بسم الله الرحمان الرحيم
جواب الأخ البومرداسي عن مقال جريدة الشرق الأوسط
عن ابن تيمية و الفلسفة
الحلقة الثانية
الحمد لله وحده،و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده، وبعد...
قال الكاتب السعودي:
أما ابن تيمية فلم يشتغل بالفلسفة إلا بعد موتها رسميا واختفائها من بلاد الشام ومصر والعراق وذلك بعد عام 710 تقريبا، حيث اقبل على قراءة كتب الفلاسفة بنهم شديد، ولم يفرق بين كتب فيلسوف وآخر، بل نكاد نجزم انه قرأ كل ما وقع تحت يده من كتب فلسفية، لكن ما سبب هذا الاهتمام المتأخر من ابن تيمية بالفلسفة بعد موتها؟
قلت:كون ابن تيمية كان له نهم شديد بالقراءة فهذا غير مستغرب من العلماء ،فهذه صناعتهم، ومثله ولابد أن يدرس كتب الفلسفة التي أفسدت عقائد الإسلام دراسة متعمقة حتى يمكنه الرد عليهم وبيان وجه بطلان أقوالهم للمسلمين المغترين بمقالات الفلاسفة.
أما قول الكاتب السعودي :" لكن ما سبب هذا الاهتمام المتأخر"،فقول غير دقيق كأنّ ابن تيمية أدرك الفلاسفة الذين كانوا قبل حملة التتر على بغداد ، ولم يشتغل بالرد عليهم، و انتظرهم حتى ماتوا! ولم يبق من يواجهه منهم ثم بدأ الاشتغال بالرد على الفلاسفة؟! ولذلك قال هذا الكاتب في عنوانه:" هل كان نقد ابن تيمية للفلسفة ضربا في ميت؟".
قال الكاتب السعودي:
لم يقرأ ابن تيمية الفلسفة دارسا ومتعلما ولا باحثا فيها عن حقيقة، بل قرأها مجادلا مخاصما إلا أن خصومته لم تكن مع الفلاسفة، بل كانت مع طوائف أخرى غيرهم، فابن تيمية دخل في صراع مع ثلاث طوائف، هي: الشيعة وأهل الكلام والصوفية.
قلت: كون ابن تيمية رحمه الله لم يدرس الفلسفة بحثا عن الحق فيها فهذا أمر معروف عنه، مشهور في كل كتبه، فهو القائل : القول الحق القرآن و الحال الحق الإيمان ،فعند ابن تيمية الحق لا يخرج عن الكتاب و السنة، و أهل السنة يعرفون الحق الذي جاء به الرسول؛ وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول؛ ويدعون إليه؛ ويأمرون به نصحاً للعباد، وبياناً للهدى والسداد.
أما مع من كانت خصومة ابن تيمية فقد كانت مع كل من يعاند القرآن والسنة بسفسطة في العقليات أو قرمطة في السمعيات، وكلما كانت الطائفة المبتدعة أكثر تأثيرا على المسلمين كانت الخصومة معها أشد و خصّها ابن تيمية بأوفر نصيب من الدراسة و الردود، ولذلك تجده يرد حتى على الفقهاء الذين انتهجوا طريق التعصب والتقليد المذموم، ويرد على اليهود و النصارى، وبطبيعة الحال كان رده على الفلاسفة من جهتين: من جهة كون الفلسفة هي الخلفية الخفية لمقالات المتكلمين، ومن جهة أن بعض الفلاسفة المنتسبين للإسلام تكلموا في مسائل دينية فجاءهم الرد باعتبار انتسابهم للإسلام.
قال الكاتب:
وفي دراسته لهذه الطوائف رأى ابن تيمية أنها استمدت بعض أصولها من الفلسفة ووجد نفسه بحاجة إلى سند «عقلي» يستعين به على إثبات العقائد السلفية،
قلت:إذا كانت جل مقالات المتكلمين خاصة المتأخرين منهم أصلها في "الإشارات" ، و " النجاة" و "الشفا" لابن سينا كان من مقومات المنهج العلمي الرصين و الموضوعي الرد على الأصل، فببيان فساد مادة هذه الكتب و أنها موغلة في فلسفة الإغريق تقوم الحجة و يندحر الباطل.
أما أن ابن تيمية كان يبحث عن سند عقلي يثبت به العقائد السلفية فهذا يدل على ما سبق و بينته أن الكاتب لا يعد معقولا إلا ما جاءت به الفلسفة،فلم يفرق الكاتب بين الدليل العقلي و الذي يسمى عقليا لكون العقل يتصوره و يقره، وبين الاصطلاح الفلسفي،ذلك أن الرد على طائفة ما باصطلاحها، و نقد هذا الاصطلاح، و بيان انه يتبطن معان وثنية أو باطلة لا يعني استمداد الأدلة العقلية منهم.
فهذا من جنس مقاتلتهم بسلاحهم، قال ابن تيمية {66/4}:
" ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات، كالسلاح في المحاربات فإذا كان عدو المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم، كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة، وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك، لا لفضل قوته وشجاعته ولكن لمجانسته لهم، كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب ـ وهم خيار العجم ـ أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي وكما يكون العربي المتشبه بالعجم ـ و هم أدنى العرب ـ أعلم بمخاطبة العرب من العجمي."
قلت:وقد يحصل من بعض أهل العلم تقصير في التعريف بالشريعة بلغات الناس ومصطلحاتهم، ومن البعض الآخر تفريط في معرفة حقيقة الدين ومراتب الأعمال و مقاصد الشريعة التي تعم كل العلوم وكل الأفكار، ومنهم من وفقه الله للاعتدال، فاشتغل بالفروع دون أن يضيع الأصول، و جعل علمه للإصلاح المجتمع.
وهذا ملخص للدكتور محمود يعقوبي يبين الأسباب الحقيقية التي تقف وراء نقد ابن تيمية للفلسفة و المنطق الصوري تجيب على إشكالات الكاتب السعودي كلها ويبين مزايا النقد العلمي الذي تفرد به شيخ الإسلام:
قال الدكتور في الفصل الثالث:نقد المنطق بعد ابن تيمية {ص:230}:"و الآن بعد تعرف مختلف هذه المواقف يمكننا أن نتعرف قيمتها بإزاء موقف شيخ الإسلام في نقده للمنطق المشائي، و إذا كان معنى النقد في الأصل هو النظر إلى الدراهم لمعرفة جيدها و زيفها، و بالتالي لمعرفة قيمتها و إصدار حكم قيمي في شأنها، فإن هذا المعنى إذا نقلناه إلى ميدان المنطق، كان نقد المنطق معناه النظر في أصوله وفي وقائعه للحكم عليها إيجابا أو سلبا، وفي ضوء هذا يمكننا أن نلاحظ أن شيخ الإسلام قد نظر في أصول المنطق المشائي، فوجد بعضها صحيحا و متينا لأنه ثابت في طبيعة العقل بالفطرة، و بعضها عليلا و هشا لأنه مصطنع ولدته لدى بعض الناس مقتضيات غير طبيعية يمكن اجتنابها لأنها ليست ضرورية.
وقد تبين لنا من خلال تتبع هذا النقد أن صاحبه على بينة تامة من آراء خصومه و أن له معرفة عميقة بالإسلام عقيدته و شريعته، و أن له نظرا ثاقبا و غيرة متبصرة على الإسلام ولدا فيه روح نقدية قد عدها بعض المفكرين الإسلاميين المحدثين ضربا من النعرة[الأستاذ إبراهيم مدكور في"أورقانون أرسطو" التي تكون قد صغرت في عين صاحبها منطق اليونان و فلسفتهم، إلا أننا نعتقد أن شيخ الإسلام ما كان لينقد المنطق اليوناني لولا حرصه على حماية الدين الإسلامي مما شأنه أن يفسد أصوله، ويهون عليه التحول عنها عن طريق ممازجة الصحيح للفاسد، ومداخلة الفطري للاصطناعي، ومصاحبة المنطق للميتافيزياء اليونانية عامة و المشائية خاصة.
لقد انبرى لنقد المنطق المشائي لأنه سبق له أن نقد الفلسفة اليونانية التي كان خصوم الإسلام يستعملون بعض آرائها للطعن فيه، والتي وجد هو أصولها دعائم استند إليها المنطق الأرسطي و خليفته المنطق المشائي حتى في ثوبه الإسلامي الأول.
إن نقد الإمام ابن تيمية للمنطق المشائي جزء من نقده الشامل للفلسفة اليونانية، و إذا كان بعض الناس يعدون الحماسة في النقد عيبا، فإن هذا العيب إن جازت نسبته لسلوك الناقد، فإنه لا يمكن نسبته إلى طبيعة النقد و قيمته، فالقول الحق لا تعيبه اللهجة التي يقال بها، ومع ذلك فإننا لا نرى أن غيرة ابن تيمية على دينه هي وحدها التي جعلت منه ناقدا للمنطق المشائي، إذ الغيرة على الدين هي التي حركت جميع من أفتوا من أئمة الإسلام بتحريم الاشتغال بالمنطق المشائي تعليما و تعلما، لكننا نرى أن الروح النقدية المتأججة و المعرفة الدقيقة بمسائل المنطق المشائي و أصوله، و بالعلوم العقلية عامة، و الدراية الشاملة بالعلوم النقلية، هي التي عندما اجتمعت فيه جعلت منه ناقدا للمنطق المشائي.
و يمكننا أن نرتب على هذا الرأي أن سائر أئمة الإسلام الذين استعرضنا مواقفهم من المنطق المشائي لم تجتمع فيهم هذه المؤهلات الثلاثة في وقت واحد، مما جعل بعضهم يحرم المنطق بناء على أقوال مخالفة للدين قالها بعض المشتغلين به، وليس بناء على كشف الدراسة و النقد عن وجود خلل ذاتي فيه يوجب تعليق العمل به، و إذا وجد بين هؤلاء من كان قد عرف ذلك و أدركه فإنه لم يصرح به ولم ينقل عنه انه اعتمده في حكمه على المنطق، إذ لو كان ذلك قد حصل بالفعل لعلمه شيخ الإسلام ولاستشهد به وهو الحريص على دعم موقفه بأقوال أئمة الإسلام، فلم يعرف عن الأئمة المجتهدين ولا عن ابن الصلاح و النووي أنهم اشتغلوا بالمنطق دراسة أو تدريسا، و إن كان ليس من المستبعد أن يكون هذان الإمامان قد عرفا منه بعض المسائل عند طلبهما العلم في مؤسسات القرن السادس الهجري الذي كانت فيه كتب المنطق التي تركها ابن سينا و الغزالي رائجة متداولة بين الناس، لاسيما بعدما مزج حجة الإسلام علم الأصول بالمنطق، إلا انه لا يفوتنا أن نلاحظ أن الأئمة المجتهدين إنما صرحوا بمنع الاشتغال بالفلسفة اليونانية القائمة على أصول مخالفة لأصول الشريعة، ولم يبادر إلى تحريم المنطق إلا الإمام ابن الصلاح الذي ضمن فتواه قياسا منطقيا منه تولدت فتواه، و إذا كان الإمام السيوطي قد عمل على ترويج فتوى تحريم المنطق بعد ابن الصلاح و النووي حتى بالتأليف، فإنه قد حرص في كتابه "صون المنطق و الكلام" على دفع الاتهام الذي وجهه إليه بعض خصومه بأنه لا يعرف المنطق بالقدر الذي يؤهله للاجتهاد الذي ادعاه لنفسه، ولعل في هذا ما يكفي لبيان أن إفتاءه بالتحريم إنما كان في حدود إثبات صحة ما ادعاه ابن الصلاح من نسبة نفي الإباحة إلى علم الكلام و المنطق، وفي حدود ما اطلع عليه من أفكار لابن تيمية لخصها من كتابه" الرد على المنطقيين" فلم ينقد السيوطي المنطق و إنما روح التنفير من استنادا إلى أقوال ينقلها عن أئمة اتفقوا على اعتباره غير ضروري للعلوم الشرعية.
و إذا كان بعض الأئمة قد وقفوا من المنطق موقفا نسبيا مثل موقف الإمام السبكي و الأخضري فهم إنما فعلوا ذلك إقتداء بشيخ الإسلام الذي ماز المقبول من غير المقبول منه، ولم يكن ذلك منهم نتيجة بحث و نقد كما كان ابن تيمية.
أما الذين دافعوا عن المنطق في غمرة موجة تحريمه كالإمام المغيلي و طاش كبرى زاده و حاجي خليفة و صديق بن حسن القنوجي، فإنهم لم يفعلوا ذلك نتيجة دراسة نقدية ، بل لمجرد المحافظة على ما ألفوه، و إذا كانت أهمية هؤلاء المدافعين إنما تتمثل في إيرادهم أقوال الرافضين للمنطق و حججهم، فإن الرافضين للمنطق بالتحريم الكلي أو الجزئي لم يوردوا هم الآخرون الموجبات الموضوعية من داخل المنطق ذاته بصورة مباشرة.
و أما الذين نقدوه كالصنعاني و ابن خلدون ومحمد مبين و الشربيني و باقر الصدر فإنهم جميعهم لم يبلغوا بنقدهم الشأو الذي بلغه ابن تيمية، و إن كانوا جميعا يرون مثلما يرى أن المنطق الطبيعي يغني عن المنطق الصناعي المعقد، إلا أن الغريب في الأمر هو أن هؤلاء النقاد الذين ظهروا بعد ابن تيمية يبدو أنهم لم يذكروا آراءه النقدية، إما لأنهم لم يعرفوها، و إما لأنهم سكتوا عنها لمخالفة مضامينها لمضامين العقيدتين الأشعرية و الماتريدية اللتين كانتا تتقاسمان البلاد التي نشأ فيها هؤلاء النقاد[أبو زهرة في" ابن تيمية" و غولدسيهر في" العقيدة و الشريعة في الإسلام"].
إنهم لم يبنوا عملهم النقدي على عمله الذي سبقهم به، بينما بنى هو نقده على نقد من سبقه و استفاد منه في توسيع آرائه و في تنويع حججه وفي دعمها في جميع الحالات، فجاء نقده متضمنا لنقد جميع الذين تمكن من توجيه آرائهم الوجهة التي اقتنع أنها الوجهة الصحيحة التي ينبغي أن تكون للمنطق في الثقافة العربية الإسلامية، و إذا كان بعض المؤلفين المسلمين الهنود الذين تعرضوا لفكرة كفاية المنطق الطبيعي عن المنطق الصناعي مثل الشيخ صديق بن حسن القنوجي صاحب"أبجد العلوم" قد عرفوا آراء شيخ الإسلام بإطلاعهم عليها في كتاب"الرد على المنطقيين" الذي كان معروفا في الهند، فإن القنوجي قد اكتفى بإحالة القاريء على كتاب شيخ الإسلام قائلا:" ارجع إلى كتاب رد المنطقيين لابن تيمية رحمه الله و اعلم أن جواباته كثيرة و كلها صواب حق[أبجد العلوم ج2، ص:523] وهو بهذه الإشارة المقتضبة يعطينا فكرة واضحة عن موقف النظار المسلمين من عمل شيخ الإسلام حتى القرن الثالث عشر وهو موقف لم يكن ليبلغ مستوى موقف ابن تيمية النقدي إلا لو تظافرت على توليده لديهم المؤهلات التي اجتمعت للإمام ابن تيمية، وهي التضلع في الشريعة، و المعرفة العميقة بالفلسفة اليونانية و المنطق المشائي، وتوفر الروح النقدية المتولدة من الغيرة المتبصرة على الدين، و الشعور بالأخطار التي أحذقت به حتى في عقر داره في عهد الحروب الصليبية، وهو الذي خاض غمارها بقلبه و لسانه و سيفه، ولعل روح النقد إنما أججتها في نفسه أوضاع التحدي التي ألمت بالحضارة الإسلامية التي كان هو أحد أساطينها في نهاية القرن السابع و بداية القرن الثامن الهجري.
و بهذا يتبين لنا أن نقد ابن تيمية للمنطق المشائي قد بقي نسيج وحده في الفلسفة الإسلامية، لأن أسبابا موضوعية حالت دون معرفة قيمته و الاستفادة منه تؤول في جملتها فيما يبدو لنا إلى ضعف الباحثين الذين خلفوه في العلوم العقلية و النقلية وخمود روح النقد فيهم، إذا لولا ذلك لكان بإمكان الفلسفة الإسلامية أن تسلك بمواصلة نقد المنطق المشائي في الاتجاه الذي ابتدأه الإمام ابن تيمية المسلك الذي كان ينبغي أن تسلكه منذ عهد الإمام الشافعي الذي وضع أصول [علم الأصول] الذي يمكن أن يعد بحق " منطق الشريعة" الذي يستمد مبادئه منها، و الذي يكون أداة لمعالجة المسائل المعرفية و العملية التي تعكسها في ذهن المسلم وقائع الحياة كما تجري في تجربته الحسية، لأن النظار المسلمين مجمعون على أن مصدر المعرفة إنما هو التجربة الحسية، و أن مباديء المعرفة و العمل واحدة، فلم يكن بالإمكان أن يكون المنطق الذي يصدر عنه الفكر الإسلامي إلا منطقا تجريبيا على النحو الذي لجأ إليه شيخ الإسلام من خلال نقده للمنطق المشائي، و الذي لم يتعرفه عن كثب كثير من علماء الدين الأزهريين حتى في القرن الرابع عشر الهجري مثل الشيخ عبد المتعال الصعيدي الذي رأى أن:" ابن تيمية تعسف في إبطال الحد بتعذر الوصول إلى ذاتيات الأشياء وكما تعسف في إبطال القياس بأن الدليل لا يلزم أن يكون مركبا من مقدمتين"[مقدمته لكتاب"تجديد علم المنطق في شرح الخبيصي على متن التهذيب للتفتازاني"].
لكن الذين عرفوا جهد الإمام ابن تيمية عن كثب و تعمقوا دراسته ولو من خلال أصغر النصوص النقدية التي تعبر عنه مثل كتاب"نقض المنطق" قد أدركوا قيمة هذا الجهد و قدروه حق قدره كما فعل أحد الأئمة الأزهريين المعاصرين هو الشيخ محمد أبو زهرة الذي وافق شيخ الإسلام على آرائه في المنطق المشائي[ كتابه"ابن تيمية"ص:255].
ومن هنا يتبين لنا أن نقد ابن تيمية للمنطق المشائي كان في حاجة إلى من يعرفه معرفة مباشرة و يدرسه دراسة عميقة، بحيث يحق لنا أن نقول: إن هذه المعرفة و هذه الدراسة لو توفرتا للناظرين منذ الوهلة الأولى ولو تناولته النظار بالتأمل و التنمية لكان له الأثر الحسن في تصفية الفكر الإسلامي من شوائب الفلسفة اليونانية التي عكرت صفوه ردحا من الزمان وفي توجيه مناهج البحث عند المسلمين الوجهة الطبيعية التي تطابق روح شريعتهم، فلقد تمكن الدكتور علي سامي النشار المتوفى في سنة 1983 من إماطة اللثام عن وجود مناهج للبحث عند مفكري الإسلام من خلال نقدهم للمنطق الأرسطي و قد وجد أن " ابن تيمية نقد المنطق الأرسططاليسي نقدا تفصيليا، و أنه ترك لنا بهذا النقد تراثا علميا ممتازا"[مناهج البحث عند مفكري الإسلام ص:200].
إلا أن الذي لا مراء فيه هو أن هذا النقد لم يقيض له الله في العصور السالفة من يقف عليه وقفة العارف بخطر مداه، الواعي لقيمة فحواه القادر على فهم جدواه في حماية الأصالة و تحقيق التقدم في ميادين الفكر، ومناهج التفكير و الاستدلال، إذ كما يقول الشيخ مصطفى عبد الرزاق:"لو أن الدراسات المنطقية سارت منذ عهد ابن تيمية عل مناهجه في النقد بدل الشرح و التفريع و التعمق لبلغنا بهذه الدراسات من التجديد و الرقي مبلغا عظيما"[فيلسوف العرب و المعلم الثاني ص:125 نقلا عن عبد الرحمن الوكيل في مقدمته لكتاب "نقض المنطق"لابن تيمية"].
لقد تميز منهج ابن تيمية فيما يخص نقده العلمي و المنهجي لمنطق المشائين بسيولة علمية متناسقة و بانسجام في الطرح فجاء نقده في سياق علمي مضبوط بحيث ذكر أسباب نقده للمنطق و تعليلات توجهاته ثم لخص نظريته في المعرفة و التعريف و العلاقة بين التعريف و التمييز فبحث التصور و الماهية بحثا دقيقا خلص منه إلى ضبط آليات الدليل العلمي و الروح التي تديره و التي هي اللزوم أو الاستلزام فاستعرض القياس و الاستقراء و العلية و عرضهما على الفطرة ليستخلص قيمة القياس في المعرفة بناء على قيمة صحة الاستلزام.
قال الكاتب:
وقد لقي ضالته في كتب «فلاسفة الإسلام» فابن تيمية بدراسته للفلسفة يريد ترسيخ قاعدته المشهورة «العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح»، حيث يبين أن المتكلمين والصوفية والشيعة مخالفون لصحيح الفلسفة كما أنهم مخالفون للنقل، وان علماء السلف موافقون للعقل كما أنهم موافقون للنقل ويكون بهذا أبطل «الأساس» الذي بنت هذه الطوائف مذاهبها عليه.
قلت: الشيخ الإسلام انتقد الفلسفة على مراحل أو بمقدمات أنتجت نتيجة يقينية:
ألف كتاب " الدرء" كتدليل برهاني عقلي جدلي عميق الأبعاد أظهر فيه أن الأدلة النقلية أدلة برهانية عقلية لا يجوز فصلها عن الدليل العقلي مادامت أدلة يدل عليها العقل وتقع تحت محكه، ولكن العقل الصحيح لا العقل الفلسفي الكلامي المنطقي.
ثم في كتاب" الربوبية " بين نظرية المعرفة عند المسلمين وهي الإيمان والنظر والتجرد، والفرق بين النظر في القرآن الذي يسميه الآيات، وبين القياس العقلي المنطقي، ثم نقض المنطق نقضا علميا دقيقا من خلال نقضه الفلسفة المشائية في كتبه السابقة، وانتهى إلى "النبوات" حيث قرر فيها وجوب تصديق الأنبياء واتباعهم، وان منتهى العلوم يقف عندهم، كما بين فيه ضوابط الدليل بشكل دقيق، فكان نقده للمنطق ثمرة هذا العمل الذي حاصر به الفلسفة من كل جهة، فكان نقضا عقليا برهانيا محضا.
لقد أدرك شيخ الإسلام خطورة المنطق على العقيدة الإسلامية خصوصا، وعلى أساليب التفكير عند المسلمين عموما، لقد أدرك بحكم سعة اطلاعه على الكتب الكلامية والفلسفية أن المنطق هو السم النقاع الذي يتجرعه المسلمون المشتغلون به، وهم لا يدرون في غالب الأحيان.
لقد أدرك شيخ الإسلام من خلال تشبعه بطريقة القرآن والسنة في تقرير الحقائق أن المنطق المشائي ماهو إلا شروط القياس الفلسفي اقتضتها التصورات الميتافيزيقية لعقيدة وثنية خرافية، لقد من الله على شيخ الإسلام بالمعارف القرآنية السنية فأدرك أن الفطرة أساس جميع العلوم، وانه بفسادها تفسد طرق الاستدلال وبسلامتها تسلم هذه الطرق، والفطرة هي عقيدة التوحيد، فمن لم يحقق التوحيد لا يمكنه الاستدلال في العلم الإلهي بطرق صحيحة لأن فطرته فسدت، وفساد الفطرة يقتضي فساد الضروريات، فإن الناس لم يزالوا يفكرون بدون منطق، كما لم يزل المناطقة يفكرون بدون منطق، و إن استعملوه فإنما يستعملوه لتحليل فكرهم لا للتفكير به، فما هو إلا صناعة نظرية من باب تحصيل الحاصل.
قال الكاتب:
وهناك سبب آخر، وهو سياسي يبين دوافع اعتناء ابن تيمية بالفلسفة، حيث يتهم ابن تيمية الباطنية ومتفلسفة الصوفية بتعاونهم مع «الكفار» ضد المسلمين ويرجع هذا إلى أصول مذهبهم الفلسفي، حيث لا يفرقون بين دين وآخر.
قلت:و إن كان الدافع السياسي لا يعد منقصة إذا كان سياسيا شرعيا فإن هذا الدافع غير موجود بهذا الاعتبار إذ كون الباطنية من الفلاسفة و الصوفية و الرافضة كانوا متعاونين مع الكفار على المسلمين أمر يشهد عليه التاريخ وما رسالة ابن تيمية إلى ملك قبرص إلا شاهد على ذلك، فمن كان يقطع على الحجيج في الشام و يبيعهم للنصارى؟
و إذا ثبت في التاريخ تعاون هؤلاء مع الكفار على أهل الإسلام فهذا يعني أنهم لا يعتبرون الإسلام دين حق،بل يناصبون أهله العداء.
فهذا محمد بن محمد بن الحسين المعروف باسم خواجة ـ الطوسي ـ كان يخدم صاحب قلعة الألموت الإسماعيلية ثم خدم هولاكو، وبنى له المراصد الفلكية بمراغة وزيجا فكان هو منجم هولاكو، و كان ابنه أصيل الدين منجم قازان،وقد ذكر غير واحد أنه هو من أشار عليه قتل الخليفة العباسي هو وشيعي آخر يسمى مؤيد الدين بن العلقمي كان وزيرا للخليفة كما ذكره العيني في"الجمان" وابن تغرى بردى في"النجوم الزاهرة".
وذكر ابن غربشاه في كتابه"عجائب المقدور في أخبار تيمور"أنه رأى الرسالة التي كتبها على لسان هولاكو إلى سلطان مصر،وهي رسالة تدل على حنق شديد على أهل الإسلام وموالاة كبيرة للكفرة،وهذا يؤيده ما كاتبه شيعي آخر هو ابن الطقطقي في كتابه"الفخري في الآداب السلطانية و الذي كان نقيب العلويين في العراق فإنه عندما ذكر دولة هولاكو قال:" نشر الله إحسانها و أعلى شأنها"،والطوسي هذا مشهور بإمامته في الفلسفة و الكلام فقد كان تلميذ ابن سينا القرمطي و عليه تتلمذ الحلي وهما رأس الشيعة الإمامية ليس للشيعة أفضل منهما.
قال الكاتب:
* رأي ابن تيمية في الفلسفة
* شن ابن تيمية حربا ضروسا على الفلسفة والفلاسفة بشتى طوائفهم وعلى اختلاف مذاهبهم، فهو يرى أن الفلاسفة في مرتبة دون كفار اليهود والنصارى، بل يراهم أعظم ضلالا وجهلا من المجوس ومشركي العرب والهند وكثير من الصابئين، ويرى أنهم يفسدون عقائد الناس، ولذا فأنهم كما يرى ابن تيمية لا يظهرون إلا في الدول الجاهلية ودول أهل الردة والنفاق، كدولة العبيديين الفاطميين والتتار.
فابن تيمية يرى أن الفلسفة مناقضة للشريعة، وانه لا يمكن الجمع بينهما. وهاجم الذين حاولوا الجمع بينهما، واتهمهم بأنهم أتوا بمذهب متناقض، مخالف للدين ولصحيح الفلسفة، أي: مخالف للمنقول وللمعقول ولهذا السبب منع ابن تيمية من استعمال مصطلح «فلاسفة الإسلام» لان الإسلام ليس فيه فلسفة، ودعا إلى استعمال مصطلح «الفلاسفة الذين كانوا في الإسلام» أو «المنتسبين إلى الإسلام» بدلا منه.
ومع هذا الهجوم الشديد ضد الفلسفة إلا أن ابن تيمية بين انه لا يريد بنقده هذا إلا مباحث «الإلهيات» من الفلسفة، أما الطبيعيات والرياضيات، فهو يعترف بان غالب كلامهم فيها جيد، وأنهم يقصدون الحق فيها، ويرى أن مذهب الفلاسفة في الطبيعيات والرياضيات خير من مذهب المتكلمين، وان مذهب المتكلمين في الإلهيات خير من مذهب الفلاسفة، واخذ ابن تيمية على المتكلمين ردهم بعض الحق الذي جاء به الفلاسفة في باب الطبيعيات والرياضيات، وهذا الموقف نجد له جذورا عند الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة».
وقسم ابن تيمية الفلاسفة أقساما، أعطى لكل قسم منها حكما يختلف عن الآخر:
أول هذه الأقسام: هم الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو: مثل سقراط وطاليس وغيرهما، حيث يحسن ابن تيمية الظن فيهم، ويرى أنهم تعلموا الحكمة من اتباع الأنبياء، وأنهم كانوا يقرون بحدوث العالم، وبمعاد الأبدان وان الصابئين منهم كانوا موحدين.
وهذا يدل على أن معرفة ابن تيمية بهؤلاء الفلاسفة ناقصة وغير دقيقة، فالأبحاث الحديثة المتعلقة بهم تبين خطأ ما نقله ابن تيمية عنهم، لا سيما وابن تيمية لم يطلع اطلاعا مباشرا على ما كتبه هؤلاء الفلاسفة، بل اعتمد على ما نقله عنهم مؤرخو المقالات من المسلمين.
قلت: هذا ليس خاصا بابن تيمية بل أظهرت البحوث الحديثة أن الفلاسفة المنتسبين للإسلام و مؤرخي الفلسفة أنفسهم وقعوا في خلط كبير بين المدارس الفلسفية الإغريقية اليونانية كما سأبينه في هذا المقال.
ثم إن ابن تيمية يفرق بين الفلاسفة الإغريق بين من قال منهم بقدم العالم وهو أرسطو و بين من قال بحدوثه لا انه يحسن الظن ببعضهم.
قال الكاتب:
والقسم الآخر من الفلاسفة الذين تكلم عليهم ابن تيمية هم: المشاؤون، أي أرسطو واتباعه، فابن تيمية يرى أن مذهب أكثر الإسلاميين الذين يذكرونه في كتبهم مثل الفارابي وابن سينا وابن باجه وابن رشد وغيرهم هو مذهب أرسطو، وينبه إلى أن بعضهم مثل ابن سينا والسهروردي، له مذهبان، احدهما مذهب أرسطو والآخر ما يرجحه هو من أقوال.
قلت: هذا مذهب ابن سينا الفلسفي :
لقد أثرت الفلسفة في بعض المسلمين تأثيرا عميقا حتى خلعوا عقيدتهم وجعلوا القرآن و سنة نبيهم صلى الله عليه و سلم خلف ظهورهم،بل نسبوا له تصريحا أو ضمنا إما انه كان يجهل الحقائق المتعلقة بالعالم العلوي و بالباري سبحانه و تعالى وجعلوا الولي أعلى درجة منه كما هو مذهب الإشراقييين الفرس كالسهروردي أو انه كان يعلمها ولكنه لم يبلغها،أو مثلها بالرموز و الخيال فوجب تأويل أقواله ،ومثل هذه العقائد انتشرت ودخلت المتكلمين و المتصوفين على حد سواء، وفي هذا البحث كنت قد بينت لك بعض الأمثلة على ذلك و أن مرجع هذا الضلال كله فلسفة الإغريق ألبست عبارات عربية و مصطلحات إسلامية.
ومن عجيب تمرغ هؤلاء في الفلسفة و توغلهم في ضلالها ووثنيتها ما حكاه ابن أبي اصيبعة عن أبي الخير بن الخمار و أبي علي بن زرعة من أنهما ماتا حسرة بمقالة يحي بن عدي في الحجج المبطلة لكتاب القياس.
فماتوا غما من ضلال في ضلال ولم يموتوا لأنهما لم يفهما القرآن و هجروه و عادوه!
لقد نسج الرافضة و الباطنية و الفرس الشعوبيون هالة من المجد على ابن سينا وفلسفته حتى أضحى الفيلسوف في أمة الإسلام وكان لهم غرض من ذلك سياسي وعقدي و عرقي،فأرادوا أن يجعلوا الفلسفة في الإسلام صناعة الفرس وحدهم و أن تكون لهم الإمامة في الدين، فلما كان الكندي عربي النسب و الفارابي تركي النسب ركزوا التمجيد على ابن سينا لهذا السبب.
وقد علمنا أن فلسفة ابن سينا لم تبق في العالم الإسلامي إلا في إيران ،ولما كان هؤلاء جلهم شيعة بل كلهم ولا حض لهم في العلوم الدينية، فلا سند لهم في القرآن و إنما عمدتهم قراءات أهل السنة، ولا سنة عندهم أصلا لعدم علم الجرح و التعديل عندهم ،ولا عندهم روايات مسلسلة بالسند،ولا لهم خلفية في أصول الفقه غنما هي من العلوم الذي دخلتهم متأخرة جدا عن أهل السنة، وجدوا في ابن سينا ما يعوضهم عن ذلك لأنه يرجع كل ذلك إلى العقل و الفلسفة ولذلك لا تجد اهتمام الشيعة خاصة في هذه الأزمنة إلا الاستغراق في بيان فلسفته و شرحها.
أما أهل التحقيق فيعلمون انه كان عالة على الفارابي و الكندي و أنه لم يتجاوزهما في فلسفته قيد أنملة ولكن بسطها وشرحها فكان ممثلا لها مقلدا لمن سبقه، قال ابن سينا في باب الطبيعيات من "عيون الحكمة":"إن كل جسم طبيعي فهو متقوم الذات من جزأين:احدهما يقوم مقام الخشب من السرير و يقال له:هيولي ومادة، و الآخر يقوم به مقام صورة السرير و يسمى صورة".
هذا تقليد منه لفلاسفة الإغريق حتى في باب الأمثلة عجز عن الإتيان بأمثلة أخرى فعندما يقول أرسطو:إن الأعيان المفردة متكونة من هيولي أي مادة ومن صورة أي كيفية معينة و يضرب مثال بالخشب و انه الهيولي و السرير المصنوع منه هو الصورة
فالكندي هو من وضع القواعد لبناء فلسفة إسلامية تعالج إشكالية العقل والوحي،وجاء الفارابي بعده فتناول مشكلة التوفيق بين العقل و النقل،ثم جاء ابن سينا فوجد الطريق ممهدا و أسلوب التلفيق معدا فلذلك لم يكن إلا مفصلا و شارحا لمختصرات الفارابي.
يدلك على ذلك أن ابن سينا حكى عن نفسه انه قرأ كتاب"ما بعد الطبيعة" لأرسطو ما يقرب من أربعين مرة ولم يفهمه حتى وقف على كتاب الفارابي "شرح أغراض أرسطو في ما بعد الطبيعة".
غير انه عند مراجع فلسفته تبين انه بخلاف المشهور عنه لم يكن مشائيا محضا بل كان إشراقيا أفلاطونيا محدثا ، فلا يمكن لابن سينا أن يكون مشائيا محضا و مشارب فلسفته من الكندي و الفارابي، ففي رسائله الصوفية يظهر ميله الواضح لمذهب الاشراقي في إطاره الأفلاطوني المحدث،فالفارابي الذي يعد أكثر فلاسفة الإسلام فهما لفلسفة اليونان لم يتمكن من التحرر من الخليط الشنيع الذي ساقته الترجمات السريانية فكان هو ومن اتبعه على مذهب فلسفي أفلاطوني الجوهر و الباطن أرسطي المظهر،وفي هذا البحث كنا قد اشرنا إلى بعض المواضع التي تشير إلى انتساب ابن سينا إلى هذا المذهب فلا بأس بإيجازها مرة أخرى:
1 ـ فابن سينا يقول:فالحيوان الواحد لا يحصل واحدا، وقد تقدمه معنى الوحدة الذي به صار واحدا ولولاه لم يصح وجوده، فإذا هو الشرف الأبسط الأول، وهذه صورة العقل.
وعند الأفلاطونية المحدثة: كل ما استقر وجوده في العالم السفلي له في العالم العلوي مثال بسيط مجرد عن قشور المادة، مفارق للمادة قائم بنفسه،فهما عالمان متطابقان: عالم الحس و المشاهدة،وعالم العقل و اليقين أو المثل.
2 ـ ولو نظرنا في تعريف ابن سينا للشر كما في " إلهيات الشفاء" وهو قوله:إنه عدم كمال لتيقنا أنه كان على مذهب الأفلاطونية الحديثة ، لأن الشر ليس عندهم سوى ابتعاد الكائن عن العلة الأولى فيتناقص نوره فيتناقص خيره وكماله كما في نظرية الفيض و الصدور فالشر يقع في القدر بالعرض و سببه ضعف النور عندما يبتعد عن مصدره الأول فكلما اقتربنا منه علت مرتبة الوجود و ازداد الكمال،فالعالم صدر عن العلة الأولى بالتدريج وقالوا لم يكن من الممكن أن يبرز من العلة الأولى وهي الخير المحض إلا ما هو دونها في رتبة الخير، فمجرد بروز العالم وصدوره إلى الوجود هو في ذاته نقص في الخير و الكمال ومهما تباعدت الموجودات عن أصلها فقد ازدادت نقصا أي تباعدا عن الكمال وهو ما نسميه الشر وماهو في الحقيقة إلا عدم الكمال الواجب لكل نوع .
3 ـ قال البيروني في كتابه"تحقيق ما للهند من مقولة" قال بروقلس: التذكر و النسيان خاصان بالنفس الناطقة، و قد بان أنها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة و ذاهلة، إما عالمة : فعند مفارقتها البدن، و إما ذاهلة : فعند مقارنتها البدن، فإنها في المفارقة تكون في حيز العقل، فلذلك تكون عالمة، وفي المقارنة تنحط عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوة عليه.
ومن ذلك أخذ ابن سينا قصيدته في النفس:
هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع
4 ـ كتاب الحكمة المشرقية الذي لم يصل منه سوى كتاب المنطق، وقد زعم البعض انه كتاب في التصوف،ولكن السهروردي الإشراقي لا يسلم بوجود فلسفة مشرقية بمعنى إشراقية محضة عند ابن سينا و قال : إنه اطلع على كراريس للرئيس أبي علي بن سينا يزعم فيها انه ذكر طرفا من الحكمة المشرقية،ثم ينفي ذلك قائلا: لو كان هذا صحيحا لتضوع ريحها عليه" يقصد انه لو كان إشراقيا حقا لما كان ماجنا مائلا إلى اللهو و الملذات، ثم أورد حجة أخرى وهي كونه لم يشر إلى الأصل الخسرواني أي الفارسي وهو مصدر الحكمة المشرقية في نظر السهروردي.
فإن لم يكن ابن سينا إشراقيا الإشراق المحض فهذا نسلمه للسهروردي ولكنه كان إشراقيا الإشراق الأفلاطوني الحديث كما هو ظاهر من رسائله الصوفية و من الأجزاء الأخيرة من الإشارات وقد علمنا أن هذا النوع من الإشراق له ظاهر مشائي.
دور ابن سينا في تلبيس الفلسفة الإغريقية الالفاظ العربية:
قال القلقشندي في "صبح الأعشى"{264/1}:"قال أبو هلال العسكري رحمه الله: ومن عرف ترتيب المعاني واستعمل الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيأ له فيها من صنعه الكلام ما تهيأ له في الأولى. ألا ترى أن عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسي، وحولها إلى اللسان العربي. فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من تكمل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال.
قال في المثل الثائر: واعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان؛ غير أن الحصر كلي لا جزئي، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما يتفرع عليها من الفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم، ولا يفتقر إليه؛ فإن البدوي البادي راعي الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله، ومع هذا؛ فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعراً أو تكلم نثراً.
قال: ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكره لأبي علي بن سينا في الخطابة والشعر، وذكر ضرباً من ضروب الشعر اليوناني يقال له اللوغاذيا، وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي علي ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طول فيه وعرض كأنه يخاطب بعض اليونان، وكل هذا الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئاً، ثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال فيما صاغه من شعر أو كلام مسجوع عمله، وعند إفاضته في صوغ مصاغه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال، ولو أنه فكر أولاً في المقدمتين والنتيجة، ثم أتى بنظم أو نثر بعد ذلك، لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه.
قال: بل إن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم، لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع توضع وتطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال:
قعاقع ليس لها طائل ... كأنها شعر الأبيوردي"
لقد قام ابن سينا بمزج العناصر الفلسفية المتناقضة بين فلسفة أفلاطون و فلسفة أرسطو، بين فلسفة المثل الأفلاطونية و عناصر فلسفة أرسطو القائمة على ماهو بالقوة وماهو بالفعل،الهيولي و الصورة.
لقد تمكن ابن سينا بتعديل فلسفة أرسطو إلى حد الخروج عن مقالاته ليقربها إلى الإسلام فمزج بين الإسلام و الفلسفة في نمط أفلاطوني جديد لنظرية صدور المخلوقات جميعا عن الله تعالى و صاغها في المصطلح الأرسطي.
لقد اثبت العلم الحديث أن كل نوع من الكائنات يختلف عن نوعه،لأن لكل نوع أصل مستقل،وبهذا يتعذر وجود نوع الأنواع.
لقد قام ابن سينا باقتباس فلسفة اليونان و إفراغها في قوالب إسلامية مؤثرا بذلك على المتكلمين، فالأشاعرة تلقوا عنهم القول بالجزء الذي لا يتجزأ وهو المذهب الذري عند ديموقراطيس و المعتزلة اقتبسوا من أصحاب الرواق وهي فلسفة زينون الكيتوي،واقتبس أصحاب حكمة الإشراق الفارابي و ابن سينا من الحكماء الاسكندرانيين أصحاب أفلوطين وبرقليس وهم قدوتهم،وبهذا تعرف أن علم الكلام تأثربالفلاسفة المنتسبين للإسلام الذين حاولوا أسلمت فلسفة الإغريق بوضعها في قوالب الألفاظ الإسلامية .
ولذلك هم ـ المتكلمون ـ أكثر تناقضا في تعاطي أصولها و إن كانوا أقرب إلى الحق لأنهم أرادوا التوفيق بينهما.
ومما يدلك على أن علم الكلام نتاج التوفيق بين الفلسفة اليونانية و الإسلام انك لا تستطيع فهم حقيقة مقالات المتكلمين إلا بفهم مقالات الفلسفة اليونانية وهذا تجده عندما تجد أوهام الفلسفة اليونانية متكررة في علم الكلام فكل من لم يكن له إلمام بالفلسفة لا يستطيع فهم وتصور مقالات المتكلمين ولا تفسير تناقضهم و آخذهم بأصول متناقضة ومقاومة لبعضها البعض.
فهذا الذي دفع ابن تيمية إلى نقض الفلسفة فإنها أم الكلام عند المتأخرين ورأسه وبموتها يموت الكلام.

قال الكاتب:
أما تقويمه لمذهبهم في الإلهيات، فيرى ابن تيمية انه ليس في الطوائف المعروفين اجهل من هؤلاء، ولا ابعد عن العلم بالله منهم، ويضيف «نعم، لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد، وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها ذلك، لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية، ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ».
وابن تيمية يكفر اتباع أرسطو من «الإسلاميين» لمقالات كثيرة يقولون بها، منها: قدم العالم. ومنها: قولهم في النبوة، حيث ينقل عنهم أنهم يرون أن للنبوة ثلاث خصائص، وهي: أن تكون للنبي قوة حدسية وقوة تخييلية وقوة نفسية، مما يبطل كونها من عند الله. ومنها: إنكارهم لمعاد الأبدان، فينقل ابن تيمية عن فلاسفة الإسلام أنهم اختلفوا في معاد الأبدان والنفوس على أقوال: إنكار المعاد مطلقا أو إثبات معاد النفوس العالمة دون الجاهلة أو إثبات معاد النفوس جميعا دون الأبدان وذكر أن هذه الأقوال جميعا منقولة عن الفارابي، وان منهم من يقول بالتناسخ، وهنا ملاحظتان على ما ذكره ابن تيمية: فالفارابي لم يقل بنفي المعاد مطلقا، وأيضا اغفل ابن تيمية قول من قال بإثبات معاد الأبدان من الفلاسفة الإسلاميين، مثل الكندي وابن سينا في أحد قوليه.
وقد عرض ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه لنقد أرسطو، واتهمه بأنه من اجهل الناس برب العالمين، وبأنه ساحر ووزير لملك ساحر هو الاسكندر المقدوني، ويبدو أن سبب هذه الاتهامات وغيرها من ابن تيمية هو معرفته الناقصة بأرسطو، حيث لم يطلع على كتبه مباشرة، بل نقل مقالاته بواسطة كتب الملل والنحل، وما نقله فلاسفة الإسلام عن أرسطو.
وعرض ابن تيمية لنقد كثير من الفلاسفة الإسلاميين أتباع أرسطو مثل: ابن سينا وابن رشد ونصير الدين الطوسي وغيرهم.
والملاحظ على نقد ابن تيمية للفلاسفة المشائين اعتماده على الانتقاء فهو انتقائي ردوده من ردود الغزالي والشهرستاني عليهم ومن المتكلمين كالرازي والارموي وغيرهما ومن ردود بعضهم على بعض ولذا فردوده تكاد تخلو من الأصالة وتقتصر على «الترجيح» بين المختلفين، ولعل السبب في هذا هو أن دراسة ابن تيمية للفلسفة لم تكن دراسة مقصودة لذاتها، بل كانت دراسة هدفها الحجاج مع المخالفين.
قلت: هذا بينه شيخ الإسلام في كتبه خاصة في " الدرء" فهو ليس مقررا للفلسفة حتى يكتب في جميع مواضيعها ،وعليه تعرض فقط للمسائل التي لها علاقة بعقيدة الإسلام .
أما استفادة ابن تيمية من ردود بعضهم على بعض فهذا حق ومزية له تظهر موضوعيته و استفادته ممن سبقه، فلم يكن يعاني من مركب نقص كما هو عند بعضهم ممن يبغضونه ويرفضون ذكر اسمه حتى دفع ذلك بعض الكتاب و العلماء إلى نقل أقواله دون الإحالة عليه خوفا من الحاقدين، كما حصل للسيوطي، وابن أبي العز، و المعلمي و غيرهم.
قال في "الدرء": وقد تكلم في ذلك السهروردي المقتول صاحب التلويحات و حكمة الإشراق وغيرهما مع تألهه على طريقتهم ومع أنه في حكمة الإشراق سلك طريقا لم يقلد فيها المشائين بل بين فساد أقوالهم فيها في مواضع وكان كلامه في مواضع متعددة خيرا من كلامهم وإن كانت سمة الإلحاد تتناولهم كلهم.
فالمقصود بيان الحق وإذا كان بعضهم ينازع بعضا ويرد عليه وكان أحدهما أقرب إلى الحق في ذلك الموضع من الآخر كان بيان رد بعضهم على بعض بما قاله من الباطل مما يؤيد الله به الحق".
هذا هو قصد ابن تيمية ومنهجه العلمي الموضوعي المبني على الحقيقة العلمية و الإنصاف.
قال الكاتب:
أما القسم الثالث من الفلاسفة الذين تعرض لهم ابن تيمية، فهم: فلاسفة الصوفية، أي القائلون بوحدة الوجود، فقد اتهمهم ابن تيمية بأنهم لم يأخذوا مذهبهم من كلام العلماء والشيوخ المشهورين عند الأمة، الذين لهم لسان صدق، بل اخذوا عقيدتهم من الفلاسفة وأخرجوها في قالب المكاشفة.
وابن تيمية يكفر هؤلاء المتفلسفة من الصوفية، لمقالات يقولون بها، منها:
قولهم بوحدة الوجود، حيث يذكر ابن تيمية أنهم اخذوا قولهم هذا من الباطنية والقرامطة وأمثالهم. ومنها: قولهم بتفضيل الولي على النبي، وقولهم بان أصحاب النار يتنعمون فيها وقولهم بوحدة الأديان، إلا انه يبدو أن ابن تيمية لم يفهم جيدا مذهبهم في تفضيل الولي على النبي، فابن عربي وضح أن قول الصوفية بتفضيل الولي على النبي يريدون ذلك في شخص النبي، فالنبي من حيث هو ولي أفضل من حيث هو نبي، لا أن الولي التابع له أفضل منه.
قلت: عجيب أمر هذا الكاتب و تناقضه البشع،جعل للنبي صفتين: صفة النبوة و صفة الولاية، و صفة الولاية فيه أفضل من صفة النبوة، أي ما اكتسبه بعمله الذي يصير به وليا أفضل من اصطفاء الله له بالنبوة؟!
وهل هذا إلا تفضيل الولاية على النبوة؟!
ثم هذا مخالف المشهور عن أئمة المسلمين بان من الصوفية من جعل الولي أفضل من النبي قال ابن حجر في "الإصابة": وقد قال الثعلبي: هو نبي في سائر الأقوال وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقد يحل من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبياً لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي كما قال قائلهم:
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي"
وعليه،فتعليل الكاتب لكلام ابن عربي ضعيف وبعيد و مقالات ابن عربي الباطلة كثيرة جدا ليس هذا موضع استقصائها.
و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف المرسلين .
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرزيو/الجزائر في 11 رمضان1430
مختار الأخضر طيباوي