بدر الشريفي
05-18-2009, 11:11 AM
الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
--------------------------------------------
أولاً : اسمه ونسبه وكنيته :
هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي ، المدني الشهيد ، فهو سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته من الدنيا وهو سيد شباب أهل الجنة ، فهو ابن السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبوه أمير المؤمنين علي رصي الله عنه ، وحفيد أم المؤمنين خديجة وخامس الخلفاء الراشدين .
--------------------------------------------
ثانياً : مولده وتسميته ولقبه : وفقه النبي في تسمية المواليد :
ولد رضي الله عنه وأرضاه في رمضان سنة ثلاث من الهجرة النبوية على الصحيح ، وقيل : ولد في شعبان ، وقيل : ولد بعد ذلك قال الليث بن سعد : ولدت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي في شهر رمضان من ثلاث ، وولدت الحسين في ليال خلون من شعبان سنة أربع ، وقال البرقي أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم : ولد الحسن في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة النبوية ، ومثله قاله ابن سعد في طبقاته ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، لما ولد الحسن سميته حرباً فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : لا ، بل هو حسن ، فلما ولد الحسين سميته حرباً ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ ، قلنا : حرباً قال : بل هو حسين . فلما ولد الثالث سميته حرباً ، فقال : بل هو محسّن ، ثم قال : إني سميتهم بولد هارون : شبر وشبير ومشبّر ، وقد فرح رسول الله بهذا المولود الجديد وسارع الناس بتهنئة الأبوين بهذا السبط المبارك ، وقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم يسرعون في زف البشرى لأهل المولود الجديد وقد ثبت عن الحسن البصري تهنئة لطيفة يقول فيها : بورك لك في الموهوب وشكرت الواهب ورزقت برّه وبلغ أشده ، ونلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمى الحسن والحسين رضي الله عنهما عدل بهما عن مسميات قبل الإسلام وما تدل عليه أسماؤها من القتال وسفك الدماء فاختار لهما أكرم الأسماء وأجل المعاني ، وقد وصف الحسن رضي الله عنه بالسيد ولقبه بهذا اللقب جده الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح : إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ونتعلم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم قيمة مهمة في حياتنا وهي الحرص على اختيار أجمل وأحسن الأسماء لأبنائنا وهذا توجيه للآباء والأمهات على اختيار الاسم الحسن في اللفظ والمعنى في قالب النظر الشرعي واللسان العربي ، فيكون : حسناً ، عذباً على اللسان ، مقبولاً للأسماع ، يحمل معنى شريفاً كريماً ، ووصفاً صادقاً ، خالياً مما دلت عليه الشريعة على تحريمه أو كراهته ، مثل : شوائب التشبه والمعاني الرِّخوة ومعنى هذا أن لا يختار الأب المسلم اسماً إلا وقد قلب النظر في سلامة لفظه ومعناه على علم ووعي وإدراك ، وإن يستشير بصيراً في سلامته ممّا يُحْذَرُ ، فهو أسلم وأحكم ، ومن الجاري قولهم : حق الولد على والده أن يختار له أماً كريمة وأن يسميه اسماً حسناً ، وأن يورثه أدباً حسناً وقد بين العلماء أن للأسماء المشروعة رتب ومنازل وهي مستحبة وجائزة وهي على الترتيب كالآتي :
01 استحباب التسمية بهذين الأسمين : عبد الله وعبد الرحمن وهما أحب الأسماء إلى الله تعالى ، كما ثبت الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأسماء المتضمنة العبودية لله في معانيها وميزة هذه الأسماء ، أنها أصدق تعبير على حقيقة عبودية الإنسان لربه وفقره وذله له ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، حيث قال : إن أحب أسمائكم إلى الله : عبد الله وعبد الرحمن ، وذلك لاشتمالهما على وصف العبودية . وقد خصّها الله في القرآن ، بإضافة العبودية إليهما دون سائر أسمائه الحسنى ، وذلك في قوله تعالى : "وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا" (الجن، آية : 19) وقوله تعالى : "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ" (الفرقان ، آية : 63) ، وجمع بينهما في قوله تعالى : "قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى" (الإسراء ، آية : 110) وقد سمّي النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمّه العباس : عبد الله رضي الله عنهما وفي الصحابة رضي الله عنهم نحو ثلاثمائة رجل كل منهم اسمه عبد الله ، وبه سُمي أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة إلى المدينة ، عبد الله بن الزبير .
3 ـ التسمية بأسماء أنبياء الله ورسله : لأنهـم سادات بني آدم وأخلاقهم أشرف الأخلاق ، وأعمالهم أزكى الأعمال ، فالتسمية بأسمائهم تذكر بهم وبأوصافهم وأحوالهم وقد أجمع العلماء على جواز التسمية بهم ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة حيث سمى ابنه إبراهيم ، وأفضل أسماء الأنبياء : اسم نبينا ورسولنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين أجمعين .
4 ـ التسمية بأسماء الصالحين من المسلمين : وصحابة رسول الله إلى يوم الدين وقد كان لصحابة رسول الله نظر لطيف في ذلك ، فهذا الصحابي ، الزبير بن العوام رضي الله عنه يسمي أولاده ـ وهم تسعة ـ بأسماء بعض شهداء بدر رضي الله عنهم ، وهم : عبد الله ، المنذر ، عروة ، حمزة ، جعفر ، مصعب ، عبيدة وخالد .
5 ـ ثم يأتي من الأسماء ما كان وصفاً صادقاً للإنسان : بشروطه وآدابه واسم المولود يكتسب الصفة الشرعية متى توفرت فيه ، وهذه شروط منه :
أن يكون حسن المبنى والمعنى لغة وشرعاً ، ويخرج بهذا كل اسم محرم أو مكروه إما في لفظه أو معناه أو فيهما كليهما وإن كان جارياً في نظام العربية ، كالتسمي بما معناه التزكية ، أم المذمة أو السبُّ ، بل يسمى بما كان صدقاً وحقاً وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك .
وقد دلت الشريعة على تحريم تسمية المولود في واحد من الوجوه الآتية :
1 ـ اتفق المسلمون على أنّه ، يحرم كل اسم معبد لغير الله مثل عبد الرسول ، عبد النبي ، عبد عليِّ ، عبد الحسين ، عبد الأمير ـ يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ عبد الصاحب ، فالخلق كلهم مهما علوا فهم عباد خاضعون ذليلون فقراء لله ، والله تعالى هو المستحق وحده للعبادة ، فلا ينبغي التسمية بالتعبيد لغير الله من خلقه .
2 ـ التسمية بالأسماء الأعجمية المولّدة للكافرين الخاصة بهم والمسلم المطمئن بدينه يبتعد عنها وينفر منها ولا يحوم حولها وقد عظمت الفتنة بها في زماننا ، فيلتقط اسم الكافر من أوربا ، وأمريكا وغيرها ، وهذا من أشد مواطن الإثم وأسباب الخذلان ، ومنها : بطرس ، جرجس ، جورج ، ديانا .. وغيرها . وهذا التقليد للكافرين في التسمِّي بأسمائهم ، إن كان مجرّد هوى وبلادة ذهن ، فهو معصية كبيرة وإثم ، وقد فصل الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه تسمية المولود فمن أراد الزيادة والتوسع فليراجعه .
---------------------------------------------
ثالثاً : تأذين رسول الله في أذن الحسن :
لما ولد الحسن أذن رسول صلى الله عليه وسلم في أذنيه بالصلاة كما روي ذلك عن أبو رافع ، والسر في ذلك وحكمته كما قال الدهلوي : ـ رحمه الله ـ :
1 ـ الأذان من شعائر الإسلام .
2 ـ إعلام الدين الإسلامي .
3 ـ ثم لا بد من تخصيص المولود بذلك الأذان بأن يصوت في أذنه .
4 ـ علمت أن من خاصية الأذان أن يفر منه الشيطان ، والشيطان يؤذي الولد في أول نشأته ، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من مولد يولد إلا والشيطان يمسه فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها ، وثبت قوله صلى الله عليه وسلم : إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين . وأضاف ابن القيم ـ رحمه الله ـ أسراراً أخرى للتأذين فقال :
5 ـ أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام ، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله الدنيا ، كما يلقن التوحيد عند خروجه منها .
6 ـ وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثيره به ، وإن لم يشعر مع ما في ذلك فائدة أخرى وهي :
7 ـ هروب الشيطان من كلمات الأذان ، وهو كان يرصده حتى يولد ، فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها ، فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به .
8 ـ وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته ، سابقة على دعوة الشيطان كما كانت فطرة الله التي فطر عليها على تغيير الشيطان لها ونقله عنها ولغير ذلك من الحكم ، وهكذا نتعلم من هدى النبي صلى الله عليه وسلم ، استحباب الأذان في أذن المولود اليمنى ثم تقام الصلاة في الأذن اليسرى ، وبذلك يكون أول ما يلامس أذنيه الدعوة إلى الركن الركين في هذا الدين بعد توحيد رب العالمين .
--------------------------------------------
رابعاً : تحنيك المولود :
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتي بالصبيان ، فيبرك عليهم ويحنكهم ، فمن باب أولى أن يكون صلى الله عليه وسلم برك على الحسن وحنكه ، يقول النووي ـ رحمه الله ـ معلقاً على قول عائشة رضي الله عنها : فيبرك عليهم أي يدعو لهم ويمسح عليهم وأصل البركة ثبوت الخير وكثرته ، وقولها : فيحنكهم : قال أهل اللغة التحنيك أن يمضغ التمر أو نحوه ثم يدلك به حنك الصغير والتحنك يكون عقب التأذين إن أمكن ذلك ، ويفضل إن أمكن أن يقوم بالتحنيك رجل صالح ، وفي ذلك تأسي بالصحابة الكرام حيث حرصوا على إرسال أبنائهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحنكهم ، ويستخدم في التحنيك التمر ، فإن لم يوجد فشئ حلو ، وسبب ذلك :
1 ـ لأن التمر مثل حليب الأم ، يحمل جميع الفيتامينات التي يحتاجها جسم الغلام .
2 ـ الغلام الصغير يولد بحاسة التذوق ، فإذا استخدمت معه التمر تنبهت هذه الحاسة وحرك لسانه وفمه ، فكان بذلك أقدر على التقام ثدي أمه عند الرضاع .
3 ـ المعدة تمتص السكريات بسرعة فائقة ، وبذلك لا يشكل التحنيك أي معاناة معوية للغلام .
يقول الدكتور فاروق مساهل ـ مجلة الأمة القطرية عدد (50) في مقالته تحت عنوان ـ إهتمام الإسلام بتغذية الطفل معلقاً على حديث التحنيك ما نصه ـ والتحنيك بكل المقاييس معجزة نبوية طبية مكثت البشرية أربعة عشر قرناً من الزمان لكي تعرف الهدف والحكمة من ورائها ، فلقد تبين للأطباء أن كل الأطفال الصغار وخاصة حديثي الولادة والرضع معرضون للموت لو حدث أحد أمرين :
ـ إذا نقصت كمية السكر في الدم بالجوع .
ـ إذا انخفضت درجة حرارة أجسامهم عند التعرض للجو البارد المحيط بهم
---------------------------------------------
خامساً : حلق شعر رأس الحسن رضي الله عنه :
عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : أن فاطمة حلقت حسناً وحسيناً يوم سابعمها فوزنت شعرهما فتصدقت بوزنه فضة ، والأحاديث في هذا الباب صحيحة بمجموع طرقها . وقال الشيخ الدهلوي ـ رحمه الله ـ معلقاً على الحديث : السبب في التصدق بالفضة ، أن الولد لما انتقل من الجنينية إلى الطفلية كان ذلك نعمة يجب شكرها وأحسن ما يقع به الشكر ما يؤذن أنه عوضه ... وأما تخصيص الفضة فلأن الذهب أغلى ولا يجده إلا غني وسائر المتاع ليس له بال بزنة شعر المولود .
---------------------------------------------
سادساً : العقيقة :
عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَقَّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً ، وفي رواية : كبشين كبشين ، وعن أبي رافع : أن حسن بن عليّ لمّا ولد أرادت أمُّه أن تَعُقَّ عنه بكبشين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تعُقي عنه ، ولكن أحْلِقي شعر رأسه فتصدقي بوزنه من الورق ، ثم ولد الحسين ، فصنعت مثل ذلك وإنما صرفها صلى الله عليه وسلم عن العقيقة لتحمُّله عنها ذلك لا تركاً بالأصالة . يدل عليه حديث عليِّّ رضي الله عنه : عقَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن (بشاة) وقال : يا فاطمة أحْلقي رأسه وتصدَّقي بزنة شعره فضَّة ، فوزنّاه فكان وزنُه درهماً أو بعض درهم خرَّجه الترمذي ، وقد روي عن فاطمة أنَّها عقَّت عنهما وأعطت القابلة فخذ شاة وديناراً واحداً ، ولعل فاطمة باشرت الإعطاء ، وكان ممّا عق به صلى الله عليه وسلم عن الحسن يوم سابعه بكبشين أمْلَحَين ، وأعطى القابلة الفخذ ، وحلق رأسه وتصدَّق بزنة الشعر ، ثم طلى رأسه بيده المباركة بالخَلُوق ثم قال : يا أسماء ، الدم مِنْ فعل الجاهلية . فلمّا كان بعد حول ولد الحسين . إن للعقيقة فوائد جمة منها ، أنها قربان عن المولود يقدم إلى الله مع خروج الغلام إلى الدنيا وبذلك تقدم الشكر على ما أنعم الله عليك وغير ذلك من الفوائد وقد قال الشيخ الدهلوي ـ رحمه الله ـ : يستحب لمن وجد الشاتين أن ينسك بهما عن الغلام وذلك لما عندهم أن الذكران أنفع لهم من الإناث فتناسب زيادة الشكر وزيادة التنويه أما سبب الأمر بالعقيقة فهو أن العرب كانوا يعقون عن أولادهم ، وكانت العقيقة أمراً لازماً عندهم وسنة مؤكدة وكان فيها مصالح كثيرة راجعة إليه المصلحة الملية والمدنية والنفسية فأبقاها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعمل بها ورغب الناس فيها إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ غيّر في تقاليدها ، فعن بريدة رضي الله عنه قال : كنا في الجاهلية إذا ولد لنا غلام ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بدمها ، فلما كان الإسلام كنا إذا ولد لنا غلام ذبحنا عنه شاة وحلقنا رأسه ، ولطخنا رأسه بزعفران وهذا من الفقه النبوي فإنه لما رأى عادة فيها منفعة للناس مشوبة ببعض الانحراف ـ تلطيخ رأس المولود بالدم ـ فلم يبحها مطلقاً بدعوى حاجة الناس إليها وفي نفس الوقت لم يمنعها مطلقاً بسبب ما فيها من انحراف وإنما حافظ على ما يحقق الناس في هذه العادة وأكده ونهى عن العادة الجاهلية وحرمها وهذه حكمة نبوية جديرة بالاهتمام والتأمل .
---------------------------------------------
سابعاً : ختان الحسن بن علي رضي الله عنه :
عن جابر رضي الله عنه : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عّقَّ عن الحسن والحسين ، وختنهما لسبعة أيام ، وعن محمد بن المنكدر أن النبي صلى الله عليه وسلم ختن الحسين لسبعة أيام ، والختان من أمور الفطرة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه : الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، وتقليم الأظافر ، ونتف الأبط .
والختان صبغة الحنيفية ، فهو للحنفاء بمنزلة الصبغ والتعميد عند عباد الصليب ، فهم يطهرون أولادهم بزعمهم حين يصبغونهم في ماء المعمودية ، ويقولون الآن صار نصرانياً ، فشرع الله سبحانه للحنفاء صبغة الحنيفية ، وجعل ميسمها الختان ، فقال عز من قال : ((صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)) (البقرة ، الآية : 138)) والمقصود أن صبغة الله هي الحنفية التي صبغت القلوب بمعرفته ومحبته والإخلاص له وعبادته وحده لا شريك له ، وصبغة الأبدان بخصال الفطرة من الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط والمضمضة والاستنشاق والسواك والاستنجاء فظهرت فطرة الله على قلوب الحنفاء وأبدانهم ، ومن اللطائف الفقهية في أمر الختان ما ذكره الخطابي : أما الختان فإنه وإن كان مذكوراً في جملة السنن فإنه عند كثير من العلماء على الوجوب ، وذلك أنه شعار الدين ، وبه يعرف المسلم من الكافر إذا وجد المختون بين جماعة قتلى غير مختونين صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين .
---------------------------------------------
ثامناً : مرضعة الحسن بن علي أم الفضل رضي الله عنهما :
عن أم الفضل قالت : قلت يا رسول الله رأيت في المنام كأن عضواً من أعضائك في بيتي أو قالت في حجرتي فقال : تلد فاطمة غلاماً إن شاء الله فتكفلينه قالت : فجئت به يوماً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فبال على ظهره فدحيت في ظهره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مهلاً يرحمك الله أوجعت ابني . فقلت : إدفع إليّ إزارك فأغسله فقال : لا ، صُبِّي عليه الماء فإنَّه يُصَبُّ على بوْل الغلام ويغسل بول الجارية .
وأم الفضل هي امرأة العباس بن عبد المطلب اسمها لُبَابَة بنت الحارث الهلالية وهي لبابة الكبرى ، أسلمت قبل الهجرة ، وقال ابن سعد : أم الفضل أوّلُ امرأة آمنت بعد خديجة . وروتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروي عنها أبنَاهَا عبد الله وتمام ، وعُمير بن الحارث مولاها وكُريب مولى ابنها وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل وآخرون وأخرج الزبير بن بكار وغيره ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : الأخوات الأربع مؤمنات : أم الفضل ، وميمونة ، وهي شقيقة أم الفضل ، وأما أسماء وسلمى فأختاهما من أبيهما وهما بنتا عُميس الخثعمية وأم الفضل خالة خالد بن الوليد رضي الله عنه ، فأم خالد هي لبابة الصغرى بنت الحارث الهلالية . وكان يقال عن والدة أم الفضل بأنها أكرم الناس أصهار ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، والعبّاس تزوج أختها شقيقتها لُبابة أم الفضل ، وحمزة تزوج أختها سلمى ، وجعفر بن أبي طالب شقيقتها أسماء ، ثم تزوجها بعده أبو بكر الصديق ثم تزوجها بعده على بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعاً وقد قال ابن عمر : كانت من المنجبات وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها ، وفي الصحيح أن الناس شكُّوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن فشرب وهو بالموقف فعرفوا أنه لم يكن صائماً ، وتحكى لنا أم الفضل رضي الله عنها عن آخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قرأ في المغرب بسورة ((وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)) (المرسلات ، الآية : 1) . فقالت : يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة ، إنها آخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها المغرب ، وعاشت أم الفضل إلى خلافة أبي بكر الصديق وخلافة الفاروق من بعده وفي أثناء خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعاً توفيت قبل زوجها العباس رضي الله عنهما وقد ولدت للعباس ستة رجال لم تلد امرأة مثلهم وهم : الفضل وبه كانت تُكنى ويُكْنى زوجها العباس أيضاً ـ أبو الفضل ـ وعبد الله الفقيه ، وعبيد الله الفقيه ، ومعبد ، وقُتم ، وعبد الرحمن وأم حبيبة سابعة ـ وفي أم الفضل هذه يقول عبد الله بن يزيد الهلالي :
مـا ولـدت نجيبة مِنْ فحـل ***بَجَبـلٍ نعلمـه وسَـهْل
كستةٍ من بطن أمِّ الفضــل ***أُكرِمْ بها من كهلة وكَهْلِ
عم النبي المصطفى ذي الفضل ***وخاتم الرسل وخير الرسل
---------------------------------------------
تاسعاً : زواج الحسن وزوجاته والروايات التي حولهن :
وقد ذكر المؤرخون أن من زوجاته ، خولة الفزازية ، وجعدة بنت الأشعث ، وعائشة الخثعمية ، وأم اسحاق بنت طلحة بنت عبيد الله التميمي ، أم بشير بنت أبي مسعود الأنصاري ، وهند بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأم عبد الله وهي بنت الشليل بن عبد الله أخو جرير البجلي وامرأة من بني ثقيف وامرأة من بني عمرو بن أهيم المنقري ، وامرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة وربما تجاوز هذا العدد بقليل ، وهو كما ترى لا يمت إلى الكثرة المزعومة بصلة بعرف ذلك العصر وأما ما رواه رواة الأثر ، في كونه تزوج سبعين وفي بعض الروايات تسعين والبعض الآخر مائتين وخمسين والبعض الآخر ثلاثمائة وروي غير هذا إلا أنه من الشذوذ بمكان وهذه الكثرة المزعومة موضوعة :
وأما الروايات فهي كالتالي :
1 ـ الرواية الأولى : فقد ذكرها ابن أبي الحديد وغيره ، وقد أخذوها عن علي بن عبد الله البصري الشهير بالمدائن المتوفى 225هـ وهو من الضعفاء الذين لا يعول على أحاديثهم ، فقد امتنع مسلم من الرواية عنه في صحيحه ، وضعفه ابن عدي في الكامل فقال فيه ليس بالقوي الحديث وهو صاحب الأخبار قل ما له من الروايات المسندة .
2 ـ ا : والمرسل من أنواع الضعيف .
لرواية الثانية فهي مرسلة3 ـ وأما الرواية الثالثة والرابعة : فقد ذكرها صاحب قوت القلوب لأبي طالب المكي وهو لا يعول على مؤلفة وعلى كل حال فالرقم القياسي لكثرة أزواج أمير المؤمنين الحسن مستندة إليه ومأخوذة عنه وقد اشتهر أبو طالب المكي بالزهد والوعظ وذكر فـي القوت أشياء منكرة ، وذكر في كتابه أحاديث لا أصل لها ، فقد جاء في كتابه قوت القلوب : وتزوج الحسن بن علي مائتين وخمسين ، وقيل ثلاثمائة ، وكان علي يضجر من ذلك ويكره حياءً من أهلهن إذ طلقهن ، وكان يقول : إن حسناً مطلق فلا تنكحوه ، فقال له رجل من همدان : والله يا أمير المؤمنين لننكحنه ما شاء ، فمن أحب أمسك ، ومن كره فارق فسرّ علي بذلك وأنشأ يقول :
لو كنت بواباً على باب جنة ***لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
... وكان الحسن ربما عقد له أربعة وربما طلق أربعة ، فهذه روايات لا تصح ولا تثبت وبالتالي لا يعول عليها .
وقد جاءت قصص في أسانيدها ضعف شديد تتعلق بزواج الحسن منها :
1 ـ عن الهذلي ، عن ابن سيرين قال : كانت هند بنت سهيل بن عمرو عند عبد الرحمن بن
عتاب بن أسيد وكان أبا عُذرتها ، فطلقها فتزوجها عبد الله بن عامر بن كريز ، ثم طلقها ، فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد بن معاوية ، فلقيه الحسن بن علي فقال : أين تريد ؟ قال : أخطب هند بنت سهيل بن عمرو على يزيد بن معاوية ، قال أذكرني لها ، فأتاها أبو هريرة ، فأخبرها الخبر فقالت : خِرْلي ، قال : أختار لك الحسن . فتزوجها ، فقدم عبد الله بن عامر المدينة ، فقال للحسن : إن لي عندها وديعة فدخل إليهـا والحسن معه وجلست بين يديه فَرَقّ ابن عامر فقال الحسن : ألا أنزل لك عنها ، فلا أراك تجد محللاً خيراً لكما مني فقال : وديعتي ، فأخرجت سفطين فيهما جواهر ففتحهما ، فأخذ من واحد قبضة وترك الباقي فكانت تقول : سيدهم جميعاً الحسن وأسخاهم ابن عامر ، وأحبهم إليّ عبد الرحمن بن عتاب ، وهذه القصة في إسنادها الهذلي وهو أخباري متروك الحديث وقال الذهبي مجمع على ضعفه .
2 ـ عن سحيم بن حفص الأنصاري ، عن عيسى بن أبي هارون المزني ، قال تزوج الحسن بن علي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، وكان المنذر بن الزبير هَوِيَها ، فأبلغ الحسن عنها فطلقها الحسن فخطبها المنذر فأبت أن تزوجه وقالت : شهرني ، فخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها فرقى إليه المنذر أيضاً شيئاً فطلقها ، ثم خطبها المنذر فقيل لها : تزوجيه ، فيعلم الناس أنه كان يعضهك ، فتزوجته فعلم الناس أنه كذب عليها ، فقال الحسن لعاصم بن عمر : انطلق بنا حتى نستأذن المنذر فندخل عليها ، فدخل فكانت إلى عاصم أكثر نظراً منها إلى الحسن وكانت إليه أبسط في الحديث ، فقال الحسن للمنذر خذ بيدها فأخذ بيدها ، وقام الحسن وعاصم فخرجا وكان الحسن يهواها وإنما طلقها لما رقا إليه المنذر ، فقال الحسن يوماً لابن أبي عتيق وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ، وحفصة عمته هل لك في العقيق ؟ قال نعم ، فخرجا فمرا على منزل حفصة ، فدخل إليها الحسن فتحدثا طويلاً ثم خرج ، ثم قال الحسن مرة أخرى لابن أبي عتيق : هـل لك في العقيق ؟ فقال : يا ابن أم ألا تقول هـل لك في حفصة ؟ ، وفي إسناد هذا الحديث
رجال لا توجد لهم ترجمة في كتب الجرح والتعديل ويكفي في ضعفه نكارة متنه .
3 ـ حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال : قال علي : ما زال الحسن يتزوج ويطلق حتى خشيت أن يورثنا عداوة القبائل ، وهذا الأثر مرسل ضعيف .
إن الروايات التاريخية التي تشير إلى الأعداد الخيالية في زواج الحسن بن علي رضي الله عنه لا تثبت من حيث الإسناد وبالتالي لا تصلح للإعتماد عليها نظراً للشبه والطعون التي حامت حولها ، ويؤيد افتعال تلكم الكثرة أمور منها :
1 ـ إنها لو صحت لكان للحسن بن علي رضي الله عنه من الأولاد جمع غفير يتناسب معها والحال الذي ذكر لها اثنان وعشرون ولداً ما بين ذكر وأنثى ، وهذا العدد يعتبر طبيعي بالنسبة لذلك العصر ويتناقض كلياً مع تلك الكثرة ولا يلتقي معها بصلة .
2 ـ ومما يدل على وضع ذلك وعدم صحته ما روي أن أمير المؤمنين رضي الله عنه كان يصعد المنبر ويقول : لا تزوجوا الحسن فإنه مطلاق ، كما ذكر ذلك صاحب قوت القلوب ، فنهي أمير المؤمنين الناس عن تزويج ولده على المنبر لا يخلو إما أن يكون قد نهى ولده عن ذلك فلم يستجب له حتى اضطر إلى الجهر به وإلى نهي الناس عن تزويجه ، وإما أن يكون ذلك النهي ابتداء من دون أن يعرف ولده الحسن بغض والده وكراهية أبيه لذلك ، وكلا الأمرين بعيدان كل البعد أما الأول ، فهو بعيد لأن الحسن رضي الله عنه كان باراً بأبيه ولا يخالفه ولا يعصي أمره ، وأما الثاني ، فبعيد أيضاً لأن الأولى بأمير المؤمنين أن يعرّف ولده ببغضه وكراهته لذلك ولا يعلن ذلك على المنبر أمام الجماهير الحاشدة ، مما يسبب اضطراب في العلاقات الأسرية بين الوالد وولده ومضافاً إلى ذلك أن الأمر إما أن يكون سائغاً شرعاً أو ليس بسائغ فإن كان سائغاً فما معنى نهي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وإن لم يكن سائغاً ، فكيف يرتكبه الحسن ؟ إنا لا شك في افتعال هذا الحديث ووضعه من خصوم الحسن بن علي رضي الله عنه ليشوهوا بذلك سيرته العاطرة والتي توجت بمساعيه في وحدة الأمة ، وهذه عادة الرواة الكذبة في تشويه سيرة المصلحين وتاريخ الأمة ومن هنا تتضح أهمية علم الجرح والتعديل والحكم على الروايات والدور العظيم الذي قام به علماء الحديث في بيان زيف مثل هذه الأخبار ولذلك ننصح الباحثين في تاريخ صدر الإسلام الاهتمام بنقد مثل هذه الروايات حتى يميزوا صحيحها من سقيمها فيقدموا للأمة خدمة جليلة ولا يتورطوا مثل ما تورط فيه بعض السادة الذين لا نشك في نواياهم بسبب اعتمادهم في بحوثهم على الروايات الضعيفة والموضوعة .
3 ـ ومما يؤيد افتعال تلك الكثرة لأزواجه ما روي أن الحسن بن علي رضي الله عنه لما وافاه الأجل المحتوم خرجت جمهرة من النسوة حافيات حاسرات خلف جنازته وهن يقلن نحن أزواج الإمام الحسن . إن افتعال ذلك صريح واضح ، فأنا لا نتصور ما يبرر خروج تلك الكوكبة من النسوة حافيات حاسرات ، وهن يهتفن أمام الجماهير بأنهن زوجات الحسن ، فإن كان الموجب لخروجهن إظهار الأسى والحزن ، فما الموجب لهذا التعريف والسير في الموكب المزدحم بالرجال مع أنهن قد أمرن بالتستر وعدم الخروج من بيوتهن إن هذا الأثر وأمثاله لا يصح ولا يثبت من حيث الإسناد ومن الأخبار الموضوعة التي تشابه تلك الأخبار ما رواه محمد بن سيرين ، أن الحسن رضي الله عنه تزوج بامرأة فبعث لها صداقاً مائة جارية مع كل جارية ألف درهم . ويستبعد أن يعطي الحسن بن علي رضي الله عنه هذه الأموال الضخمة مهراً لإحدى زوجاته ، فإن ذلك لون من ألوان الإسراف والتبذير وهو منهي عنه في الإسلام ، فقد أمر بالاقتصار على مهر السنة ، وسبب ذلك تسهيل أمر الزواج لئلا يكون فيه إرهاق وعسر على الناس ، ومن المؤكد أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يخالف سنة جده صلى الله عليه وسلم ولا يسلك أي مسلك يتنافى مع شريعته ، إن هذا الحديث وأمثاله من الموضوعات تؤيد وضع كثرة الأزواج ، وتزيد في الافتعال وضوحاً وجلاءً وعلى أي حال ، فليس هناك دليل يثبت كثرة أزواج الحسن بن علي رضي الله عنه سوى تلكم الروايات ، ونظراً لما ورد عليها من الطعون فلا تصلح دليلاً للإثبات ، ولمعرفة كيف يستفيد الأعداء من الروايات الضعيفة والباطلة ننقل ما قاله المستشرق لامنس عن زواج الحسن بن علي رضي الله عنه ، وألصق به التهم وطعن برجاله وحماته وقد كتب عن أزواج الحسن بن علي رضي الله عنه ما نصه : ولما تجاوز ـ يعني الحسن ـ الشباب ، وقد أنفق خير سني شبابه في الزواج والطلاق فأحصى له حوالي المائة زوجة ، وألصقت به هذه الأخلاق السائبة لقب المطلاق ، وأوقعت علياً في خصومات عنيفة وأثبت الحسن كذلك أنه مبذر كثير السرف ، وقد خصص لكل من زوجاته مسكناً ذا خدم وحشم ، وهكذا نرى كيف يبعثر المال أيام خلافة علي التي اشتد عليها الفقر .
لقد اعتمد المستشرق الانجليزي لامنس في قوله : إن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان كثير الزواج والطلاق على روايات موضوعة وآثار واهية وزاد عليها ، لامنس ، فذكر من البهتان والأكاذيب بما لم يقل به أحد غيره فقد قال :
1 ـ إنه ألقى أباه في خصومات عنيفة بسبب كثرة زواجه وطلاقه ولم يشر أحد ممن ترجم لأمير المؤمنين علي أو الحسن رضي الله عنهما إلى تلك الخصومات العنيفة التي زعمها المستشرق لامنس .
2 ـ وذكر أن أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنه خصص لكل من زوجاته مسكناً ذا خدم وحشم ، مع أن جميع المؤرخين الذين اطلعت عليهم لم ينقلوا ذلك ، وهذا من الكذب السافر والافتراء المحض .
إن لجان التنصير المسيحي التي حاربت الإسلام وبغت عليه هي التي تدفع هذه الأقلام المأجورة وتزج بها للنيل من الإسلام ، وإلى تشويه واقعه والحط من قيم رجاله وأعلامه الذين أناروا الطريق للركب الإنساني ، ورفعوا منار الحضارة في العالم .
---------------------------------------------
عاشراً : أولاده :
وأما ذريته الشريفة ، فهم : الحسن ، وزيد ، وطلحة ، والقاسم ، وأبو بكر ، وعبد الله ، وقد قتل هؤلاء مع عمهم الحسين الشهيد بكربلاء ، وعمرو ، وعبد الرحمن ، والحسين ، ومحمد ، ويعقوب ، وإسماعيل ، وحمزة ، وجعفر ، وعقيل ، وأم الحسين ، ولم يعقب من ذريته إلا الحسن ، وزيد ، فللحسن المثنى خمسة أولاد أعقبوا وفيه العدد والبيت ، وأمه خولة بنت منظور الفزارية ، ولزيد ابن هو الحسن بن زيد ، فلا عقب له إلا منه ، وأم زيد أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري البدري . وقـد ولى إمرة المدينة لأبي جعفر المنصور وهو والد السيدة نفيسة ، وله : القاسم ، وإسماعيل ، وعبد الله ، وإبراهيم ، وزيد ، وإسحاق ، وعلي ، رضي الله عنهم أجمعين ، وهذه سيرة مختصرة لبعض أولاد الحسن .
1 ـ زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب : رضي الله عنه : أمه أم بشير بنت أبي مسعود وهو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية فولد زيد بن حسن محمداً هلك لا بقية له وأمه أم ولد ، وحسن بن زيد ولي المدينة لأبي جعفر المنصور وأمه أم ولد ، ونفيسة بنت زيد تزوجها الوليد بن عبد الملك بن مروان فتوفيت عنده وأمها لُبابة بنت عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم .
وأخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الموال قال : رأيت الناس ينظرون إليه ويعجبون من عُظْم خلقه ويقولون : جده رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرني عبد الله بن أبي عُبيدة قال : ردفت أبي يوم مات زيد بن حسن ومات ببطحاء ابن أزهر على أميال من المدينة فحُمل إلى المدينة ، فما أوفينا على رأس الثنية بين المنارتين طُلع بزيد بن حسن في قبة على بعير ميتاً وعبد الله بن حسن يمشي أمامه قد حزم وسطه بردائه ليس على ظهره شئ فقال لي أبي : يا بُني أنزل وأمسك بالركاب ، فوالله لئن ركبت وعبد الله يمشي لا تُبلني عنده بالة أبداً ، فركبت الحمار ونزل أبي فمشى فما زال يمشي حتى أدخل زيداً داره ببني حُديلة ، فغسل ثم أخرج به على السرير إلى البقيع .
2 ـ حسن بن حسن بن علي بن أي طالب :
وأمه خولة بنت منظور الفزازية ، وولد حسن بن حسن محمداً وأمه رملة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل بن عبد العُزى ، وعبد الله بن حسن مات في سجن أبي جعفر ، وإبراهيم بن حسن مات في السجن أيضاً مع أخيه ، وزينب بنت حسن تزوجها الوليد بن عبد الملك بن مروان ثم فارقها ، وأم كلثوم بنت الحسن وأمهم فاطمة بنت حسين بن علي بن أبي طالب ، وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله بن تيم ، وجعفر بن حسن وداود وفاطمة وأم القاسم وهي قسيمة ، ومُليكة وأمهم أم ولد تُدعى حبيبة فارسية كانت لآل أبي أبس من جديلة ، وأم كلثوم بنت حسن لأم ولد .
ومن مواقف الحسن بن الحسن قوله لرجل ممن غلو في أهل البيت : ويحكم أحبونا لله فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله ، فأبغضونا . قال فقال له رجل : إنكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته . فقال : ويحك لو كان الله مانعاً بقرابة من رسول الله أحداً بغير طاعة الله لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباً وأماً ، والله إني لأخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين وإني لأرجو أن يؤتي المحسن منا أجره مرتين . ويلكم اتقوا الله وقولوا فينا الحق فإنه أبلغ فيما تريدون ونحن نرضى به منكم . ثم قال : لقد أساء بنا آباؤنا إن كان هذا الذي تقولون من دين الله ثم لم يُطلعونا عليه ولم يُرغبونا فيه . قال فقال له الرافضي : ألم يقل رسول الله عليه السلام لعلي من مولاه فعلي مولاه ؟ فقال أما والله أن لو يعني بذلك الإمرة والسلطان لأفصح لهم بذلك كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت ولقال لهم الناس هذا وليكم من بعدي ، فإن أنصح الناس كان للناس رسول الله ، ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو كان الأمر كما تقولون إن الله ورسوله اختارا علياً لهذا الأمر والقيام بعد النبي عليه السلام إن كان لأعظم الناس في ذلك خطئه وجُرماً إذ ترك ما أمره به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقوم فيه كما أمره أو يعذر فيه إلى الناس وهكذا يتبين موقف أهل البيت في محاربتهم للغلو .
---------------------------------------------
الحادي عشر : إخوانه وأخواته :
ونتحدث عن ترجمة مختصرة عن أشقائه من أولاد السيدة فاطمة رضي الله عنها :
1 ـ الحسين بن علي رضي الله عنه :
هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب ، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وريحانته ومحبوبه ، وابن بنت رسول الله ، فاطمة رضي الله عنها ، كان مولده سنة 4 هـ ، وقيل غير ذلك ومات رضي الله عنه قتيلاً شهيداً ، في يوم عاشوراء من شهر المحرم سنة إحدى وستين هجرية بكربلاء من أرض العراق فرضي الله عنه وأرضاه ، وقد وردت في مناقبه وفضائله أحاديث كثيرة منها :
أ ـ ما رواه أحمد بإسناده إلى يعلي العامري رضي الله عنه أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني إلى طعام دعوا له قال : فاستمثل رسول الله أمام القوم ، وحسين مع غلمان يلعب ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذه فطفق الصبي يفر هنا مرة وهاهنا مرة ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضاحكه حتى أخذه قال : فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه ووضع فاه وقبله وقال : حسين مني وأنا من حسين اللهم أحب من أحب حسيناً حسين سبط من الأسباط ، وفي ذلك منقبة ظاهرة للحسين رضي الله عنه إذ حث على محبته وكأنه صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم فخصه بالذكر وأكد على وجوب المحبة وحرمة التعرض له ومحاربته وأكد ذلك بقوله : أحب الله من أحب حسيناً ، فإن محبته تؤدي لمحبة رسول الله ومحبة الرسول تؤدي إلى محبة الله .
ب ـ ومنها ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أتى عبيد الله بن زياد ، برأس الحسين عليه السلام فجعل في طست فجعل ينكث وقال في حسنه شيئاً فقال أنس كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مخضوباً بالوسمة .
ت ـ وفي رواية أخرى عن أنس أيضاً قال : لما أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكث بالقضيب ثناياه يقول لقد كان أحسبه قال جميلاً فقلت والله لأسؤنك إني رأيت رسول الله يلثم حيث يقع قضيبك قال فانقبض
2 ـ مُحَسَّن بن علي بن أبي طالب :
لا نعرفه إلا في الحديث الذي يرويه هاني بن هاني عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لمَّا ولد الحسن جـاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : سمّيته حرباً ، قال : بل هـو حسن ، فلما ولد الحسين قال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت سميته حرباً ، قال : بل هو حسين . فلما ولد الثالث جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت حرباً ، قال : بل هو محسَّن ثم قال : إني سمّيتهم بأسماء ولد هارون شبّر وشُبَيْر ومشبّر . والظاهر أنه مات طفلاً ، ويتبين لنا من هذه الرواية الصحيحة أن محسن مات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يبطل مزاعم الغلاة والكذابين في رواياتهم الكاذبة الذين يزعمون أن عمر ضرب فاطمة وأسقط ابنها .3 ـ
أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنها :
زوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنته من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم من الفاروق حينما سأله زواجها منه رضي الله عنه بما يطلب ، وثقة فيه وإقراراً لفضله ومناقبه ، واعترافاً بمحاسنه وجمال سيرته وإظهاراً بأن بينهم من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة ما يحرق قلوب الحساد من أعداء الأمة المجيدة ، ويرغم أنوفهم ، وقد ولدت أم كلثوم بنت علي من عمر رضي الله عنه ابنة سميت "رقية" وولد سمته زيداً ، وقد روى أن زيد بن عمر حضر مشاجرة في قوم من بني عدي بن كعب ليلاً فخرج إليهم زيد بن عمر ليصلحهم فأصابته ضربة شجت رأسه ومات من فوره ، وحزنت أمه لقتله ووقعت مغشياً عليها من الحزن فماتت من ساعتها ، ودفنت أم كلثوم وابنها زيد بن عمر في وقت واحد ، وصلى عليهم عبد الله بن عمر بن الخطاب ، قدمه الحسن بن علي بن أبي طالب وصلّى خلفه ،
4 ـ زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما :
ولدت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت عاقلة لبيبة جزلة زوَّجها أبوها ابن أخيه عبد الله بن جعفر ، فولدت له أولاداً ، وكانت مع أخيها لما قتل ، فحملت إلى دمشق .
ومن أشهر إخوانه من أبيه :
5 ـ محمد بن الحنفيّة :
وكانت أمه من سبي بني حنيفة ، اسمها خولة بنت جعفر وكان فاضلاً عالماً ذا علم ودين وعبادة ، وكان حامل راية أبيه يوم الجمل ، وكان قوياً ، وحكيماً ومما روي من كلامه أنه قال : ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بُداً حتى يجعل الله له فرجاً ومخرجاً وقال : إن الله تعالى جعل الجنة ثمناً لأنفسكم ، فلا تبيعوها بغيرها : وقال من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر . وقال : كل مالا يبتغي به وجه الله يضمحل توفي سنة ثلاث وتسعين هجرية .
---------------------------------------------
الثاني عشر : أعمامه وعماته :
وهذه نبذة مختصرة عن أعمامه وعماته :
1 ـ طالب بن أبي طالب : هلك مشركاً بعد غزوة بدر ، وقيل إنه ذهب فلم يرجع ، ولم يُدْرَ له موضع ولا خبر ، وهو أحد الذين تاهوا في الأرض ، وكان محباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وله فيه مدائح وكان خرج إلى بدر كرهاً ، وجرت بينه وبين قريش حين خرجوا إلى بدر محاورة فقالوا : والله يا بني هاشم لقد عرفنا ـ وإن خرجتم معنا ـ أن هواكم مع محمد ، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع ، وقال شعراً وقصيدة ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وبكى فيها أصحاب قليب بدر .
2 ـ عقيل بن أبي طالب : فكان يكن أبا يزيد ، تأخر إسلامه إلى عام الفتح ، وقيل أسلم بعد الحديبية ، وهاجر في أول سنة ثمان ، وكان أسر يوم بدر ففداه عمّه العباس ، ووقع ذكره في الصحيح في مواضع كثيرة وشهد غزوة مؤتة ولم يسمع له ذكر في الفتح وحنين ، كأنه كان مريضاً ، أشار إلى ذلك ابن سعد لكن روى الزبير بن بكار بسنده إلى الحسين بن علي ، أن عقيلاً كان ممن ثبت يوم حنين ومات في خلافة معاوية وفي تاريخ البخاري الأصغر بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرة ، وعمره ست وتسعون سنة .
3 ـ جعفر بن أبي طالب : فهو أحد السابقين إلى الإسلام ، وكان يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمونه ويحدثهم ويحدثونه ، وهاجر إلـى الحبشة ، فأسلم النجاشي ومن تبعه على يديه ، ولقد تحدثت عنه في كتابي السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث ـ واستشهد بمؤتة من أرض الشام مقبلاً غير مدبر .
4 ـ أم هاني بنت أبي طالب : ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم فقيـل اسمها فاختة ، وقيل اسمها فاطمة وقيل هند ، والأول أشهر وكانت زوج هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي وكان له منها عمرو ، وبه كان يكنى وفي فتح مكة أجارت أم هاني رجلين من بني مخزوم ، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجرنا من أجرت يا أم هاني وروت أم هاني عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب الستة وغيرها ، قال الترمذي وغيره : عاشت بعد علي رضي الله عنه .
5 ـ جُمانة بنت أبي طالب : هي أم عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ذكرها ابن سعد في ترجمة أمها فاطمة بنت أسد وأفردها في باب بنات عم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ولدت لأبي سفيان بن الحارث ابنة جعفر بن أبي سفيان بن أبي طالب ، وأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ثلاثين وسقاً .
---------------------------------------------
الثالث عشر : أخواله وخالاته :
أم أخواله فقد ماتوا وهم صغار ولم يبلغ أحد منهم إلى سن البلوغ ، وهم القاسم ، وإبراهيم وزاد الزبير بن بكار عبد الله ـ وسمي بالطيّب والطاهر ـ لأنه ولد بعد النبوة وعليه أكثر علماء النسب ، وقيل : إن الطيّب ، والطاهر ولدان آخران . ولكن عبد الله والطيب والطاهر قد ماتوا بمكة بإجماع العلماء ، وجميع أولاده صلوات الله وسلامه عليه من خديجة بنت خويلد ، إلا إبراهيم فإنه من ماريا القبطية التي أهداها له مقوقس مصر ، عندما أرسل له الدعوة إلى الإسلام في السنة السادسة من الهجرة ، وكان صلى الله عليه وسلم يكنَّى عليه الصلاة والسلام بأبي القاسم ، وقد قيل : أنه أكبر أولاده وأول من مات منهم ، ولد بمكة قبل النبوة ، ومات صغيراً ، وقيل : بل عاش حتى بلغ سن التمييز ، فقيل : إنه بلغ المشي ، وقيل : بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة ، وأما خالاته فزينب ، ورقية ، وأم كلثوم رضي الله عنهن .
1 ـ زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أكبر خالات الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنـه زينب وأدركت الإسلام ، وهاجرت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم محباً لها ، وقد كانت أول بناته زواجاً ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان أبو العاص بن الربيع من رجال مكة المعدودين ـ مالاً وتجارة وأمانة ـ وهو ابن أخت خديجة ، أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأمها وأبيها فقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي ، وكانت خديجة تعده بمنزلة ولدها ، فلما أكرم الله تعالى نبيه بنبوته آمنت خديجة وبناتها رضي الله عنهن ، فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً بأمر الله تعالى ، أتوا بالعاص بن الربيع ، فقالوا : إنكم قد فرّغتم محمداً من همِّه ، فرُدّوا عليه بناته ، فاشغلوه بهنَّ ، وقالوا لأبي العاص بن الربيع : فارق صاحبتك ، ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت ، فقال : لاها الله إذا ، لا أفارق صاحبتي ، ولا أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني على صهره خيراً . وجاء عنه أنه تذكر زينب وهو في تجارته في الشام فقال :
ذكرت زينـب لمـا ورّكت إرما***فقلت : سقيا لشخص يسكن الحرما
بنت الأمين جزاها الله صالحة***وكلُّ بعـلٍ سـيثُني بالـذي علمـا
رقيَّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وقد ولدت على الأصح بعد زينب سنة ثلاث وثلاثين من عمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأسلمت حين أسلمت أمها خديجة وبايعت حين بايعه الناس ، وكانت قد خطبها عتبة بن أبي لهب ، فلما نزلت : ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ...)) قال له أبوه : رأسي من رأسك حرام إن تطلق ابنة محمد ، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتبة طلاقها وسألته هي ذلك . ولم يكن قد دخل بها ـ فقالت له أمه أم جميل ـ وهي حمَّالة الحطب ـ طلَّقها يا بُنيّ ، فإنها قد صبأت ففارقها ، فأخرجها الله من يده كرامة لها ، وهواناً له ، فتزوجت عثمان بن عفان بمكة ، وهاجر بها إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة المنورة فهي ممن هاجر الهجرتين .
هذا وقد توفيت بالمدينة بعد انتهاء غزوة بدر ، فعن ابن شهاب الزهري قال : تخلّف عثمان بن عفان عن غزة بدر على امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت قد أصابتها الحصبة ، وجاء زيد بن حارثة بشيراً بوقعة بدر ، وعثمان على قبر رقية ، قال أبو عمر بن عبد البر : لا خلاف بين أهل السير أن عثمان بن عفان رضي الله عنه إنما تخلَّف عن بدر على امرأته رقية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه ضرب له بسهمه وأجره ، وقد ولدت رقيَّة رضي الله عنها لعثمان بالحبشة ولداً سماه عبد الله ، وكان يُكنَّى به بلغ سنتين وقيل : ست سنين ، فنقر عينه ديك فتورم وجهه ومرض ومات وقيل : أسقطت من عثمان سقطاً ، ثم ولدت عبد الله ، فمات ، ولم تلد له غيره حتى توفيت رضي الله عنها وأرضاها ، قال ابن سعد في الطبقات : وهاجرت معه ـ أي عثمان ـ إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعاً .. وكانت في الهجرة الأولى قد أسقطت من عثمان سقطاً ثم ولدت له بعد ذلك ولد فسماه عبد الله وكان عثمان يكنى به في الإسلام وبهذا يكون نسبها قد انقطع .
3 ـ أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وأما خالة الحسن رضي الله عنه الثالثة فهي أم كلثوم ، فقد عرفت بكنيتها ، ولا يعرف لها اسم إلا ما ذكره الحاكم عن مصعب الزبيري أن اسمها أمية وهي أكبر سناً من فاطمة رضي الله عنهما ، وكانت قد تزوجها عتيبة بن أبي لهب ، أخو عتبة الذي تزوج أختها رقية ـ ولم يدخلا بهما ـ فأمره أبوه وأمه أن يفارقها كما أمرا أخاه أن يفارق أختها . وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : كفرت بدينك ، وفارقتُ ابنتك لا تحبني ولا أحبك ، ثم سطا عليه فشق قميص النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان خارجاً إلى الشام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما إني أسأل الله أن يسلط عليك كلباً من كلابه فخرج في تَجْر قريش ـ أي جماعة التجار ـ نحو الشام حتى نزلوا بمكان يقال له الزرقاء فأطاف بهم الأسد في تلك الليلة ، فجعل عتيبة يقول أيا ويل أمي هو والله آكلي كما دعا عليّ محمد ، أقاتلي ابن أبي كبشة وهو بمكة وأنا بالشام ، فعدا عليه الأسد من بين القوم ، فأخذ برأسه فضغمه ضغمة فقتله ، ولما فارقها عتيبة بن أبي لهب لم تزل بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت إلى المدينة حين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرجت إليها مع عياله .
ماخوذ من كتاب سيرة امير المؤمنين الحسن بن علي بن ابي طالب
المصدر (http://www.alsallaby.com/Books.aspx)
--------------------------------------------
أولاً : اسمه ونسبه وكنيته :
هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي ، المدني الشهيد ، فهو سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته من الدنيا وهو سيد شباب أهل الجنة ، فهو ابن السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبوه أمير المؤمنين علي رصي الله عنه ، وحفيد أم المؤمنين خديجة وخامس الخلفاء الراشدين .
--------------------------------------------
ثانياً : مولده وتسميته ولقبه : وفقه النبي في تسمية المواليد :
ولد رضي الله عنه وأرضاه في رمضان سنة ثلاث من الهجرة النبوية على الصحيح ، وقيل : ولد في شعبان ، وقيل : ولد بعد ذلك قال الليث بن سعد : ولدت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي في شهر رمضان من ثلاث ، وولدت الحسين في ليال خلون من شعبان سنة أربع ، وقال البرقي أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم : ولد الحسن في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة النبوية ، ومثله قاله ابن سعد في طبقاته ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، لما ولد الحسن سميته حرباً فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : لا ، بل هو حسن ، فلما ولد الحسين سميته حرباً ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ ، قلنا : حرباً قال : بل هو حسين . فلما ولد الثالث سميته حرباً ، فقال : بل هو محسّن ، ثم قال : إني سميتهم بولد هارون : شبر وشبير ومشبّر ، وقد فرح رسول الله بهذا المولود الجديد وسارع الناس بتهنئة الأبوين بهذا السبط المبارك ، وقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم يسرعون في زف البشرى لأهل المولود الجديد وقد ثبت عن الحسن البصري تهنئة لطيفة يقول فيها : بورك لك في الموهوب وشكرت الواهب ورزقت برّه وبلغ أشده ، ونلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمى الحسن والحسين رضي الله عنهما عدل بهما عن مسميات قبل الإسلام وما تدل عليه أسماؤها من القتال وسفك الدماء فاختار لهما أكرم الأسماء وأجل المعاني ، وقد وصف الحسن رضي الله عنه بالسيد ولقبه بهذا اللقب جده الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح : إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ونتعلم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم قيمة مهمة في حياتنا وهي الحرص على اختيار أجمل وأحسن الأسماء لأبنائنا وهذا توجيه للآباء والأمهات على اختيار الاسم الحسن في اللفظ والمعنى في قالب النظر الشرعي واللسان العربي ، فيكون : حسناً ، عذباً على اللسان ، مقبولاً للأسماع ، يحمل معنى شريفاً كريماً ، ووصفاً صادقاً ، خالياً مما دلت عليه الشريعة على تحريمه أو كراهته ، مثل : شوائب التشبه والمعاني الرِّخوة ومعنى هذا أن لا يختار الأب المسلم اسماً إلا وقد قلب النظر في سلامة لفظه ومعناه على علم ووعي وإدراك ، وإن يستشير بصيراً في سلامته ممّا يُحْذَرُ ، فهو أسلم وأحكم ، ومن الجاري قولهم : حق الولد على والده أن يختار له أماً كريمة وأن يسميه اسماً حسناً ، وأن يورثه أدباً حسناً وقد بين العلماء أن للأسماء المشروعة رتب ومنازل وهي مستحبة وجائزة وهي على الترتيب كالآتي :
01 استحباب التسمية بهذين الأسمين : عبد الله وعبد الرحمن وهما أحب الأسماء إلى الله تعالى ، كما ثبت الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأسماء المتضمنة العبودية لله في معانيها وميزة هذه الأسماء ، أنها أصدق تعبير على حقيقة عبودية الإنسان لربه وفقره وذله له ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، حيث قال : إن أحب أسمائكم إلى الله : عبد الله وعبد الرحمن ، وذلك لاشتمالهما على وصف العبودية . وقد خصّها الله في القرآن ، بإضافة العبودية إليهما دون سائر أسمائه الحسنى ، وذلك في قوله تعالى : "وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا" (الجن، آية : 19) وقوله تعالى : "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ" (الفرقان ، آية : 63) ، وجمع بينهما في قوله تعالى : "قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى" (الإسراء ، آية : 110) وقد سمّي النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمّه العباس : عبد الله رضي الله عنهما وفي الصحابة رضي الله عنهم نحو ثلاثمائة رجل كل منهم اسمه عبد الله ، وبه سُمي أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة إلى المدينة ، عبد الله بن الزبير .
3 ـ التسمية بأسماء أنبياء الله ورسله : لأنهـم سادات بني آدم وأخلاقهم أشرف الأخلاق ، وأعمالهم أزكى الأعمال ، فالتسمية بأسمائهم تذكر بهم وبأوصافهم وأحوالهم وقد أجمع العلماء على جواز التسمية بهم ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة حيث سمى ابنه إبراهيم ، وأفضل أسماء الأنبياء : اسم نبينا ورسولنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين أجمعين .
4 ـ التسمية بأسماء الصالحين من المسلمين : وصحابة رسول الله إلى يوم الدين وقد كان لصحابة رسول الله نظر لطيف في ذلك ، فهذا الصحابي ، الزبير بن العوام رضي الله عنه يسمي أولاده ـ وهم تسعة ـ بأسماء بعض شهداء بدر رضي الله عنهم ، وهم : عبد الله ، المنذر ، عروة ، حمزة ، جعفر ، مصعب ، عبيدة وخالد .
5 ـ ثم يأتي من الأسماء ما كان وصفاً صادقاً للإنسان : بشروطه وآدابه واسم المولود يكتسب الصفة الشرعية متى توفرت فيه ، وهذه شروط منه :
أن يكون حسن المبنى والمعنى لغة وشرعاً ، ويخرج بهذا كل اسم محرم أو مكروه إما في لفظه أو معناه أو فيهما كليهما وإن كان جارياً في نظام العربية ، كالتسمي بما معناه التزكية ، أم المذمة أو السبُّ ، بل يسمى بما كان صدقاً وحقاً وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك .
وقد دلت الشريعة على تحريم تسمية المولود في واحد من الوجوه الآتية :
1 ـ اتفق المسلمون على أنّه ، يحرم كل اسم معبد لغير الله مثل عبد الرسول ، عبد النبي ، عبد عليِّ ، عبد الحسين ، عبد الأمير ـ يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ عبد الصاحب ، فالخلق كلهم مهما علوا فهم عباد خاضعون ذليلون فقراء لله ، والله تعالى هو المستحق وحده للعبادة ، فلا ينبغي التسمية بالتعبيد لغير الله من خلقه .
2 ـ التسمية بالأسماء الأعجمية المولّدة للكافرين الخاصة بهم والمسلم المطمئن بدينه يبتعد عنها وينفر منها ولا يحوم حولها وقد عظمت الفتنة بها في زماننا ، فيلتقط اسم الكافر من أوربا ، وأمريكا وغيرها ، وهذا من أشد مواطن الإثم وأسباب الخذلان ، ومنها : بطرس ، جرجس ، جورج ، ديانا .. وغيرها . وهذا التقليد للكافرين في التسمِّي بأسمائهم ، إن كان مجرّد هوى وبلادة ذهن ، فهو معصية كبيرة وإثم ، وقد فصل الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه تسمية المولود فمن أراد الزيادة والتوسع فليراجعه .
---------------------------------------------
ثالثاً : تأذين رسول الله في أذن الحسن :
لما ولد الحسن أذن رسول صلى الله عليه وسلم في أذنيه بالصلاة كما روي ذلك عن أبو رافع ، والسر في ذلك وحكمته كما قال الدهلوي : ـ رحمه الله ـ :
1 ـ الأذان من شعائر الإسلام .
2 ـ إعلام الدين الإسلامي .
3 ـ ثم لا بد من تخصيص المولود بذلك الأذان بأن يصوت في أذنه .
4 ـ علمت أن من خاصية الأذان أن يفر منه الشيطان ، والشيطان يؤذي الولد في أول نشأته ، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من مولد يولد إلا والشيطان يمسه فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها ، وثبت قوله صلى الله عليه وسلم : إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين . وأضاف ابن القيم ـ رحمه الله ـ أسراراً أخرى للتأذين فقال :
5 ـ أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام ، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله الدنيا ، كما يلقن التوحيد عند خروجه منها .
6 ـ وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثيره به ، وإن لم يشعر مع ما في ذلك فائدة أخرى وهي :
7 ـ هروب الشيطان من كلمات الأذان ، وهو كان يرصده حتى يولد ، فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها ، فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به .
8 ـ وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته ، سابقة على دعوة الشيطان كما كانت فطرة الله التي فطر عليها على تغيير الشيطان لها ونقله عنها ولغير ذلك من الحكم ، وهكذا نتعلم من هدى النبي صلى الله عليه وسلم ، استحباب الأذان في أذن المولود اليمنى ثم تقام الصلاة في الأذن اليسرى ، وبذلك يكون أول ما يلامس أذنيه الدعوة إلى الركن الركين في هذا الدين بعد توحيد رب العالمين .
--------------------------------------------
رابعاً : تحنيك المولود :
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتي بالصبيان ، فيبرك عليهم ويحنكهم ، فمن باب أولى أن يكون صلى الله عليه وسلم برك على الحسن وحنكه ، يقول النووي ـ رحمه الله ـ معلقاً على قول عائشة رضي الله عنها : فيبرك عليهم أي يدعو لهم ويمسح عليهم وأصل البركة ثبوت الخير وكثرته ، وقولها : فيحنكهم : قال أهل اللغة التحنيك أن يمضغ التمر أو نحوه ثم يدلك به حنك الصغير والتحنك يكون عقب التأذين إن أمكن ذلك ، ويفضل إن أمكن أن يقوم بالتحنيك رجل صالح ، وفي ذلك تأسي بالصحابة الكرام حيث حرصوا على إرسال أبنائهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحنكهم ، ويستخدم في التحنيك التمر ، فإن لم يوجد فشئ حلو ، وسبب ذلك :
1 ـ لأن التمر مثل حليب الأم ، يحمل جميع الفيتامينات التي يحتاجها جسم الغلام .
2 ـ الغلام الصغير يولد بحاسة التذوق ، فإذا استخدمت معه التمر تنبهت هذه الحاسة وحرك لسانه وفمه ، فكان بذلك أقدر على التقام ثدي أمه عند الرضاع .
3 ـ المعدة تمتص السكريات بسرعة فائقة ، وبذلك لا يشكل التحنيك أي معاناة معوية للغلام .
يقول الدكتور فاروق مساهل ـ مجلة الأمة القطرية عدد (50) في مقالته تحت عنوان ـ إهتمام الإسلام بتغذية الطفل معلقاً على حديث التحنيك ما نصه ـ والتحنيك بكل المقاييس معجزة نبوية طبية مكثت البشرية أربعة عشر قرناً من الزمان لكي تعرف الهدف والحكمة من ورائها ، فلقد تبين للأطباء أن كل الأطفال الصغار وخاصة حديثي الولادة والرضع معرضون للموت لو حدث أحد أمرين :
ـ إذا نقصت كمية السكر في الدم بالجوع .
ـ إذا انخفضت درجة حرارة أجسامهم عند التعرض للجو البارد المحيط بهم
---------------------------------------------
خامساً : حلق شعر رأس الحسن رضي الله عنه :
عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : أن فاطمة حلقت حسناً وحسيناً يوم سابعمها فوزنت شعرهما فتصدقت بوزنه فضة ، والأحاديث في هذا الباب صحيحة بمجموع طرقها . وقال الشيخ الدهلوي ـ رحمه الله ـ معلقاً على الحديث : السبب في التصدق بالفضة ، أن الولد لما انتقل من الجنينية إلى الطفلية كان ذلك نعمة يجب شكرها وأحسن ما يقع به الشكر ما يؤذن أنه عوضه ... وأما تخصيص الفضة فلأن الذهب أغلى ولا يجده إلا غني وسائر المتاع ليس له بال بزنة شعر المولود .
---------------------------------------------
سادساً : العقيقة :
عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَقَّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً ، وفي رواية : كبشين كبشين ، وعن أبي رافع : أن حسن بن عليّ لمّا ولد أرادت أمُّه أن تَعُقَّ عنه بكبشين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تعُقي عنه ، ولكن أحْلِقي شعر رأسه فتصدقي بوزنه من الورق ، ثم ولد الحسين ، فصنعت مثل ذلك وإنما صرفها صلى الله عليه وسلم عن العقيقة لتحمُّله عنها ذلك لا تركاً بالأصالة . يدل عليه حديث عليِّّ رضي الله عنه : عقَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن (بشاة) وقال : يا فاطمة أحْلقي رأسه وتصدَّقي بزنة شعره فضَّة ، فوزنّاه فكان وزنُه درهماً أو بعض درهم خرَّجه الترمذي ، وقد روي عن فاطمة أنَّها عقَّت عنهما وأعطت القابلة فخذ شاة وديناراً واحداً ، ولعل فاطمة باشرت الإعطاء ، وكان ممّا عق به صلى الله عليه وسلم عن الحسن يوم سابعه بكبشين أمْلَحَين ، وأعطى القابلة الفخذ ، وحلق رأسه وتصدَّق بزنة الشعر ، ثم طلى رأسه بيده المباركة بالخَلُوق ثم قال : يا أسماء ، الدم مِنْ فعل الجاهلية . فلمّا كان بعد حول ولد الحسين . إن للعقيقة فوائد جمة منها ، أنها قربان عن المولود يقدم إلى الله مع خروج الغلام إلى الدنيا وبذلك تقدم الشكر على ما أنعم الله عليك وغير ذلك من الفوائد وقد قال الشيخ الدهلوي ـ رحمه الله ـ : يستحب لمن وجد الشاتين أن ينسك بهما عن الغلام وذلك لما عندهم أن الذكران أنفع لهم من الإناث فتناسب زيادة الشكر وزيادة التنويه أما سبب الأمر بالعقيقة فهو أن العرب كانوا يعقون عن أولادهم ، وكانت العقيقة أمراً لازماً عندهم وسنة مؤكدة وكان فيها مصالح كثيرة راجعة إليه المصلحة الملية والمدنية والنفسية فأبقاها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعمل بها ورغب الناس فيها إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ غيّر في تقاليدها ، فعن بريدة رضي الله عنه قال : كنا في الجاهلية إذا ولد لنا غلام ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بدمها ، فلما كان الإسلام كنا إذا ولد لنا غلام ذبحنا عنه شاة وحلقنا رأسه ، ولطخنا رأسه بزعفران وهذا من الفقه النبوي فإنه لما رأى عادة فيها منفعة للناس مشوبة ببعض الانحراف ـ تلطيخ رأس المولود بالدم ـ فلم يبحها مطلقاً بدعوى حاجة الناس إليها وفي نفس الوقت لم يمنعها مطلقاً بسبب ما فيها من انحراف وإنما حافظ على ما يحقق الناس في هذه العادة وأكده ونهى عن العادة الجاهلية وحرمها وهذه حكمة نبوية جديرة بالاهتمام والتأمل .
---------------------------------------------
سابعاً : ختان الحسن بن علي رضي الله عنه :
عن جابر رضي الله عنه : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عّقَّ عن الحسن والحسين ، وختنهما لسبعة أيام ، وعن محمد بن المنكدر أن النبي صلى الله عليه وسلم ختن الحسين لسبعة أيام ، والختان من أمور الفطرة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه : الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، وتقليم الأظافر ، ونتف الأبط .
والختان صبغة الحنيفية ، فهو للحنفاء بمنزلة الصبغ والتعميد عند عباد الصليب ، فهم يطهرون أولادهم بزعمهم حين يصبغونهم في ماء المعمودية ، ويقولون الآن صار نصرانياً ، فشرع الله سبحانه للحنفاء صبغة الحنيفية ، وجعل ميسمها الختان ، فقال عز من قال : ((صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)) (البقرة ، الآية : 138)) والمقصود أن صبغة الله هي الحنفية التي صبغت القلوب بمعرفته ومحبته والإخلاص له وعبادته وحده لا شريك له ، وصبغة الأبدان بخصال الفطرة من الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط والمضمضة والاستنشاق والسواك والاستنجاء فظهرت فطرة الله على قلوب الحنفاء وأبدانهم ، ومن اللطائف الفقهية في أمر الختان ما ذكره الخطابي : أما الختان فإنه وإن كان مذكوراً في جملة السنن فإنه عند كثير من العلماء على الوجوب ، وذلك أنه شعار الدين ، وبه يعرف المسلم من الكافر إذا وجد المختون بين جماعة قتلى غير مختونين صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين .
---------------------------------------------
ثامناً : مرضعة الحسن بن علي أم الفضل رضي الله عنهما :
عن أم الفضل قالت : قلت يا رسول الله رأيت في المنام كأن عضواً من أعضائك في بيتي أو قالت في حجرتي فقال : تلد فاطمة غلاماً إن شاء الله فتكفلينه قالت : فجئت به يوماً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فبال على ظهره فدحيت في ظهره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مهلاً يرحمك الله أوجعت ابني . فقلت : إدفع إليّ إزارك فأغسله فقال : لا ، صُبِّي عليه الماء فإنَّه يُصَبُّ على بوْل الغلام ويغسل بول الجارية .
وأم الفضل هي امرأة العباس بن عبد المطلب اسمها لُبَابَة بنت الحارث الهلالية وهي لبابة الكبرى ، أسلمت قبل الهجرة ، وقال ابن سعد : أم الفضل أوّلُ امرأة آمنت بعد خديجة . وروتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروي عنها أبنَاهَا عبد الله وتمام ، وعُمير بن الحارث مولاها وكُريب مولى ابنها وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل وآخرون وأخرج الزبير بن بكار وغيره ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : الأخوات الأربع مؤمنات : أم الفضل ، وميمونة ، وهي شقيقة أم الفضل ، وأما أسماء وسلمى فأختاهما من أبيهما وهما بنتا عُميس الخثعمية وأم الفضل خالة خالد بن الوليد رضي الله عنه ، فأم خالد هي لبابة الصغرى بنت الحارث الهلالية . وكان يقال عن والدة أم الفضل بأنها أكرم الناس أصهار ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، والعبّاس تزوج أختها شقيقتها لُبابة أم الفضل ، وحمزة تزوج أختها سلمى ، وجعفر بن أبي طالب شقيقتها أسماء ، ثم تزوجها بعده أبو بكر الصديق ثم تزوجها بعده على بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعاً وقد قال ابن عمر : كانت من المنجبات وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها ، وفي الصحيح أن الناس شكُّوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن فشرب وهو بالموقف فعرفوا أنه لم يكن صائماً ، وتحكى لنا أم الفضل رضي الله عنها عن آخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قرأ في المغرب بسورة ((وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)) (المرسلات ، الآية : 1) . فقالت : يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة ، إنها آخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها المغرب ، وعاشت أم الفضل إلى خلافة أبي بكر الصديق وخلافة الفاروق من بعده وفي أثناء خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعاً توفيت قبل زوجها العباس رضي الله عنهما وقد ولدت للعباس ستة رجال لم تلد امرأة مثلهم وهم : الفضل وبه كانت تُكنى ويُكْنى زوجها العباس أيضاً ـ أبو الفضل ـ وعبد الله الفقيه ، وعبيد الله الفقيه ، ومعبد ، وقُتم ، وعبد الرحمن وأم حبيبة سابعة ـ وفي أم الفضل هذه يقول عبد الله بن يزيد الهلالي :
مـا ولـدت نجيبة مِنْ فحـل ***بَجَبـلٍ نعلمـه وسَـهْل
كستةٍ من بطن أمِّ الفضــل ***أُكرِمْ بها من كهلة وكَهْلِ
عم النبي المصطفى ذي الفضل ***وخاتم الرسل وخير الرسل
---------------------------------------------
تاسعاً : زواج الحسن وزوجاته والروايات التي حولهن :
وقد ذكر المؤرخون أن من زوجاته ، خولة الفزازية ، وجعدة بنت الأشعث ، وعائشة الخثعمية ، وأم اسحاق بنت طلحة بنت عبيد الله التميمي ، أم بشير بنت أبي مسعود الأنصاري ، وهند بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأم عبد الله وهي بنت الشليل بن عبد الله أخو جرير البجلي وامرأة من بني ثقيف وامرأة من بني عمرو بن أهيم المنقري ، وامرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة وربما تجاوز هذا العدد بقليل ، وهو كما ترى لا يمت إلى الكثرة المزعومة بصلة بعرف ذلك العصر وأما ما رواه رواة الأثر ، في كونه تزوج سبعين وفي بعض الروايات تسعين والبعض الآخر مائتين وخمسين والبعض الآخر ثلاثمائة وروي غير هذا إلا أنه من الشذوذ بمكان وهذه الكثرة المزعومة موضوعة :
وأما الروايات فهي كالتالي :
1 ـ الرواية الأولى : فقد ذكرها ابن أبي الحديد وغيره ، وقد أخذوها عن علي بن عبد الله البصري الشهير بالمدائن المتوفى 225هـ وهو من الضعفاء الذين لا يعول على أحاديثهم ، فقد امتنع مسلم من الرواية عنه في صحيحه ، وضعفه ابن عدي في الكامل فقال فيه ليس بالقوي الحديث وهو صاحب الأخبار قل ما له من الروايات المسندة .
2 ـ ا : والمرسل من أنواع الضعيف .
لرواية الثانية فهي مرسلة3 ـ وأما الرواية الثالثة والرابعة : فقد ذكرها صاحب قوت القلوب لأبي طالب المكي وهو لا يعول على مؤلفة وعلى كل حال فالرقم القياسي لكثرة أزواج أمير المؤمنين الحسن مستندة إليه ومأخوذة عنه وقد اشتهر أبو طالب المكي بالزهد والوعظ وذكر فـي القوت أشياء منكرة ، وذكر في كتابه أحاديث لا أصل لها ، فقد جاء في كتابه قوت القلوب : وتزوج الحسن بن علي مائتين وخمسين ، وقيل ثلاثمائة ، وكان علي يضجر من ذلك ويكره حياءً من أهلهن إذ طلقهن ، وكان يقول : إن حسناً مطلق فلا تنكحوه ، فقال له رجل من همدان : والله يا أمير المؤمنين لننكحنه ما شاء ، فمن أحب أمسك ، ومن كره فارق فسرّ علي بذلك وأنشأ يقول :
لو كنت بواباً على باب جنة ***لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
... وكان الحسن ربما عقد له أربعة وربما طلق أربعة ، فهذه روايات لا تصح ولا تثبت وبالتالي لا يعول عليها .
وقد جاءت قصص في أسانيدها ضعف شديد تتعلق بزواج الحسن منها :
1 ـ عن الهذلي ، عن ابن سيرين قال : كانت هند بنت سهيل بن عمرو عند عبد الرحمن بن
عتاب بن أسيد وكان أبا عُذرتها ، فطلقها فتزوجها عبد الله بن عامر بن كريز ، ثم طلقها ، فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد بن معاوية ، فلقيه الحسن بن علي فقال : أين تريد ؟ قال : أخطب هند بنت سهيل بن عمرو على يزيد بن معاوية ، قال أذكرني لها ، فأتاها أبو هريرة ، فأخبرها الخبر فقالت : خِرْلي ، قال : أختار لك الحسن . فتزوجها ، فقدم عبد الله بن عامر المدينة ، فقال للحسن : إن لي عندها وديعة فدخل إليهـا والحسن معه وجلست بين يديه فَرَقّ ابن عامر فقال الحسن : ألا أنزل لك عنها ، فلا أراك تجد محللاً خيراً لكما مني فقال : وديعتي ، فأخرجت سفطين فيهما جواهر ففتحهما ، فأخذ من واحد قبضة وترك الباقي فكانت تقول : سيدهم جميعاً الحسن وأسخاهم ابن عامر ، وأحبهم إليّ عبد الرحمن بن عتاب ، وهذه القصة في إسنادها الهذلي وهو أخباري متروك الحديث وقال الذهبي مجمع على ضعفه .
2 ـ عن سحيم بن حفص الأنصاري ، عن عيسى بن أبي هارون المزني ، قال تزوج الحسن بن علي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، وكان المنذر بن الزبير هَوِيَها ، فأبلغ الحسن عنها فطلقها الحسن فخطبها المنذر فأبت أن تزوجه وقالت : شهرني ، فخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها فرقى إليه المنذر أيضاً شيئاً فطلقها ، ثم خطبها المنذر فقيل لها : تزوجيه ، فيعلم الناس أنه كان يعضهك ، فتزوجته فعلم الناس أنه كذب عليها ، فقال الحسن لعاصم بن عمر : انطلق بنا حتى نستأذن المنذر فندخل عليها ، فدخل فكانت إلى عاصم أكثر نظراً منها إلى الحسن وكانت إليه أبسط في الحديث ، فقال الحسن للمنذر خذ بيدها فأخذ بيدها ، وقام الحسن وعاصم فخرجا وكان الحسن يهواها وإنما طلقها لما رقا إليه المنذر ، فقال الحسن يوماً لابن أبي عتيق وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ، وحفصة عمته هل لك في العقيق ؟ قال نعم ، فخرجا فمرا على منزل حفصة ، فدخل إليها الحسن فتحدثا طويلاً ثم خرج ، ثم قال الحسن مرة أخرى لابن أبي عتيق : هـل لك في العقيق ؟ فقال : يا ابن أم ألا تقول هـل لك في حفصة ؟ ، وفي إسناد هذا الحديث
رجال لا توجد لهم ترجمة في كتب الجرح والتعديل ويكفي في ضعفه نكارة متنه .
3 ـ حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال : قال علي : ما زال الحسن يتزوج ويطلق حتى خشيت أن يورثنا عداوة القبائل ، وهذا الأثر مرسل ضعيف .
إن الروايات التاريخية التي تشير إلى الأعداد الخيالية في زواج الحسن بن علي رضي الله عنه لا تثبت من حيث الإسناد وبالتالي لا تصلح للإعتماد عليها نظراً للشبه والطعون التي حامت حولها ، ويؤيد افتعال تلكم الكثرة أمور منها :
1 ـ إنها لو صحت لكان للحسن بن علي رضي الله عنه من الأولاد جمع غفير يتناسب معها والحال الذي ذكر لها اثنان وعشرون ولداً ما بين ذكر وأنثى ، وهذا العدد يعتبر طبيعي بالنسبة لذلك العصر ويتناقض كلياً مع تلك الكثرة ولا يلتقي معها بصلة .
2 ـ ومما يدل على وضع ذلك وعدم صحته ما روي أن أمير المؤمنين رضي الله عنه كان يصعد المنبر ويقول : لا تزوجوا الحسن فإنه مطلاق ، كما ذكر ذلك صاحب قوت القلوب ، فنهي أمير المؤمنين الناس عن تزويج ولده على المنبر لا يخلو إما أن يكون قد نهى ولده عن ذلك فلم يستجب له حتى اضطر إلى الجهر به وإلى نهي الناس عن تزويجه ، وإما أن يكون ذلك النهي ابتداء من دون أن يعرف ولده الحسن بغض والده وكراهية أبيه لذلك ، وكلا الأمرين بعيدان كل البعد أما الأول ، فهو بعيد لأن الحسن رضي الله عنه كان باراً بأبيه ولا يخالفه ولا يعصي أمره ، وأما الثاني ، فبعيد أيضاً لأن الأولى بأمير المؤمنين أن يعرّف ولده ببغضه وكراهته لذلك ولا يعلن ذلك على المنبر أمام الجماهير الحاشدة ، مما يسبب اضطراب في العلاقات الأسرية بين الوالد وولده ومضافاً إلى ذلك أن الأمر إما أن يكون سائغاً شرعاً أو ليس بسائغ فإن كان سائغاً فما معنى نهي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وإن لم يكن سائغاً ، فكيف يرتكبه الحسن ؟ إنا لا شك في افتعال هذا الحديث ووضعه من خصوم الحسن بن علي رضي الله عنه ليشوهوا بذلك سيرته العاطرة والتي توجت بمساعيه في وحدة الأمة ، وهذه عادة الرواة الكذبة في تشويه سيرة المصلحين وتاريخ الأمة ومن هنا تتضح أهمية علم الجرح والتعديل والحكم على الروايات والدور العظيم الذي قام به علماء الحديث في بيان زيف مثل هذه الأخبار ولذلك ننصح الباحثين في تاريخ صدر الإسلام الاهتمام بنقد مثل هذه الروايات حتى يميزوا صحيحها من سقيمها فيقدموا للأمة خدمة جليلة ولا يتورطوا مثل ما تورط فيه بعض السادة الذين لا نشك في نواياهم بسبب اعتمادهم في بحوثهم على الروايات الضعيفة والموضوعة .
3 ـ ومما يؤيد افتعال تلك الكثرة لأزواجه ما روي أن الحسن بن علي رضي الله عنه لما وافاه الأجل المحتوم خرجت جمهرة من النسوة حافيات حاسرات خلف جنازته وهن يقلن نحن أزواج الإمام الحسن . إن افتعال ذلك صريح واضح ، فأنا لا نتصور ما يبرر خروج تلك الكوكبة من النسوة حافيات حاسرات ، وهن يهتفن أمام الجماهير بأنهن زوجات الحسن ، فإن كان الموجب لخروجهن إظهار الأسى والحزن ، فما الموجب لهذا التعريف والسير في الموكب المزدحم بالرجال مع أنهن قد أمرن بالتستر وعدم الخروج من بيوتهن إن هذا الأثر وأمثاله لا يصح ولا يثبت من حيث الإسناد ومن الأخبار الموضوعة التي تشابه تلك الأخبار ما رواه محمد بن سيرين ، أن الحسن رضي الله عنه تزوج بامرأة فبعث لها صداقاً مائة جارية مع كل جارية ألف درهم . ويستبعد أن يعطي الحسن بن علي رضي الله عنه هذه الأموال الضخمة مهراً لإحدى زوجاته ، فإن ذلك لون من ألوان الإسراف والتبذير وهو منهي عنه في الإسلام ، فقد أمر بالاقتصار على مهر السنة ، وسبب ذلك تسهيل أمر الزواج لئلا يكون فيه إرهاق وعسر على الناس ، ومن المؤكد أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يخالف سنة جده صلى الله عليه وسلم ولا يسلك أي مسلك يتنافى مع شريعته ، إن هذا الحديث وأمثاله من الموضوعات تؤيد وضع كثرة الأزواج ، وتزيد في الافتعال وضوحاً وجلاءً وعلى أي حال ، فليس هناك دليل يثبت كثرة أزواج الحسن بن علي رضي الله عنه سوى تلكم الروايات ، ونظراً لما ورد عليها من الطعون فلا تصلح دليلاً للإثبات ، ولمعرفة كيف يستفيد الأعداء من الروايات الضعيفة والباطلة ننقل ما قاله المستشرق لامنس عن زواج الحسن بن علي رضي الله عنه ، وألصق به التهم وطعن برجاله وحماته وقد كتب عن أزواج الحسن بن علي رضي الله عنه ما نصه : ولما تجاوز ـ يعني الحسن ـ الشباب ، وقد أنفق خير سني شبابه في الزواج والطلاق فأحصى له حوالي المائة زوجة ، وألصقت به هذه الأخلاق السائبة لقب المطلاق ، وأوقعت علياً في خصومات عنيفة وأثبت الحسن كذلك أنه مبذر كثير السرف ، وقد خصص لكل من زوجاته مسكناً ذا خدم وحشم ، وهكذا نرى كيف يبعثر المال أيام خلافة علي التي اشتد عليها الفقر .
لقد اعتمد المستشرق الانجليزي لامنس في قوله : إن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان كثير الزواج والطلاق على روايات موضوعة وآثار واهية وزاد عليها ، لامنس ، فذكر من البهتان والأكاذيب بما لم يقل به أحد غيره فقد قال :
1 ـ إنه ألقى أباه في خصومات عنيفة بسبب كثرة زواجه وطلاقه ولم يشر أحد ممن ترجم لأمير المؤمنين علي أو الحسن رضي الله عنهما إلى تلك الخصومات العنيفة التي زعمها المستشرق لامنس .
2 ـ وذكر أن أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنه خصص لكل من زوجاته مسكناً ذا خدم وحشم ، مع أن جميع المؤرخين الذين اطلعت عليهم لم ينقلوا ذلك ، وهذا من الكذب السافر والافتراء المحض .
إن لجان التنصير المسيحي التي حاربت الإسلام وبغت عليه هي التي تدفع هذه الأقلام المأجورة وتزج بها للنيل من الإسلام ، وإلى تشويه واقعه والحط من قيم رجاله وأعلامه الذين أناروا الطريق للركب الإنساني ، ورفعوا منار الحضارة في العالم .
---------------------------------------------
عاشراً : أولاده :
وأما ذريته الشريفة ، فهم : الحسن ، وزيد ، وطلحة ، والقاسم ، وأبو بكر ، وعبد الله ، وقد قتل هؤلاء مع عمهم الحسين الشهيد بكربلاء ، وعمرو ، وعبد الرحمن ، والحسين ، ومحمد ، ويعقوب ، وإسماعيل ، وحمزة ، وجعفر ، وعقيل ، وأم الحسين ، ولم يعقب من ذريته إلا الحسن ، وزيد ، فللحسن المثنى خمسة أولاد أعقبوا وفيه العدد والبيت ، وأمه خولة بنت منظور الفزارية ، ولزيد ابن هو الحسن بن زيد ، فلا عقب له إلا منه ، وأم زيد أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري البدري . وقـد ولى إمرة المدينة لأبي جعفر المنصور وهو والد السيدة نفيسة ، وله : القاسم ، وإسماعيل ، وعبد الله ، وإبراهيم ، وزيد ، وإسحاق ، وعلي ، رضي الله عنهم أجمعين ، وهذه سيرة مختصرة لبعض أولاد الحسن .
1 ـ زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب : رضي الله عنه : أمه أم بشير بنت أبي مسعود وهو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية فولد زيد بن حسن محمداً هلك لا بقية له وأمه أم ولد ، وحسن بن زيد ولي المدينة لأبي جعفر المنصور وأمه أم ولد ، ونفيسة بنت زيد تزوجها الوليد بن عبد الملك بن مروان فتوفيت عنده وأمها لُبابة بنت عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم .
وأخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الموال قال : رأيت الناس ينظرون إليه ويعجبون من عُظْم خلقه ويقولون : جده رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرني عبد الله بن أبي عُبيدة قال : ردفت أبي يوم مات زيد بن حسن ومات ببطحاء ابن أزهر على أميال من المدينة فحُمل إلى المدينة ، فما أوفينا على رأس الثنية بين المنارتين طُلع بزيد بن حسن في قبة على بعير ميتاً وعبد الله بن حسن يمشي أمامه قد حزم وسطه بردائه ليس على ظهره شئ فقال لي أبي : يا بُني أنزل وأمسك بالركاب ، فوالله لئن ركبت وعبد الله يمشي لا تُبلني عنده بالة أبداً ، فركبت الحمار ونزل أبي فمشى فما زال يمشي حتى أدخل زيداً داره ببني حُديلة ، فغسل ثم أخرج به على السرير إلى البقيع .
2 ـ حسن بن حسن بن علي بن أي طالب :
وأمه خولة بنت منظور الفزازية ، وولد حسن بن حسن محمداً وأمه رملة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل بن عبد العُزى ، وعبد الله بن حسن مات في سجن أبي جعفر ، وإبراهيم بن حسن مات في السجن أيضاً مع أخيه ، وزينب بنت حسن تزوجها الوليد بن عبد الملك بن مروان ثم فارقها ، وأم كلثوم بنت الحسن وأمهم فاطمة بنت حسين بن علي بن أبي طالب ، وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله بن تيم ، وجعفر بن حسن وداود وفاطمة وأم القاسم وهي قسيمة ، ومُليكة وأمهم أم ولد تُدعى حبيبة فارسية كانت لآل أبي أبس من جديلة ، وأم كلثوم بنت حسن لأم ولد .
ومن مواقف الحسن بن الحسن قوله لرجل ممن غلو في أهل البيت : ويحكم أحبونا لله فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله ، فأبغضونا . قال فقال له رجل : إنكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته . فقال : ويحك لو كان الله مانعاً بقرابة من رسول الله أحداً بغير طاعة الله لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباً وأماً ، والله إني لأخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين وإني لأرجو أن يؤتي المحسن منا أجره مرتين . ويلكم اتقوا الله وقولوا فينا الحق فإنه أبلغ فيما تريدون ونحن نرضى به منكم . ثم قال : لقد أساء بنا آباؤنا إن كان هذا الذي تقولون من دين الله ثم لم يُطلعونا عليه ولم يُرغبونا فيه . قال فقال له الرافضي : ألم يقل رسول الله عليه السلام لعلي من مولاه فعلي مولاه ؟ فقال أما والله أن لو يعني بذلك الإمرة والسلطان لأفصح لهم بذلك كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت ولقال لهم الناس هذا وليكم من بعدي ، فإن أنصح الناس كان للناس رسول الله ، ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو كان الأمر كما تقولون إن الله ورسوله اختارا علياً لهذا الأمر والقيام بعد النبي عليه السلام إن كان لأعظم الناس في ذلك خطئه وجُرماً إذ ترك ما أمره به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقوم فيه كما أمره أو يعذر فيه إلى الناس وهكذا يتبين موقف أهل البيت في محاربتهم للغلو .
---------------------------------------------
الحادي عشر : إخوانه وأخواته :
ونتحدث عن ترجمة مختصرة عن أشقائه من أولاد السيدة فاطمة رضي الله عنها :
1 ـ الحسين بن علي رضي الله عنه :
هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب ، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وريحانته ومحبوبه ، وابن بنت رسول الله ، فاطمة رضي الله عنها ، كان مولده سنة 4 هـ ، وقيل غير ذلك ومات رضي الله عنه قتيلاً شهيداً ، في يوم عاشوراء من شهر المحرم سنة إحدى وستين هجرية بكربلاء من أرض العراق فرضي الله عنه وأرضاه ، وقد وردت في مناقبه وفضائله أحاديث كثيرة منها :
أ ـ ما رواه أحمد بإسناده إلى يعلي العامري رضي الله عنه أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني إلى طعام دعوا له قال : فاستمثل رسول الله أمام القوم ، وحسين مع غلمان يلعب ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذه فطفق الصبي يفر هنا مرة وهاهنا مرة ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضاحكه حتى أخذه قال : فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه ووضع فاه وقبله وقال : حسين مني وأنا من حسين اللهم أحب من أحب حسيناً حسين سبط من الأسباط ، وفي ذلك منقبة ظاهرة للحسين رضي الله عنه إذ حث على محبته وكأنه صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم فخصه بالذكر وأكد على وجوب المحبة وحرمة التعرض له ومحاربته وأكد ذلك بقوله : أحب الله من أحب حسيناً ، فإن محبته تؤدي لمحبة رسول الله ومحبة الرسول تؤدي إلى محبة الله .
ب ـ ومنها ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أتى عبيد الله بن زياد ، برأس الحسين عليه السلام فجعل في طست فجعل ينكث وقال في حسنه شيئاً فقال أنس كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مخضوباً بالوسمة .
ت ـ وفي رواية أخرى عن أنس أيضاً قال : لما أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكث بالقضيب ثناياه يقول لقد كان أحسبه قال جميلاً فقلت والله لأسؤنك إني رأيت رسول الله يلثم حيث يقع قضيبك قال فانقبض
2 ـ مُحَسَّن بن علي بن أبي طالب :
لا نعرفه إلا في الحديث الذي يرويه هاني بن هاني عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لمَّا ولد الحسن جـاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : سمّيته حرباً ، قال : بل هـو حسن ، فلما ولد الحسين قال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت سميته حرباً ، قال : بل هو حسين . فلما ولد الثالث جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت حرباً ، قال : بل هو محسَّن ثم قال : إني سمّيتهم بأسماء ولد هارون شبّر وشُبَيْر ومشبّر . والظاهر أنه مات طفلاً ، ويتبين لنا من هذه الرواية الصحيحة أن محسن مات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يبطل مزاعم الغلاة والكذابين في رواياتهم الكاذبة الذين يزعمون أن عمر ضرب فاطمة وأسقط ابنها .3 ـ
أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنها :
زوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنته من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم من الفاروق حينما سأله زواجها منه رضي الله عنه بما يطلب ، وثقة فيه وإقراراً لفضله ومناقبه ، واعترافاً بمحاسنه وجمال سيرته وإظهاراً بأن بينهم من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة ما يحرق قلوب الحساد من أعداء الأمة المجيدة ، ويرغم أنوفهم ، وقد ولدت أم كلثوم بنت علي من عمر رضي الله عنه ابنة سميت "رقية" وولد سمته زيداً ، وقد روى أن زيد بن عمر حضر مشاجرة في قوم من بني عدي بن كعب ليلاً فخرج إليهم زيد بن عمر ليصلحهم فأصابته ضربة شجت رأسه ومات من فوره ، وحزنت أمه لقتله ووقعت مغشياً عليها من الحزن فماتت من ساعتها ، ودفنت أم كلثوم وابنها زيد بن عمر في وقت واحد ، وصلى عليهم عبد الله بن عمر بن الخطاب ، قدمه الحسن بن علي بن أبي طالب وصلّى خلفه ،
4 ـ زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما :
ولدت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت عاقلة لبيبة جزلة زوَّجها أبوها ابن أخيه عبد الله بن جعفر ، فولدت له أولاداً ، وكانت مع أخيها لما قتل ، فحملت إلى دمشق .
ومن أشهر إخوانه من أبيه :
5 ـ محمد بن الحنفيّة :
وكانت أمه من سبي بني حنيفة ، اسمها خولة بنت جعفر وكان فاضلاً عالماً ذا علم ودين وعبادة ، وكان حامل راية أبيه يوم الجمل ، وكان قوياً ، وحكيماً ومما روي من كلامه أنه قال : ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بُداً حتى يجعل الله له فرجاً ومخرجاً وقال : إن الله تعالى جعل الجنة ثمناً لأنفسكم ، فلا تبيعوها بغيرها : وقال من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر . وقال : كل مالا يبتغي به وجه الله يضمحل توفي سنة ثلاث وتسعين هجرية .
---------------------------------------------
الثاني عشر : أعمامه وعماته :
وهذه نبذة مختصرة عن أعمامه وعماته :
1 ـ طالب بن أبي طالب : هلك مشركاً بعد غزوة بدر ، وقيل إنه ذهب فلم يرجع ، ولم يُدْرَ له موضع ولا خبر ، وهو أحد الذين تاهوا في الأرض ، وكان محباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وله فيه مدائح وكان خرج إلى بدر كرهاً ، وجرت بينه وبين قريش حين خرجوا إلى بدر محاورة فقالوا : والله يا بني هاشم لقد عرفنا ـ وإن خرجتم معنا ـ أن هواكم مع محمد ، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع ، وقال شعراً وقصيدة ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وبكى فيها أصحاب قليب بدر .
2 ـ عقيل بن أبي طالب : فكان يكن أبا يزيد ، تأخر إسلامه إلى عام الفتح ، وقيل أسلم بعد الحديبية ، وهاجر في أول سنة ثمان ، وكان أسر يوم بدر ففداه عمّه العباس ، ووقع ذكره في الصحيح في مواضع كثيرة وشهد غزوة مؤتة ولم يسمع له ذكر في الفتح وحنين ، كأنه كان مريضاً ، أشار إلى ذلك ابن سعد لكن روى الزبير بن بكار بسنده إلى الحسين بن علي ، أن عقيلاً كان ممن ثبت يوم حنين ومات في خلافة معاوية وفي تاريخ البخاري الأصغر بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرة ، وعمره ست وتسعون سنة .
3 ـ جعفر بن أبي طالب : فهو أحد السابقين إلى الإسلام ، وكان يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمونه ويحدثهم ويحدثونه ، وهاجر إلـى الحبشة ، فأسلم النجاشي ومن تبعه على يديه ، ولقد تحدثت عنه في كتابي السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث ـ واستشهد بمؤتة من أرض الشام مقبلاً غير مدبر .
4 ـ أم هاني بنت أبي طالب : ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم فقيـل اسمها فاختة ، وقيل اسمها فاطمة وقيل هند ، والأول أشهر وكانت زوج هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي وكان له منها عمرو ، وبه كان يكنى وفي فتح مكة أجارت أم هاني رجلين من بني مخزوم ، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجرنا من أجرت يا أم هاني وروت أم هاني عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب الستة وغيرها ، قال الترمذي وغيره : عاشت بعد علي رضي الله عنه .
5 ـ جُمانة بنت أبي طالب : هي أم عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ذكرها ابن سعد في ترجمة أمها فاطمة بنت أسد وأفردها في باب بنات عم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ولدت لأبي سفيان بن الحارث ابنة جعفر بن أبي سفيان بن أبي طالب ، وأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ثلاثين وسقاً .
---------------------------------------------
الثالث عشر : أخواله وخالاته :
أم أخواله فقد ماتوا وهم صغار ولم يبلغ أحد منهم إلى سن البلوغ ، وهم القاسم ، وإبراهيم وزاد الزبير بن بكار عبد الله ـ وسمي بالطيّب والطاهر ـ لأنه ولد بعد النبوة وعليه أكثر علماء النسب ، وقيل : إن الطيّب ، والطاهر ولدان آخران . ولكن عبد الله والطيب والطاهر قد ماتوا بمكة بإجماع العلماء ، وجميع أولاده صلوات الله وسلامه عليه من خديجة بنت خويلد ، إلا إبراهيم فإنه من ماريا القبطية التي أهداها له مقوقس مصر ، عندما أرسل له الدعوة إلى الإسلام في السنة السادسة من الهجرة ، وكان صلى الله عليه وسلم يكنَّى عليه الصلاة والسلام بأبي القاسم ، وقد قيل : أنه أكبر أولاده وأول من مات منهم ، ولد بمكة قبل النبوة ، ومات صغيراً ، وقيل : بل عاش حتى بلغ سن التمييز ، فقيل : إنه بلغ المشي ، وقيل : بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة ، وأما خالاته فزينب ، ورقية ، وأم كلثوم رضي الله عنهن .
1 ـ زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أكبر خالات الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنـه زينب وأدركت الإسلام ، وهاجرت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم محباً لها ، وقد كانت أول بناته زواجاً ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان أبو العاص بن الربيع من رجال مكة المعدودين ـ مالاً وتجارة وأمانة ـ وهو ابن أخت خديجة ، أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأمها وأبيها فقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي ، وكانت خديجة تعده بمنزلة ولدها ، فلما أكرم الله تعالى نبيه بنبوته آمنت خديجة وبناتها رضي الله عنهن ، فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً بأمر الله تعالى ، أتوا بالعاص بن الربيع ، فقالوا : إنكم قد فرّغتم محمداً من همِّه ، فرُدّوا عليه بناته ، فاشغلوه بهنَّ ، وقالوا لأبي العاص بن الربيع : فارق صاحبتك ، ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت ، فقال : لاها الله إذا ، لا أفارق صاحبتي ، ولا أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني على صهره خيراً . وجاء عنه أنه تذكر زينب وهو في تجارته في الشام فقال :
ذكرت زينـب لمـا ورّكت إرما***فقلت : سقيا لشخص يسكن الحرما
بنت الأمين جزاها الله صالحة***وكلُّ بعـلٍ سـيثُني بالـذي علمـا
رقيَّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وقد ولدت على الأصح بعد زينب سنة ثلاث وثلاثين من عمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأسلمت حين أسلمت أمها خديجة وبايعت حين بايعه الناس ، وكانت قد خطبها عتبة بن أبي لهب ، فلما نزلت : ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ...)) قال له أبوه : رأسي من رأسك حرام إن تطلق ابنة محمد ، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتبة طلاقها وسألته هي ذلك . ولم يكن قد دخل بها ـ فقالت له أمه أم جميل ـ وهي حمَّالة الحطب ـ طلَّقها يا بُنيّ ، فإنها قد صبأت ففارقها ، فأخرجها الله من يده كرامة لها ، وهواناً له ، فتزوجت عثمان بن عفان بمكة ، وهاجر بها إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة المنورة فهي ممن هاجر الهجرتين .
هذا وقد توفيت بالمدينة بعد انتهاء غزوة بدر ، فعن ابن شهاب الزهري قال : تخلّف عثمان بن عفان عن غزة بدر على امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت قد أصابتها الحصبة ، وجاء زيد بن حارثة بشيراً بوقعة بدر ، وعثمان على قبر رقية ، قال أبو عمر بن عبد البر : لا خلاف بين أهل السير أن عثمان بن عفان رضي الله عنه إنما تخلَّف عن بدر على امرأته رقية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه ضرب له بسهمه وأجره ، وقد ولدت رقيَّة رضي الله عنها لعثمان بالحبشة ولداً سماه عبد الله ، وكان يُكنَّى به بلغ سنتين وقيل : ست سنين ، فنقر عينه ديك فتورم وجهه ومرض ومات وقيل : أسقطت من عثمان سقطاً ، ثم ولدت عبد الله ، فمات ، ولم تلد له غيره حتى توفيت رضي الله عنها وأرضاها ، قال ابن سعد في الطبقات : وهاجرت معه ـ أي عثمان ـ إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعاً .. وكانت في الهجرة الأولى قد أسقطت من عثمان سقطاً ثم ولدت له بعد ذلك ولد فسماه عبد الله وكان عثمان يكنى به في الإسلام وبهذا يكون نسبها قد انقطع .
3 ـ أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وأما خالة الحسن رضي الله عنه الثالثة فهي أم كلثوم ، فقد عرفت بكنيتها ، ولا يعرف لها اسم إلا ما ذكره الحاكم عن مصعب الزبيري أن اسمها أمية وهي أكبر سناً من فاطمة رضي الله عنهما ، وكانت قد تزوجها عتيبة بن أبي لهب ، أخو عتبة الذي تزوج أختها رقية ـ ولم يدخلا بهما ـ فأمره أبوه وأمه أن يفارقها كما أمرا أخاه أن يفارق أختها . وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : كفرت بدينك ، وفارقتُ ابنتك لا تحبني ولا أحبك ، ثم سطا عليه فشق قميص النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان خارجاً إلى الشام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما إني أسأل الله أن يسلط عليك كلباً من كلابه فخرج في تَجْر قريش ـ أي جماعة التجار ـ نحو الشام حتى نزلوا بمكان يقال له الزرقاء فأطاف بهم الأسد في تلك الليلة ، فجعل عتيبة يقول أيا ويل أمي هو والله آكلي كما دعا عليّ محمد ، أقاتلي ابن أبي كبشة وهو بمكة وأنا بالشام ، فعدا عليه الأسد من بين القوم ، فأخذ برأسه فضغمه ضغمة فقتله ، ولما فارقها عتيبة بن أبي لهب لم تزل بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت إلى المدينة حين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرجت إليها مع عياله .
ماخوذ من كتاب سيرة امير المؤمنين الحسن بن علي بن ابي طالب
المصدر (http://www.alsallaby.com/Books.aspx)