين لإمكانية وقوعه أن ينظروا في خلقهم من طين لازب, ومحدودية كل فرد منهم بحدود مكانه في بقعة محددة من الأرض, وبحدود زمانه( أي أجله), ومقارنة ذلك بخلق السماوات والأرض بأبعادهما المذهلة, وأعمارهما المتطاولة, فيدركوا أن الذي خلقهم من هذا الطين اللازب, وحددهم بحدود المكان والزمان, وخلق الكون بهذا الاتساع, والضخامة في الأبعاد, وتعدد الأجرام, وتنوع صفاتها قادر علي بعثهم, وبعث آبائهم الأولين وهم أذلاء صاغرون.
ثم تعرض سورة الصافات لموقف من مواقف الآخرة, وقد أطلقت صيحة البعث وجميع الذين كانوا ينكرونه في الدنيا, ويسخرون من إمكانية وقوعه, يخرجون من قبورهم مشدوهين, فزعين, مذعورين, وهم يقولون:
... ياويلنا هذا يوم الدين*( الصافات:20).
فيسمعون الرد عليهم في قول الله( تعالي):هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون* احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون* من دون الله فاهدوهم إلي صراط الجحيم* وقفوهم إنهم مسئولون*(الصافات:21 ـ24).
وتستطرد الآيات في استكمال عرض هذا المشهد, والكفار والمشركون, والعصاة والظالمون عاجزون عن مناصرة بعضهم بعضا, والذين اتبعوا والذين اتبعوا من المشركين وشركائهم يتلاومون, ويتبادلون تهم الضلال والغواية, وفي ذلك يقول الحق( تبارك وتعالي):
فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون* إنا كذلك نفعل بالمجرمين* إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون* ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون* بل جاء بالحق وصدق المرسلين* إنكم لذائقو العذاب الأليم* وما تجزون إلا ماكنتم تعملون*(الصافات:33 ـ39)
وفي قول الحق( تبارك وتعالي):بل جاء بالحق وصدق المرسلين*(الصافات:37).
تأكيد لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم), وشهادة من الله( تعالي) علي صدق رسالته, وبرهان علي وحدة رسالة السماء, وعلي أخوة الأنبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليهم أجمعين), وهو في الوقت نفسه رد إلهي جازم علي الذين كذبوا ببعثته الشريفة, وتطاولوا علي شخصه الكريم بأقلامهم الرخيصة, أو بألسنتهم البذيئة, أو تستروا وراء شاشات الشبكة العنكبوتية كخفافيش الظلام ينفثون فيها جهلهم الفاضح, وأحكامهم الجائرة, وأحقادهم المريضة, وسمومهم البغيضة ضد الإسلام, وضد نبيه الكريم, وضد جميع المسلمين بما لايستطيعون أن يقولوه مواجهة لجبنهم وعجزهم, وضعف حجتهم, وسقوط كل دعاواهم الباطلة.
وهم يفعلون ذلك طمعا في الصد عن دين الله الخاتم الذي لايرتضي ربنا( تبارك وتعالي) من عباده دينا سواه,
... والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون*( يوسف:21)
وقد حذرهم الله( سبحانه وتعالي) من خطر ذلك في الآيات السابقة من سورة الصافات وبقوله( عز من قائل):
إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلي جهنم يحشرون*( الأنفال:36).
ثم تقارن الآيات في سورة الصافات بين إكرام الله( تعالي) لعباده المؤمنين بتنعيمهم في جنات الخلد, وبالفوز العظيم برضاه( سبحانه وتعالي) وبين ما يلقاه كل من الكفار والمشركين المكذبين ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) من عذاب في الدنيا, ونار جهنم في الآخرة, وهم يصطلون بجحيمها, ويأكلون من زقومها, وعليه شوب من حميم.
وتستمر الآيات في تأكيد أن أكثر الأمم السابقة علي بعثة الرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم) كانوا قد ضلوا ضلالا بعيدا علي الرغم من إرسال عدد من الأنبياء والمرسلين إليهم, منذرين من مغبة الكفر بالله( تعالي) أو الشرك به( سبحانه), أو معصيته والانحراف عن المنهج الذي وضعه لاستقامة الحياة علي الأرض, ولإثبات ذلك استعرضت السورة المباركة
للبحث تتمة
جريدة الأهرام 20/07/2003
من أسرار القرآن
فنبذناه بالعراء وهو سقيم* وأنبتنا عليه شجرة من يقطيـن* (الصافات:145 ـ146)
بقلم الدكتور: زغـلول النجـار
هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في الخمس الأخير من سورة الصافات, وهي سورة مكية, وآياتها182 بعد البسملة, وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بقسم بالملائكة الأطهار الذين لاينفكون عن عبادة الله( تعالي), ويصطفون في طاعته بأفضل مما يصطف كثير من عباد الله المكلفين من الإنس والجن في الصلاة.
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من القواعد الرئيسية للعقيدة الإسلامية, وفي مقدمتها الإيمان بالله, وتوحيده التوحيد الخالص, وتنزيهه( سبحانه وتعالي) عن كل وصف لايليق بجلاله[ من قبيل نسبة الشريك, أو الشبيه, أو المنازع, أو الصاحبة, أو الولد إلي الله( تعالي), وغير ذلك من صفات المخلوقين والله( تعالي) منزه عن صفات خلقه], والإيمان بملائكة الله, وبكتبه, ورسله, وباليوم الآخر, وبالقدر خيره وشره; والإيمان بالوحي وحقيقته, وبالبعث بعد الموت وبحتميته وضرورته, وبالخلود في الآخرة إما في الجنة أو في النار, وإنها لجنة أبدا, أو نار أبدا كما أخبر بذلك خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين).
وفي سبيل الدعوة إلي الإيمان بهذه الركائز الإسلامية, والعمل علي ترسيخها في العقول والقلوب أشارت سورة الصافات إلي العديد من أشياء الكون وظواهره, ووظفتها في الاستدلال علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق, والشاهدة للخالق( سبحانه وتعالي) بالألوهية, والربوبية, والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه, وبالقدرة علي البعث, وتقيم الحجة علي أهل العلم في زمن تفجر المعارف العلمية الذي نعيشه بأن القرآن الكريم لايمكن أن يكون صناعة بشرية, بل هو كلام الله الخالق, وبأن الرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض.
وفي نفس الوقت, وظفت سورة الصافات هذه الإشارات الكونية في تفنيد دعاوي المبطلين من أهل الكفر والشرك والضلال, وفي تطهير العقول والنفوس من هذا الكم الهائل من الخرافات والأساطير التي نسجتها أنماط عديدة من العقول المريضة عبر التاريخ, انطلاقا من همزات شياطين الإنس والجن, وتخرصات المبطلين, وشهوات الطامعين في شئ من حطام هذه الدنيا الفانية..!!
وقد استهلت سورة الصافات بقسم من الله( تعالي) بملائكته الكرام, وبعدد من الوظائف التي أمروا بها ـ والله( سبحانه وتعالي) غني عن القسم ـ ثم يأتي جواب القسم بقول الحق( تبارك وتعالي):
إن إلهكم لواحد*( الصافات:4).
وهو قرار إلهي يقتلع كل جذور الكفر والشرك والضلال من العقول والقلوب التي عششت فيها تلك الانحرافات الفكرية, وما أكثرها في تاريخ البشرية الطويل, خاصة في زمن الفتن التي تظلل أغلب أهل الأرض في هذه الأيام..!!
وتشير السورة الكريمة إلي محاولات مردة الجن وشياطينهم من أجل استراق السمع علي أهل السماء, وأكدت أن الله( تعالي) قد سخر الشهب الثاقبة لتتبعهم ودحرهم, وأنه( تعالي) قد توعدهم بعذاب شديد.
ثم يتوجه الخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين) بالأمر الإلهي أن يسأل منكري البعث, المستبعدين لإمكانية وقوعه أن ينظروا في خلقهم من طين لازب, ومحدودية كل فرد منهم بحدود مكانه في بقعة محددة من الأرض, وبحدود زمانه( أي أجله), ومقارنة ذلك بخلق السماوات والأرض بأبعادهما المذهلة, وأعمارهما المتطاولة, فيدركوا أن الذي خلقهم من هذا الطين اللازب, وحددهم بحدود المكان والزمان, وخلق الكون بهذا الاتساع, والضخامة في الأبعاد, وتعدد الأجرام, وتنوع صفاتها قادر علي بعثهم, وبعث آبائهم الأولين وهم أذلاء صاغرون.
ثم تعرض سورة الصافات لموقف من مواقف الآخرة, وقد أطلقت صيحة البعث وجميع الذين كانوا ينكرونه في الدنيا, ويسخرون من إمكانية وقوعه, يخرجون من قبورهم مشدوهين, فزعين, مذعورين, وهم يقولون:
... ياويلنا هذا يوم الدين*( الصافات:20).
فيسمعون الرد عليهم في قول الله( تعالي):هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون* احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون* من دون الله فاهدوهم إلي صراط الجحيم* وقفوهم إنهم مسئولون*(الصافات:21 ـ24).
وتستطرد الآيات في استكمال عرض هذا المشهد, والكفار والمشركون, والعصاة والظالمون عاجزون عن مناصرة بعضهم بعضا, والذين اتبعوا والذين اتبعوا من المشركين وشركائهم يتلاومون, ويتبادلون تهم الضلال والغواية, وفي ذلك يقول الحق( تبارك وتعالي):
فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون* إنا كذلك نفعل بالمجرمين* إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون* ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون* بل جاء بالحق وصدق المرسلين* إنكم لذائقو العذاب الأليم* وما تجزون إلا ماكنتم تعملون*(الصافات:33 ـ39)
وفي قول الحق( تبارك وتعالي):بل جاء بالحق وصدق المرسلين*(الصافات:37).
تأكيد لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم), وشهادة من الله( تعالي) علي صدق رسالته, وبرهان علي وحدة رسالة السماء, وعلي أخوة الأنبياء والمرسلين( صلي الله وسلم وبارك عليهم أجمعين), وهو في الوقت نفسه رد إلهي جازم علي الذين كذبوا ببعثته الشريفة, وتطاولوا علي شخصه الكريم بأقلامهم الرخيصة, أو بألسنتهم البذيئة, أو تستروا وراء شاشات الشبكة العنكبوتية كخفافيش الظلام ينفثون فيها جهلهم الفاضح, وأحكامهم الجائرة, وأحقادهم المريضة, وسمومهم البغيضة ضد الإسلام, وضد نبيه الكريم, وضد جميع المسلمين بما لايستطيعون أن يقولوه مواجهة لجبنهم وعجزهم, وضعف حجتهم, وسقوط كل دعاواهم الباطلة.
وهم يفعلون ذلك طمعا في الصد عن دين الله الخاتم الذي لايرتضي ربنا( تبارك وتعالي) من عباده دينا سواه,
... والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون*( يوسف:21)
وقد حذرهم الله( سبحانه وتعالي) من خطر ذلك في الآيات السابقة من سورة الصافات وبقوله( عز من قائل):
إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلي جهنم يحشرون*( الأنفال:36).
ثم تقارن الآيات في سورة الصافات بين إكرام الله( تعالي) لعباده المؤمنين بتنعيمهم في جنات الخلد, وبالفوز العظيم برضاه( سبحانه وتعالي) وبين ما يلقاه كل من الكفار والمشركين المكذبين ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) من عذاب في الدنيا, ونار جهنم في الآخرة, وهم يصطلون بجحيمها, ويأكلون من زقومها, وعليه شوب من حميم.
وتستمر الآيات في تأكيد أن أكثر الأمم السابقة علي بعثة الرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم) كانوا قد ضلوا ضلالا بعيدا علي الرغم من إرسال عدد من الأنبياء والمرسلين إليهم, منذرين من مغبة الكفر بالله( تعالي) أو الشرك به( سبحانه), أو معصيته والانحراف عن المنهج الذي وضعه لاستقامة الحياة علي الأرض, ولإثبات ذلك استعرضت السورة المباركة
للبحث تتمة