أبو الفداء
09-19-2003, 02:59 PM
هل بَدَأَتْ حَرْبُ الْثِيران في العراق ؟!!ما هي بالضبط خلفية ما حدث في النجف في الجمعة الدامية ؟ هل كان انفجار الجمعة الذي أودى بحياة المرجع الديني الشيعي رئيس ما يسمى بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق محمد باقر الحكيم حدثاً عابراً ، أم كان حلقة ضمن سلسلة ؟ ..من كان وراء الانفجار المروع ؟ ، أمريكا أم صَدَّام حُسَين أم القاعدة أم جهات أخرى ؟!! ..هل سيشكل الحدث الحلقة الأخيرة من حلقات مسلسل الحوادث المماثلة ؟؟
و مَن الذي يمكنه أن يستفيد من مقتل رجل كباقر الحكيم ، أمريكا أم صَدَّام حُسَين أم القاعدة أم جهات أخرى ؟!!أسئلة كثيرة و افتراضات عديدة جعلت الكثيرين من المحللين يجيبون عنها بأجوبة خاطئة بعيدة في أكثرها عن الواقع ، أجوبة تليق بعقول بعيدة عن تصور و فهم أبعاد القضية ، و تليق بأشخاص ليس عند الواحد منهم أدنى إلمام بحقيقة ما يجري في المؤسسات الدينية الشيعية في العالم عامة و في العراق خاصة .. و حتى يكون أي تحليل لأي حدث صحيحاً لا بد أن يكون صاحبه ملماً بتاريخ القضية التي يتحدث فيها ، و لا بد في حالة الحديث عما نحن بصدده من نظرة سريعة على التاريخ البعيد أو القريب على الأقل للحوزات الدينية الشيعية ، فمن المعروف لدى كل مهتم بهذا الموضوع أن الحوزات و المؤسسات الشيعية الأخرى أشبه ما تكون بتلك الدول الغنية بالثروات الطبيعية كالنفط و غيره ، و التي يسيل لها لعاب الدول الأخرى ، و يدفعها إلى التنافس على الحصول على نفوذ في تلك الدولة الغنية ، نعم .. فالحوزات تقوم على بحيرات ضخمة لكنها ليست من النفط ، بل هي من المال ، تلك البحيرات التي تفيض منها الأموال ، لأن الحوزات وُجِدَتْ لتجبي لا لتعطي ، فالأموال تأتي إليها من كل حدب تحت شعارات و مسميات شتى ، فتارة تأتي باسم (الخُمس) و أخرى باسم إعمار العتبات المقدسة و المراقد ، و ثالثة باسم دعم الشعائر الحسينية (اللطم و ما شابه) و الغريب أن ما يدخل إلى خزائن الحوزة لا يخرج منها أبداً إلا إلى جيب (سيد) هنا أو (شيخ) هناك من المتنفذين في الحوزة ، و الحصول على هذه الميزة سهل يسير ، لا يتصورن أحد أن المسألة تتعلق بما يسمى في عالم الحوزات بـ (الأعلمية) أبداً .. يكفيك أن تكون ابناً أو قريباً لأحد زعماء الحوزة الأقدمين ، أو أن تكون خطيباً مفوهاً تُحسِن اللعب بعواطف الجماهير بالعزف على وتر واقعة يوم الطف الأليمة ، أو أن تكون من إحدى (عوائل الحوزة) !! كعوائل الصدر و الحكيم و بحر العلوم ، يكفيك شيء من ذلك لكي تحصل على ميزة أن تكون متنفذاً في الحوزة ، لتتفتح لك أبواب السعد ، و تدر عليك الأموال الطائلة ، التي تتقزم عندها و تتصاغر أموال قارون ...و لذلك فلطالما شهدت حوزات النجف و قم و عامل صراعات دامية و منافسات غير شريفة على زعامة الحوزات ... قتل و سفك دماء و تسقيط ، كل ذلك في سبيل المال و السلطة و الجاه ، ذلك الثالوث الذي يغري غالب الناس بما هو أعظم و أعظم في سبيل تحقيقه ..لقد عمت الوسط الشيعي في العراق عقب عملية النجف حالة من الهستيريا فيما يخص توجيه أصابع الاتهام بالضلوع في الحادث ، فقبل أن ينجلي غبار الانفجار سارع كبار القوم (كسادة الحوزة و من هم تحتهم) إلى الإشارة بأصابع الاتهام دون أي دليل ، بل دون أي خجل إلى المجاهدين اللذين وصفوهم بالوهابيين ، فيما يقتضي منهج العدل اكتمال التحقيق بعد التتقصي التام قبل توجيه أي اتهام ، و قد ذكرنا ذلك بحادث تفجير (أوكلاهوما سيتي) في أمريكا قبل عدة سنوات حين أعلنت السلطات الأمريكية بعد حادث التفجير بدقائق أن تنظيم القاعدة هو المسؤول عن التفجير ، ثم تبين بعد التحقيق بطلان ذلك ، و أن المسؤول عن التفجير ما هو إلا جندي أمريكي سابق قام بالعمل احتجاجاً على هضم حقوقه .. كان ذلك بعد أن تعرض المسلمون هناك إلى حملات من المضايقات و الاعتداءات المختلفة ..قبل أن نسأل : من قتل محمد باقر الحكيم يوم الجمعة الدامي ؟ ، علينا أن نسأل و نعرف من الذي قتل عبد المجيد الخوئي قبل أشهر قليلة مِن قتل الحكيم و في ذات المكان الذي قتل فيه الحكيم ؟ ، و من الذي حاول على إثر ذلك اغتيال مقتدى الصدر ؟ ، و من الذي حاول قتل علي السيستاني و حاصر بيته ؟ ، و من الذي قتل أحمد الوائلي الداعية الشيعي المعروف قبل مقتل الحكيم بأسابيع ، و الذي زعموا أن وفاته كانت طبيعية ؟ ، و من الذي حاول اغتيال محمد سعيد الحكيم قبل مقتل الحكيم بأيام ؟ .. من ؟ من ؟؟
أما عبد المجيد الخوئي فقد قتل على أيدي أتباع مقتدى الصدر في داخل الضريح المنسوب إلى علي رضي الله عنه في النجف ، و هو نفس المكان الذي احترق فيه محمد باقر الحكيم و رفاقه ، قتلوا عبد المجيد الخوئي .. في ذات المكان الذي قتلوا فيه الحكيم ، لم يقتلوه لأنه عميل لأمريكا كما حاولوا أن يصوروا للسذج ، بدليل أن علماء الشيعة في العراق جميعاً كانوا قد أعلنوها صريحة مدوية بأنهم عملاء لأمريكا ، باقر الحكيم نفسه أعلن بكل وضوح قُبَيلَ مقتله ، أعلن قبوله بما أسماه (التعاون) مع قوات الاحتلال الأمريكية !!! ، و احتذى حذاءه كل من : عبد العزيز الحكيم (شقيقه) و ابراهيم الجعفري و موفق الربيعي ... و القائمة تطول ، بل وصل الأمر إلى كبيرهم علي السيستاني ، فقد صار يدلي بتصريحات أشبه ما تكون بتصريحات قادة الأحزاب السياسية التركية !! (يمتازون بالتصريحات الملتوية التي تجعل قائلها لا يتحمل أي تبعة) ، ففي مرة يطلق بعض التهديدات المبطنة ضد المحتلين ، و في أخرى (يبتلع) كلمات التهديد المبطن و يلين لهم القول ، فهو لم يقل بصراحة ما موقف سماحته من الاحتلال الصليبي للبلاد ؟ ، كما لم يعلن عمالته للأمريكان بصراحة ، فهو يلعب على الحبلين ، فعبد المجيد الخوئي لم يقتل لعمالته لأمريكا إذاً فكلهم عميل لأمريكا ... إنما قتلوه لأنهم شعروا به و قد جاء على ظهر مدرعة أمريكية بأن ذلك سيسهل عليه و هو ابن أبي القاسم الخوئي الزعيم الأسبق للحوزة السيطرة عليها ، و بالتالي السيطرة على (خيرات الحوزة و ثرواتها) !!... أما الضحية الثانية فلم يكن سوى أحمد الوائلي الخطيب الشيعي المشهور ، و الذي يلقبونه على عادتهم في المبالغة بأمير المنبر الحسيني و لسان الشيعة و غير ذلك من الألقاب الضخمة ، .. فهو يتمتع بشعبية كافية لتجعله يتربع بكل سهولة على عرش الزعامة الشيعية .. رغم أنه (شيخ) و ليس بسيد ، أي إنه ليس من أصحاب العمائم السود ، لكنه كان يحظى بشعبية واسعة في أوساط الشيعة ، و كلمته مسموعة عندهم ، مما يؤهله إلى تبؤ موقع لا يستهان به بين رجال الحوزة ، ما يعني أنه سيكون منافساً قوياً على الزعامة هناك ، و ليذهب سادة الحوزة إلى الجحيم ، لقد قُتل أحمد الوائلي مسموماً بمجرد دخوله إلى العراق ، مَن الذي دس له السم ؟!! إنه من (دس) تلك العبوة القاتلة لمحمد باقر الحكيم و رفاقه ، و هو نفسه من قتل عبد المجيد الخوئي ، و هو نفسه من حاصر علي السيستاني ، و هو نفسه من حاول قتل محمد سعيد الحكيم عم محمد باقر الحكيم ، و هو نفسه من حاول قتل مقتدى الصدر ، و هي نفس الملابسات و الظروف التي حدثت فيها تلك الاغتيالات ، مع تغير القائمين بها .. هذا بعد أن افتضح أمر الصراع على السلطة و الجاه في حوزة النجف ، و الضحايا كُثْرٌ ، عبد المجيد الخوئي ، أحمد الوائلي ، محمد سعيد الحكيم ، محمد باقر الحكيم ، و العبرة بالآتي فهو أعظم ..أما في زمن الصراع الخفي ، فلم يكن محمد باقر الصدر الذي وُشي به من قبل منافسيه لدى صدام حسين أول الضحايا ، و لم يكن الخوئي و لا الغروي و لا محمد بحر العلوم و لا محمد محمد صادق الصدر كذلك ، و هؤلاء جميعاً قُتلوا في عهد صدام حسين ، منهم من قتله صدام نفسه نتيجة وشاية من منافسيه ، و منهم من قتله منافسوه و ألقوا تبعة مقتله على صدام ، لكن الأمر قد صار أكثر وضوحاً بعد سقوط صدام حسين ، و عادت المنافسات غير الشريفة لتطفوا على سطح الحوزة مجدداً ، ... و لم تنحصر المنافسات و المؤامرات بين عدد محدود من كبار علماء الحوزة ككل مرة ، بل دخل إلى حلبة الصراع هذه المرة عدد كبير من المنافسين اللذين لم يكن أحد يتوقع دخول أمثالهم إلى حلبة الصراع ، فبعد أن كانت الحروب الطاحنة تجري من قبل بين علماء الحوزة و مجتهديها الكبار ، دخل اليوم على خطها من يمكن تصنيفهم على أنهم شباب حُدَثاء ، غايتهم المال و الجاه ، فالمدعو مُقْتَدَى محمد الصدر مثلاً شاب صغير بلغ العشرين لتوه ، و ليس عنده ما يؤهله لخوض غمار المنافسة على زعامة الحوزة إلا أنه ابن لمحمد الصدر الذي قُتل في منافسات سابقة على زعامة الحوزة ، و لولا تخوف كبار رجال الحوزة من افتضاح أمر مقتل الصدر ، و ظهور الأسباب الحقيقية لحادثة اغتياله ، و ظهور الأسماء الحقيقية كذلك لمن قاموا بالاغتيال لما كان يمكن لهم بأي حال أن يسكتوا على دخول صبي صغير كمقتدى الصدر إلى حلبة الصراع التي لا يمكن لواحد مثله أن يدخلها ...فهذه الحلبة محصور دخولها بالثيران الكبار ، و هم كبار الحوزة من أمثال السيستاني و الصدر و الحكيم ..و عليه فالإجابة على الأسئلة التي تقدمت في هذه المقالة كالآتي :1. نعم لقد بدأت حرب الثيران ، بل إنها لم تتوقف يوماً ، فهي لا تزال مستعرة منذ زمن أبعد بكثير من مما أعقب التاسع من نيسان ، و هو يوم سقوط الرئيس صدام حسين ، أما من هم هؤلاء الثيران ؟ فهم علماء و كبار الحوزة ..2. أما السؤال الثاني : ما خلفية انفجار النجف الدموي ؟ فلعلي أكون قد أجبت عليه فيما سبق من أسطر هذه المقالة ببعض التفصيل ، و الاجابة عليه باختصار هي : العملية شكلت حلقة من حلقات سلسلة الصراع الدامي بين زعماء الشيعة من أجل السيطرة على الحوزة التي تُعد السيطرة عليها سيطرة على الدنيا بأسرها في نظر من يخوضون ذلك الصراع القديم بقدم الحوزة نفسها ..3. من كان وراء الانفجار المروع ؟ ، أمريكا أم صَدَّام حُسَين أم القاعدة أم جهات أخرى ؟!! .. أما صدام فمن المستبعد جداً أن يكون هو وراء العملية لأسباب عديدة ، أولها أنه لم تعد له القدرة على مثل هذه العمليات بل على ما هو أدنى منها ، لفقده الصاحب و الناصر ، و لأن دوره في العراق قد انتهى إلى الأبد حسب وجهة نظري ، و ثانيها لأن مثل هذه العمليات لا تخدمه الآن (لو تنازلنا جدلاً عن قولنا الآنف بأن دور صدام قد انتهى) و هو من يسعى إلى حشد التأييد لعودته إلى السلطة .. أما ثالثها فعدم وجود فائدة مادية أو معنوية لمثل هذه العمليات لصدام ، ثم إن الرجل كان قد أعلن براءته من دم الحكيم عبر شريط بثته قناة الجزيرة القطرية و لا يسعنا و الحال ما تقدم إلا تصديقه .. و أما أمريكا فليس من مصلحتها بأي حال أن يقتل رجل كباقر الحكيم ، و هي تعول عليه بعد أن أعلن استعداده للعمل تحت إمرة الأمريكان ، ما يعني تأييده لاحتلالهم بلاده ، فكيف تضحي أمريكا برجل من رجالها ؟؟!!! .. و أما تنظيم القاعدة فلا يمكن لعاقل أن يتهمه بالقيام بمثل هذا العمل ، فما هي مصلحة القاعدة في إشعال فتيل حرب عراقية عراقية بين أهل السنة و الشيعة ربما لا تنطفيء نارها بعد عشرين سنة ؟ ، كيف يمكن لقادة القاعدة أن يفكروا بهذه الطريقة ، و هم من يدعون إلى تهدئة الأوضاع الداخلية في العراق ، ليسهل الإجهاز على جيش الاحتلال الأمريكي في العراق من قبل المجاهدين العراقيين الأبطال ، اللذين عجزت القوات الأمريكية عن مواجهتهم حتى ساعة كتابة هذه الكلمات .. فالقاعدة على ذلك مستبعدة بكل تأكيد ..4. هل سيشكل الحدث الحلقة الأخيرة من حلقات مسلسل الحوادث المماثلة ؟؟ الجواب : لا بكل تأكيد ، بل ستشهد الأيام القادمة عمليات دموية أقسى من عملية النجف بكثير ، بل ربما شهدت اشتباكات مسلحة و مجازر و قتال شوارع بين أتباع الثيران المتحاربين ، و سيكون أول الضحايا من وجهة نظري هو مقتدى الصدر ، الذي سبق و أن تعرض لعدة محاولات اغتيال ، فهو قتيل يمشي اليوم على الأرض ، و سيعقبه علي السيستاني الزعيم الحالي لحوزة النجف .. على أن ذلك لن يكون سوى الشرارة التي ستشعل حرباً دونها حرب البسوس ..
أخوكم أبو الفداء
و مَن الذي يمكنه أن يستفيد من مقتل رجل كباقر الحكيم ، أمريكا أم صَدَّام حُسَين أم القاعدة أم جهات أخرى ؟!!أسئلة كثيرة و افتراضات عديدة جعلت الكثيرين من المحللين يجيبون عنها بأجوبة خاطئة بعيدة في أكثرها عن الواقع ، أجوبة تليق بعقول بعيدة عن تصور و فهم أبعاد القضية ، و تليق بأشخاص ليس عند الواحد منهم أدنى إلمام بحقيقة ما يجري في المؤسسات الدينية الشيعية في العالم عامة و في العراق خاصة .. و حتى يكون أي تحليل لأي حدث صحيحاً لا بد أن يكون صاحبه ملماً بتاريخ القضية التي يتحدث فيها ، و لا بد في حالة الحديث عما نحن بصدده من نظرة سريعة على التاريخ البعيد أو القريب على الأقل للحوزات الدينية الشيعية ، فمن المعروف لدى كل مهتم بهذا الموضوع أن الحوزات و المؤسسات الشيعية الأخرى أشبه ما تكون بتلك الدول الغنية بالثروات الطبيعية كالنفط و غيره ، و التي يسيل لها لعاب الدول الأخرى ، و يدفعها إلى التنافس على الحصول على نفوذ في تلك الدولة الغنية ، نعم .. فالحوزات تقوم على بحيرات ضخمة لكنها ليست من النفط ، بل هي من المال ، تلك البحيرات التي تفيض منها الأموال ، لأن الحوزات وُجِدَتْ لتجبي لا لتعطي ، فالأموال تأتي إليها من كل حدب تحت شعارات و مسميات شتى ، فتارة تأتي باسم (الخُمس) و أخرى باسم إعمار العتبات المقدسة و المراقد ، و ثالثة باسم دعم الشعائر الحسينية (اللطم و ما شابه) و الغريب أن ما يدخل إلى خزائن الحوزة لا يخرج منها أبداً إلا إلى جيب (سيد) هنا أو (شيخ) هناك من المتنفذين في الحوزة ، و الحصول على هذه الميزة سهل يسير ، لا يتصورن أحد أن المسألة تتعلق بما يسمى في عالم الحوزات بـ (الأعلمية) أبداً .. يكفيك أن تكون ابناً أو قريباً لأحد زعماء الحوزة الأقدمين ، أو أن تكون خطيباً مفوهاً تُحسِن اللعب بعواطف الجماهير بالعزف على وتر واقعة يوم الطف الأليمة ، أو أن تكون من إحدى (عوائل الحوزة) !! كعوائل الصدر و الحكيم و بحر العلوم ، يكفيك شيء من ذلك لكي تحصل على ميزة أن تكون متنفذاً في الحوزة ، لتتفتح لك أبواب السعد ، و تدر عليك الأموال الطائلة ، التي تتقزم عندها و تتصاغر أموال قارون ...و لذلك فلطالما شهدت حوزات النجف و قم و عامل صراعات دامية و منافسات غير شريفة على زعامة الحوزات ... قتل و سفك دماء و تسقيط ، كل ذلك في سبيل المال و السلطة و الجاه ، ذلك الثالوث الذي يغري غالب الناس بما هو أعظم و أعظم في سبيل تحقيقه ..لقد عمت الوسط الشيعي في العراق عقب عملية النجف حالة من الهستيريا فيما يخص توجيه أصابع الاتهام بالضلوع في الحادث ، فقبل أن ينجلي غبار الانفجار سارع كبار القوم (كسادة الحوزة و من هم تحتهم) إلى الإشارة بأصابع الاتهام دون أي دليل ، بل دون أي خجل إلى المجاهدين اللذين وصفوهم بالوهابيين ، فيما يقتضي منهج العدل اكتمال التحقيق بعد التتقصي التام قبل توجيه أي اتهام ، و قد ذكرنا ذلك بحادث تفجير (أوكلاهوما سيتي) في أمريكا قبل عدة سنوات حين أعلنت السلطات الأمريكية بعد حادث التفجير بدقائق أن تنظيم القاعدة هو المسؤول عن التفجير ، ثم تبين بعد التحقيق بطلان ذلك ، و أن المسؤول عن التفجير ما هو إلا جندي أمريكي سابق قام بالعمل احتجاجاً على هضم حقوقه .. كان ذلك بعد أن تعرض المسلمون هناك إلى حملات من المضايقات و الاعتداءات المختلفة ..قبل أن نسأل : من قتل محمد باقر الحكيم يوم الجمعة الدامي ؟ ، علينا أن نسأل و نعرف من الذي قتل عبد المجيد الخوئي قبل أشهر قليلة مِن قتل الحكيم و في ذات المكان الذي قتل فيه الحكيم ؟ ، و من الذي حاول على إثر ذلك اغتيال مقتدى الصدر ؟ ، و من الذي حاول قتل علي السيستاني و حاصر بيته ؟ ، و من الذي قتل أحمد الوائلي الداعية الشيعي المعروف قبل مقتل الحكيم بأسابيع ، و الذي زعموا أن وفاته كانت طبيعية ؟ ، و من الذي حاول اغتيال محمد سعيد الحكيم قبل مقتل الحكيم بأيام ؟ .. من ؟ من ؟؟
أما عبد المجيد الخوئي فقد قتل على أيدي أتباع مقتدى الصدر في داخل الضريح المنسوب إلى علي رضي الله عنه في النجف ، و هو نفس المكان الذي احترق فيه محمد باقر الحكيم و رفاقه ، قتلوا عبد المجيد الخوئي .. في ذات المكان الذي قتلوا فيه الحكيم ، لم يقتلوه لأنه عميل لأمريكا كما حاولوا أن يصوروا للسذج ، بدليل أن علماء الشيعة في العراق جميعاً كانوا قد أعلنوها صريحة مدوية بأنهم عملاء لأمريكا ، باقر الحكيم نفسه أعلن بكل وضوح قُبَيلَ مقتله ، أعلن قبوله بما أسماه (التعاون) مع قوات الاحتلال الأمريكية !!! ، و احتذى حذاءه كل من : عبد العزيز الحكيم (شقيقه) و ابراهيم الجعفري و موفق الربيعي ... و القائمة تطول ، بل وصل الأمر إلى كبيرهم علي السيستاني ، فقد صار يدلي بتصريحات أشبه ما تكون بتصريحات قادة الأحزاب السياسية التركية !! (يمتازون بالتصريحات الملتوية التي تجعل قائلها لا يتحمل أي تبعة) ، ففي مرة يطلق بعض التهديدات المبطنة ضد المحتلين ، و في أخرى (يبتلع) كلمات التهديد المبطن و يلين لهم القول ، فهو لم يقل بصراحة ما موقف سماحته من الاحتلال الصليبي للبلاد ؟ ، كما لم يعلن عمالته للأمريكان بصراحة ، فهو يلعب على الحبلين ، فعبد المجيد الخوئي لم يقتل لعمالته لأمريكا إذاً فكلهم عميل لأمريكا ... إنما قتلوه لأنهم شعروا به و قد جاء على ظهر مدرعة أمريكية بأن ذلك سيسهل عليه و هو ابن أبي القاسم الخوئي الزعيم الأسبق للحوزة السيطرة عليها ، و بالتالي السيطرة على (خيرات الحوزة و ثرواتها) !!... أما الضحية الثانية فلم يكن سوى أحمد الوائلي الخطيب الشيعي المشهور ، و الذي يلقبونه على عادتهم في المبالغة بأمير المنبر الحسيني و لسان الشيعة و غير ذلك من الألقاب الضخمة ، .. فهو يتمتع بشعبية كافية لتجعله يتربع بكل سهولة على عرش الزعامة الشيعية .. رغم أنه (شيخ) و ليس بسيد ، أي إنه ليس من أصحاب العمائم السود ، لكنه كان يحظى بشعبية واسعة في أوساط الشيعة ، و كلمته مسموعة عندهم ، مما يؤهله إلى تبؤ موقع لا يستهان به بين رجال الحوزة ، ما يعني أنه سيكون منافساً قوياً على الزعامة هناك ، و ليذهب سادة الحوزة إلى الجحيم ، لقد قُتل أحمد الوائلي مسموماً بمجرد دخوله إلى العراق ، مَن الذي دس له السم ؟!! إنه من (دس) تلك العبوة القاتلة لمحمد باقر الحكيم و رفاقه ، و هو نفسه من قتل عبد المجيد الخوئي ، و هو نفسه من حاصر علي السيستاني ، و هو نفسه من حاول قتل محمد سعيد الحكيم عم محمد باقر الحكيم ، و هو نفسه من حاول قتل مقتدى الصدر ، و هي نفس الملابسات و الظروف التي حدثت فيها تلك الاغتيالات ، مع تغير القائمين بها .. هذا بعد أن افتضح أمر الصراع على السلطة و الجاه في حوزة النجف ، و الضحايا كُثْرٌ ، عبد المجيد الخوئي ، أحمد الوائلي ، محمد سعيد الحكيم ، محمد باقر الحكيم ، و العبرة بالآتي فهو أعظم ..أما في زمن الصراع الخفي ، فلم يكن محمد باقر الصدر الذي وُشي به من قبل منافسيه لدى صدام حسين أول الضحايا ، و لم يكن الخوئي و لا الغروي و لا محمد بحر العلوم و لا محمد محمد صادق الصدر كذلك ، و هؤلاء جميعاً قُتلوا في عهد صدام حسين ، منهم من قتله صدام نفسه نتيجة وشاية من منافسيه ، و منهم من قتله منافسوه و ألقوا تبعة مقتله على صدام ، لكن الأمر قد صار أكثر وضوحاً بعد سقوط صدام حسين ، و عادت المنافسات غير الشريفة لتطفوا على سطح الحوزة مجدداً ، ... و لم تنحصر المنافسات و المؤامرات بين عدد محدود من كبار علماء الحوزة ككل مرة ، بل دخل إلى حلبة الصراع هذه المرة عدد كبير من المنافسين اللذين لم يكن أحد يتوقع دخول أمثالهم إلى حلبة الصراع ، فبعد أن كانت الحروب الطاحنة تجري من قبل بين علماء الحوزة و مجتهديها الكبار ، دخل اليوم على خطها من يمكن تصنيفهم على أنهم شباب حُدَثاء ، غايتهم المال و الجاه ، فالمدعو مُقْتَدَى محمد الصدر مثلاً شاب صغير بلغ العشرين لتوه ، و ليس عنده ما يؤهله لخوض غمار المنافسة على زعامة الحوزة إلا أنه ابن لمحمد الصدر الذي قُتل في منافسات سابقة على زعامة الحوزة ، و لولا تخوف كبار رجال الحوزة من افتضاح أمر مقتل الصدر ، و ظهور الأسباب الحقيقية لحادثة اغتياله ، و ظهور الأسماء الحقيقية كذلك لمن قاموا بالاغتيال لما كان يمكن لهم بأي حال أن يسكتوا على دخول صبي صغير كمقتدى الصدر إلى حلبة الصراع التي لا يمكن لواحد مثله أن يدخلها ...فهذه الحلبة محصور دخولها بالثيران الكبار ، و هم كبار الحوزة من أمثال السيستاني و الصدر و الحكيم ..و عليه فالإجابة على الأسئلة التي تقدمت في هذه المقالة كالآتي :1. نعم لقد بدأت حرب الثيران ، بل إنها لم تتوقف يوماً ، فهي لا تزال مستعرة منذ زمن أبعد بكثير من مما أعقب التاسع من نيسان ، و هو يوم سقوط الرئيس صدام حسين ، أما من هم هؤلاء الثيران ؟ فهم علماء و كبار الحوزة ..2. أما السؤال الثاني : ما خلفية انفجار النجف الدموي ؟ فلعلي أكون قد أجبت عليه فيما سبق من أسطر هذه المقالة ببعض التفصيل ، و الاجابة عليه باختصار هي : العملية شكلت حلقة من حلقات سلسلة الصراع الدامي بين زعماء الشيعة من أجل السيطرة على الحوزة التي تُعد السيطرة عليها سيطرة على الدنيا بأسرها في نظر من يخوضون ذلك الصراع القديم بقدم الحوزة نفسها ..3. من كان وراء الانفجار المروع ؟ ، أمريكا أم صَدَّام حُسَين أم القاعدة أم جهات أخرى ؟!! .. أما صدام فمن المستبعد جداً أن يكون هو وراء العملية لأسباب عديدة ، أولها أنه لم تعد له القدرة على مثل هذه العمليات بل على ما هو أدنى منها ، لفقده الصاحب و الناصر ، و لأن دوره في العراق قد انتهى إلى الأبد حسب وجهة نظري ، و ثانيها لأن مثل هذه العمليات لا تخدمه الآن (لو تنازلنا جدلاً عن قولنا الآنف بأن دور صدام قد انتهى) و هو من يسعى إلى حشد التأييد لعودته إلى السلطة .. أما ثالثها فعدم وجود فائدة مادية أو معنوية لمثل هذه العمليات لصدام ، ثم إن الرجل كان قد أعلن براءته من دم الحكيم عبر شريط بثته قناة الجزيرة القطرية و لا يسعنا و الحال ما تقدم إلا تصديقه .. و أما أمريكا فليس من مصلحتها بأي حال أن يقتل رجل كباقر الحكيم ، و هي تعول عليه بعد أن أعلن استعداده للعمل تحت إمرة الأمريكان ، ما يعني تأييده لاحتلالهم بلاده ، فكيف تضحي أمريكا برجل من رجالها ؟؟!!! .. و أما تنظيم القاعدة فلا يمكن لعاقل أن يتهمه بالقيام بمثل هذا العمل ، فما هي مصلحة القاعدة في إشعال فتيل حرب عراقية عراقية بين أهل السنة و الشيعة ربما لا تنطفيء نارها بعد عشرين سنة ؟ ، كيف يمكن لقادة القاعدة أن يفكروا بهذه الطريقة ، و هم من يدعون إلى تهدئة الأوضاع الداخلية في العراق ، ليسهل الإجهاز على جيش الاحتلال الأمريكي في العراق من قبل المجاهدين العراقيين الأبطال ، اللذين عجزت القوات الأمريكية عن مواجهتهم حتى ساعة كتابة هذه الكلمات .. فالقاعدة على ذلك مستبعدة بكل تأكيد ..4. هل سيشكل الحدث الحلقة الأخيرة من حلقات مسلسل الحوادث المماثلة ؟؟ الجواب : لا بكل تأكيد ، بل ستشهد الأيام القادمة عمليات دموية أقسى من عملية النجف بكثير ، بل ربما شهدت اشتباكات مسلحة و مجازر و قتال شوارع بين أتباع الثيران المتحاربين ، و سيكون أول الضحايا من وجهة نظري هو مقتدى الصدر ، الذي سبق و أن تعرض لعدة محاولات اغتيال ، فهو قتيل يمشي اليوم على الأرض ، و سيعقبه علي السيستاني الزعيم الحالي لحوزة النجف .. على أن ذلك لن يكون سوى الشرارة التي ستشعل حرباً دونها حرب البسوس ..
أخوكم أبو الفداء