ناصر الدين
08-17-2003, 01:13 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد، فهذه آيات كريمة فيها دلالات شريفة وفوائد لطيفة، أرجو بها ثواب الله ونفع إخواني.
قال تعالى: ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وآخرين لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ).
فإلى تفسيرها، فأذكر بعض الآية وأتبعها بالتعليق حتى إذا انتهيت ذكرت طرفاً من فوائدها.
… هو:
الله عز وجل.
… الذي بعث:
أي أرسل.
… في الأميين:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ). فالأميون هم الذين لا كتاب لهم، لأن من لا كتاب له جاهل، وهكذا هم العرب، قال تعالى: ( وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ).
ولذلك قال تعالى: ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذي لا يعلمون مثل قولهم ) فلام اليهود والنصارى الذين لهم كتاب أن يقولوا كقول العرب الذين لا كتاب لهم. وقال تعالى: ( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذي من قبلهم مثل قولهم ) فسمى العرب " الذين لا يعلمون ".
وقال تعالى عن اليهود قالوا: ( ليس علينا في الأميين سبيل ) أي في العرب.
… رسولاً:
والنبي هو الذي جاءه الخبر من الله ليبلغه عباد الله ( لذلك يقال للنبي أنه يرسل، قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ). فإن كان إلى قوم مخالفين كافرين فهو رسول. وهذا أرجح الأقول في الفرق بين الرسول والنبي، وبه تجتمع الأدلة، وهو اختيار شيخ الإسلام.
… منهم:
أي من أنفسهم، كما قال تعالى: ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ).
والحكم من كونه منهم كثيرة، منها:
1- أن يعرفوه فيعرفوا ما فيه من صفات تقتضي قبول خبره.
2- كما أن ذلك يؤلف قلوبهم.
3- كما أنه يكون الرسول بذلك أدرى بهم وبحالهم وهي ضروريات للداعية.
4- كما أن ذلك أدعى لرحمة النبي بهم وحرصه عليهم.
5- كما أنه يكلمهم بلسانهم ليفهموه، ولو كان من غيرهم ما استطاع بلاغهم.
ولذلك سأل هرقلُ سفيانَ عن نسب النبي فقال: هو فينا ذو نسب – أي شريف النسب – قال هرقل مستدلاً بذلك على نبوته صلى الله عليه وسلم: وكذلك الأنبياء تبعث في أنساب أقوامها.
وهذه سنة الله في الذين خلو من قبل، قال تعالى: ( وما أرسلنا قبلك من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ).
وهي كذلك سنة باقية وصى الله تعالى بها: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) فوصى الله أن يكون من كل قوم من المسلمين علماء منهم يعلمونهم.
… يتلو عليهم:
يقرأ.
… آياته:
الآيات جمع آية، وهي العلامة العظيمة. وتأتي في القرآن لمعان عدة، والمقصود منها هنا القرآن، لأنه مكون من آيات.
… ويزكيهم:
من الزكاة، وهي الطهارة. فالمعنى: يطهرهم من أدران الشرك وبذيء الأخلاق.
… ويعلمهم:
وجاء ضمير المفعول هنا جمعاً، للدلالة على أن النبي جاء ليعلم المؤمنين عامة.
… الكتاب:
هو القرآن.
وبعد نزول القرآن صار للعرب كتاب فلم يعودوا أميين، وإنما يقال لهم أميون باعتبار ما كان. كما في قوله تعالى: ( وآتوا اليتامى أموالهم ) ومعلوم أنهم لا يأخذون أموالهم إلا بعد البلوغ والرشد لقوله تعالى: ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ) والرسول قال: ( لا يتم بعد الحلم ) وكذا ذكر علماء اللغة، فدل على أن التعبير عنهم في الآية الأولى باليتم من باب اعتبار ما كان.
والحكمة من التعبير عنهم بما كانوا عليه التذكير بحالهم، لأن الأشياء تتبين بضدها، فإذا تذكروا ما كانوا عليه زاد شكرهم على ما صاروا فيه. ثم سبب آخر أن لا ينسوا فضل الله عليهم أن هداهم، ولو وكلهم لأنفسهم ما اهتدوا.
… والحكمة:
هي السنة، وهي مفتاح الفقه في الدين، وبها يوضع كل حكم في موضعه، قال تعالى: ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ).
وهذه الثلاث ( التزكية وتعليم الكتاب والحكمة ) هي دعاء إبراهيم إذ قال: ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ).
… وإن كانوا:
الأميون.
… من قبل:
قبل بعثته. فدل على تغير حالهم بعد بعثته. فهم بعده على الصراط المستقيم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ) قالوا: ( من هم يا رسول الله؟ ) قال: ( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ). فلاحظ الفرق بين ( من قبل ) و ( اليوم ).
… لفي:
وحرف ( في ) يفيد الانغماس، فكأن الضلال أحاط بهم من كل جانب، كالمنغمس في الماء. ولهذا يقول تعالى: ( وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين )، فصاحب الهدى ( على ) لرفعته، وصاحب الضلال ( في ) لانغماسه.
… ضلال:
والضلال مجانبة الحق عناداً أو جهلاً، وما كان كذلك فهو باطل لا خير فيه. ومن إطلاق الضلال على مجانبة الحق جهلاً قوله تعالى: ( ووجدك ضالاً فهدى ). ومن إطلاق الضلال على مجانبة الحق عناداً قوله تعالى: ( وأما إن كان من المكذبين الضالين ).
والعرب لا شك كانوا ضلالاً قبل بعثة النبي كما قال تعالى: ( واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ).
… مبين:
أي واضح. فإن ضلالهم كان في توحيد العبادة مع إقرارهم في توحيد الربوبية اجمالاً: ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ).
… وآخرين منهم:
غير الموجودين، وإنما هم بعدهم زمناً.
وهو عطف على الأميين، فالمعنى: بعث في الأميين وفي آخرين. ويصح أن يكون عطف على الهاء من ( يعلمهم )، فيكون المعنى: يعلمهم ويعلم آخرين. وكلاهما صحيح، والأول أولى لاشتماله على معنى الثاني وزيادة.
وقيل الآخرين: العجم. وقيل: التابعون. وقيل: كل من آمن بالنبي بعده، وهو الصحيح، لأنه يشمل المعاني جميعاً وزيادة، كما أنه لا ينافي غيره، ولأنه أجرى على القواعد.
… لما يلحقوا بهم:
في السابقة والفضل.
أي أن من أتى بعد أولئك الذين بعث فيهم الرسول ( وهم الصحابة ) لا يلحقونهم في الفضل كما لم يلحق بهم أحد في السبق، فرضي الله عنهم وأرضاهم. قال الإمام المحلي رحمه الله: ( هم التابعون، والاقتصار عليهم كاف في بيان فضل الصحابة المبعوث فيهم النبي على من عداهم ممن بعث إليهم وآمنوا به من جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة، لأن كك قرن خير من الذي يليه ).
… وهو:
الله المرسل لنبيه.
… العزيز:
القاهر الذي لا يسأل عما يفعل.
… الحكيم:
من الحكمة ومن الإحكام.
فبحكمته أرسل رسولاً ليتبين الصالح المطيع من الفاجر العاصي. وبحكمته كذلك اختار من بعث فيهم النبي لقوتهم على تحمل أعباء الدعوة.
وبإحكامه أرسله مكملاً سلسلة البعثة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( مثلي ومثل النبيين قبلي كرجل بنى قصراً وترك فيه موضع لبنة، فصار الناس يرونه ويعجبون من موضع تلك اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) فبه أحكم الله الدين صلوات الله وسلامه عليه.
… ذلك:
الإرسال للنبي.
… فضل الله:
يتفضل به على من يشاء. فيجعل من شاء رسولاً. ويتفضل على من يشاء هدايته فيرسل إليه رسولاً. فالفضل هنا على الرسول وعلى المرسل إليهم.
… يؤتيه من يشاء:
فآتاه محمداً فأرسله وفضله على سائر خلقه. وآتاه العرب فهداهم برسالته وأعزهم به، كما قال عمر: ( كنا قوماً أذلة فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله ). وآتاه المسلمين عامة فعلمهم شرعه وهداهم لخير أديانه.
… والله:
الإله، المستحق للعبادة وحده على عباده أجمعين.
… ذو الفضل:
الكرم والإنعام.
… العظيم:
الكبير.
إلى هنا انتهى ما أردته بيانه من معنى الآيات الكريمة، وهنا بعض النتائج المستخلصة منها:
أولاً: أن الله بعث النبي إلى الصحابة لحكمة بينها في هذه الآية، وهي أنه: ( يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ). والإرادة هنا شرعية لأن هذا محبوب لله تعالى، وكونية لأن هذا حصل بالفعل ولأن الله نص على أنه حاصل فقال تعالى: ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ولو كانت الإرادة شرعية فقط لما كان في إرسال الرسول منة. وهذه قاصمة لظهور الرافضة.
ثم هم يقولون أن الرسول لم يزك من بعث فيهم ولم يعلمهم الكتاب ولا الحكمة، فهل يكون الرسول أدى السبب الذي أرسل من أجله؟! إن ذلك لهو أشد الطعن في رسول الله.
ثانياً: الآية تدل دلالة قطعية على أن الله أرسل النبي ليبلغ علم الكتاب والسنة بالكامل للصحابة كلهم، ولا يختص به واحداً دون من سواه. وذلك في قوله تعالى: ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ). فالضمير هنا للجمع، وهو عام يتناول جميع أفراده.
ثالثاً: الآية تقطع بأن الصحابة على الحق المبين، وذلك في قوله: ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ). فقوله: ( من قبل ) قيد، يؤخذ من مفهومه أنهم الآن على خلاف ما كانوا. ولو ظلوا على ما كانوا لما كان للقيد فائدة.
رابعاً: الآية تدل على فضل الصحابة على كل من جاء بعدهم. فالله قال عمن بعدهم: ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ). فالآخرين لم يلحقوا بالأولين في الفضل والدين. وهذا يؤكد مضمون قوله تعالى: ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. وكلاً وعد الله الحسنى ) فنص الله على أن السابقين الأوائل لا يستوون مع من جاء بعدهم، بل هم أعظم وأجل. وقوله: ( ممن أنفق من بعد وقاتل ) فيه ( من ) وهي اسم موصول يفيد العموم، فالصحابة أفضل من كل من جاء من بعد وإن أنفق وقاتل، دونما استثناء، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
خامساً: الآية تدل على أن ما شاء الله من علو رتبة الصحابة على غيرهم ومن علمهم بالكتاب والسنة ومن زكاة نفوسهم حاصل لا محالة. وذلك لأن الله ختم الآية بقوله: ( وهو العزيز ) أي المنفذ ما يشاء، ولا يسأل عن شيء أراده.
سادساً: الآية تدل على أن الله ما اختار الصحابة للزكاة والعلم والفضل عبثاً، وإنما لأنهم أهل لذلك. ففيهم من الصفات من نقاء النفوس وسلامة الفطر وقوة العزائم وصفاء القلوب ما لم يجتمع في أصحاب نبي غيرهم. وذلك ترجمة قول الله في آخر الآية: ( وهو العزيز الحكيم ). فحكمة الله هي التي اقتضت اختيار أولئك الأفاضل لهذا المنصب العظيم.
وبهذا تبين بعد دين الرافضة عن كتاب الله وفهمه. وظهر كيف أن آية من كتاب الله كفيلة بدك أركان دينهم من أساسه. فلله الحمد والمنة.
هذا، ومن تدبر الآيات حصل له من الفوائد والنتائج الشيء الكثير.
والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى أصحابه الفضلاء، السادة العلماء، المجاهدين الكبراء. حشرنا الله في زمرتهم وثبتنا على طريقهم. اللهم آمين.
قال تعالى: ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وآخرين لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ).
فإلى تفسيرها، فأذكر بعض الآية وأتبعها بالتعليق حتى إذا انتهيت ذكرت طرفاً من فوائدها.
… هو:
الله عز وجل.
… الذي بعث:
أي أرسل.
… في الأميين:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ). فالأميون هم الذين لا كتاب لهم، لأن من لا كتاب له جاهل، وهكذا هم العرب، قال تعالى: ( وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ).
ولذلك قال تعالى: ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذي لا يعلمون مثل قولهم ) فلام اليهود والنصارى الذين لهم كتاب أن يقولوا كقول العرب الذين لا كتاب لهم. وقال تعالى: ( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذي من قبلهم مثل قولهم ) فسمى العرب " الذين لا يعلمون ".
وقال تعالى عن اليهود قالوا: ( ليس علينا في الأميين سبيل ) أي في العرب.
… رسولاً:
والنبي هو الذي جاءه الخبر من الله ليبلغه عباد الله ( لذلك يقال للنبي أنه يرسل، قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ). فإن كان إلى قوم مخالفين كافرين فهو رسول. وهذا أرجح الأقول في الفرق بين الرسول والنبي، وبه تجتمع الأدلة، وهو اختيار شيخ الإسلام.
… منهم:
أي من أنفسهم، كما قال تعالى: ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ).
والحكم من كونه منهم كثيرة، منها:
1- أن يعرفوه فيعرفوا ما فيه من صفات تقتضي قبول خبره.
2- كما أن ذلك يؤلف قلوبهم.
3- كما أنه يكون الرسول بذلك أدرى بهم وبحالهم وهي ضروريات للداعية.
4- كما أن ذلك أدعى لرحمة النبي بهم وحرصه عليهم.
5- كما أنه يكلمهم بلسانهم ليفهموه، ولو كان من غيرهم ما استطاع بلاغهم.
ولذلك سأل هرقلُ سفيانَ عن نسب النبي فقال: هو فينا ذو نسب – أي شريف النسب – قال هرقل مستدلاً بذلك على نبوته صلى الله عليه وسلم: وكذلك الأنبياء تبعث في أنساب أقوامها.
وهذه سنة الله في الذين خلو من قبل، قال تعالى: ( وما أرسلنا قبلك من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ).
وهي كذلك سنة باقية وصى الله تعالى بها: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) فوصى الله أن يكون من كل قوم من المسلمين علماء منهم يعلمونهم.
… يتلو عليهم:
يقرأ.
… آياته:
الآيات جمع آية، وهي العلامة العظيمة. وتأتي في القرآن لمعان عدة، والمقصود منها هنا القرآن، لأنه مكون من آيات.
… ويزكيهم:
من الزكاة، وهي الطهارة. فالمعنى: يطهرهم من أدران الشرك وبذيء الأخلاق.
… ويعلمهم:
وجاء ضمير المفعول هنا جمعاً، للدلالة على أن النبي جاء ليعلم المؤمنين عامة.
… الكتاب:
هو القرآن.
وبعد نزول القرآن صار للعرب كتاب فلم يعودوا أميين، وإنما يقال لهم أميون باعتبار ما كان. كما في قوله تعالى: ( وآتوا اليتامى أموالهم ) ومعلوم أنهم لا يأخذون أموالهم إلا بعد البلوغ والرشد لقوله تعالى: ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ) والرسول قال: ( لا يتم بعد الحلم ) وكذا ذكر علماء اللغة، فدل على أن التعبير عنهم في الآية الأولى باليتم من باب اعتبار ما كان.
والحكمة من التعبير عنهم بما كانوا عليه التذكير بحالهم، لأن الأشياء تتبين بضدها، فإذا تذكروا ما كانوا عليه زاد شكرهم على ما صاروا فيه. ثم سبب آخر أن لا ينسوا فضل الله عليهم أن هداهم، ولو وكلهم لأنفسهم ما اهتدوا.
… والحكمة:
هي السنة، وهي مفتاح الفقه في الدين، وبها يوضع كل حكم في موضعه، قال تعالى: ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ).
وهذه الثلاث ( التزكية وتعليم الكتاب والحكمة ) هي دعاء إبراهيم إذ قال: ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ).
… وإن كانوا:
الأميون.
… من قبل:
قبل بعثته. فدل على تغير حالهم بعد بعثته. فهم بعده على الصراط المستقيم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ) قالوا: ( من هم يا رسول الله؟ ) قال: ( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ). فلاحظ الفرق بين ( من قبل ) و ( اليوم ).
… لفي:
وحرف ( في ) يفيد الانغماس، فكأن الضلال أحاط بهم من كل جانب، كالمنغمس في الماء. ولهذا يقول تعالى: ( وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين )، فصاحب الهدى ( على ) لرفعته، وصاحب الضلال ( في ) لانغماسه.
… ضلال:
والضلال مجانبة الحق عناداً أو جهلاً، وما كان كذلك فهو باطل لا خير فيه. ومن إطلاق الضلال على مجانبة الحق جهلاً قوله تعالى: ( ووجدك ضالاً فهدى ). ومن إطلاق الضلال على مجانبة الحق عناداً قوله تعالى: ( وأما إن كان من المكذبين الضالين ).
والعرب لا شك كانوا ضلالاً قبل بعثة النبي كما قال تعالى: ( واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ).
… مبين:
أي واضح. فإن ضلالهم كان في توحيد العبادة مع إقرارهم في توحيد الربوبية اجمالاً: ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ).
… وآخرين منهم:
غير الموجودين، وإنما هم بعدهم زمناً.
وهو عطف على الأميين، فالمعنى: بعث في الأميين وفي آخرين. ويصح أن يكون عطف على الهاء من ( يعلمهم )، فيكون المعنى: يعلمهم ويعلم آخرين. وكلاهما صحيح، والأول أولى لاشتماله على معنى الثاني وزيادة.
وقيل الآخرين: العجم. وقيل: التابعون. وقيل: كل من آمن بالنبي بعده، وهو الصحيح، لأنه يشمل المعاني جميعاً وزيادة، كما أنه لا ينافي غيره، ولأنه أجرى على القواعد.
… لما يلحقوا بهم:
في السابقة والفضل.
أي أن من أتى بعد أولئك الذين بعث فيهم الرسول ( وهم الصحابة ) لا يلحقونهم في الفضل كما لم يلحق بهم أحد في السبق، فرضي الله عنهم وأرضاهم. قال الإمام المحلي رحمه الله: ( هم التابعون، والاقتصار عليهم كاف في بيان فضل الصحابة المبعوث فيهم النبي على من عداهم ممن بعث إليهم وآمنوا به من جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة، لأن كك قرن خير من الذي يليه ).
… وهو:
الله المرسل لنبيه.
… العزيز:
القاهر الذي لا يسأل عما يفعل.
… الحكيم:
من الحكمة ومن الإحكام.
فبحكمته أرسل رسولاً ليتبين الصالح المطيع من الفاجر العاصي. وبحكمته كذلك اختار من بعث فيهم النبي لقوتهم على تحمل أعباء الدعوة.
وبإحكامه أرسله مكملاً سلسلة البعثة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( مثلي ومثل النبيين قبلي كرجل بنى قصراً وترك فيه موضع لبنة، فصار الناس يرونه ويعجبون من موضع تلك اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) فبه أحكم الله الدين صلوات الله وسلامه عليه.
… ذلك:
الإرسال للنبي.
… فضل الله:
يتفضل به على من يشاء. فيجعل من شاء رسولاً. ويتفضل على من يشاء هدايته فيرسل إليه رسولاً. فالفضل هنا على الرسول وعلى المرسل إليهم.
… يؤتيه من يشاء:
فآتاه محمداً فأرسله وفضله على سائر خلقه. وآتاه العرب فهداهم برسالته وأعزهم به، كما قال عمر: ( كنا قوماً أذلة فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله ). وآتاه المسلمين عامة فعلمهم شرعه وهداهم لخير أديانه.
… والله:
الإله، المستحق للعبادة وحده على عباده أجمعين.
… ذو الفضل:
الكرم والإنعام.
… العظيم:
الكبير.
إلى هنا انتهى ما أردته بيانه من معنى الآيات الكريمة، وهنا بعض النتائج المستخلصة منها:
أولاً: أن الله بعث النبي إلى الصحابة لحكمة بينها في هذه الآية، وهي أنه: ( يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ). والإرادة هنا شرعية لأن هذا محبوب لله تعالى، وكونية لأن هذا حصل بالفعل ولأن الله نص على أنه حاصل فقال تعالى: ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ولو كانت الإرادة شرعية فقط لما كان في إرسال الرسول منة. وهذه قاصمة لظهور الرافضة.
ثم هم يقولون أن الرسول لم يزك من بعث فيهم ولم يعلمهم الكتاب ولا الحكمة، فهل يكون الرسول أدى السبب الذي أرسل من أجله؟! إن ذلك لهو أشد الطعن في رسول الله.
ثانياً: الآية تدل دلالة قطعية على أن الله أرسل النبي ليبلغ علم الكتاب والسنة بالكامل للصحابة كلهم، ولا يختص به واحداً دون من سواه. وذلك في قوله تعالى: ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ). فالضمير هنا للجمع، وهو عام يتناول جميع أفراده.
ثالثاً: الآية تقطع بأن الصحابة على الحق المبين، وذلك في قوله: ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ). فقوله: ( من قبل ) قيد، يؤخذ من مفهومه أنهم الآن على خلاف ما كانوا. ولو ظلوا على ما كانوا لما كان للقيد فائدة.
رابعاً: الآية تدل على فضل الصحابة على كل من جاء بعدهم. فالله قال عمن بعدهم: ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ). فالآخرين لم يلحقوا بالأولين في الفضل والدين. وهذا يؤكد مضمون قوله تعالى: ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. وكلاً وعد الله الحسنى ) فنص الله على أن السابقين الأوائل لا يستوون مع من جاء بعدهم، بل هم أعظم وأجل. وقوله: ( ممن أنفق من بعد وقاتل ) فيه ( من ) وهي اسم موصول يفيد العموم، فالصحابة أفضل من كل من جاء من بعد وإن أنفق وقاتل، دونما استثناء، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
خامساً: الآية تدل على أن ما شاء الله من علو رتبة الصحابة على غيرهم ومن علمهم بالكتاب والسنة ومن زكاة نفوسهم حاصل لا محالة. وذلك لأن الله ختم الآية بقوله: ( وهو العزيز ) أي المنفذ ما يشاء، ولا يسأل عن شيء أراده.
سادساً: الآية تدل على أن الله ما اختار الصحابة للزكاة والعلم والفضل عبثاً، وإنما لأنهم أهل لذلك. ففيهم من الصفات من نقاء النفوس وسلامة الفطر وقوة العزائم وصفاء القلوب ما لم يجتمع في أصحاب نبي غيرهم. وذلك ترجمة قول الله في آخر الآية: ( وهو العزيز الحكيم ). فحكمة الله هي التي اقتضت اختيار أولئك الأفاضل لهذا المنصب العظيم.
وبهذا تبين بعد دين الرافضة عن كتاب الله وفهمه. وظهر كيف أن آية من كتاب الله كفيلة بدك أركان دينهم من أساسه. فلله الحمد والمنة.
هذا، ومن تدبر الآيات حصل له من الفوائد والنتائج الشيء الكثير.
والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى أصحابه الفضلاء، السادة العلماء، المجاهدين الكبراء. حشرنا الله في زمرتهم وثبتنا على طريقهم. اللهم آمين.