السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحد الدعاة المشهورين من أهل السنة طعن في صحة حديث صحيح في صحيح البخاري، ورأى تناقض بينه وبين آية في القرآن تتحدث عن السحر، حيث قال الداعية أن السحر بالقرآن ورد في موقعين هما:
سورة الإسراء آية 101 بسم الله الرحمن الرحيم نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً
سورة الفرقان آية 8 بسم الله الرحمن الرحيم أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً
وهنا دعا الداعية إلى أن من وضع الحديث في صحيح البخاري مذنب، ودعا إلى فلترة الأحاديث مرة أخرى من خلال برنامجه.
وهذا نص الحديث
115803 - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر ، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر ، إذا كان كذا ، فقال : يا عائشة ، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه ، أتاني رجلان ، فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسي للآخر : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب ، قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن أعصم - رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقا - قال : وفيم ؟ قال : في مشط ومشاقة ، قال : وأين ؟ قال : في جف طلعة ذكر ، تحت رعوفة في بئر ذروان . قالت : فأتى النبي صلى الله عليه وسلم البئر حتى استخرجه ، فقال : هذه البئر التي أريتها ، وكأن ماءها نقاعة الحناء ، وكأن نخلها رؤوس الشياطين . قال : فاستخرج ، قالت : فقلت : أفلا ؟ - أي تنشرت - فقال : أما والله فقد شفاني الله ، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا . الراوي: عائشة المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 5765 - خلاصة الدرجة: [صحيح]
وعليه الرسول صلى الله وسلم عليه معصوم من السحر بدليل القرآن، حيث أنه نعت من يقول ذلك بالظالم
يرجى التكرم بالتوجيه والإرشاد، حيث بدأ البعض في الدخول في دوامة، فنحن نعلم أن أصح كتاب بعد كتاب الله هو صحيح البخاري، فكيف يطعن في أحد الأحاديث فيه، ويتهم من وضعه بأنه مذنب؟؟!!! هل نتوقف عن السماع له، هل نحذر منه، أم نعتبر ذلك حسن نية.....
جزاكم الله خيراُ




الجواب


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا .

مَن يزعم أن في الصحيحين حديثا ضعيفا فهو المذنِب ! وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم .
ومن دَعا إلى ما أسماه " فلترة الصحيحين " فهو بحاجة إلى دِرّة عمر رضي الله عنه !
وقوله هذا ليس اتِّهامًا للبخاري ومسلم فحسب ، بل اتّهام للأمة جمعاء التي تلقّت الصحيحين بالقَبول طيلة عمر الأمة من زمن الصحابة الذين كانوا يروون مثل هذا الحديث إلى زماننا هذا .

وأما قوله : الرسول صلى الله وسلم عليه معصوم من السحر بدليل القرآن، حيث أنه نعت من يقول ذلك بالظالم ، فهذا جَهْل مِنه ؛ لِعِدّة اعتبارات :
الأول : أن الآيات مكية ، والسحر وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة .
قال تعالى : نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا .
قال ابن جرير : وعنى فيما ذُكِر بالنجوى : الذين تشاوروا في أمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار النَّدوة .


الثاني : أن الذين وِصفوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور هم المشركون ، وهم كما وصفوه بأنه مسحور ، وصفوه بأنه ساحر ، ووصَفُوه بذلك لأنهم زعموا أنه يُفرِّق بين الرجل وزوجه ، وبين الأخ وأخيه ! فهم وصفوا القرآن بهذا أكثر مما وصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم .
فإذا أثبتنا أن الإسلام يُفرِّق بين المؤمن والكافر ، فهل يُمكن أن يُقال : إن هذا سِحْر ؟! وبالتالي يأتي من يُنكر الولاء والبراء لئلا يَصْدُق على النبي صلى الله عليه وسلم ما وَصَفه به أولئك الكفار !

الثالث : أن المراد بقول الكفار : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا بسبب القرآن الذي جاء به .
قال ابن كثير : إنما أرادوا هاهنا أنه مَسحور له رَئيّ يأتيه بما استمعوه مِن الكلام الذي يَتْلُوه . اهـ .
فعلى هذا قولهم عن النبي صلى الله عليه وسلم : مسحور يُشبه قولهم عنه : ساحر .
قال قتادة : كانوا يستمعون من النبي صلى عليه وسلم القرآن ، ثم يَنْفرون فيقولون : هو ساحر ومسحور ، كما أخبر الله تعالى به عنهم . اهـ .
ومع ذلك فهم إنما قالوا ما قالوه لتنفير الناس عنه عليه الصلاة والسلام ، وإلاّ فإنهم قد أيقنوا صِدقه عليه الصلاة والسلام ، ودلائل ذلك كثيرة .

الرابع : أن السحر لم يكن له تأثير على البلاغ ، بل كما وصفت عائشة رضي الله عنها : حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخَيّل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله . رواه البخاري ومسلم .

الخامس : ذهب بعض أهل اللغة إلى أن معنى : مسحورا أي : له سَحَر ، فهو يأكل الطعام مثلكم ! قاله أبو عُبيدة .
وهذا القول له وَجْه مِن الصِّحَّة ؛ لأن في الآيات قبلها في " سورة الفرقان " فيها ما يُؤيِّد هذا القول .
قال تعالى : وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا 7 أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ، ثم قال تعالى : وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا .
فعلى هذا القول – الذي رجّحه ابن جرير في تفسير آية الإسراء – لا علاقة للآية بالسِّحر !


وسبق :
هل سُحر النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وهل وُضع له السمّ ؟

http://www.almanhaj.net/vb/showthread.php?t=16008

وسبق :
سحر الرسول صلى الله عليه وسلم، عن السحر والتحصن بالأذكار والأدعية

http://www.almanhaj.net/vb/showthread.php?t=16007

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ/ عبدالرحمن السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد