الجزء الأوَّل
السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُهفإنَّ حديثَنا في هذه اللَّيلةِ متَّصلٌ بأحاديثَ سابقةٍ تكلَّمنا فيها عن آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحبهِ ، ثم انطلقنا إلى تراجم أهلِ البيتِ وأصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وبدأنا بسيرةِ الصِّدِّيقِ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنه وأرضاه ، وفي هذه اللَّيلةِ نأخذُ سيرةَ رجلٍ منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، بل نأخذُ سيرةَ أفضل أهلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعد رسولِ الله صلواتُ ربي وسلامُه عليه .إنَّ حديثَنا عن العالِم الرَّبَّاني .. إنَّ حديثَنا عن الزَّاهد .. إنَّ حديثَنا عن العالِم الإمام
وذلك أنَّ أبا طالب قد أحسنَ إلى النبيِّ صلََّى الله عليه وسلَّم ؛ إذْ ربَّاه في صغره ، كما هو معلوم أنَّ والدَ النبيِّ عبد الله تُوُفِّيَ والنبيُّ حملٌ في بطنِ أمِّه فولدَ يتيماً صلَّى الله عليه وسلَّم ، فاعتنتْ به أمُّه ، وفي السَّادسةِ منْ عُمُرهِ تُوُفِّيَتْ أمُّه صلواتُ ربي وسلامُه عليه ، فاعتنى به جدُّه عبد المطَّلب ، ولما بلغَ الثَّامنةَ منْ عُمُرهِ تُوُفِّيَ عبدُ المطَّلب ، فكفلَه عمُّه أبو طالب ، فنشأ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في كَنَفِ عمِّه أبي طالب حتى بلغَ سِنَّ الرِّجالِ .وفي يومٍ منَ الأيام جلسَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع عمِّه العبَّاسفقالَ :له يا عمّ ، أنتَ ترى حالةَ أبي طالب .- حيثُ إنَّ أبا طالب كانَ فقيراً -قالَ :أنتَ ترى حالةَ أبي طالب ، فما رأيك أنْ نعرضَ عليه أنْ نأخذَ بعضَ ولدهِ نكفيهِ مُؤْنتهم ؟؟فقالَ العبَّاس : نِعْمَ الرَّأيُ .فقالا له : أعطِنا بعضَ ولدكَ نكفلُه لكَ ونكفيك مُؤْنته .فسكتَ أبو طالب قليلاً ثم قالَ : إنْ تركتم لي عقيلاً فخذوا مَنْ شئتم .المهمّ دعوا عقيلاً .فقالَ العبَّاس : فإني آخذٌ جعفراً .وقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : فإني آخذٌ عليّاً .عندما بلغَ عليٌّ الثَّامنةَ منْ عُمرهِ وقيلَ العاشرةَ منْ عُمرهِ بُعِثَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .. لما بُعِثَ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه عرضَ الإسلامَ على النَّاسِ يدعوهم إلى الله تباركَ وتعالى وكانَ عَرْضُهُ مقتصراً على الخاصَّة ، وهذه الفترةُ تسمَّى فترة النبَّوة قبلَ فترةِ الرِّسالةِ ، فصارَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعرضُ الإسلامَ على الخاصَّة .
جاءَه النبيُّ وقالَ :يا عليُّ ، أعرضُ عليك هذا الإسلامَ و لكنْ لا تستعجلْ حتى تستشير أباك .ولذلك يُقال عن عليّ هو أوَّل مَنْ أسلمَ منَ الصِّبيان ( يعني منَ الصِّغار الذين لم يبلغوا الحلم ) .ثم أسلمَ أبو بكر فكانَ أوَّل مَنْ أسلمَ منَ الرِّجالِ .وأسلمَ زيد بنُ حارثة وكانَ أوَّل مَنْ أسلمَ منَ الموالي .وأسلمَ بلال بنُ رباح فكانَ أوَّل مَنْ أسلمَ منَ العبيد .فكانَ هؤلاء الخمسة " خديجة و أبو بكر وعليّ وبلال و زيد " هؤلاء أوَّل مَنْ أسلمَ وتابعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
وكانَ عليٌّ في ذلك الوقتِ قد ناهزَ الواحد والعشرين منْ عُمرهِ ؛ فناداه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمفقالَ : الصُّحبة يا رسولَ الله ؟؟أصاحبُك في الهجرة ؟؟قالَ :لا .. ولكنْ هذه أماناتُ قريش تردُّها إليهم .قالَ : " تبقى أنتَ حتى تردّ الأمانات إلى أهلها ".*- هذه الأولى ..
*- والثانية ..قالَ : " يا عليّ ، إني مهاجرٌ ليلاً وهم قد أرادوا قتلي ؛ فأريدُك أنْ تنامَ في فِراشي حتى يظنّ القومُ أني في الفِراش وأخرج ليلا ".قالَ : أفعلُ .وخرجَ النبيُّ مهاجراً صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، وظلَّ عليٌّ رضيَ الله عنه في فِراشهِ ، فكانوا كلَّما نظروا منْ كُوَّة البابِ وجدوا مَنْ يظنُّون أنه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وظلُّوا كذلك حتى قطعَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم شوطاً في رحلتهِ ، فلمَّا أصبحَ النَّاسُ دخلوا عليه يريدون قتلَه و إذا هو عليّ بن أبي طالب !!قالوا : أين صاحبُك ؟؟!!قالَ : لا أدري .هاجرَ عليٌّ .. وصلَ المدينةَ .
وفي السَّنةِ الثَّانيةِ منَ الهجرةِ ناداه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وزوَّجه ابنتَه فاطمةَ .تزوَّج عليٌّ سيِّدةَ نساءِ العالمين .. تزوَّج بنتَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأكرمَ الله هذه الأسرةَ المباركةَ بأربعةِ أولادٍ ؛ ذكرين و أنثيين " الحسن ثم الحسين ثم أم كلثوم ثم زينب " أربعة أولاد أنجبتهم فاطمةُ لعليّ رضيَ الله تباركَ وتعالى عنهما ، واستمرَّ هذا الزَّواجُ المباركُ زواج عليّ منْ فاطمة .قالَ :ما أسميتموه ؟؟فقالَ عليٌّ : أسميتُه أسداً .فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم :بل هو حسن .وفي روايةٍ أنه قالَ : أسميتُه حربا .فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم :بل هو حسن .لا أسد ولا حرب ، حسن .. فسمَّاه النبيُّ حسناً .فقالتْ : أسد .فلمَّا جاءَ أبو طالب قالَ : أين ولدي ؟؟قالتْ : هذا ولدُك .قالتْ : سمَّيته.قالَ : وماذا أسميتهِ ؟؟قالتْ : أسداً على اسم أبي .قالَ : بل هو عليّ .أنا الذي سمَّتني أمي حيدرةيعني : أسد ..حيدرة هو الأسدفالشَّاهدُ منْ هذا فسمَّاه النبيُّ حسناً ، فلما ولدتْ فاطمةُ الحسين جاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عليّقالَ :ما أسميتَه ؟قالَ : أسد .وفي رواية : حرب .فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم : " لا ، بل هو حسين " .فسمَّاه حسيناً صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .فهذان الحسن والحسين هما أوَّل حفيدين أو سِبطين للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم منِ ابنتهِ فاطمة ، وذلك أنَّ زينبَ تزوَّجها أبو العاص بنُ الربيع لكنْ لم تُنجبْ له إلا متأخِّرة ، وكذلك رقيَّة تزوَّجها عثمانُ فلم تُنجبْ له ، ثم تزوَّج بعدها أمَّ كلثوم في السَّنةِ الثَّالثةِ منَ الهجرةِ أو في آخر السَّنةِ الثَّانيةِ منَ الهجرةِ فأنجبتْ له ولداً وماتَ .عاشَ عليٌّ رضيَ الله عنه مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم العشر سنوات التي كانتْ في المدينةِ ، خلالَ هذه الفترةِ وهي العشر سنوات وقعتْ أحداثٌ كثيرةٌ جداً ظهرَ فيها فضلُ عليٍّ رضيَ الله عنه ومكانته عند النبيِّ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .
*- فضائل خاصَّة به .*- فضائل مشتركة مع آلِ البيتِ .فالعبَّاسُ عمُّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو أقربُ منْ عليّ ، عليّ ابنُ عمِّه هو وجعفر وعبد الله بن العبَّاس والفضل بن العبَّاس هؤلاء في درجةٍ واحدةٍ منْ حيثُ القرابة مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ يلتقون مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في عبد المطَّلب ، أقرب منه فاطمة حيث إنها بِنتُه مع زينب و أمّ كلثوم ورقية ، أقرب منه الحسن والحسين حيثُ إنهما سِبطا النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .مكانتُه عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومكانةُ النبيِّ عندهحدثتْ حادثةٌ ..وبما أنه قالَ النبيُّ لعليّ :اكتبْ باسم الله الرَّحمن الرَّحيم .( يكتبون الآن الصُّلح )فقالَ سهيل : أعترضُ ، اكتبْ كما كانَ يكتبُ آباؤك باسمك اللهمَّ ، لا نعرفُ الرَّحمن الرَّحيم .النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يريدُ أنْ يتمَّ هذا الصُّلْحُ حتى يتوقَّف نزيفُ الدِّماءِ .فقالَ : اكتبْ باسمك اللهمَّ .فكتبَ باسمكَ اللهمَّ .فقالَ سهيل بن عمرو : أعترض .قالَ :تعترضُ على ماذا ؟لأنَّ سهيلاً كانَ كافراً في ذلك الوقتِ ، لم يُسلمْ بعدُ ، هو أسلمَ بعد ذلك ، ولكنْ في هذه المرحلةِ لم يكنْ قد أسلمَ .فقالَ : اكتبْ اسمَك واسمَ أبيك ولا تكتبْ رسولَ الله .فقالَ : لا أمحوها ...قالَ : لا أمحوها ..فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم :امحُها..قالَ : لا أمحوها ..قالَ : لا أمحوها ..والنبيُّ صلواتُ ربِّي عليه أمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتبُ ولا يدري أيُّها رسول الله في المكتوب .فقالَ : يا عليّ ، ضعْ يدي عليها .أين هي رسول الله في هذا الكلام الذي كتبتَه ؟؟أين كلمةُ رسول الله ؟؟يقولُ له :امحُهاوهو يقولُ : لا أمحوها .*- فضائل خاصَّة ..
هذه الفضائل الخاصَّة لها أمثلة كثيرة ولكنْ لا يسعُ المجالُ لذكرِها كلِّها وإنما سنختارُ :فلمَّا صلَّى النبيُّ الغداةَ ، أي الفجر .. أصبحَ كلُّ واحدٍ منَ الصَّحابةِ يُبرزُ نفسَه ، يريدُ أنْ يقولَ أنا هنا ، لعلِّي أنا المقصود .فصارَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينظرُ في وجوه الصَّحابةِ ، كلُّ واحدٍ يُبرزُ نفسَه يقولُ أنا .حتى قالَ عمرُ : والله ما تمنَّيتُ الإمارةَ إلا في ذلك اليومما أرى عليّاً بين النَّاسِ ؟؟؟!!ما صلَّى معنا الفجر ؟؟!!أين عليّ ؟؟!!فقالوا : يشكو عينيه ، وذلك أنه قد أصابَه رمدٌ في عينيه .فقالَ :عَلَيَّ به .نادُوه ...فأتي بعليّ .وهذه خيبر بعد صُلْح الحديبية بشهرين فقط .. في محرَّم ، وصُلْح الحديبية كانَ في ذي القعدة ، في بداية السَّنةِ السَّابعةِ كانَ فتحُ خيبر ، و في آخر السَّنةِ السَّادسةِ كانَ صُلْح الحديبية .قالَ صلَّى الله عليه وسلَّم : عَلَيَّ بعليّ .فأخذَ عليٌّ الرَّايةَ فَرِحاً بها بعد أنْ بُلِّغَ بما قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم .فأخذَ الرَّايةَ .. فقالَ : يا رسولَ الله ، والله لأقاتلنَّهم حتى يَكونوا مِثلَنا.حُمُر النَّعَم هي الإبل الحمراء ، وكانتْ عزيزةً على العربِ في ذلك الوقتِ .أمَّا ماذا حدثَ في خيبر .. فهذا نُؤجِّلُه إلى حديثنا عن شجاعةِ عليّ رضيَ الله عنه وأرضاه .. المهم نريدُ الآنَ هنا مكانته عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وشهادة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم له بأنه يحبُّ الله ورسولَه ويحبُّه الله ورسولُه .
وخرجَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تبوك ، فتكلَّم بعضُ المنافقين وقالوا ما تركَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليّاً إلا استثقالاً له.. يعني لا يريدُه معه .. مستثقله ، فبلغَ الكلامُ عليّاً رضيَ الله عنه فتضايقَ أنْ يقالَ له مثل هذا الكلام فتبعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى خارج المدينة .لأنَّ هذا الجيشَ عسكرَ خارجَ المدينة ينتظرون المتأخِّرين حتى ينطلقوا ، فلحقَهم عليٌّ إلى خارج المدينة ، فأدركَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمقالَ : يا رسولَ الله ، تتركُني مع النِّساء والصِّبية ؟؟!!يعني وأنا الفارسُ المغوار الشُّجاع المقاتل الحريص .. تتركُني مع النِّساء والصِّبية ؟؟!!!أي إنَّ موسى صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه لما خرجَ إلى ميقاتِ ربِّه أبقى هارون أخاه ، ولم يكنْ في إبقائهِ لهارون منقصة على هارون صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه .. وكذلك أنا عندما أبقيك يا عليّ ليس في هذا منقصة عليك ، ولكنِ انتبه لا نبيَّ بعدي .لأنه قد يظنُّ البعضُ أنَّ النبيَّ إذا تركَ عليّاً وشبَّه تركَه له كتركِ موسى لهارون قد يظنُّ بعضُ الغُلاةِ أنَّ عليّاً نبيٌّ كما أنَّ هارون نبيٌّ .. فنبَّه النبيُّ إلى هذا صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه ، قالَ : " إلا أنه لا نبيَّ بعدي "وفي هذا يقولُ سعد بن أبي وقَّاص : ما أزالُ أحبُّ عليّاً رضيَ الله عنه لثلاثٍ سمعتهنَّ منْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وذكرَ منها لما أعطى الرَّايةَ في خيبر قالَ النبيُّ : " لأعطينَّ الرَّايةَ غداً رجلاً يحبُّ الله ورسولَه ويحبُّه الله ورسولُه " ، وذكرَ منها أنه لما خرجَ إلى تبوك قالَ لعليّ : " يا عليّ ، ألا ترضى أنْ تكونَ مني بمنزلةِ هارون منْ موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي " .المصدر: شبكة المنهجugd~ fk Hfd 'hgf vqdQ hggi uki ,hvqhi L tqdgm hgado uelhk hgolds pt/i










رد مع اقتباس

